Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 91
لم يكن الأثرُ الجليُّ الخارجُ عن الطبيعة على الجدار الحجريّ شيئاً رآه آل من قبلُ قطّ. وكادت المفاهيمُ السحريّةُ المألوفةُ المقترنةُ بتصوُّر الآثار السحريّة تشقّ طريقها عنوةً عبر ذهن آل، كي يرى ما يجري حقّاً.
كانت شدّةُ ما رآه آل وتعقيدُه كلاهما فوق قدرته على الإدراك السليم، غير أنّ التأمّل المُتأنّي في العاصفة الدوّارة من السحر المُنبعثة من القرص المعدنيّ بدا يوحي بأنّه مُنجذِبٌ نحو مكانٍ بعينه أو شيءٍ بعينه. وجعلت رؤيةُ النشاط السحريّ ما يحدث للجدار أوضحَ لآل كذلك.
«ليس الجدارُ ما يتمدّد،» أعلن آل وهو يتراجع نحو الباب، «بل العالَم.»
ولمّا رأى غرَنتِل آل يتراجع، جثم منخفضاً وأخذ يتراجع هو الآخر.
«رائع! أهو خطير؟» سألت ويكووكِت، مُقتربةً من الجدار لتنظر عن كثب. وكانت رقعةُ الجدار الحجريّ التي بدت كأنّها تتمدّد مُبتعدةً عنهم تتّسع. فاستلّت ويكووكِت عَضّاضة سو مرّةً أخرى ونقرت برفقٍ قرب حافّة التشوّه، فكان صوتُ النقر ومَلمسُه صوتَ معدنٍ يطرق حجراً عاديّاً ومَلمسَه.
«لا أدري إن كان خطيراً، ولهذا أبتعد عنه!» حذّر آل.
ومشى بوته في هدوءٍ إلى جانب الغرفة كي لا يكون قُبالة الجدار المُشوَّه.
«إن كان المقصودُ من هذا تمكينَ شركائنا الجُدد من المجيء لأخذ هذا المخلوق بوسيلةٍ ما، فإنّي أشكّ في أن يكون هذا الأثرُ مُعَدّاً ليكون خطراً علينا،» اقترح بوته، «ومع ذلك، لعلّنا لا نرغب في أن نقف بينه وبين ما يُراد أخذُه.»
«وجيه،» سلّم آل، وأسرع ليقف بجانب بوته، يتبعه عن قربٍ غُنولٌ بدا عليه القلق.
بالبصر العاديّ، بدا القرصُ المعدنيّ كأنّه غاص قدماً أو أكثر في حجر الجدار، مُشوِّهاً رقعةً واسعةً حوله إلى هيئة قُمع. أمّا ما استطاع آل أن يراه وعيناه مُوالِفتان لأنماط السحر المُتجلّية فكان أبعدَ عن الطبيعة، إذ بدت قوّةٌ ما تجذب الشيءَ في وجه الواقع نفسه.
وأعلن صوتٌ يكاد لا يُسمَع، يُشبه بعضَ الشبه تمزُّقَ الورق، عن ارتداد الجدار الحجريّ فجأةً بعيداً عن الثقب الذي مزّقه فيه القرصُ الشبيه بالعُملة. فانفتح في الجدار ثقبٌ دائريٌّ نظيفٌ عرضُه عدّةُ خطوات، كاشفاً عن غرفةٍ أخرى. وسبق حفيفٌ خافتٌ لهواءٍ يُمتَصّ عبر الفتحة طَنيناً! عالياً، إذ انطلق القرصُ المعدنيّ في قوسٍ عبر الفراغ إلى اليسار، فارتطم بقوّةٍ بمركز صَنجٍ نحاسيٍّ أمام الجدار الأقصى إلى اليسار. وكان سطحُ الصَّنج منقوشاً بنمطٍ مُعقّدٍ كنسيج العنكبوت، رأى آل أنّه مقترنٌ بأنماطٍ دوّارةٍ من السحر تشابكت مع سحر القرص الأصغر.
كانت الغرفةُ خلف الفتحة مُضاءةً جيّداً بمصابيح الزيت. ولعلّها كانت خمسَ خطواتٍ في خمس، مبنيّةً من حجرٍ أبيضَ أملس. وأوحت إلى آل بزنزانة سجنٍ نظيفةٍ على غير العادة، إذ لم يكن فيها ممّا يُرى سوى بابٍ كبيرٍ مكسوٍّ كلُّه بالحديد المُبرشَم، في منتصف الجدار المقابل تماماً للجدار الذي كان آل ينظر عبره. وسحب أحدُهم من الجهة الأخرى للباب لوحاً ضيّقاً منه عند مستوى الرأس تقريباً، فأطلّت منه عينان. وسمع آل صوتاً يُشبه صوتَ البشر على الأقلّ يُتمتم بترنيمةٍ موزونةٍ بضع ثوانٍ.
