Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 93
تصاعد البخارُ من الأرض المُستنقِعة الدافئة، وتجمّع في كُتَلٍ من الضباب تتكاثف وتلتصق بالأرض كلّما لاقى هواءَ أوّلِ المساء الآخذَ في البرودة. ولو صادف أن وقف أحدٌ على مقربة، لربّما فزع لرؤية رأسٍ بهيميٍّ غريبٍ يطلع إلى مَرمى البصر، فيما صاحبُ الرأس يصعد متقهقراً بحذرٍ على الدرجات الغائرة الصاعدة من مدخل اللافاتيو. كانت عينا غرَنتِل وأذناه مُسمَّرةً على القوس القائم أسفل الدرج، المُفضي إلى الداخل من جديد.
«لا حاجة بك إلى كلّ هذا القلق،» طمأن بوته الغُنولَ من أسفل الدرج، «كليودورا راضيةٌ الآن، وممتنّةٌ لنا.»
«أتلومه؟» قالت ويكووكِت دفاعاً عن غرَنتِل. «كانت طريقتُها في الترحيب بنا مُخيفةً حقّاً، ثمّ انتزعت منه جسدَه وأرغمته على أن يشاهد عاجزاً وهي تُسخِّره لقضاء حاجاتها.»
انبعث من حلق غرَنتِل أنينٌ خافت، ثمّ استدار وهرع إلى رأس الدرج كطفلٍ يفرّ من وحشٍ متخيَّلٍ في قبوٍ مُظلم.
بل إنّ آل زمجر، زمجرةً خفيفة. «لا أزال غاضباً بعضَ الشيء من ذلك. لستُ مستاءً من أنّنا ساعدناها، فقد كان ذلك هو الصواب، ويسرّني أنّها صارت أسعد الآن. لكنّها كان بوسعها أن تطلب منّا العون ببساطة، بدلاً من محاولة سرقة غُنولنا.»
«إنصافاً لها، فقد طلبت فعلاً قبل أن تتصرّف،» نبّه بوته.
«هكذا قلتَ حينها، لكنّها لم تنتظر إذناً صريحاً أيضاً.»
«لم يكن أنا. ليس أنا،» غمغم غرَنتِل لنفسه وهو يرتجف ولا يزال يراقب أسفل الدرج، فيما صعد المغامرون الثلاثة الآخرون ليلحقوا به. ووجد آل نفسه مدفوعاً إلى أن يضع يداً مُطمئِنةً على كتف زميله غير البشريّ.
«لا تقلق، لن تُعيد الكرّة. ولو فعلت، فلربّما نسيتُ أنّني أحاول ألّا أتسرّع في استعمال السحر للعنف،» قال له آل. وقد فاجأه مدى نجاعة ذلك في تهدئة الغُنول المضطرب، الذي نخر نخرةً واحدةً إقراراً، ثمّ استرخى.
«أظنّ أنّ شيئاً من التسامح واجبٌ في مثل هذه الظروف،» قال بوته، «فرُفاتُها مُلقاةٌ هناك في الأسفل منذ قرونٍ على الأرجح، وإن لم يتّضح منذ متى أُوقِظت من الموت، فيبدو أنّ ذلك لا يقلّ عن معظم قرن، قضته وحيدةً تماماً، حبيسةَ غرفةٍ واحدة، مسكونةً بالحاجة المُحبَطة إلى أداء غايتها. وإنّي لأشكّ في أنّ أيّاً منّا كان سيكون أقلَّ لهفةً منها على الانقضاض على أيّ سبيلٍ إلى التقدّم يلوح له في ظروفٍ مماثلة.»
تنهّد آل. «لستُ متأكّداً أنّ بوسعي إنكار ذلك.» ورفع بصره إلى الضباب المتجمّع والسماء الآخذة في الإظلام رويداً. «الأرجح أنّ هذا ليس بالوقت المناسب لنقاشٍ فلسفيٍّ من هذا القبيل على أيّ حال. أودّ أن نعود قبل أن يحلّ الظلام، ثمّ نحظى ببعض الطعام الحقيقيّ، وأُتمّ أنا تدوين الحواشي على الخريطة.»
دفع احتمالُ الطعام الحقيقيّ غرَنتِل إلى العمل. وقد نسي صدمتَه النفسيّة تماماً، فانطلق يعدو بخطواته الواسعة صاعداً الدربَ الذي جاؤوا منه ليستطلع المخاطر.
