Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 92
«كان ذلك... غريباً»، قال آل وهو لا يزال يحدّق في الجدار الحجريّ الذي عاد إلى سابق عهده.
«ليس غريباً»، صحّحت له ويكووكِت، «بل غامضاً! أرأيتَ أولئك القوم؟ بدوا كأنّهم تمرّنوا على ما يفعلون، لا بدّ أنّهم يجمعون الأشياء الغريبة من كلّ مكان! ولكن لماذا؟»
«بالضبط، لماذا»، نبّه آل وقد لاحظ حماسة ويكووكِت، «يُقلقني بعض الشيء أنّنا ربّما سلّمنا شيئاً خطِراً إلى جهةٍ لا نعرف شيئاً البتّة عن نواياها.»
«بوسعنا دائماً أن ننتقم منهم لاحقاً إن كانوا يُضمرون شرّاً، وتلك ستكون حكايةً جميلةً أيضاً!»
«لا نعرف دوافعهم الحقيقيّة»، تأمّل بوته، «لكنّي لا أشعر بأنّ أحداً ممّن التقيناهم حتى الآن منخرطٌ عن علمٍ في مساعٍ خبيثةٍ أو مُدمِّرة. وإن كان ثمّة أمرٌ شرّيرٌ يجري هنا، فلعلّ المنخرطين فيه لا يدرون. وبالطبع، قد لا يعدو الأمر مشروعاً بريئاً يقتضي الكتمانَ حفاظاً على السلامة.»
«حسناً، لقد أعطيناهم للتوّ حشرةً عملاقةً لا تموت تصنع الزومبي»، قال آل، «عسى أن تكون السيّدةُ الغامضةُ التي-ليست-ساحرةً جادّةً في رغبتها فيها من أجل البحث لا من أجل شيءٍ مؤذٍ.»
تتبّعت ويكووكِت حوافّ أحجار الجدار المصقولة بعناية فائقة، باحثةً عن طريقةٍ لفتحه من جديد. فلمّا لم تجد شيئاً، نقرت على الجدار بمِقبض خِنجرها.
«مرحباً؟» صاحت في الجدار. «هيه! افتحوا ثانيةً!»
«لن يتمكّنوا من سماعك»، أكّد لها آل.
«قد يسمعون نقري، فلم يبدُ الجدار سميكاً جدّاً، والغرفة الأخرى كانت خلفه مباشرة!»
«كلّا، لم تكن كذلك، بل بدت كذلك فحسب. فالغرفة التي جرّوا إليها العنكبوت قد تكون في الطرف الآخر من العالم، ولا علم لنا. كان هناك سحرٌ يعمل، يثقب ثقباً في نسيج الواقع ليصل غرفتهم بجدار غرفتنا هذه.»
«كيف تقول شيئاً كهذا ثمّ تظلّ متردّداً في استعمال السحر؟ لو كان بإمكاني أن أثقب ثقباً في نسيج الواقع وأتمشّى إلى الطرف الآخر من العالم لفعلتُ ذلك طوال الوقت!»
«أرأيتِ، تلك هي المشكلة، ستنتهين إلى الجنون التامّ... إلى جنونٍ أشدّ... ممّا سيفعله ذلك بعقلك. فهذا الصنف من السحر غير طبيعيٍّ البتّة على عقول الفانين. إنّ العمل بالسحر الأكبر يُشوّهك، ويجعلك أشبه بإلهٍ صغير!»
«إن كنت تحاول إقناعي بأنّ هذا أمرٌ سيّئ، فأنت تُخفق. ومَن ذا الذي لا يريد أن يكون أشبه بإله؟»
تلعثم آل من الذهول، متسائلاً كيف فاتها المغزى. أمّا بوته فكان يومئ موافقاً له على الأقلّ. وأدرك آل أنّه من دون تعليمٍ لائقٍ في النظريّة السحريّة، ربّما يبدو أن يكون المرء «أشبه بإله» أمراً مرغوباً. فحاول أن يفكّر في طريقةٍ للشرح.
«فكّري في الأمر على هذا النحو. لنرَ... هل تحبّين غرَنتِل؟» قال أخيراً.
«أيّ سؤالٍ هذا؟ طبعاً أحبّه! كم من الناس يُتاح لهم أن يكونوا رفاق عشيرةٍ لغُنولٍ ويخوضوا معه مغامراتٍ مثيرة؟ إنّه بارعٌ في تحطيم الأشياء الشرّيرة!» ومثّلت ويكووكِت بحركاتها أنّها تهوي بهراوةٍ على شيءٍ حتى الموت، مع تقليدٍ دقيقٍ على نحوٍ لافتٍ، وإن كان حادَّ النبرة بعض الشيء، لضحك غرَنتِل النابح. «إنّه ممتع في ممارسة العنف البطوليّ معه!»