«ميّتٌ حيّ!» صاح الصوتُ من خلف الباب. «حشرةٌ عملاقة! بحجم حصانٍ تقريباً! ناشطة، لكنّها تبدو عاجزةً عن الحركة!»
«مفهوم!» صاح صوتٌ آخر. وبدأت أصواتُ أناسٍ عدّةٍ يركضون هنا وهناك في انشغال، ثمّ خمدت حين أُعيد اللوح إلى الباب. ومالت ويكووكِت من خلف آل لتنظر. ومال رأسُ غرَنتِل على عنقه الطويل فوق آل ليُشاهد هو أيضاً.
وبعد أقلّ من دقيقة، دوّت صيحةٌ عاليةٌ أخرى من خلف الباب.
«ثلاثة! اثنان! واحد!»
وطغى على واحد! صوتُ مِزلاجٍ ثقيلٍ يُزاح من مكانه، وانفتح البابُ إلى الخارج. واندفع شخصان بحجم البشر، مُغلَّفان كلّيّاً بدروعٍ صفائحيّة، ليتّخذا موضعيهما على جانبَي الباب، حاملَين رُمحَين فضّيّين لامعين من رماح صيد الخنازير البرّيّة. ولمح أحدُهما غرَنتِل.
«غُنول!» صاح أحدُهما بصوتٍ رجوليٍّ من مكانٍ ما داخل خوذته، مُصوِّباً رمحه نحو غرَنتِل.
«كم عددهم؟» جاء نداءٌ أنثويٌّ أجشُّ من وراء المدخل، بينما اندفع عبره عدّةُ أشخاصٍ آخرين بحجم البشر، يعتمرون خوذاً معدنيّةً ويلبسون دروعاً جلديّةً مُتقَنة الصنع، حاملين أقواساً مُستعرِضة. وبدقّةٍ جليّةِ الدُّربة، جثا الأوّلان ليُصوِّبا قوسيهما نحو غرَنتِل، بينما وقف الآخران خلفهما وفعلا الشيءَ نفسه. وكان كلُّ رأسٍ فولاذيٍّ من رؤوس السهام مُكلَّلاً بلهبٍ أبيضَ فضّيّ.
«واحدٌ فقط ممّا أرى!» أجاب الشخصُ المُدرَّع.
ولاحظ آل ابتسامةَ الغُنول المُسنَّنة تتّسع. «مهلاً! مهلاً!» صاح، رافعاً يديه وخارجاً إلى حيث يُرى بوضوح. «إنّه معنا، لا تهاجموا!» وسمع غرَنتِل ينفخ.
«مَن أنتم، وكم غيركم هناك؟» طالب مَن كان داخل الدرع بأن يعرف، مُحوِّلاً رمحه ليُصوّبه في حذرٍ نحو آل. وأبقى الآخرون تصويبهم على غرَنتِل.
«كم غيرنا من ماذا؟ نحن أربعةٌ هنا، وواحدٌ منّا فقط غُنول إن كان هذا ما تعنيه،» أجاب آل، مُبقياً يديه مرفوعتين.
«لا يكون الغُنول واحداً أبداً،» جادل الشخصُ المُدرَّع الآخر.
«هذا صحيح!» وافقت ويكووكِت بمرح، خارجةً لتقف بجانب آل. «نحن في الحقيقة كلُّنا غُنول! آل هذا هو شامانُ* عشيرتنا الجبّار وبطلُ سيف، فلا تُغضبوه!»
وجاءت قهقهةٌ صاخبةٌ من وراء المدخل خلف طاقم الأقواس المُستعرِضة. وخرجت امرأةٌ مُسنّةٌ مُحدَودِبةٌ تتوكّأ على عصا. كانت تلبس أثواباً رماديّةً بسيطةً ذاتَ قلنسوة، بدت مُغطّاةً كلّيّاً بالجيوب. ورأسُها محلوقٌ أنعمَ من وجهها، وإحدى عينيها مُضيَّقةٌ تحت ندبةٍ قديمةٍ تعبر جانبَ جبينها المُتغضِّن، لا بدّ أنّ سببها أخطأ إعماءها بشقّ الأنفس. وكانت أسنانُها خلف ابتسامتها العريضة، على غير ما يُتوقَّع، سليمةً كلُّها ونظيفة.