«أحسبه سيكون بخير،» قالت ويكووكِت مبتسمةً. «كنتُ قلقةً قليلاً.»
«غُنولُنا،» قال بوته بتشديدٍ ينمّ عن التسلية، «يستمدّ قدراً عظيماً من صلابته من بساطته.»
«أكاد أحسده،» اعترف آل. «هيّا، لنلحق به قبل أن يعثر على شيءٍ لا ينبغي له أكلُه.»
«لقد عُدنا، ولسنا مصّاصي دماء، أعِدُكِ!»
تجاهل آل زفرةَ الخيبة التي أطلقتها ويكووكِت حين نادى الحارسةَ قبل أن يقتربوا. كانت نوبة لاري قد انتهت، ولم يعرف آل الحارسةَ الجديدة الواقفة عند الكوخ في ضوء فانوسٍ قريبٍ معلَّقٍ في رأس عمود. فزعت من الصوت الآتي على غير انتظارٍ من ظلال الغسق على الطريق المهجور، لكنّها تمالكت نفسها سريعاً.
«وأفترض أنّ صديقكم الطويل هناك ليس مُستذئباً هو الآخر؟» سألت حين اقتربوا بما يكفي ليُرَوا بوضوح. «أوصاني لاري أن أترقّبكم. إنّه محرَجٌ بعضَ الشيء، لكنّني لا أظنّه مقتنعاً تماماً بأنّكم لستم وحوشاً ماصّةً للدماء خرجت من المستنقع.»
«قد نكون كذلك،» أصرّت ويكووكِت.
«لكنّنا لسنا كذلك،» ردّ آل. ووضع حقيبته أرضاً ونبش فيها عن تصريح العودة ليُريَه الحارسةَ الجديدة. فأمالته لتلتقط ضوءَ الفانوس كي تتفحّصه، ثمّ أومأت وأعادته إليه.
«يبدو أنّ كلّ شيءٍ على ما يُرام، وإن لم تمانعوا فأودّ أن أتحقّق من أمرٍ آخر،» قالت، ومدّت يدها إلى جرابٍ معلَّقٍ بحزامها. وأخرجت منه قرصاً معدنيّاً مسطّحاً بحجم الكفّ. تفحّصت انعكاسَ وجهها في سطحه الأملس المصقول، ثمّ أدارته لتنظر إلى انعكاسات المغامرين. «حسناً، كلّ شيءٍ سليم،» قالت وهي تُعيد المرآة إلى مكانها مع غمزة. «وعدتُ لاري أن أتحقّق.»
فكّت حلقةَ المفاتيح من حزامها، وفتحت قفلَ البوّابة، ثمّ فتحتها. وتنحنحت وتكلّمت من جديد بابتسامةٍ عريضة.
«إنّني لا أدعوكم إلى الدخول،» قالت وهي لا تزال تُمسك البوّابة مفتوحة.
تنهّد آل. «لكن أليس التصريح يُعَدّ دعوةً أصلاً؟» سأل. فاتّسعت ابتسامة الحارسة.
«أوه، هذا لن يُطمئن لاري البتّة،» قالت فيما عبر المغامرون البوّابة.
«أمم...،» بدأت تقول وهي ترفع بصرها بينما مرّ غرَنتِل بخطواته الواسعة. «...ما...لا، لا عليكم.»
التفت آل فرأى نظرتها المتسائلة موجَّهةً إلى غرَنتِل. «إنّه غُنول،» شرح.
«نعم، أرى ذلك، إنّما...لا شيء، طابت إقامتكم.»
تنهّد آل. «لا، لا بأس، ماذا أردتِ أن تسألي؟»
ولا تزال ترفع بصرها إلى غرَنتِل، سألت: «لماذا غُنول؟»
توقّف غرَنتِل لينظر إلى أسفل، فالتقت عيناه بعينيها وقد بدا عليه شيءٌ من الحيرة. فأمسك آل الجوابَ الذي كان سيُقدّمه حين لاحظ أنّ غرَنتِل بدا كأنّه يتأمّل السؤال بنفسه. وتقطّب الحاجبُ غيرُ البشريّ تقطُّباً عميقاً فيما قلّب الغُنول هذه المعضلة الفلسفيّة الغريبة.