ألقى آل نظرةً على غرَنتِل، الذي كان قد فرغ من أكل عود اللحم المجفّف. كان جاثماً ويبدو أنّه يُصغي إلى الحديث. وبدا مسروراً بما يسمع.
«كيف سيكون شعورك لو استيقظتِ صباح الغد فإذا غرَنتِل في نظرك مجرّد كتلةٍ من الطين لا قيمة لها؟»
«ماذا؟ سأغضب، وسألحّ عليك حتى تبتكر أيّ سحرٍ يلزمك لتُعيده كما كان!»
«لا أعني أنّه سيصير كتلةً من الطين حرفيّاً، بل أنّه منذ تلك اللحظة لن يبدو لك إلّا كذلك. أي أنّك تنظرين إليه وما زلتِ تعرفين أنّه غُنول، لكنّه يبدو بلا قيمةٍ ولا أهمّيّة، وليس شيئاً يستحقّ حتى أن تلتفتي إليه بعد الآن.»
«حسناً»، قالت ويكووكِت بابتسامةٍ ماكرة، «في الحالة الافتراضيّة التي تصفها، أتوقّع أنّ ذلك لن يُزعجني على الإطلاق!»
«بالضبط!» قال آل منقضّاً على الحُجّة البلاغيّة، «لكن كيف سيكون شعورك الآن لو علمتِ أنّ ذلك ما ستشعرين به في الصباح؟»
تلاشت الابتسامة عن وجه ويكووكِت وهي تتأمّل السؤال، تحاول أن تجد جواباً يُرضيها فلا تفلح.
«لن يعجبني ذلك على الإطلاق»، أقرّت أخيراً.
«إنّ وجود الإله يقع في معظمه خارج العالم الفاني الذي نعيش فيه. صحيح؟» قال آل موجّهاً السؤال إلى بوته.
«تلك عبارةٌ صحيحةٌ بقدرٍ كافٍ»، أجاب بوته. فتابع آل.
«صحيح. إذن، في الأساس، العمل بالسحر يشبه قليلاً أن تُطِلّ برأسك على عالمٍ تنتمي إليه الآلهة أصلاً، عالمٍ أكبر من أن يفهمه فانون مثلنا. وكلّما طال نظرك إليه، ازداد عبثه بعقلك. ولطالما حاولت أن أقول للناس إنّ ثمّة سبباً وجيهاً لكثرة ما يُذكر السَّحَرة المجانين في الحكايات.»
«إذن»، قالت ويكووكِت وقد عادت إليها الابتسامة، «ما تقوله هو أنّ الآلهة مخابيل!»
«بمقاييسنا نحن الفانين، الآلهة مجانين تماماً جنوناً يستعصي على الفهم، نعم»، وافق آل، ورفع بصره إلى السقف. «لا أقصد الإساءة»، قال له بشيءٍ من الابتسام الساخر، ثمّ أعاد انتباهه إلى الحديث. فاختفت الابتسامة الساخرة وحلّ محلّها القلق.
«وها أنا ذا أكلّم السقف. أرأيتم؟ بالكاد أمسّ أبسط طبقات المفاهيم السحريّة، وها أنا منذ الآن أُجَنّ.»
ضحكت ويكووكِت وبوته كلاهما منه. ومدّ بوته يده إلى أعلى ليربّت على ظهر آل تربيتةً ودّيّة.
«لا تقلق»، طمأنه القزم، «فلستَ بعدُ مجنوناً بالقدر الذي تخشى أن تكونه في هذا الوقت.»
«شكراً، أشعر أنّني أفضل حالاً بكثير الآن.»
ولمّا حُسمت الفلسفة مؤقّتاً، فحص المغامرون بقيّة الغرفة بعناية بحثاً عن أخطارٍ خفيّةٍ محتملةٍ أخرى. كانت الخزانة تحوي تشكيلةً من التوغا والصنادل. وتحت السرير لم يجدوا سوى الغبار. أمّا الدلاء فكانت جافّةً لا تحوي إلّا بقايا ما كان فيها منذ زمنٍ بعيد حين استُعملت آخر مرّة. بل إنّ ويكووكِت تفحّصت الجدران عن كثبٍ لترى إن كانت فيها فتحاتٌ خفيّة، لكن بلا جدوى. وفي النهاية، تحلّقوا حول الجثث التي هاجمتهم قبل قليل.
«لم يأخذوا الجثث الميّتة فعلاً»، قال آل بشيءٍ من الضيق. «أظنّ أنّ الأمر متروكٌ لنا لنقرّر ما نفعل بها. لا، لن نأكلها.»
