Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 90
سكنَت الغرفةُ بينما راقب آل وبوته وويكووكِت الشكلَ المُشرنَقَ المشدودَ بالشِّباك إلى السقف. تلوّى مُصارِعاً بضع مرّاتٍ أُخَرَ على غير انتظام، ثمّ سكن. أمّا غرَنتِل فقد مضى إلى مُقدَّمِ العنكبوت، وراح يُسلّي نفسه بالوقوف على حافّة مَرمى الأنياب المُمتدّة، يرقب أرجل الشيء المُحطَّمة تهتزّ فيما ظلّت ردودُ فعله المُستمرّة على غير الطبيعة تحثّه على الوثوب عليه.
«إذن، الأرجح أنّ في داخلها ميّتاً غاضباً آخر؟» سألت ويكووكِت أخيراً.
«الأرجح،» وافقها آل.
«أتظنّ أنّ ثمّة سبيلاً إلى تهدئتهم؟ من دون قتلهم فعلاً، أعني.»
«لا أدري حقّاً، لكنّهم ليسوا إلّا أشياءَ بلا أرواح، فيها حيويّةٌ سحريّةٌ زائفةٌ تُبقي على روحٍ مُحرِّكة. على الأقلّ تصف الحكايات سِحرَ إحياء الموتى قادراً على التحكّم بهم،» تكهّن آل. ثمّ رمق ويكووكِت بنظرةٍ صارمة. «لا،» قال مُصرّاً.
«لا ماذا؟» سألت ويكووكِت بمحاكاةٍ للبراءة أصيلةٍ إلى حدٍّ مُذهِل.
«لا، نحن لن نتّخذ زومبي حيواناً أليفاً!»
«ليس هذا عدلاً! إن جاز لك أن تقتني شيطاناً أليفاً، فلمَ لا يجوز لي أن أقتني ميّتاً أليفاً!»
«لن يكون أليفاً! إنّ الرابطة الروحيّة لروح القرين أمرٌ يختلف كلَّ الاختلاف عن إيقاظ جُثّةٍ ميّتةٍ وامتلاك وسيلةٍ ما لإبقائها تحت السيطرة!»
تجاهلت ويكووكِت اعتراضات آل. «وبمَ يُطعَم الموتى السائرون أصلاً؟ أيُحبّون الطعام؟ لعلّنا نستطيع تدريبه كالكلب، بضربٍ من المُكافأة.»
«أرجوكِ قولي إنّكِ تمزحين، فسِحر إحياء الموتى لا يبدو ممّا يُعبَث به. ثمّة أسبابٌ تجعل أكثرَ الثقافات تعُدّه شرّاً أخلاقيّاً،» توسّل آل.
«حسناً... أمزح في أغلبه،» اعترفت ويكووكِت، «لكن عليك أن تُقرّ بأنّ ميّتاً يستجدي المُكافآت سيكون مُضحِكاً إلى حدٍّ بعيد.»
«أجل، إلى أن يُجَنّ فيضربكِ حتى الموت.»
«قد لا يفعل!»
«إليكِ هذا: إن استطعتِ أن تتعلّمي من السحر ما يكفي لصنع جُثثٍ ميّتةٍ مُحرَّكةٍ خاصّةٍ بكِ والتحكّمِ بها، فقد أُجاريكِ في الأمر.»
«لعلّي أفعل!»
«أتعلمين، عندنا أصلاً وحشٌ واحدٌ بيننا.»
«وكان ذلك رائعاً!»
نظر آل إلى الوحش المعنيّ. كان الغُنول يُقهقه لنفسه قهقهةً نابحةً خفيفةً وهو يُغيظ العنكبوتَ الميّتَ الحيَّ المُقعَد، يصفع أعلى أنيابه ثمّ ينسحب قبل أن تبلغه فتنهشه.
«يا غرَنتِل، لا أظنّ السُّمَّ الذي في ذلك الشيء طبيعيّاً. أرجوك كُفَّ عن ذلك.»
