Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 94
تأوّه آل متذمّراً صباحَ اليوم التالي إذ طالبته أحشاؤه بأن يستيقظ ويمضي إلى بيوت الخلاء. أرغم نفسه على الجلوس، وتوقّف لحظةً يتفقّد حاله قبل أن ينهض ويجرّ قدميه خارجاً إلى الرواق. لم يكن يشعر في الحقيقة بسوءٍ كبير، ليس إلّا صداعاً خفيفاً من الجفاف، وشيئاً من الدُّوار لأنّه استيقظ ومشى بتلك السرعة، وضيقاً من إلحاح أمعائه. كان بوته مستيقظاً بالفعل، منصرفاً إلى صلاةٍ هادئة. وبدا أنّ ويكووكِت غائبةٌ هي الأخرى. ولم يكن آل مرتاحاً بما يكفي لينحني وينظر تحت سريره بحثاً عن غرَنتِل، فأغلق الباب وأسرع عبر الرواق ليقضي حاجاته البيولوجيّة.
«صباح الخير يا آل!» قالت ويكووكِت، وقد ظهرت على غير انتظار حين كاد يصطدم بها وبغرَنتِل عند منعطف الرواق. «ماذا على الفطور؟»
كانت حافيةً ترتدي توغا المنشفة مرّةً أخرى، لا يكاد يُسمع لمشيها صوت. بدا ذلك مفهوماً لآل، نظراً إلى صِغَر حجمها وخفّة وزنها، لكنّه وجد نفسه مع ذلك مندهشاً من أنّ مخلوقاً في ضخامة غرَنتِل يستطيع التنقّل بهدوءٍ يكاد يضاهي هدوءها.
«الوقت أبكر من أن أفكّر في هذا،» أجاب آل وهو يهزّ رأسه، «سأفكّر في الأمر حين أعود.» ومرّ بهما مسرعاً فيما أطلقت أحشاؤه قرقرةَ إنذارٍ مسموعةً جدّاً.
عاد آل إلى غرفة الرِّفقة بعد حين، وقد تحسّن حاله، وسرّه أنّه كان من حضور الذهن بحيث لم يُفرِط في الخمر الرخيصة. دخل فوجد بوته وويكووكِت يتفحّصان ورقةً عليها رسالةٌ بخطٍّ أنيقٍ مُزخرَف، بينما جثم غرَنتِل قريباً منهما وقد بدا عليه الضجر. وكانت ورقةٌ أخرى ملفوفةٌ مختومة، ورَقٌّ مختومٌ مثلها، تنتظران على منضدة بوته الصغيرة أن تُفحصا.
«ما هذا؟» سأل آل وهو ينحني لينظر. ثمّ تنهّد ورمق السقف بنظرةٍ مسرحيّةٍ تلقائيّة يستجدي بها رحمةَ السماء حين رأى أنّ الرسالة تبدأ بعبارة إلى رِفقة الغُنول.
«سلّمنا مُضيفنا ستيفن ثلاث رسائل منفصلة موجّهةً إلينا. هذه من القاضي في مِغطَس الجحيم، تطلب فيها أن ننضمّ إليها على غداء منتصف النهار لنتباحث في مهمّتنا، وبالطبع لتدفع لنا أجرنا. وهي تودّ أن تسمع تفاصيل ما وجدناه لتقرّر ما نستحقّه، وما قد يحتاج طاقم المَسْح إلى معرفته من معلومات،» لخّص بوته.
«يبدو هذا مبشّراً على الأقلّ. والرسالتان الأخريان؟»
«أظنّنا جميعاً نعرف ممّن هذه،» أجابت ويكووكِت، وهي تلتقط الورقة الملفوفة المختومة. أدارتها ليرى آل ختم الشمع بوضوح، وعليه رسمٌ مُحوَّرٌ لعنكبوت.
والتقط بوته الرَّقَّ الملفوف. كان ختم الشمع الأخضر يحمل صورةَ بقرةٍ من جانبها، بضرعٍ مُبالَغٍ فيه وقرنين صغيرين مُقوَّسين. «لا أعرف هذا الختم، لكن بالنظر إلى استعمال الرَّقّ الأغلى ثمناً بدلاً من الورق، أحسب أنّه يعود إلى شخصٍ ذي ثراء.»
