Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 30
توجّهتُ مباشرةً إلى ملجأ السريع، فوجدتُ أنّ الزقاق المسدود قد أُغلق الآن بسياجٍ من الأوتاد وبوّابة.
«تبًّا للجحيم»، تمتمتُ مندهشًا.
تقدّمتُ وتحسّستُ الجدار. بحثتُ عن فتحة. لم تكن هناك واحدة. ثمّ جاءني صوتٌ من زاويةٍ مظلمة:
«غواك! أتبحث عن السريع؟»
لمحتُ شبحًا في عمق رواق أحد البيوت. كان الوجه مخفيًّا نصفَه خلف قبّعةٍ باليةٍ رثّة.
«الجولة الميتة، أجل أبحث عنه»، اعترفتُ. «أتعرف إلى أين انتقل؟»
«قبل يومين، وقع شجارٌ مع الجيران، فتقرّر أن يُسَدّ الزقاق بجدار»، علّق الرجل. «إنّه لأمرٌ مؤسف، فالسريع ذاك ليس سيّئًا. لو كنتُ مكانك، لذهبتُ إلى ساحة الصوف؛ لا شكّ أنّك ستجد من يعرف. كما يقولون: لا أحد يعرف أين الغواكات، لكنّ الغواكات، من دون الناس جميعًا، تعرف أين كلّ إنسان.»
ابتسمتُ.
«طبيعيّ. شكرًا لك يا سيّدي. طابت ليلتك.»
«عفوًا. بالمناسبة»، أضاف بصوتٍ خافت، «لا أدري إن كنتَ تعلم، لكنّ أحدهم يتبعك.»
تيبّستُ وأدرتُ رأسي قليلًا جدًّا نحو أحد الجانبين. لم أرَ شيئًا، لكنّني قلتُ:
«تبًّا للجحيم، شكرًا يا جدّي.»
«أيّ جدٍّ؟ عمري اثنان وثلاثون ربيعًا. مهرجانٌ سعيد.»
«ومهرجانٌ سعيد لك يا رفيق!» أجبتُ ساخرًا، ثمّ جأرتُ بالغناء مبتعدًا:
الجيران لا يريدوننا حولهم.
إسطرباغاتٌ حقيرة!
يطردون الغواكات.
أهُم شياطين؟
لا-ري-لون، لا-ري-لان.
لسنا شياطين.
أنتم الشياطين!
يا حُثالةً برؤوسٍ كالخنافس،
يا حفنةَ لاعقي المسامير،
يا قومًا متعصّبين،
يا خاطفي البيوت.
يومًا ما، أُقسم،
سيسلبوننا الشارع!
اغتنمتُ الفرصة فطرقتُ بقبضتي بابًا قريبًا، ثمّ فررتُ. بعد حين، شعرتُ أنّني أعرج قليلًا، فبدأتُ أمشي، آملًا أن يكون من يتبعني قد فقد أثري.
قبل التوجّه إلى ساحة الصوف، قرّرتُ أن أمرّ بـ«الجارور». لم يكن معي مسمارٌ واحدٌ لأشتري به طعامًا، لكن كانت لديّ معلومات. كان بوسعي دائمًا أن أُلقي عبارةً مُغرية، وأُقنع شام بأن يشتري لي العشاء، وأحكي لهم شيئًا من قبيل: لقد رحل الأوجيساريون ولن يعودوا. بمسحةٍ من الغموض وحكايةٍ جيّدةٍ أرويها، لا شكّ أنّ أحدهم سيُشفق عليّ ويقبل أن يشتري لي وجبة. وفي طريقي إلى الحانة، اختلقتُ حكايةً مفادها أنّ أرواح الانتقام نفسها هاجمت الأوجيساريين ففرّوا هاربين. كنتُ لا أزال أُنقّح التفاصيل حين دفعتُ الباب وقلتُ:
«أيو، أيو! وجبةٌ للمُنشِد الجائع الذي يحمل حكايةً مثيرةً عن الأوجيساريين! كيف حالك يا شام؟»
مشيتُ بسرعةٍ وجلستُ على مقعدٍ عند المِنضدة، فمنحني صاحب الحانة ابتسامةً متكلَّفة.