«إنّه على حقّ،» وافق بوته. كان يُعيد إحكام درع صدرهم المُنهَك على بدنهم، وقد خلعه على ما يبدو بينما كان آل يرقب السقف. ورأى آل من خلال الثقوب التي أحدثتها أنيابُ العنكبوت في درع الصدر ضماداتِ قماشٍ عليها دمٌ يسير. «قومي أقلُّ تأثّراً بأكثر السموم والسموم اللاسعة والعقاقير من سائر الأقوام، غير أنّه خُيّل إليّ أنّ سُمَّ هذا العنكبوت قويٌّ وغيرُ مألوفٍ معاً. لا أحسبني أُصِبتُ بأذًى بالغ، لكنّ كثيراً من صدري وذراعي ما يزال خَدِراً، وتنتابني تشنّجاتٌ عضليّةٌ طفيفة. ويبدو أنّ الأعراض آخذةٌ في الانحسار، فيحدوني الأمل ألّا يبقى بي ضررٌ دائم.»
«راقبوا السقف في الوقت الحاضر، فأنا أريد أن ألقي نظرةً على الزومبي الذين كنّا نقاتلهم للتوّ،» طلب آل.
«سأساعد!» تطوّعت ويكووكِت، «فإن كان عليهم شيءٌ طريفٌ قد يُنبئنا بشيءٍ عن كيفيّة وصولهم إلى هنا، فقد يصنع ذلك حكايةً طريفة!»
بدا الزومبي الثلاثة، المسحوقون والمُشرَّحون والمثقوبون، وقد ارتدَوا جميعاً ثياباً بالغةَ القِدَم من طرازٍ ربّما لبسه التجّار المُوسِرون أو صغار النبلاء قبل أكثر من نصف قرن. وبدا أنّهم ما زالوا يحملون ما ماتوا وهو معهم من متاع. كان لدى ثلاثتهم خناجرُ من ضروبٍ شتّى في أحزمتهم، ولدى واحدٍ منهم سيفٌ مُقوَّسٌ قصيرٌ في غِمد. بل إنّ أكياس نقودهم ما زالت معهم، لفرح ويكووكِت.
«نحن نأخذ هذه من الموتى، لا من هذا المكان!» أصرّت، وهي تعُدّ الحفنةَ من القِطَع الذهبيّة والفضّيّة القديمة.
«علينا على الأقلّ أن نُخبر صاحبَ عملنا بالأمر ونرى ما يقول. فليس الأمر كأنّهم لا يدفعون لنا أصلاً أكثرَ من ذلك بكثير،» ردّ آل، تاركاً إيّاها لجشعها بينما مضى هو في فحص الجُثث.
كانت ثيابُهم ولحمُهم كلاهما مُلطَّخَين بالعَفَن. وبدت أجسادُ ثلاثتهم متيبّسةً جافّةً كالجلد المدبوغ، وفي ثلاثتهم توهّجٌ بنفسجيٌّ خافتٌ آخذٌ في الخُفوت، يظهر حيث مزّق القتالُ لحمَهم. وفي ثلاثتهم كذلك جراحُ ثَقْبٍ مُزدوَجةٌ في موضعٍ ما من أجسادهم.
رفع آل بصره إلى السقف مرّةً أخرى مُتفكِّراً.
«أكانوا من الموتى الأحياء أصلاً حين وصلوا إلى هنا، أم كانوا أحياءً حين دخلوا؟ هل يأكل العنكبوتُ سوائلَ الزومبي أو ما شابه؟ أم...،» تكهّن آل بصوتٍ مسموع، ثمّ تنهّد. «أرجو ألّا يكون هذا صنيعاً أحمق. أظنّ أنّ علينا أن نُنزل ذلك الشيء عن السقف كي أختبر أمراً.»