«الآن وقد صرنا مغامرين مشهورين ناجحين، فالأرجح أنّها أسرةٌ نبيلةٌ حلّت بها لعنةٌ قديمة، ويريدون أن يدفعوا لنا مقادير هائلةً من الذهب لنغوص في مقابر أسلافهم ونقضي على خطرٍ مريعٍ من الموتى الأحياء ونكسر اللعنة!» شرحت ويكووكِت.
«هذا تنبّؤٌ محدّدٌ على نحوٍ غريب،» داعبها آل، «وأكثر إحساناً بكثيرٍ ممّا كنت سأخمّن أنّكِ ستفترضينه عمّا يريده شخصٌ نبيل.»
«اسمع، المال الذي يعطوننا إيّاه مالٌ مأخوذٌ من النبلاء،» قالت ويكووكِت، «مع أنّ لك وجهة نظر. ربّما هو شخصٌ يظنّ أنّ بوسعه أن يشتري غرَنتِل منّا.»
«لن يحصلوا عليه،» قال آل بحدّة. «أعني... إن كان هذا ما يسعون إليه.» يبدو أنّ المشاقّ الأخيرة والخطر المُميت المتكرّر في الآونة الأخيرة بدأت تنال منّي، فكّر آل. «إذن... ماذا تقول؟» سأل.
كسر بوته الختم وبسط الرَّقّ.
«حضوركم مطلوب،» قرأ بوته بصوتٍ عالٍ، «تتشرّف السيّدة دارلا فيتز واين بدعوة السيّدة الغنوميّة المُبهِجة إلى أن تُحضر وحشها ورفاقها الآخرين لتناول المرطِّبات والحديث في شأن وحشكم عند منتصف نهار الغد في دار فيتز واين، رقم 12، زُقاق حجر الحليب، مِغطَس الجحيم. نرجو إبلاغنا إن تعذّر الحضور.»
«في شأن وحشكم؟» سأل آل، وهو يرمق ويكووكِت بنظرةٍ مرتابة. «ماذا فعلتما أنتما الاثنان؟»
«لا شيء! حسناً، لا شيء سيّئاً على الأرجح. تقول إنّنا مدعوّون بكلّ ودّ، وهذا أمرٌ حسن، أليس كذلك؟ ربّما هي من المعجبين بمضايقتنا للنبلاء الآخرين.»
«ربّما،» قال آل متأمّلاً. «لكنّي لستُ واثقاً من أنّي أثق بها. قد تفضي الصِّلات النبيلة والمال إلى مشاعر غريبةٍ بالاستحقاق. مهلاً... متى تبادلنا المواقع في هذا الأمر؟ لماذا تبدين أنتِ مرتاحةً إلى هذه بالذات؟»
«قالت إنّنا مُبهِجون، ويبدو أنّها تعرض علينا طعاماً مجّانيّاً، بل طعام نبلاءٍ فاخراً على الأرجح! لا يمكن أن تكون سيّئةً تماماً! ألا تريد أن تذهب؟»
«حسناً، ربّما. إن كانت أسرة فيتز واين ودودة، فقد يكون من النافع أن تجمعنا بها علاقةٌ طيّبة. لكنّي لستُ واثقاً من نواياهم فحسب.»
أعمل آل فكره في الموقف. «أظنّ أنّه ما دامت تريد أن تتحدّث في شأن غرَنتِل، فينبغي على الأرجح أن يعود القرار إليه.» ونظر ليرى ردّ فعل غرَنتِل.
همهم الغُنول. «أحبّ الطعام،» قال.
«بالطبع تحبّه،» قال آل وهو يفرك جبينه. «لا بأس، لكنّي سأستاء إن حاولَت شراءه لحديقة حيوانات أو شيءٍ من هذا القبيل.»
«إن فعلوا، يمكننا أن نشرع في العمل على مسألة سقوط الأمّة تلك انتقاماً. مرحباً بك في الثورة يا آل!»
هزّ آل رأسه. «وأفترض أنّ الرسالة الأخيرة من سايرَس، ماذا لديه ليقول؟»
كسر بوته الختم الرماديّ الموسوم بالعنكبوت، فتفتّت على نحوٍ غير طبيعيٍّ إلى ذرّاتٍ دقيقةٍ في حجم حبّات الرمل على الأرض. بسط بوته الورقة وعبس.