«لا تشغلوا بالكم بهم، ركّزوا على الاستعادة،» أمرت. فتحوّلت الأقواسُ المُستعرِضة كلُّها لتُصوَّب نحو العنكبوت، لكنّ الرمحين ظلّا مُصوَّبين لصدّ آل وغرَنتِل.
«سيّدتي، ذاك غُنول،» أصرّ الشخصُ المُدرَّع الذي تكلّم أوّلاً. فعرجت المرأةُ المُسنّة حوله حتى استطاعت أن تمدّ يدها لتضرب جانبَ خوذة الرجل بعصاها.
«اسمع!» طالبت، «مَن المسؤول هنا؟ أصغِ...»
وفيما ظلّ آل مُمسكاً بإدراكه لتيّارات السحر، أمضى بضع لحظاتٍ يتفحّص الطاقمَ المُسلَّح الذي خرج لملاقاتهم. كان للرمحين كليهما ذلك المظهرُ الحقيقيُّ على نحوٍ غير طبيعيّ الشائعُ في الأشياء المُعزَّزة بالسحر، وكان للّهب الخارق للطبيعة الجليّ على سهام الأقواس المُستعرِضة بريقٌ من القداسة. وتلألأت عصا المرأة العجوز بسحرٍ مُعقّدٍ لم يستطع آل أن يُحدّده تماماً. وحملت أثوابُها تعويذةً وقائيّةً من نوعٍ ما يُمكن تمييزها، وبدا أنّ كثيراً من الجيوب يحمل أشياءَ ناشطةً سحريّاً.
وانحنى الرجلُ في طاعةٍ كي تستطيع المرأةُ العجوز أن تقول له شيئاً في همس. وظنّ آل أنّه التقط اسمَ سايرَس وسط العبارة المُتمتَمة. فاهتزّ رمحُ الرجل ولان، ثمّ تحوّل ليُصوَّب نحو العنكبوت. وفعل الآخرُ مثله بعد لحظةِ تردُّد.
«هو مرّةً أخرى. كان ينبغي أن أعرف. لكنّ ذاك لا يزال غُنولاً مع ذلك،» أصرّ الرجلُ المُدرَّع. فهزّت المرأةُ العجوز رأسها وعرجت عبر الغرفة نحو الفتحة في الجدار حيث كان غرَنتِل يُراقب، وقد بدا عليه الارتباك. وانحسرت شفتاه في لهفةٍ عن أسنانه حين مدّت المرأةُ العجوز يدها في جيب، لكنّهما ارتختا ثانيةً حين أخرجت عوداً طويلاً من اللحم المُجفَّف بدا كأنّه ما كان ينبغي أن يتّسع له الجيب.
«خُذ،» قالت، رافعةً عودَ اللحم نحو وجه غرَنتِل حين صارت قريبةً بما يكفي. فسال لُعاب غرَنتِل وعضّ عليه. «تماماً كما قال. خسارةٌ أنّ هذا ليس ما جئنا من أجله.» ثمّ استدارت إلى الفريق المُسلَّح المُدرَّع الذي كان لا يزال ينتظر في وضع الدفاع خلفها، فيما تراجع غرَنتِل ساحباً عودَ اللحم من يدها. «لا تقفوا هكذا، تعلمون كم يبقى هذا مفتوحاً، فلا وقت لدينا نُضيّعه. تحرّكوا!» فقفز آل وويكووكِت جانباً إذ اندفع الحرسُ الأهليُّ الصغيرُ في تشكيلٍ عبر الثقب في الجدار ليُحيط بالعنكبوت، ووقف رُماةُ الأقواس المُستعرِضة الأربعة على الجانبين بينما تقدّم المُدرَّعان إلى الأمام.
«أأنتِ ساحرة؟» سألت ويكووكِت، «إنّ لكِ قهقهةً رائعة!»
شعر آل بأنّ عليه أن يعترض على السؤال، لكنّه اضطُرّ إلى أن يُقرّ في نفسه بأنّها كانت تُشبه كثيراً «الساحرات» اللاتي يذكر أنّه رآهنّ في رسوم قصص الأطفال.
«شكراً، لكن لا، لستُ ساحرة. غير أنّ الانطباعات الأولى مهمّة!» أجابت المرأةُ العجوز وهي تعرج مارّةً نحو العنكبوت.
«ما هذا؟» سأل أحدُ المُدرَّعين، وهو يَنكُز الشرنقةَ برفقٍ بعَقِب رمحه. ثمّ قلب الرمحَ ليُصوِّب نصلَه نحوها حين أخذت تتلوّى مُصارِعةً من جديد.