همهم غرَنتِل قبولاً. «رائحتها سيّئة. طعمها سيّئ على الأرجح.»
لم يرَ آل أنّ رائحتها سيّئةٌ بالقدر الذي كان يتوقّعه. لم تكن رائحتها طيّبةً بالتأكيد، لكنّ حال الجثث اليابسة الذابلة بدا كأنّه قلّل من العفن. لعلّ السحر الذي أبقى على روحها المُحرِّكة حفظ اللحم أيضاً؟ تساءل آل في نفسه. وأودع السؤال في ذهنه مع أسئلةٍ أكاديميّةٍ أخرى لم يكن مستعدّاً للبحث فيها في الوقت الحاضر.
«قد نُخرجها إلى الخارج ونحرقها»، اقترح بوته، «فقد فات أوان أن يُجدي الدفنُ اللائق نفعاً للأرواح التي سكنتها ذات يوم، لكن قد نفعل ذلك أيضاً من أجل راحة بال الأحياء إن كنتم تفضّلون.»
«لعلّنا إن تركناها هنا، فإنّ شبح كليودورا سوف... أوه! كدتُ أنسى!» قال آل. وفتّش في جيوبه عن عظمةٍ أخرى. لم يبقَ معه سوى عظمةٍ صغيرةٍ واحدة، فبعد أن وضعها على السرير، أنزل حقيبته ليضع في جيبه بضعاً أخرى من تلك التي جمعها لهذا الغرض. ولمّا رأى المشعل الطافي في قبضة خادمه الروحيّ الخفيّ قد بدأ يخبو، أخرج أيضاً واحداً من مشاعله القليلة الباقية من الحقيبة. وأشعله من لهب المشعل المُحتضَر في الوقت المناسب ليتجنّب أن يعلق في الظلام.
«أظنّ أنّنا جُبنا المكان كلّه الآن. أتوافقونني؟ الروح التي تحمل مشعلي هناك ستتلاشى في أيّ لحظة، ولن أستحضر أخرى لتحمل هذا المشعل ما لم نكن مقبلين على فعل شيءٍ خطِرٍ من جديد.» قال آل وهو يعيد حقيبته إلى ظهره.
«إنّ عادات الإلف في البناء مُترَفةٌ غريبة، فلا أستطيع أن أجزم بأنّنا لم نُغفل شيئاً»، أجاب بوته، «لكنّي لم ألحظ موضعاً قد يوحي بوجود حيّزٍ خفيٍّ آخر وراء الجدران.»
«وجدنا الأحواض ومصدر الماء والمِشرَب وبيوت الخلاء وغرفة المؤونة القديمة وغرف تبديل الثياب و... همم، كلّا، لا أستطيع التفكير في شيءٍ آخر ينبغي أن نتوقّع إيجاده»، تأمّلت ويكووكِت. «ثمّ إنّنا هزمنا الشرّ الكامن هنا وحللنا مشكلة الشبح الذي يسكن المكان. أقول إنّ الحكاية قد اختُتمت اختتاماً حسناً!»
«أجل، لكنّ هذه ليست حكاية. لو كانت حكايةً لكان لدينا كومةٌ من الكنوز على الأقلّ»، اشتكى آل. «ثمّ إنّي على الأرجح ما كنت لأضطرّ إلى الجلوس ومعالجة عملٍ مُملٍّ كإكمال رسمي لهذا المكان، وأنا قلقٌ من أن تنفد مشاعلي فأضطرّ إلى تلمّس طريقي إلى الخارج في الظلام إن أطلتُ.»
جلب بوته مِكنسةً ومِجرفةَ غبارٍ من مجموعة أدوات التنظيف المُغبرّة المُسنَدة إلى الجدار قبل أن يغادروا الغرفة. «ستُقدّر كليودورا على الأرجح أن تحظى بأدواتها بدل محاولة القيام بكلّ التنظيف بيديها غير الماديّتين»، أوضح بوته.
غادروا الغرفة وأغلق آل الباب خلفهم. وأطال النظر في النمط المُعقّد من الطلاسم على الباب. وفي اللحظات الأخيرة من التعويذة الآخذة في الخفوت، تلك التي أتاحت له رؤية السحر، استطاع أن يتبيّن أنّ ما كانت تلك التشكيلة تفعله قد انكسر الآن، وأنّها لم تعد إلّا نمطاً من الرموز. وفكّر في أن يطلب من الآخرين الانتظار ريثما يحاول رسم الشكل كلّه، لكنّه قدّر أنّ ذلك سيستغرق على الأرجح ساعاتٍ عدّة ليُتقَن. لعلّنا نعود مع فرقة العمّال لنتأكّد من سلامتهم، فأنسخه حينئذ، قال في نفسه.