«أيو أيّها المُنشِد. آه... لن تحكي لنا مزيدًا من الحكايات الجامحة عن... آه... الأويساليين؟»
عبستُ، وعندئذٍ فقط انتبهتُ إلى الصمت الغريب في الحانة. أدرتُ رأسي فوجدتُ نفسي وجهًا لوجهٍ أمام عملاقٍ أصلعَ مُوشَّم. كان يرافقه رجلٌ ملتحٍ يعصب رأسه شريطٌ أرجوانيّ يكبح شعرًا مضفورًا مهيبًا، وشابّةٌ زرقاء الشعر تلتفّ في عباءةٍ سوداء طويلة. كان الثلاثة يحملون سيوفًا. حرّاس؟ لم يبدوا كالحرّاس. بدوا أشبه بمرتزقةٍ، أو قتلةٍ، أو سفّاحين مأجورين... ولم يكونوا من روّاد «الجارور». حدّقتُ فيهم في حيرة.
«أيّها الفتى. أتعرف شيئًا عن الأوجيساريين؟»
كانت المرأة زرقاء الشعر هي من تكلّمت، بصوتٍ ناعمٍ ومُلِحٍّ في آن. ابتلعتُ ريقي وأطلقتُ صوتًا مخنوقًا قبل أن أقول:
«الأوجيساريون؟ هل قلتُ الأوجيساريين؟ كنتُ أعني الـ...»
ألقيتُ نظرةً على صاحب الحانة، فهبّ لنجدتي بلطف:
«الأويساليون.»
«تمامًا. كنتُ أتحدّث عن الأويساليين»، أكّدتُ. «أويساليّو الأرواح، بُورِكوا في هذا اليوم بالخريف والعنب والنبيذ وأمّهاتهم وكلّ أسلافهم. الأوجيساريون!» هتفتُ بسخط. «فليذهبوا إلى كهف التنّين ولْيَرَوا إن كان سيُدفئ سيقانهم!»
انفجر الروّاد ضاحكين، فاغتنمتُ هذه اللحظة التي استرخى فيها الجوّ لأطلب من شام العشاء من جديد، قائلًا بنبرةٍ منسابة:
«إن لم يكن لديك مانع، سجّلها على حسابي؛ لا مال معي الليلة، لكن غدًا سيكون لديّ بعضه بالتأكيد.»
زمّ شام شفتيه ووضع أمامي مع ذلك صحنًا مملوءًا بالعصيدة.
«لا بأس لأنّك أنت يا مُنشِد؛ لا أفعل هذا إلّا للزبائن الطيّبين.»
«حسنًا، هذا بالضبط!» ابتسمتُ آخذًا الملعقة. «شكرًا يا شام.»
ورحتُ ألتهم العصيدة وأمضغ رغيفي كأنّي لم آكل منذ أيّام، وهو ما لم يكن صحيحًا بالطبع: فالخيميائيّ قد يقدر على أن يُخيفني حتّى الموت، لكن لا على أن يُجيعني.
مع ذلك، أفسد عشائي بعض الشيء وجودُ المرتزقة الغرباء. توقّفتُ حين سمعتُ الرجل الملتحي ينحنح. نادى الحانة بأسرها:
«سنكون ممتنّين لكلّ من يستطيع إخبارنا بمكان الصقر الأسود. إن كانت لديكم أيّ معلومةٍ عنه، فتعالوا إلى «الراقصات» وستنالون عشرين سياتو.»
تصامَمَ أكثرهم. وحده شام مال على المِنضدة وقال بصوتٍ كان مع ذلك مسموعًا تمامًا:
«آسف يا سيّدي، لكنّني لا أظنّ أنّ هؤلاء الناس يعرفون عن الصقر الأسود أكثر ممّا أعرف. كان كابَ إحدى العصابات الكثيرة في المتاهة. انتهى الأمر نهايةً سيّئةً على ما يبدو، لكن لا فكرة لديّ عمّا حدث. بصدق.»