«نظنّ أنّ في داخلها زومبي،» أوضح آل، مُشيراً إلى بقايا الزومبي الآخرين الميّتة فحسب في أنحاء أخرى من الغرفة. «ونظنّ أنّ ذاك العنكبوت ربّما صنعهم بطريقةٍ ما.»
قهقهت المرأةُ العجوز في سرور. «حسن! حسن، مزيدٌ من موادّ البحث. أتنوون أنتم الأربعة أن تُعرِّفوا بأنفسكم؟» سألت وهي تتفحّص العنكبوتَ الميّت الحيَّ العملاق.
«أنا ويكووكِت د. فليبندورفر، مُغامِرة، وطالبةُ إثارة، وراويةُ حكايات، وغُنولٌ مُحترِف!» أعلنت ويكووكِت في فخر.
«أوه، آه، أنا آل. وهذا غرَنتِل،» أسهم آل.
«أنا بوته فيسِنغرابر،» قال بوته. فرفعت المرأةُ العجوز بصرها لترى القزمَ يؤدّي إشارةَ العين والأنف والأذن والفم الخاصّة بطائفتهم.
«آه، نعم، قال إنّ أحدَ رُسُل إنديسينا ضالعٌ في الأمر. فألٌ حسن!» قهقهت، ثمّ أعادت انتباهها إلى العنكبوت.
وقف حاملا الرمحين المُدرَّعان بعيداً عن متناوله يُراقبان الأنيابَ تمتدّ نحوهما. «أجل،» قال أحدُهما، «هذا بلا ريبٍ واحدٌ من...»
«نعم، أوافقك،» قاطعته المرأةُ العجوز. «مؤسفٌ أنّ أرجله كلَّها مُتضرّرةٌ إلى هذا الحدّ، لكنّنا نستطيع أن نعمل بهذا.» ورفعت عصاها ورسمت ببراعةٍ نمطاً دائريّاً سريعاً مع ترنيمةٍ مُتمتَمة. وعلى الرغم من اللمسات الشخصيّة، عرف آل في ذلك نسخةً من سحر القُرص العائم نفسه الذي تعلّمه في مطلع دراسته. فارتفع القرصُ الشفّافُ المُتلألئ عن الأرض، رافعاً العنكبوتَ والشرنقةَ التي يُفترَض أنّ فيها زومبي في الهواء.
«مهلاً! أنتِ أيضاً تعرفين كيف تصنعين العربةَ السحريةَ الخفيّة!» لاحظت ويكووكِت.
«مفيدةٌ جدّاً للاستعادة. لقد أحسنتِ العمل في خدمةٍ أولى، وأتوقّع أن نلتقي ثانيةً في يومٍ من هذه الأيّام،» قالت المرأةُ العجوز لويكووكِت، ثمّ التفتت إلى حرسها الأهليّ. «حسناً، لنمضِ، فمَن يعلق في هذا الجانب حين ينغلق فأمامه مسيرٌ طويل ليعود.» واستدارت وأخذت تعرج عائدةً نحو الثقب في الجدار، وغنائمُهم تطفو على القرص المُتلألئ خلفها. وأبقى الحرسُ الأهليّ رماحهم وسهامهم مُصوَّبةً نحو حمولة القرص وهم يُرافقونها عائدين.
«ألن تُعرِّفي أنتِ بنفسكِ؟» سألها آل وهي تمرّ به.
«كلّا!» أجابت، مع قهقهةٍ أخرى. «ليس هذه المرّة على الأقلّ.»
واستدارت لتنظر في عينَي آل، وإن لم تتوقّف عن المشي. «سايرَس مُزعِج، لكنّه يُحسن الحُكمَ على الناس في العادة، وقد جرى الاختبارُ جرياناً حسناً بحسب ما سمعت. وأتوقّع أن يُسمَح لك بمعرفة اسمي قريباً بما يكفي.»
نفخ آل. فضحكت ويكووكِت منه ضحكةً مكتومة.
«ماذا؟» سأل آل.
«لا شيء!»
كانت المرأةُ العجوز وحرّاسُها قد عبروا جميعاً الثقبَ في الجدار ووقفوا الآن في الغرفة على الجهة الأخرى. ولوّحت المرأةُ العجوز.
«أينبغي أن نتبعكِ؟» سأل آل.
«كلّا!» كرّرت، وضربت الصَّنجَ بعصاها. فانقطع صوتُ الصَّنج بغتةً انقطاعاً فجائيّاً صادماً، ولم يعد أمامهم سوى جدارٍ حجريٍّ عاديٍّ من جديد.
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرنتل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.