«لا تقول سوى: 'هذه الرسالة لم تكن لك.'»
أدار بوته الورقة ليراها آل. كانت هذه الرسالة لم تكن لك الكتابةَ الوحيدةَ الظاهرة. «أهذه دعابةٌ من نوعٍ ما؟» تساءل آل بصوتٍ عالٍ، وقد شعر بالانزعاج.
«دعني أرى هذا!» ألحّت ويكووكِت. أخذت الورقة وتفحّصتها بابتسامةٍ عريضة. «ليس سيّئاً، لقد انطلت عليّ الحيلة لحظة. سنجعل منكما ممثّلَين بارعَين في وقتٍ قصير!» وراقبها آل متشكّكاً وهي تمرّر إصبعها ببطءٍ على المساحة الفارغة من الصفحة كأنّها تقرأ.
«لنرَ، يقول إنّنا مدعوّون من جديد إلى النبع السرّي للعشاء عند الغروب. ويكتب أنّ القضيّة الغامضة التي تورّطنا فيها الآن قد رضيت عن نتائجنا مع الشيء الذي أخضعناه، و... أوه، جيّد، يقول يا آل إنّهم يرتّبون لك الوصول إلى المكتبة السابقة،» قالت، وهي تدير الصفحة نحو آل وتشير إلى موضعٍ بعينه في الصفحة الفارغة تحت هذه الرسالة لم تكن لك.
«كم من هذا تختلقينه في التوّ واللحظة؟ هل وصلتكِ رسالةٌ منه؟» سأل آل.
رمقته ويكووكِت بنظرةٍ حائرة.
«السَّحَرة يجب أن يعرفوا القراءة، أليس كذلك؟» قالت، وهي تشير بإصرارٍ إلى الصفحة الفارغة. «ويمضي فيقول إنّ لديه بعض الاقتراحات بشأن الدخول إلى السور الجنوبي أيضاً.»
«لا يرى أيٌّ منّا شيئاً سوى 'هذه الرسالة لم تكن لك' في أعلى الصفحة. أليس كذلك؟» سأل آل بوته، الذي أومأ موافقاً.
«أهذا ورقٌ سحريّ؟» سألت ويكووكِت وقد اتّسعت عيناها، وهي تعيد قراءة ما تراه على الورقة بسرعة. «وماذا عنك؟» سألت غرَنتِل، دافعةً الورقة نحوه. ضيّق عينيه، وراقب آل عينَي الغُنول تمسحان الصفحة ببطءٍ جيئةً وذهاباً. وبدأ لعاب غرَنتِل يسيل.
«يقول سيكون لحمٌ كثير،» قال.
«آه،» قال بوته وهو يومئ، «طريقةٌ سحريّةٌ لنقل الرسائل نقلاً آمناً. يُفترض أنّ الكتابة تنقل الرسالة الحقيقيّة إلى القارئ الذي قصده الكاتب، بينما تُظهر رسالةً مضلِّلةً لأيّ أحدٍ سواه.»
«إذن فهو ورقٌ سحريٌّ فعلاً!» هتفت ويكووكِت بسعادة. «اسمع يا آل، أتعرف كيف تصنع الورق السحريّ؟»
«ماذا؟ لا، لا أعرف. ثمّ إنّ الورق على الأرجح ليس هو السحريّ، بل الرسالة نفسها على الأرجح، أو ربّما الحبر... ولا، لا أعرف كيف أصنع ذلك النوع من الحبر السحريّ.»
«أوه،» قال بوته بهدوء، وهو يحدّق شارداً فيما وراء آل وويكووكِت بابتسامةٍ تتّسع. «شكراً لك. سأجتهد في أن أكون جديراً به.»
«ماذا؟» سألت ويكووكِت.
«ربّما لا يعرف آل كيف يصنع الحبر اللازم لهذا ويستعمله، لكن يبدو أنّ هذا السرّ قد مُنح لي لأداء واجباتي. غير أنّ صنع الحبر يتطلّب بعض المكوّنات الباهظة، فأرجو ألّا تطلبا منّي إساءة استعمال هذه السلطة في المقالب.»
«لا وعود!» هدّدت ويكووكِت، وهي تتساءل عن ضروب العبث التي قد تحقّقها بوثائق وهميّة.
«أرجوكِ لا تنفقي أجرنا كلّه على خداع الناس،» توسّل آل.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.