Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 89
كانت بُقَعٌ مُغبَرّةٌ من العَفَن اليابس تُنقِّط جسدَ العنكبوت العملاق الذابلَ الجِلديّ. خمسٌ من عيونه الثماني كانت مُتحلّلةً أو مفقودة، غير أنّ نقطةَ ضوءٍ بنفسجيّةً كانت تتلألأ في كلٍّ منها. استدار في صمتٍ يكاد يكون تامّاً على أرجله الثماني ليواجه بوته، ورفع ساقَيه الأماميّتين مُهدِّداً. وإن كان قد أصدر صوتاً، فإنّ آل لم يستطع سماعَه فوق الأنينِ المُعذَّبِ للزومبي في زاوية الغرفة، وهو يتقوقع هارباً من هَولِ وجوده ذاته.
سقط شكلٌ آخر إلى مَرمى البصر من مكانٍ ما في الأعلى، خلف العنكبوت. ارتطم جسدٌ ثانٍ كان بشرانيّاً ذات يومٍ بالأرض. وانضمّ أنينُه المذعور إلى أنين الأوّل وهو يترنّح ليلحق برفيقه الميّت في الزاوية.
اندفع غرَنتِل إلى الغرفة قبل أن يتمكّن آل من قول شيء، لكنّه ارتاح إذ رأى أنّ الغُنول قد لبّى طلبَ آل، فتفادى إحدى الساقَين المرفوعتين منزلِقاً تحتها ليهشّم مِخبَطَه في الساق التي خلفها. تشقّقت القشرةُ الكيتينيّةُ المُتعفّنةُ لساق العنكبوت وانثنت، يَنِزّ منها صديدٌ بنفسجيٌّ مُتوهِّج، بينما أطلق الغُنول ضحكةً نُباحيّةً مكتومةً من فرحة العُنف.
رأى آل خِنجرَ ويكووكِت اللامعَ يَنطَعِن خارجاً من النسيج العنكبوتيّ الذي حُوصِرَت تحته وهي تشرع في نَشرِ نفسها حُرّةً، فتركها ومضى لينضمّ إلى القتال. رفع بورغاتيو بيدٍ واحدة، وأبقى يسراه طليقةً ليكون له يدٌ أخرى للسحر الدفاعيّ إن احتاج إليه. وعلى غِرار غرَنتِل، ركض تحت الساق الأماميّة المرفوعة الأخرى وضرب الساقَ التي خلفها في جانبه. أصاب بورغاتيو هدفَه في ومضةٍ من ضوءٍ فضّيّ إذ عضّ في الهيكل الخارجيّ وشقّه، فبتر النصفَ الأسفل من الساق. تجاهل العنكبوتُ الجريحُ مهاجمَيه واندفع من بينهما نحو المدخل. تعثّر في حَرَجٍ وهو يحاول استعمال أرجله المكسورة والمفقودة، لكنّه لم يَلِن وهو ينقضّ على بوته بالستّ الباقية.
استنجد القزمُ بالإلهيّ طلباً للهداية والحماية لهم جميعاً بينما العنكبوتُ يندفع داخلاً، وثّاباً ليَعَضّ. رفع بوته مطرقتَهم دفاعاً، لكنّ العنكبوتَ بحجم الحصان أزاحها جانباً بساقٍ أماميّة. زأر بوته غاضباً وأنيابُ العنكبوت تخترق المعدنَ المُتآكِل من درع الصدر وتنغرز في صدر بوته. تدبّر بوته أمرَ الإفلات من الأنياب. كانت تُقطِّر على الأرض السائلَ غيرَ الطبيعيّ ذاتَه الذي كان يَنِزّ من جراحه. كان آل وغرَنتِل كلاهما يستديران لمطاردة العنكبوت حين ارتطم شيءٌ بالأرض خلفهما. تجلّى سِحرُ آل الواقي المُستحضَرُ على عَجَلٍ في الوقت المناسب تماماً ليوقف الضربةَ الطائشةَ من الرجل الميّت الغاضب قبل أن تتهشّم قبضةٌ كالجلد المُقسّى في وجهه. وأظهر له ضوءُ مشعل آل، الذي حمله إلى الغرفة الخادمُ الروحيُّ الخفيُّ غيرَ عابئ، وجهَ رجلٍ ميّتٍ منذ زمنٍ بعيد، ذاوياً مُجفَّفاً مُشوَّهاً في غضبٍ أخرق. كان المُعتدي يرتدي أسمالاً من حرير العنكبوت مُسدَلةً فوق ما كان على الأرجح طَقمَ ثيابٍ حَسَنَ الحياكة ذات يوم. وكالآخرين، كان الوهجُ البنفسجيُّ الشاحبُ في عينيه هناك يُراقبه.