ووضع آل إحدى فقرات كليودورا على المقعد في ركنٍ من الكالداريوم وهم يمرّون، عائدين عبر بيوت الخلاء حيث أسقط خادمُ آل الروحيّ الخفيّ المشعلَ المحترق إلى الأرض وهو يتلاشى من الوجود. فذهب آل والتقطه، إذ لم يُرد أن يزيد فوضى المكان عن قصد.
أخذت المجموعة استراحةً ليجلس آل إلى إحدى طاولات المِشرَب ويُكمل رسم خريطة ما وجدوه، ممّا أتاح لويكووكِت فرصةً للعودة والتأكّد من أنّ بيوت الخلاء لا تزال تعمل كما ينبغي. وبعد أن أعادت، على نحوٍ ما، مذاقَ شراب الإلف العتيق إلى اللافاتيو، رجعت إلى المِشرَب لتأخذ الإبريق الذي جلبه الغوبلن معهم. كان آل قد فرغ للتوّ من رسم حدود الغرف المتبقّية وبدأ يضيف الحواشي حين ضجرت ويكووكِت وقرّرت فتح الإبريق لترى ما فيه. مدّت الإبريق بعيداً قدر ما تطول ذراعها، وحرّكت السدادة الخشبيّة بحذرٍ حتى انفكّت، ثمّ أعادت دفعها فوراً وانحنت على نفسها تتقيّأ جافّاً.
«هل أصابكِ أذى؟» سأل بوته بإلحاح، راكضاً لنجدتها. فلوّحت له ويكووكِت أن يبتعد بينما انتشرت الرائحة الفظيعة في بقيّة الغرفة. كانت النتانة تفوح بالسمك المتحلّل والمياه الآسنة والبيض الفاسد، وحتى انكشاف محتويات الإبريق لتلك اللحظة الوجيزة جعل البقاء في الغرفة لا يُطاق.
«حرصاً على الدقّة»، قال بوته وهو يتراجع ببطءٍ لكنّه يراقب ليتأكّد من أنّ ويكووكِت ستتعافى، «لن أقول إنّ هذه الرائحة مُدنَّسة، لكنّها ينبغي أن تكون.»
وقاتلت ويكووكِت ببسالةٍ لتحتفظ بغدائها.
«سأكون... هررررر... سأكون بخير... هُرك... بعد دقيقة...»
نظّف آل أدوات كتابته على عجلٍ وحشر كلّ شيءٍ في حقيبته، ثمّ اندفع إلى الدرج وقد شحب وجهه.
«شكراً لتطوّعكِ بحمل ذلك أرجوكِ لا تفتحيه ثانيةً ونبّهينا إن كنتِ تموتين سألقاكم في الأسفل»، هتف آل بسرعةٍ وهو يفرّ، منتظراً حتى بلغ منتصف الدرج قبل أن يجرؤ على التقاط نفَسٍ آخر.
«رائحته سيّئة جدّاً»، وافق غرَنتِل. وتردّد عند أعلى الدرج، ينقل بصره بين بوته وويكووكِت ثمّ إلى أسفل الدرج. وبتمنُّعٍ ظاهر، نزل الدرج هو الآخر.
بقي بوته في الأعلى حتى تبدّدت الرائحة بما يكفي لتشعر ويكووكِت بشيءٍ من التحسّن. ولمّا تبيّن أنّه لم يلحقها ضررٌ دائم، نزل الاثنان الدرج لينضمّا إلى آلٍ القلِق وغرَنتِلٍ الضَّجِر. فاسترخى آل حين رأى ويكووكِت سالمة، وشقّوا طريقهم عائدين نحو مدخل اللافاتيو.
«لا أظنّنا مكثنا هنا طويلاً، فإن انطلقنا الآن فبوسعنا على الأرجح العودة إلى مِغطَس الجحيم قبل حلول الليل»، حثّهم آل.
وفي طريق الخروج، توقّف بوته ليقدّم المِكنسة ومِجرفة الغبار إلى شبح كليودورا الزاحف، الذي كان لا يزال يحاول بصبرٍ أن يكنس الغبار والتراب بيديه الطيفيّتين.
«هوك إست يونيبيروروم!» هتف الشبح بفرحٍ جليّ. وأخذت يدان شفّافتان المِكنسة ومِجرفة الغبار من بوته وضمّتاهما بقوّةٍ إلى الجسد الشبحيّ. «إيغو سوم كليودورا. إيغو سوم كوم يونيبيروروم. موندي ميليوره ميي!»
وبدأت أصوات كنسٍ محموم تتعالى خلفهم بينما خرج المغامرون الأربعة إلى ضوء المساء الباكر في الخارج.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.