لم يكن يعنيني إن كان صادقًا أم لا. الشيء الوحيد الذي أزعجني كان النظرة الحادّة التي رمقتني بها المرأة زرقاء الشعر. بدت وكأنّها تقرأ أفكاري.
زمّ الرجل الملتحي شفتيه في ارتيابٍ نحو صاحب الحانة وتمتم من بين أسنانه:
«لنخرج من هذا الوكر.»
أفرغ العملاق الموشَّم كأسه دفعةً واحدة، وحوّلت المرأة زرقاء الشعر نظرها عنّي، وألقت نظرةً أخيرةً على الحانة، ثمّ أومأت دون أن يتغيّر وجهها المُبهَم. وما إن خرج الثلاثة حتّى دبّت الحياة في الحانة من جديدٍ بالقهقهات.
«يا لها من دخلةٍ صنعتَها لنا أيّها المُنشِد!» نبح العجوز فييرونيل. «كنّا ننتظر أن يرحل أولئك الغرباء العجيبون، فإذا بك تقتحم المكان وأنت تتحدّث عن الأوجيساريين.»
«الأويساليون، الأويساليون!» صحّحتُ له وأنا أحكّ رأسي. «ماذا أراد أولئك الرجال؟»
«سمعتَه»، قال شام مُتّكئًا على المِنضدة بمنشفةٍ وكأس. «كانوا يبحثون عن معلوماتٍ عن الصقر الأسود. أكثر من واحدٍ يبحث عنه. على ما يبدو، هناك قابض مساميرَ يريد تحديد مكانه، لأنّ ذاك الذكيّ اللعين فرّ، بحسب الزعم، بثروةٍ كانت تخصّ قابض المسامير. هذا ما تقوله الألسنة السيّئة. إلى أين ذهب هذا المحتال الآن يا تُرى؟ ما هو واضحٌ أنّني ما كنتُ لأبحث عنه في إستِرغات. قد يكون ذهب إلى دواريا أو أزاخ. إلى حيث لا تبلغه هبّة الريح، تفهم ما أعني.»
«فليشنق نفسه شنقًا مستقيمًا إن كان إسطرباغيًّا بما يكفي ليبقى في أركولدا»، شخر يارّاس، بلطجيّ الأبيض. وترك الأوراق على الطاولة بلا اكتراثٍ وهو يلتفت إليّ. «إذًا أيّها المُنشِد. قلتَ إنّ لديك حكايةً مثيرةً ترويها لنا؟»
«أوه...» زممتُ شفتيّ وألقيتُ على الجميع نظرةً حذِرة. «حسنًا... لأصدُقكم القول، أستطيع أن أحكي لكم حكاياتٍ كثيرة، لكن لا شيء منها... يخصّ الأويساليين تحديدًا. لنقُل فحسب إنّني كنتُ أبحث عن جمهورٍ يملأ صحني»، اعترفتُ بصراحةٍ تامّة.
قوبل ردّي بابتساماتٍ وهتافاتٍ مُستحسِنةٍ مثل «انظروا إلى هذا المحتال!» أو «ليس غبيًّا!»، وأكّد العجوز فييرونيل:
«لا يهمّ! على أيّ حال، لم يعُد الأوجيساريون موجودين أكثر من الأويساليين الآن. بالنسبة إليّ، كأنّهم تحوّلوا إلى ضفادع.»
أومأ عدّةٌ منهم بصخبٍ موافقين، وإذ رأيتُ أنّ الاهتمام بالأوجيساريين وبي آخذٌ في الفتور، دفعتُ الصحن الفارغ نحو شام، وانزلقتُ عن المقعد، وألقيتُ إلى صاحب الحانة:
«لم أنسَ أنّني مدينٌ لك بواحدة يا شام.»