«هذا ما أنا عليه،» قال أخيراً، ببطء.
تفاجأ آل قليلاً بأنّ هذا بدا تفسيراً وافياً بما يكفي عند الحارسة. «معك حقّ،» قالت مُومئةً، «لدينا كثيرٌ من الزبائن الآخرين في أحوالٍ مشابهة. لكنّني لم أتوقّع قطّ أن يكون غُنولٌ بينهم. أمم...أرجو ألّا تذكروا أنّني سألت، فليس من المفترض بنا أن نطرح أسئلةً شخصيّةً كهذه.»
ولا يزال الارتباك بادياً عليه، نخر غرَنتِل نخرةَ موافقة، ومضى في طريقه يتشمّم فيما سرت في الهواء رائحةُ باعة الطعام المسائيّين في أعلى الطريق.
«لا تقلقي، لن نُوقعكِ في ورطة!» طمأنتها ويكووكِت.
«نعم، ولعلّ التمرين الفلسفيّ ينفعه هو أيضاً،» أضاف بوته، وهو يتبع الآخرين عبر البوّابة.
لوّحت لهم، ثمّ أغلقت البوّابة وأقفلتها ثانيةً خلفهم.
«لماذا أنا موجود؟» سأل غرَنتِل فيما مضوا في الشارع نحو رائحة الطعام. وكان سؤالاً غيرَ متوقَّعٍ إلى حدٍّ جعل آل يتعثّر بحجرٍ من حجارة الرصيف ويكاد يسقط.
«ذلك سؤالٌ بالغ التعقيد، يطرحه كثيرون على أنفسهم، لكنّهم كثيراً ما لا يجدون له جواباً واضحاً أبداً،» أجاب بوته.
«أجل، ليس مفهوماً بسيطاً. إنّه من الأمور التي ربّما لا يفهمها إلّا الآلهة،» أضاف آل، «أظنّ أنّ عليك نوعاً ما أن تُحدّده بنفسك بعد كثيرٍ من التفكير العميق.»
«أوه،» قال غرَنتِل، وقد بدا أنّه فقد اهتمامه.
«كم أنتما مولَعان بالكتب!» اتّهمتهما ويكووكِت. «إنّه أمرٌ بديهيّ! أنت هنا لتُحطّم الأشياء السيّئة، وتلتهم الطعام، وتسترخي!»
ابتسم غرَنتِل راضياً، وتساءل آل من جديد كيف له أن يعرف أنّ هذا ما يعنيه ذلك التعبير غير البشريّ.
وأشار الغُنول في الشارع إلى أحد باعة الطعام في البعيد.
«لحم،» قال.
لمّا كانت مكافأةٌ مُجزيةٌ وشيكةً في الأفق، رأى آل أنّ من المعقول أن يُدلّلوا أنفسهم. كان بائع اللحم المشويّ على الأعواد لا يزال يبدو متوتّراً بعضَ الشيء من القرب الشديد من شخصٍ على هيئة غُنول، لكنّه سُرَّ بأن يبيعهم من الطعام ما يُشبعهم بالأسعار المرتفعة المعتادة. وعلى الأقلّ بدت كلّها قِطَعاً من اللحم أجودَ ممّا اعتاد آل أن يربطه بباعة الشوارع. وراحوا يقضمون عشاءهم المحمول وهم عائدون إلى غرفتهم. وفي الطريق أشار آل إلى أحد أفراد الطاقم المارّين، وطلب إليه أن يُبلغ ستيفن أنّ لديهم أخباراً له.
ولمّا استقرّ الجميع في غرفتهم من جديد، أخرج آل خريطته المرسومة ووضعها على منضدته الصغيرة. وجلس على السرير النقّال وعكف على إتمام حواشيه عمّا وجدوه في الداخل.
وبعد أن تأمّل ما صنع، أضاف سهماً صغيراً يشير إلى الباب الخفيّ المُفضي إلى منبع الماء، وكتب بجانبه: أحضِروا متحدّثاً بالإلفيّة، واسألوا كليودورا كيف السبيل إلى الدخول.
ركضت ويكووكِت لتُجيب طرقاً على الباب، فوجدت ستيفن هناك.
«مساء الخير،» قال، «يسرّني أن أراكم قد عُدتم. أعندكم أخبارٌ سارّةٌ لنا؟»
«أظنّ ذلك،» أجاب آل وهو يلتقط خريطته المرسومة. ونهض ومشى ليُسلّم الخريطة إلى ستيفن. «أعتقد أنّنا أزلنا كلّ ما هو خطِر، باستثناء بعض المخاطر البيئيّة ربّما، كهذه الأرضيّة الزَّلِقة هنا حيث يرشح السقف.» وأشار آل إلى الموضع على الخريطة الذي انزلق فيه على البِركة اللزجة. «منبع الماء هنا يبدو محروساً، لكنّ ذلك جزءٌ من المنشأة، وأظنّ أنّ حُرّاسه هم ما يُبقي الماء جارياً. ولا يبدو أنّهم خطِرون فيما عدا ذلك. وكلّ ما وجدناه هناك من خطرٍ سوى ذلك قد ... عُولِج الآن.»
«أظنّ أنّ القاضي سيسرّها أنّكم أنجزتم العمل بهذه السرعة، وسأنقل هذا إليها،» قال ستيفن وهو يأخذ الخريطة. «وإن شئتَ شيئاً من المرهم لكدماتك، فبوسعي تدبيره.»
رفع آل يده ليلمس جانب رأسه حيث لكمه الزومبي، فتألّم. «لا، لا بأس، سأكون بخير بعد أن أنال قسطاً من الراحة.»
«حسناً إذن.»
«أوه،» أضاف آل، «أودّ أن أعود مع طاقم العمل في اليوم الأوّل، حين ترسلونهم، فقد وجدنا تشكيلاً سحريّاً على أحد الأبواب. إنّه خامدٌ ومكسورٌ الآن، لكنّني أردتُ أن أحاول رسمه رسماً جيّداً لدراسته لاحقاً قبل أن يُزال تماماً.»
«سأنقل ذلك إلى القاضي أيضاً. أثمّة شيءٌ آخر؟»
«نبيذ!» طلبت ويكووكِت. «في جرّة، مع بعض الأكواب! كانت هذه أفضل مهمّةٍ حتّى الآن، علينا أن نحتفل!»
«سأستدعي ساقيَ النبيذ.»
«آه، لا داعي لذلك على الأرجح، لا نحتاج شيئاً بالغ الرُّقيّ، ما دام من النوع الأحمر،» قال آل.
أومأ ستيفن وانصرف، ثمّ عاد بعد دقائق بجَرّةٍ من الطينِ مُغبَرّةٍ وبعض الأكواب الخشبيّة.
«لم أعمل دائماً في مكانٍ فاخرٍ كمِغطَس الجحيم،» قال بابتسامةٍ صغيرة، «وأعرف تماماً ما تحتاجون إليه.» وناولهم الجرّة والأكواب، ثمّ تمنّى لهم مساءً طيّباً وأغلق الباب خلفه وهو ينصرف. وضعت ويكووكِت الأكواب على الأرض ونزعت السِّدادة من الجرّة. ثمّ رفعت الجرّة بذراعيها اللتين على قدِّ الغنوم وملأت الأكواب، ثمّ وزّعتها على غرَنتِل وآل وبوته.
انبعث من حلق غرَنتِل ما يُشبه أنيناً حادَّ النبرة، بدا لآل أنّه أنينُ رضا. فضحكت ويكووكِت، ثمّ رفعت كوبها كأنّها تقترح نخباً وهي تُقلّد الصوت نفسه. ففعل آل مثلها، إذ بدا ذلك لائقاً، وانضمّ إليهم بوته أيضاً. وشرب الجميع.
ومضى المساء في رفقةٍ مريحة. وبما يتناسب مع حجمه، لعق غرَنتِل معظمه، يليه عن قربٍ بوته باحتماله القزميّ للمشروبات الكحوليّة، لكن ظلّ في الجرّة ما يكفي الجميعَ من النبيذ الرخيص القويّ. وفي آخر الليل، حين أوى آل إلى النوم، تخيّل أصواتَ غرَنتِل المجتمعة، من زمجرةٍ وأنينٍ ونخيرٍ ونباحٍ وهرير وصيحات، تتردّد في رأسه عبر طنين السُّكر الخفيف فيما انجرف بعيداً عن الوعي.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.