كانت الشرنقة السليمة أعلى من أن تُنال مباشرةً، فاضطُرّ آل إلى إقناع غرَنتِل بأن يأتي فيقف قريباً حتى يتسلّق آل على كتفيه. وارتاح آل إذ لم يبدُ أنّ غرَنتِل يعترض على ذلك، فتسلّق وأمر خادمه الروحيّ الخفيّ أن يجلب له المشعل. أذابت النارُ شِباكَ العنكبوت فوق رأسه بيُسر، فسلّطها على الخيوط التي كانت تحمل الشرنقة. وعادت الشرنقة تُصارِع حين تلف من الشِّباك ما يكفي لتنفلت وتهوي إلى الأرض بارتطامٍ خافت. قفز آل نازلاً، وأعاد المشعل إلى الروح المُطيعة، واستلّ بورغاتيو. ولحسن الحظّ كان ما في داخل الشرنقة، أيّاً كان، ما يزال مُحكَمَ اللفّ بما يمنعه من الإفلات، في تلك اللحظة على الأقلّ. فأعاد آل سيفه إلى غِمده، وراقب كُتلةَ الحرير المُتلوّية.
«حسناً، أعينوني على دفع هذه أمام العنكبوت،» طلب آل. وعلى شدّة متانة الحرير، كان جافّاً غيرَ لَزِج. ومع ذلك ظلّ دفعُ الشيء المُصارِع على الأرض أمراً تنقبض له النفس. وبذل آل وُسعَه في كبح نفوره باسم الفضول العلميّ. وبتوجيهٍ من آل، تمكّن هو وغرَنتِل من دفع الشرنقة حتى ألصقاها بوجه العنكبوت الميّت، فيما راقب بوته وويكووكِت ليتيقّنا من أنّها لن تُفلِت. تجاهل العنكبوتُ الزومبيَّ المُفترَضَ المُصارِعَ الملفوفَ بالحرير، وظلّت أنيابُه تمتدّ نحو الأحياء بدلاً منه.
«هل يصنع هذا الشيءُ البشع زومبي؟» تساءل آل. ورمق بوته بنظرةٍ قلقة.
«الأصحّاء لا يصيرون من الموتى الأحياء مباشرةً،» طمأنه بوته، «ولا أحسب أنّ القلق عليّ ضروريٌّ في هذا الوقت. وإن حدث أن فقدتُ روحي ونهضتُ واحداً من مُسوخ الموتى القَلِقين، فلك بركتي وتشجيعي أن تُدمّر ما بقي منّي.»
«هذا لا يطمئنني بقدر ما قد ترجو،» قال آل، «فأرجوك أن تُنذرنا إن بدأتَ، لا أدري، تشتهي لحم الناس أو ما شابه.»
«هذا طلبٌ معقول.»
«أنا أشتهي. طعمٌ طيّب،» تبرّع غرَنتِل بالإفادة.
«حسناً، أجل، شكراً على إنذارنا، لكن للأسف لا يبدو ذلك شاذّاً عنك. وإذن، ما دام ذلك قد استقرّ بقدر ما يمكن أن يستقرّ الآن، فعلينا أن نتخلّص من هذين معاً،» ذكّرهم آل، مُشيراً إلى العنكبوت الضخم والشكل المُشرنَق. «ألم يقُل سايرَس إنّ هذه القضيّة، أيّاً كانت، ستُرسِل من يجلب هذا الشيء؟ فلعلّ أولئك يأخذون الشيء الملفوف بالحرير معهم أيضاً.»
«آه، صحيح!» قالت ويكووكِت، ويدها تمتدّ إلى جيبها. وأخرجت القُرصَ المعدنيَّ المنقوشةَ عليه ذبابةٌ منزليّة. «قال إنّنا متى وجدنا ما يبحثون عنه، أمكننا أن نستعمل هذا لنُعلمهم، فيأتون ويأخذونه. تُرى كيف يعمل، وكم سيستغرقون حتى يصلوا إلى هنا؟»
أمرّت إبهامها حول محيط القُرص الشبيه بالقطعة النقديّة. فبدأ يهتزّ وهي ماضيةٌ في ذلك. وبعد الدورة الخامسة حول الحافّة، انتزع نفسه من قبضتها وانطلق عبر الغرفة، فارتطم بالجدار مُنبسِطاً والتصق به.
وضغط القُرصُ المعدنيُّ نفسَه داخلَ حجر الجدار، الذي تشوّه كبطنٍ رخوةٍ مُترهّلةٍ تُنكَز بإصبع.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.