«ولا أنا نسيتُ»، ردّ بابتسامةٍ صغيرة. «نَم جيّدًا!»
«وأنت أيضًا!» قلتُ، وخرجتُ من هناك بـ«أيو، أيّها الجميع!»
وما إن أغلقتُ الباب حتّى أدرتُ رأسي إلى اليسار، ثمّ إلى اليمين، ثمّ نظرتُ إلى اليسار مرّةً أخرى. هناك وقف الغرباء عند نهاية الشارع. ولم يكونوا ثلاثةً. كانوا خمسة. وكانوا جميعًا مسلّحين. أيّتها الأمّ الصالحة...
حين رأيتُ أحدهم يخطو نحوي، وليّتُ الأدبار في الاتّجاه المعاكس.
«مهلًا أيّها الفتى!»
لم أُصغِ. انعطفتُ عند الزاوية وركضتُ نازلًا الدَّرَج بأقصى ما تسمح به ساقي العرجاء المُثيرة للغيظ. كنتُ أظنّ أنّ الغرباء لا يلاحقونني حين أمسكني أحدهم فجأةً من ذراعي بعنفٍ ودفعني مسرعًا نحو الجدار. صرختُ، فزمجر مهاجمي في أذني:
«اصمُت وإلّا قتلتُك.»
أطبقتُ فمي وكنتُ أستعدّ بالفعل لأُسدِّد له تفريغًا مَوْتيًّا حين تعرّفتُ إلى صوته فغمرني الرعب. كان واروك. لو أنّني أستطيع فقط أن ألمسه بيدي اليمنى... تلويتُ، فوكزني بمرفقه في أضلاعي. وما إن سمعتُ زمجرةً حتّى تسمّرتُ ساكنًا كالتمثال. الكلاب، أدركتُ مذعورًا. كان واروك مع أدويا. أدويا وكلابه السبعة. أطلقتُ صرخةً مروّعةً وسمعتُ ضحكة واروك الصغيرة.
«أنصِت أيّها الحقير القذر. سأُطعِمك سمًّا قاتلًا يقتلك في دقائق إن لم أُعطك الترياق. لكن، إن أخبرتني أين أخي والقطّ الأسود، فسأُعطيك الترياق. فقط إن أخبرتني أين هما، أفهمت؟» صفعني بالجدار من جديد، فأحسستُ بالصخرة القاسية على وجنتي. «أعرف أنّك صديقٌ لمانراس. لقد خاننا بسببك. تكلّم وإلّا اقتلعتُ عينيك وأحشاءك قبل أن أقتلك.»
ويُفترض أن أُصدّق أنّك ستُعطيني الترياق، فكّرتُ ساخرًا. جرى كلّ شيءٍ بسرعةٍ بالغة. أوّلًا، خنقني واروك بما كان في يده أيًّا يكن. كافحتُ لألتقط أنفاسي، لكن ما إن فتحتُ فمي حتّى وضع قارورةً بين أسناني. ضاع الكثير ممّا سكبه، لكنّني اضطُررتُ لابتلاع الباقي رغمًا عنّي. ها هو ذا. صار السمّ القاتل في جسدي. كنتُ، إن جاز القول، ميّتًا بالفعل. انتابني نوعٌ من الثِّقَل المجنون المتعطّش للانتقام. ماذا يهمّ الآن ما يمكنني فعله؟
ألقيتُ تعويذةَ نورٍ متناغمٍ شديد، ومُغتنمًا المفاجأة، تمكّنتُ من تحرير نفسي بما يكفي لأمسك واروك من ذراعه وأُسدِّد له صدمةً مَوْتية. سقط الإلف المظلم أرضًا. رأيتُ القارورة تنزلق من يده، فالتقطتُها في ثورةِ غضب، وسكبتُ ما تبقّى من السمّ في حلق واروك، صائحًا:
«أيّها القاتل!»
«كفى!» صرخ أدويا.