لم يَسُرَّ آلَ أن حركةً في طرف بصره لفتت انتباهَه إلى شكلٍ شاحبٍ واحدٍ على الأقلّ بحجم الإنسان يتلوّى في الشِّباك على السقف، لكن لم يكن لديه وقتٌ لإمعان النظر. انطلق مِخبَطُ غرَنتِل وتهشّم في جانب رأس الزومبي بصوت سَحْق عالٍ ورَذاذٍ من الأسنان. اغتنم آل فرصةَ الإلهاء ليدفع سِنَّ بورغاتيو بين أضلاع الزومبي، تحت ثَقبَين اثنين في سُترة الرجل الميّت بقليل، كما لاحظ آل. انزلق السيفُ داخلاً مع ومضةٍ فضّيّةٍ أخرى من الضوء وصوتِ أزيزٍ خفيف، فتهاوى الزومبي وأنّ غاضباً في عذابه.
انتشلت ويكووكِت نفسَها من النسيج العنكبوتيّ المقطوع. كان العنكبوتُ الميّتُ الحيُّ الضخمُ واقفاً فوقها يقاتل بوته، فصوّبت طعنةً بعَضّاضة سو إلى أعلى، حيث تتّصل إحدى الساقَين الأماميّتين بالشيء غير الطبيعيّ. عضّ النصلُ الموسومُ بالعنكبوت بمهارةٍ في العنكبوت الموسوم بالموت. تقطّر البنفسجيُّ الشاحبُ من المِفصَل وهي تُخرِج السيفَ الرفيعَ رافعةً إيّاه، ثمّ وثبت ويكووكِت إلى أعلى لتطعن مِفصَلَ الساق الأماميّة الأخرى بخِنجرها، دافعةً إيّاه في القشرة الكيتينيّة وقاطعةً ما عساه بقي من لحمه. وبأرجله الأماميّة الأربع مكسورةً مُعطَّلة، هوى مُقدَّمُ العنكبوت الميّتِ القَلِقِ نحو ويكووكِت، التي نجت بالكاد من أن تُخوزَق بأنياب العنكبوت وهي تغوص وتتدحرج خارجةً لتقف بجانب بوته. وبدعاءِ شُكرٍ قصيرٍ على التفات الألوهيّة المُواتي، هرع بوته إلى جانب العنكبوت المُقعَد ليهوي بمطرقتهم على إحدى أرجله السليمة التي كانت تخربش بلا جدوى بينما يحاول العنكبوت أن يستدير لمواجهته. تشقّقت القشرةُ الكيتينيّةُ كساق سرطانٍ مطبوخةٍ وهي تُسحَق بين المطرقة والأرض.
كان آل أشغلَ من أن يرى شيئاً من ذلك، منهمكاً في قتال جُثّةٍ غاضبة. كان بورغاتيو قد انغرز وامضاً بالنور الإلهيّ بين الأضلاع وفي الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه قلب، فباغتَته على نحوٍ مُزعِجٍ القبضةُ التي ارتطمت بجانب رأسه. ومن خلال انفجارات الألم المُتلألئة في بصره وهو يترنّح إلى الخلف، رأى آل مِخبَطَ غرَنتِل يتأرجح فوقه ثمّ ينزل، مُهشِّماً بقوّةٍ أضلاعَ الزومبي المُتحلِّلة، وبقوّةٍ كافيةٍ لِقَصمِ الفقرات خلفها. انطوى الرجلُ الميّتُ على نحوٍ غير طبيعيٍّ إلى الأرض بينما ارتدّ غرَنتِل من ضربته ليندفع راجعاً إلى العنكبوت ويغرز أنيابَه في إحدى الأرجل التي ما زالت تُصارع. اختلس آل نظرةً عابرةً إلى الزومبيَّين النائحَين بصخبٍ المُختبئَين في الزاوية، وإلى الشكل الذي ما زال يتلوّى في الشِّباك على السقف. كان الاثنان في الزاوية ما زالا مُوَلِّيَين وجهَيهما، يضغطان نفسَيهما على الجدار في بَلادةٍ كأنّما يأملان يائسَين أن يهربا عَبْرَه. أمّا الشيءُ على السقف، فقد رآه آل أخيراً مُلتفّاً في شرنقةٍ كثيفةٍ من الحرير ويبدو أنّه يجد عناءً في الخروج منها. وإذ اطمأنّ إلى أنّه لن يكون تهديداً فوريّاً، استدار آل ليُعين الآخرين على العنكبوت، لكنّه شعر بشيءٍ يرتطم بظهره ارتطاماً مُوجِعاً. أمسك آل بورغاتيو بكلتا يديه في ومضةِ غضبٍ واستدار ليرى الزومبي المُهشَّمَ مكسورَ الظهر ما زال يأبى أن يموت. كان جِذعُه الأعلى يترنّح في جنونٍ وهو ينهض ويستدير ليُرسل قبضتَيه نحوه.
«مُتْ وحسب!» صرخ آل فيه، مُلوِّحاً بـبورغاتيو بأقصى ما استطاع وشاطراً بعمقٍ إلى أسفل بين عنق الزومبي وكتفه. ومض السيفُ مرّةً أخرى بالنور الإلهيّ وانهارت الجُثّةُ إلى الأرض. «مُتْ! مُتْ! مُتْ!» صاح آل فيه وهو يهوي بضرباتٍ أُخَرَ في الجسد. وأفاق آل من لحظة غضبه على هُتافِ اثنَين من رفاقه خلفه، وصوتِ تهوّعٍ وسُعالٍ وحشيٍّ من الغُنول. تراجع مبتعداً عن الزومبي الذي بدا فعلاً ميّتاً، مُراقباً بحذرٍ الاثنَين الباقيَين في الزاوية والشيءَ على السقف.
كان العنكبوتُ الميّتُ الحيُّ العملاقُ ما زال يختلج. كانت أنيابُه تتقبّض بلا طائل، ومفاصلُ أرجله المكسورة العليا تتشنّج بتقطّعٍ وهو يواصل محاولةَ الحركة. تهوّع غرَنتِل وسعل بُصاقاً كريهاً من اللُّعاب والمُخاط وصديدٍ بنفسجيٍّ خفيفِ التوهّج على الأرض.
«مَذاقُهُ ثَيِّئ،» أعلن ولسانُه مُتدلٍّ من فمه، مُخطَّطاً بالوهج البنفسجيّ الخافت. «فمي مُخَدَّر. أقتُلُ أُلائك؟»
أشار غرَنتِل إلى الزومبيَّين اللذَين ما زالا يتحاشيانهم في الطرف البعيد من الغرفة.
«سنحتاج إلى ذلك على الأرجح،» أجاب بوته سريعاً، «فلن يظلّوا خائفين منّا إلى ما لا نهاية. هل ما زلتَ قادراً على القتال؟»
هَمهَمَ غرَنتِل وقد تقطّب جبينُه حَيرةً. ولِمَ لا أكون؟، فسّر آل لنفسه.
«انتبهوا إلى الأعلى، ما زال هناك شيءٌ مشدودٌ في الشِّباك على السقف،» قال آل مُشيراً. «وكونوا حَذِرين، فهم يأبَون أن يموتوا كما ينبغي. كيف نفعل هذا؟ أنركّز على التأكّد من موت أحدهم موتاً صحيحاً قبل التعامل مع الآخر، أم نحاول الاثنَين في الوقت نفسه؟»
وإذ صارت لديه لحظاتٌ يلتقط فيها أنفاسَه، أُتيح لآل أخيراً أن يتفقّد الغرفة. كان السقفُ المعقودُ مُغطّىً بالكامل بالشِّباك الكثيفة، لكن ليس بالقدر ذاته عند مستوى الأرض. كان ثمّة سريرٌ قديمٌ مُغبَرٌّ في إحدى الزوايا، وخِزانةُ ثيابٍ في منتصف الجدار المقابل، وبينهما مِكنسةٌ وبضعةُ دِلاءٍ ومِمسحةٌ قماشيّةٌ مُتعفّنة.
«أتصوّر أنّه من الأفضل تجنّبُ إغراق الغرفة بالنيران، أليس كذلك؟» اقترح بوته. ولم يسع آل إلّا الموافقة.
«أجل، على الأرجح. حسناً، لنبدأ بأحدهم ونرَ كيف يتصرّف. يبدو أنّ سيفَ داريوس لا يُحبّ الموتى القَلِقين، فسأستعمله.»
«لا،» صحّحت ويكووكِت بإصرار، «إنّه سيفُكَ أنتَ الآن، يا بطل السيف السحريّ آل!»
لم يملك آل إلّا أن يتوسّل إلى السقف مازحاً طلباً للرحمة، لكنّ ذلك لم يفعل سوى أن ذكّره بأنّ ثمّة على الأرجح واحداً آخر من الموتى الغاضبين داخل الشرنقة هناك في الأعلى. قبض على بورغاتيو وأعاد انتباهَه إلى الزومبيَّين الطليقَين. واصطفّ الآخرون معه.
«سألعنُ ذاك ذا السُّترة الجلديّة على انتهاكه النظامَ الطبيعيّ. لستُ على يقينٍ إن كان هذا سيزيده رُعباً أم يُغضِبه، فكونوا مُستعدّين،» اقترح بوته. وأومأ الجميعُ إيماءةَ موافقة، إلّا غرَنتِل الذي هَمهَمَ وابتسم كاشراً. تلا بوته دعاءَ لَعْنٍ قصيراً، فانقضّ نورٌ مُقدَّسٌ من فوق يحرق لحمَ الزومبي. زأر غاضباً واستدار إليهم وقد نُسِيَ هَولُه. وعلى الإشارة، تحرّكت بقيّةُ الرِّفقة لاعتراضه. تهشّم مِخبَطُ غرَنتِل بإحكامٍ في وجهه، فقذف رأسَه إلى الخلف وعنقَه معه على الأرجح. وبينما ارتدّ الرأسُ إلى الأمام، أرسل تفادي ويكووكِت من خلف الغُنول ووثبتُها للهجوم سِنَّ عَضّاضة سو مباشرةً في مَحجِر عين، وحملها زَخَمُها إلى الأمام لتغرز خِنجرَها في عنقه.
هذان الاثنان خَطِرانِ معاً، فكّر آل في نفسه. لاحظ الوهجَ في عين الزومبي الباقية ينطفئ ثمّ يتّقد من جديدٍ وهو ينهار، فاندفع إلى الأمام ودفع بورغاتيو في جِذعه. ومض النورُ الإلهيُّ على طول النصل وانطفأ الوهجُ في عين الزومبي مرّةً أخرى. تفقّد آل السقفَ ثانيةً مُطمئِناً نفسَه إلى أنّ الذي في الأعلى ما زال محبوساً. وكانت أنّاتُ الزومبي الطليق الأخير قد بدأت تَقِلُّ يأساً.
«مرّةً أخرى؟» سأل بوته.
أعادوا اصطفافَ أنفسهم وتعاملوا مع الأخير بالطريقة ذاتها تقريباً، فصُرِعَ قبل أن يتمكّن من إصابة أحد. وتوقّفوا وقتاً قصيراً يلتقطون أنفاسَهم ويُراقبون الأخطارَ الباقية في الغرفة وهي تُصارع بلا حَولٍ ولا قوّة. كانت أرجلُ العنكبوت الضخم المكسورة تختلج بلا انقطاعٍ في محاولةٍ عقيمةٍ للحركة، وبدا ما كان مُغلَّفاً في الشرنقة على السقف سجيناً بلا أمل، ولم يعد يُصارع. وبإتاحة الوقت للفحص عن كثب، استطاع آل أن يرى ثلاثةَ مواضعَ أُخرى حيث مُزِّقَت كُتَلٌ كثيفةٌ من نسيج العنكبوت.
«لا أستطيع القول إنّني أرغب حقّاً في لمس هذا الشيء، لكن ربّما ينبغي أن نحاول تحريكَه إلى الوراء قليلاً حتّى لا يشغل هذا القدر من المدخل،» اقترح آل. وبمعونة غرَنتِل، سحباه إلى الوراء بضعةَ أقدامٍ داخل الغرفة من أرجله الخلفيّة المُعطَّلة. كان الإحساسُ بها وهي تتشنّج بينما يحاول العنكبوتُ الميّتُ الحيُّ العنيد أن يتفاعل مُقلِقاً لآل، لكنّه تدبّر الأمر.
امتدّت أنيابُه نحو آل حين دار حول مُقدَّم الشيء لينظر. كانت العيونُ الثلاثُ الباقية والمَحاجرُ الخمسةُ الفارغةُ جزئيّاً أو كلّيّاً تحمل جميعُها النقطةَ البنفسجيّةَ المُتوهّجةَ ذاتَها التي في عيون الزومبي. كان آل يتوقّع أن يُصدِر الشيءُ نوعاً من الصوت، ربّما صَريراً أو نَقنقة، لكنّه كان صامتاً تماماً إلّا من حَفيفٍ ضعيفٍ من اختلاج أرجله المُحطَّمة.
«هذا الشيءُ مُرعِبٌ ومُثيرٌ للفضول في آنٍ معاً،» قال آل، «ليست لديّ أدنى فكرةٍ كيف تصنع شيئاً كهذا، وليست لديّ حقّاً أدنى فكرةٍ لماذا.» ثمّ رفع بصرَه إلى السقف مرّةً أخرى. «وأيضاً... ماذا سنفعل بشأن ذاك؟»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.