رفعتُ نظري فجأةً فرأيتُ الكلاب السبعة تتربّص حائرةً، تنتظر أن ينضمّ إليها سيّدها. خفَت جنوني لثانية. ثمّ فررتُ. كان ذلك خطأً. فما إن رأتني الكلاب أتحرّك حتّى انقضّت عليّ تنبح بصخب. لم أعرف أيّهما أفضل: أن تأكلني الكلاب أم أن أُسمَّم. تمنّيتُ أنّها لو أكلتني، فسيقتلها السمّ هي الأخرى على الأقلّ.
سقطتُ أرضًا في وسط القطيع وأحسستُ بأسنانٍ تنهش ذراعيّ وساقيّ. صرختُ، وأطلقتُ تناغماتٍ عشوائية، بل وأصدرتُ أصواتًا متناغمة، على ما أظنّ، لكنّني على الأرجح كنتُ الوحيد القادر على سماعها. أخيرًا كففتُ عن الحركة، لأنّني كلّما تحرّكتُ ازداد الألم. لم تكن الكلاب تعضّني إلّا لتمنعني من المغادرة، لكن كلّ ما كنتُ أعرفه حينها أنّها ستأكلني حيًّا، وكنتُ ألهث طلبًا للهواء، أشعر بأنّني أختنق، ورأسي يدور من الرعب. أدركتُ في تلك اللحظة لماذا يقول بعض الناس إنّ الموت المفاجئ نعمة.
ثمّ سمعتُ صوتًا كان قويًّا وبعيدًا في آن:
«مُرها أن تُفلِته!»
لم أسمع ما قاله أدويا، لكن على أيّ حال، أفلتتني الكلاب واحدةً تلو الأخرى. المشكلة أنّني لم أعُد أرى شيئًا. حسنًا، بلى، كنتُ أرى جذوعًا. وكنتُ أرى منحدرًا بعشبٍ وشمسٍ رائعة. لكنّني لم أكن أرى ما يُفترض أن أراه في زقاقٍ من المتاهة. وبينما أفكّر في ذلك، قلتُ لنفسي: لكن عن أيّ زقاقٍ تتحدّث يا مور إلدال؟ أنت في الوادي، ألا تراه؟
نعم، كنتُ أراه. وكنتُ أرى السناجب أيضًا. وأرى معلّمي. كان هناك! كانت هيئته الهيكلية، ملفوفةً في عباءةٍ خضراء داكنة، تنزل المنحدر نحو الجدول الذي كنتُ مستلقيًا بجانبه.
«إنّه يومٌ جميل يا مور إلدال»، نطق. «أُراهن أنّ هناك وفرةً من سرطانات النهر في مجرى الماء الأسفل. هل ستذهب للصيد؟»
اعتدلتُ في جِلستي وأومأتُ.
«نعم، نعم. سأذهب. أتريدني أن أُحضر لك أرنبًا؟»
«لا يا بنيّ، لا. أحضرتَ لي واحدًا قبل أربعة أيّامٍ بالفعل. لا شكّ أنّك لا تريد أن تجعلني بدينًا!»
ضحك، وضحكتُ أنا أيضًا بسعادة. شيءٌ ما علِق في حلقي، فسعلتُ، ثمّ سمعتُ زمجرةً خافتة، فالتفتُّ وقلبي يخفق بعنف. هناك، بين الأدغال، رأيتُ أنيابًا تظهر. كان ذئبًا. صرختُ.
«إلَسّار*!»
نهضتُ، وإذ علِمتُ أنّ معلّمي في أمان، انطلقتُ أبحث عن شجرة. كانت هناك شجرةٌ جميلة، بغصنٍ ليس مرتفعًا كثيرًا كنتُ أتسلّقه حين كنتُ صغيرًا...
غير أنّني لم أبلغ الشجرة قطّ، ولم يكن ذلك بسبب الذئاب، بل لأنّني ارتطمتُ بالهواء. جدارٌ من الهواء بالغ الصلابة. ذُهِلتُ، وسمعتُ صوتًا يقول:
«لقد جُنّ.»
«أخبرني حالًا بما كان في تلك القارورة أيّها الشيطان!» صرخ صوتٌ أنثويّ.
رمشتُ، وشعرتُ بأذرعٍ تمسكني بإحكام، ورأيتُ، كومضةٍ خاطفة، مشهدًا بالغ الإرباك. كنتُ واقفًا قرب جدار، يحيط بي الرجل الملتحي والعملاق الموشَّم. أمّا ذات الشعر المُزرقّ فكانت جاثمةً بجانب جسد واروك الجامد، وفي يدها خنجر. وكان قيتيٌّ أحمر الشعر وشقراءُ تُشبه الزرقاءَ شبهًا مُريبًا يواجهان أدويا وكلابه السبعة، والسيوف في أيديهما. وبدا أدويا خائفًا خوفًا ظاهرًا.
«لا شيء»، أجاب. «مخدّرات، على ما يبدو. لعلّهما كانا يتشاجران عليها. هذا كلّ ما أعرفه. شمّت كلابي رائحة مخدّرات، فلم تُعجبها... لا شأن لي بالأمر. طابت ليلتكم.»
ولدهشتي، استدار ومضى ببساطةٍ مع كلابه. تركه المرتزقة يذهب.
«أيّها الكيس النتن من العظام»، بصق معلّمي الناكروس في أذني.
أومأتُ بابتسامةٍ ساخرةٍ ملؤها الكراهية. كان أدويا جبانًا. حسنًا، على الأقلّ لم يأمر كلابه بأن تأكلني. لكنّه كان جبانًا ووغدًا. نعتني بمُدمنِ مخدّراتٍ هائج، وفوق ذلك تخلّى عن رفيقه وتركه لمصيره.
كسرت الزرقاء الصمت بصوتٍ مشدودٍ بعض الشيء.
«أتعرفون؟ لا أريد أن أُفزِعكم، لكن لدينا مشكلة. هذا الإلف ميّت. لا أدري أكان السببُ المخدّرات أم شيئًا آخر... لكنّه ميّت.»
ميّت؟ رمشتُ، لكنّي لم أستطع أن أستوعب معنى كلامها. سمعتُ الرجل الملتحي يهسهس بلعنة.
«ماذا سنفعل؟» تمتم القيتيّ.
«أتسأل جادًّا؟ لنخرج من هنا بحقّ الجحيم»، ردّ الرجل الملتحي بحماس. «ساربّاس، خُذ الفتى.»
«سنأخذه؟» تساءلت الشقراء. «يبدو مذهولًا إلى حدٍّ لا أظنّ معه أنّه ذو نفعٍ كبيرٍ لنا.»
«سيستعيد نشاطه»، أكّد الرجل الملتحي. «زوريا. لنذهب. لن تُعيدي الآخر إلى الحياة.»
«لم أكن أنوي ذلك»، ردّت الزرقاء وهي تنهض. «من الواضح أنّ هذا الرجل هاجم الصبيّ أوّلًا لا العكس. لنخرج من هنا حالًا بحقّ الجحيم»، أضافت.
لم تكن المحادثة كلّها سوى طنينٍ مشوّشٍ يكاد عقلي لا يُمسك به. بدا مشهد الزقاق بعيدًا، بعيدًا جدًّا. كانت عيناي تريان بوضوحٍ أشدّ بكثير أصدقائي السناجب يتسلّقون جذعًا مسرعين؛ وسماء الوادي الزرقاء البهيّة؛ ومعلّمي الناكروس، يصعد التلّ بهدوءٍ نحو الكهف، ربّما ليأخذ أحد كتبه ويجلس على جذعه أو عند المدخل، لينعم بأصيلٍ جميل...
بالكاد شعرتُ بهذا العملاق المدعوّ ساربّاس يرفعني بين ذراعيه ويسحبني بعيدًا عن... لستُ متيقّنًا عمّاذا.
* إلَسّار: لقبُ تبجيلٍ يُخاطَب به المُعلّم أو الأستاذ، بمعنى «يا معلّم».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion