Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 31
تحت أنفي مباشرةً، كان ثمّة كلبٌ ضخمٌ كاشرٌ عن أنيابه. بلغني هديره الخفيضُ المتوعّد بوضوحٍ مذهل. كنتُ أحدّق فيه، مفتوحَ العينين، منذ وقتٍ طويل، لا أدري كم دام، ربّما ساعات، أو أيّامًا... بدا لي وكأنّني أرى الموت مقبلًا منذ الأزل.
«تعالَ يا صغيري»، همس لي صوت. «تعالَ، لا تخفْ. سأُغنّي لك تهويدتك المفضّلة، اتّفقنا؟ هيّا، أصغِ، لا ترتجفْ.»
ومع ذلك، كنتُ أرتجف. كنتُ أرتجف، لكنّني لم أعرف السبب. أهو الخوف، أم تلك المادّة التي أجبرني واروك على ابتلاعها، أم لأنّني استنفدتُ ساق طاقتي كلّها بكلّ ذلك السحر... لم أدرِ. لم يكن ذلك يهمّني الآن، لأنّ معلّمي كان هناك. جالسًا إلى جانبي، ناولني عظمَ أرنبٍ نظيفًا، فأمسكتُه بين أسناني بينما شرع يُغنّي بهدوء:
أيّها الناجي،
لا تخفْ.
العاصفة تنقشع.
أنا هنا، لستَ وحيدًا.
لا تخفْ.
العاصفة قد ولّت.
نمْ هانئًا يا طفلي.
لكنّ المشكلة أنّ الكلب الضخم ظلّ يحدّق فيّ، كاشرًا عن أسنانه، يهدر كالرعد.
أحيانًا، كان الكهف يتحوّل إلى غرفةٍ حسنةِ الإضاءة، تتحرّك فيها أشباحٌ وتتحدّث بأصواتٍ خافتة. في لحظةٍ ما، اقترب منّي الرجل الملتحي، وأنهضني عنوةً، وقال:
«يا هذا! استيقظ يا فتى!»
هزّني، لكنّني لم أقوَ إلّا على أن أتمتم بلا طاقةٍ تُذكر:
«اترُكني، أيّها الإسطرباغ.»
لم أرفع عينيَّ عن الكلب، وكانت تلك مهمّةً سهلةً نوعًا ما، إذ كان دائمًا في مواجهتي، أينما نظرت.
«مهلًا لحظة»، همس الرجل الملتحي. مدّ يده نحو عنقي، فتراجعتُ؛ اصطدمتُ بالجدار، فأمسك عندئذٍ قلادتي، وقد عبس وجهه. «من أين لك بهذه؟»
نظرتُ إليه بتحدٍّ، فأفلت قلادتي الفضّية، وهزّ رأسه، وابتعد. وأخيرًا، بمحض قوّة الإرادة، تمكّنتُ من طرد الكلب. أخذتُ أُصدر نحوه فحيحًا متكرّرًا:
«ابتعد. ابتعد. ابتعد!»
ثمّ تدخّل معلّمي الناكروس، فتلا تعويذة، واختفى الكلب. التقطتُ أنفاسي، وتحسّستُ ما حولي حتّى اصطدمتُ بجذعٍ خشبيّ، فجلستُ، وتكوّرتُ على نفسي، ورأيتُ آلاف النجوم تظهر في السماء، فغلبني النوم. آخر ما شعرتُ به كان معلّمي الناكروس يُسبِل عليّ غطاءً برفق. والأغرب أنّني حين استيقظتُ، كنتُ أيضًا تحت الأغطية، في غرفةٍ غريبةٍ وفي... سرير. يا للشياطين. كانت أوّل مرّةٍ أنام فيها في سرير.
لبضع لحظات، اعتراني التوتّر حين أدركتُ أنّني لا أعرف مطلقًا أين أنا. ثمّ تذكّرتُ اليوم السابق، واروك، وأدويا، والمخدّرات، و... الكلاب. كاد الرعب يستولي عليّ من جديد، لكنّني نحّيتُه جانبًا وانصرفتُ إلى تحليل وضعي الجديد. كنتُ في غرفةٍ واسعةٍ مريحةٍ فيها عدّة أسِرّة. كان النهار قد طلع، وضوءٌ شفيفٌ يُنير الأرضية الخشبية. وكان في الغرفة أناس. الزرقاء والشقراء، اثنتان من الغرباء الخمسة الذين انتشلوني من الزقاق حيث... حيث لقي واروك حتفه. أأنا من قتله؟ بلا شكّ، لكنّي لم أعرف أكان ذلك بسبب الصدمة المَوْتية، أم الضربة التي تلقّاها حين سقط، أم المادّة التي في القارورة. على أيّة حال، لم تقتلني، لكنّني كنتُ سوكواتا، خطر لي فجأة. إلّا... إلّا إذا كان واروك قد كذب ليُخيفني ولم يسمّمني حقًّا... لكنّني كنتُ أشكّ في ذلك. وعلى أيّ حال، كنتُ أشعر بارتياحٍ لموته أكثر ممّا أشعر بالحزن.
جلستُ، فقطعت حركتي همسَ المرأتين الجالستين على سرير. حين رأيتُهما معًا، كان من المستحيل ألّا ألحظ التشابه بينهما. بدتا كتوأمين، عدا لون شعرهما. إحداهما، الشقراء، كان يشقّ خدَّها ندبةٌ سوداء غريبة. وكانت كلتاهما ترتدي ثيابًا فضفاضةً داكنة.
وبينما كانتا تنظران إليّ، تذكّرتُ أنّ هؤلاء الغرباء يظنّون أنّني أعرف شيئًا عن الصقر الأسود، فتيبّستُ.
«أيو»، همستُ.
تسلّلتُ من تحت الأغطية ونهضتُ، مبتعدًا عن السرير. لم أشعر بأيّ ارتياحٍ في هذا المكان البتّة. ألقيتُ نظرةً سريعةً من النافذة، فتعرّفتُ على جادّة تارميل الصاخبة والمتجر المقابل عبر الشارع. كنّا في الراقصات. لماذا أخذني هؤلاء الناس إلى النُّزُل الذي يقيمون فيه؟
«من أنتما؟ لماذا أحضرتماني إلى هنا؟» سألتُ، ملوّحًا بيدي إيماءةً غامضة.
رأيتُ الشابّتين تتبادلان نظرةً قبل أن تتكلّم الشقراء.
«صباح الخير يا فتاي. يسرّني أنّك تشعر بتحسّن.» نهضت، وراقبتُها وهي تتّخذ موضعًا يسدّ الباب. ابتسمت لي ابتسامةً مشرقة. «أنا زالِن. وهذه أختي، زوريا. وقد أحضرناك إلى هنا لأنّنا لم نشأ أن نتركك وحيدًا في هذه الحال مع جثّة. لقد ظللتَ تهذي طوال الليل.»
رسمتُ على وجهي تكشيرةً اعتذارية.
«تبًّا. حسنًا. شكرًا لكما. إذن... أيمكنني الذهاب الآن؟»
نحنحت الزرقاء، واتّسعت ابتسامة الشقراء أكثر.
«لم نخطفك يا فتى، لكن إن كان لديك أيّ معلوماتٍ عن الصقر الأسود والأوجيساريين... من يدري، لعلّك سمعتَ شيئًا.»
نظرتُ إليهما وهززتُ كتفيّ. ثمّ رأيتُ الزرقاء تُخرج عدّة قطعٍ ذهبية، فتجهّم وجهي.
«لا يا سيّدتي، لا أستطيع أخذ ذلك. لماذا تبحثان عن الصقر الأسود؟ من أجل مكافأة؟»
تبادل التوأمان نظرةً أخرى، ثمّ قالت الزرقاء:
«في الواقع، نحن لا نبحث عن الصقر الأسود. سمعنا... أنّ لدى الأوجيساريين رهينة. رهينةً مهمّة. غنومًا.» أظنّ أنّ ارتعاشتي لم تفُتها، إذ تلألأت عيناها. «ذلك الرجل صديقٌ لنا.»
شهقتُ نفَسًا، وتصنّعتُ اللامبالاة، وهززتُ رأسي.
«آسف يا سيّدتي. لا أعرف أيّ غنوم. أيمكنني الذهاب الآن؟»
بدت الزرقاء مستاءة. أمّا الشقراء، فابتسمت.
«بالطبع. يمكنك الذهاب. ونعدك بأن نتركك وشأنك وألّا نتحدّث عن ذلك الإلف المظلم، إن لم تُخبر أحدًا عن الـ... غنوم، مفهوم؟»
تسارع نبضي حين خطر لي أنّهما قد تتّهمانني بقتل واروك. ابتلعتُ ريقي وقلّبتُ عينيّ.
«طبيعيّ! لن أنبس بكلمة يا سيّدتي.»
مررتُ بزالِن بتوتّر، وعند الباب توقّفتُ، ونحنحتُ.
«بالمناسبة. شكرًا على... الليلة الماضية. لولاكما، لكانت تلك الكلاب الآن تنهش عظامي.»
ترددتُ ونظرتُ إليهما. كنتُ أخشى أن أتكلّم كثيرًا، لكنّ... الفضول كان أقوى من أن يُقاوَم.
«لماذا تبحثان عن ذلك الغنوم؟»
«لماذا، تسأل؟» نهضت المرأة الزرقاء واقفةً وتقدّمت بخطوةٍ رشيقة وهي تقول بحدّة: «لأنّه بمثابة أبٍ لكلتينا.» اقتربت حتّى إنّني، كي لا أُضطرّ إلى تحمّل عينيها اللتين بدتا تريان كلّ شيء، أشحتُ بنظري مرارًا، في حرج، بينما تابعت: «تخيّل فتاتين مراهقتين تائهتين يائستين، تجوبان أراضيَ برّيةً أقمارًا وأقمارًا لأنّهما، في أراضي الساجِتيّين، تُدعَيان وحشين، وفجأةً، بام، يظهر رجلٌ ويعرض عليهما شفاءً لكلّ عذابهما. يرعاهما، ويُدلّلهما، ويحبّهما... وبعد سنوات، تظهر حفنةٌ من الشياطين تستعبدنا وتفرّق بيننا. في مثل هذه الظروف يُولَد الغضب من جديد، ساطعًا، متّقدًا كنارٍ تصرخ طلبًا للحرّية والانتقام،»
«زوريا»، قاطعتها الشقراء متنحنحةً. «اهدئي، أرجوك. أنتِ تُخيفينه. الفتى يقول إنّه لا يعرف شيئًا.»
«وهو يكذب»، هسّت الزرقاء.
تألّقت في عينيها أضواءٌ صغيرةٌ غريبة، وكأنّ في داخلها سماءً مرصّعةً بالنجوم. فجأةً، شعرتُ بطاقةٍ تتحسّسني، لكنّ تعويذتها، أيًّا كانت، ارتدّت ولم يكن لها أثرٌ فيّ. جعلتني الدهشة على وجه الزرقاء أُكشّر تكشيرةً ساخرة. سمعتُها تشهق.
«اعترف أنّك تكذب»، أصرّت. «أستطيع أن أعرف من تعبير وجهك. أنت تعرف ديسّاري* وايام.»
بدوتُ منزعجًا وكنتُ منهمكًا في البحث عن جوابٍ مقنع، حين انفتح الباب فجأةً، فأصابتني دفعته، وبينما كنتُ أجاهد لأتفادى الزرقاء، تسلّلتُ خارجًا برشاقةٍ في اللحظة التي دخل فيها الرجل الملتحي قائلًا بمرح:
«فطيرة تفّاحٍ لملكاتنا...! يا هذا! قف مكانك أيّها الشقيّ! أمسِك به يا ساربّاس!»
حاول العملاق أن يُمسك بذراعي، لكنّه لم يكن سريعًا بما يكفي. أفلتُّ وركضتُ في الردهة قبل أن ألحظ شيئًا. القلادة. لم تعد بحوزتي. استدرتُ فجأةً وصرختُ:
«أيّها اللصوص الملاعين! قلادتي!»
كان الرجل الملتحي قد أعطى فطيرة التفّاح للقيتيّ الأحمر الشعر، وبيدٍ واحدة راح يؤرجح القلادة بوقاحة.
«أهذا ما تبحث عنه؟»
حدّقتُ فيه بغضب. لم يكن ما يضغط عليّ ويُعكّر مزاجي هو حنق السرقة بقدر ما هو إلحاح الخروج من هناك والابتعاد عن تلك الزرقاء. ربّما كانت تقول الحقيقة، وهذا الخيميائيّ صديقها، لكن إن سرقوه، فسنبقى بلا شكّ بلا سوكواتا. ولم أكن لأسمح بذلك. لم أكن لأخبرهم بشيءٍ حتّى يمنحنا الغنوم شفاءً نهائيًّا. الحياة تستحقّ قلادةً فضّية.
حين رأيتُ الرجل الملتحي يتقدّم في ردهة النُّزُل، تراجعتُ وقذفتُ بالكلمات:
«أُقسم إنّني لا أعرف شيئًا. لكن يمكنني مساعدتكم. أعرف حيّ القطط. وأعرف أُناسًا. سأعود إلى هنا بعد أسبوع»، وعدتُ. «لكنّني الآن ذاهب. سأترك لكم قلادتي دليلًا على حسن النيّة: اعتنوا بها، إنّها لي، وتجلب لي الحظّ. أنا ذاهب»، كرّرتُ.
تحت نظرة الرجل الملتحي الحائرة، استدرتُ وانطلقتُ راكضًا دون أن يلاحقني أحد. ربّما لم يكونوا أُناسًا أشرارًا إلى هذا الحدّ في نهاية المطاف. لقد أنقذوني من موقفٍ سيّئٍ للغاية. ولم يتّهموني بالقتل. كانوا يستحقّون منّي بعض الاهتمام... لكن ليس الآن.
كنتُ قد بلغتُ نهاية الممرّ حين ظهرت سيّدةٌ فارعةٌ مهيبة، وحين رأتني، بدت مذعورةً مشمئزّة.
«وماذا تفعل هنا أيّها الشيطان الصغير! اخرج من هنا! اخرج من هنا!»
كان الخروج هو مرادي بالضبط، وقلتُ لها ذلك، لكنّ قبضة ربّة النُّزُل ساعدتني على بلوغ غايتي على أيّة حال. أنزلتني على الدَّرَج، وجرّتني إلى الباب الخلفي، وبعد أن فتّشت جيوبي لترى إن كنتُ قد سرقتُ شيئًا من زبائنها، قرّرت أنّه لا جدوى من اقتيادي إلى مركز الشرطة، فطردتني من نُزُلها. وما إن ألقتني في الزقاق حتّى استعدتُ توازني وصرختُ في وجهها:
«أيّتها العجوز الشمطاء!»
ورؤيةً للتعبير القاتل الذي رمقتني به السيّدة المهيبة، رأيتُ من الحكمة أن أفرّ راكضًا. غادرتُ الزقاق، وبدلًا من أن أنزل عبر الطريق إلى حيّ القطط، قرّرتُ أن أذهب إلى الجادّة. لا بدّ أنّها كانت قد تجاوزت التاسعة، وحدسي أخبرني أنّ مانراس وديل سيكونان هناك؛ ديل لأنّه يتبع مانراس دائمًا، ومانراس لأنّه، حسب ييرّيس، قد صار من مريدي تعاليم نات الغطّاس. ونات الغطّاس كان يحبّ أن يعمل في الجادّة.
أصبتُ في تخميني. بعد أن تسكّعتُ برهةً في الساحة الضخمة، رأيتُ الثلاثة واقفين في حلقةٍ قرب مدخل، يتحدّثون مع السريع ومع... سيرديو. اختلستُ نظرةً حذرةً إلى العدّاء، ثمّ ناديتُ:
«أيو يا صحبة، أيو يا شيور*!»
التفتوا إليّ، ابتسم السريع، وأطلق مانراس صيحة فرح.
«يا حاذق!»
حين رأيتُه يرتمي عليّ حرفيًّا، امتلأ قلبي بالمشاعر، وضحكتُ وأنا أسمعه يُفرغ كلّ ما فعله في الأسابيع الثلاثة الماضية:
«لا تعرف ماذا حدث مع الخبّازة الجميلة! أعطتنا لفائف بالعسل، بالأمس فقط، بمناسبة الأعياد، ومجّانًا، تبارك القدّيس الشفيع، أُقسم! ولا تعرف! في ذلك اليوم، ذهبنا مع السريع لنرى القرود في الحديقة البرّية. ثمّ أصابت السمّيّة إحدى نوباتها... طردَنا الحارس جميعًا، ونعتَنا بأنّنا صِبيةٌ... صِبيةٌ صاخبون مُتعربدون! مُتَعَرْ... مُتعربدون؟ نعم، حسنًا، شيءٌ من هذا القبيل. مهلًا يا حاذق! هل رأيتَ قميصي الجديد؟»
اغتنمتُ سيل كلماته لأُحيّي ديل بالربتة الودّية المعتادة على رأسه، ورددتُ على كلّ القصص بعبارة «عجبًا، الأمّ الصالحة، أحقًّا يا شيور؟»، متخلّلةً ببوادر ضحكٍ ومعابثةٍ مرحة. كنتُ قد لاحظتُ جيّدًا أنّ سيرديو قد ابتعد، واكتفى السريع بالربت على كتفي قائلًا:
«يسرّني أن أراك على قدميك يا شيور. بسجلٍّ حافلٍ كهذا، لن يكون هناك غواكٌ يحترم نفسه إلّا وسيصافحك.»
ابتسمتُ له وراقبتُه وهو يبتعد، مدركًا أنّنا وإن كنّا نتوافق جيّدًا، فإنّه لم يُردني في عصابته لأنّه لم يُرد المتاعب بين أفراده. رأيتُه ينضمّ إلى سيرديو، وألقيتُ على الغطّاس نظرةً متسائلة. لم يتحرّك هذا الأخير، ورسم على وجهه تكشيرة إحراج.
«اسمع يا حاذق، أردتُ أن أقول لك... إن قلتَ لي إنّك لم تُشِ عند القطّ الأسود بأمر السوكواتا، صدّقتك.»
أومأتُ وابتسمتُ.
«لم أُشِ. أُقسم بأسلاف كلّ غواكِيّة إستِرغات العليا.»
ردّ نات الغطّاس عليّ بابتسامة ومدّ يده. صافحتُها بقوّة.
«لا يمكنك أن تشتكي»، قال. «لقد شحذتُ مخالب أصدقائك ووسّعتُ معارفهم. حسنًا، مخالب مانراس على الأقلّ. أمّا ديل... فحالةٌ خاصّة»، أشار. نكزَ رأس الأمير الصغير، وقد بدا مستمتعًا، وخلص: «أتركهم أصحّاء متعلّمين. أنا أميلُ إلى أن أكون ذئبًا وحيدًا. و... بالمناسبة، إن وجد الخيميائيّ شفاءً... ستُخبرني، أليس كذلك؟»
نفختُ.
«طبيعيّ! لا أدري كم سيستغرق منه ذلك... لكنّني أراهنك بعشرة مسامير أنّه سيجده.»
كان الغطّاس قد بدأ يتراجع، وقهقه.
«أنت لا تُخاطر بالكثير يا حاذق! أيو!»
رفعتُ يدي مبتسمًا، ورأيتُه يختفي خلف عربةٍ محمّلةٍ بالبصل. وبعد لحظات، رأيتُه على درجات الكابيتول، قرب السريع وسيرديو، يمضغ... بصلةً، على ما خمّنت.
«لماذا يرحلون؟» سأل مانراس في حيرة.
هززتُ كتفيّ، ودسستُ يديّ في جيبيّ، وتثاءبتُ.
«نحن الغواكات نأتي ونذهب... هكذا هي الأمور. سنرحل نحن أيضًا. هيّا يا شيور. تحرّكوا. ما رأيكم أن نذهب لزيارة القِسّ؟»
«لكنّه لم يعُد في المستشفى»، اعترض مانراس متبعًا إيّاي.
توقّفتُ في مكاني تمامًا حين سمعتُ الخبر.
«ماذا؟»
هزّ الإلف المظلم الصغير كتفيه.
«حسنًا، نعم، هذا ما أخبرنا به القطّ الأسود. نعت القِسّ طبيبًا بالكافر، فاستاء الطبيب؛ طردوه، وأخذه القطّ الأسود معه.»
«الأمّ الصالحة»، زفرتُ. «أتعرف أين القطّ الأسود؟»
رسم على وجهه تعبيرًا يقول إنّه لا يدري، فهززتُ رأسي. تبًّا. بمعرفتي بالقِسّ، فالأرجح أنّه نعت ذلك الطبيب بالكافر دون أن يفكّر أصلًا. لقد نعتني بذلك عشرات المرّات... لكن، بالطبع، أنا كنتُ أنا، والطبيب كان طبيبًا. هززتُ رأسي وابتسمتُ.
«بَهْ. إذن لنذهب لتناول الغداء.»
على مدى الأيّام الثلاثة التالية، لم أطأ الراقصات بقدمي. بدلًا من ذلك، كنتُ أذهب إلى النُّزُل كلّ عصر. ورغم جهودي في تدوين ما أسمعه عبر الحجر الأرجواني، ظلّت نتائجي كارثية. الشيء الوحيد الذي استطعتُ تمييزه هو أنّ رجلًا يُدعى شوكينوري ورجلًا يُدعى يابير كانا يبحثان عن الكرة الأرجوانية، ذخيرة كورثر التي فقداها منذ أقمارٍ كثيرة، ومن خلال ما استنتجه كورثر من ترجماتي، كانا كلاهما في العالم السفلي ومسافرَين إلى السطح بنيّة مواصلة إلقاء التعاويذ والاقتراب من الكرة. بدت فكرة بحثهما عنها تُثير فضول كورثر وتفتنه أكثر ممّا تُزعجه، لا أدري أهو لأنّ هذا الاهتمام الكبير من هؤلاء الجوفيّين يؤكّد قيمة الذخيرة «التي لا تُقدَّر»، أم لسببٍ آخر. على أيّة حال، كنتُ أضجر من الأمر برمّته، لكنّني لم أكن أشتكي لأنّني كنتُ أكسب نصف سياتوي اليومي، وبه استطعتُ بالفعل أن أشتري سروالًا بلا ثقوب وأن أملأ جيوبي بالمكسّرات.
في الليلة الرابعة، صارت همهمات الجوفيّين مكتومةً إلى حدٍّ جعلني أستسلم عن محاولة فهمها، وأعود إلى قراءة نظريّات في المخلوقات الجهنّمية، حين سمعتُ شوكينوري يقول:
«بحذر.»
رفعتُ ناظري عن الكتاب، وبتنهيدةٍ تناولتُ الريشة وترجمتُ. رفعتُ بصري. عبر شقوق المصاريع المغلقة، لم أرَ سوى الظلام. لم يكن كورثر ليدعني أغادر مكتبه ومعي الحجر، لذا بقيتُ معه بينما كان يكتب الرسائل، أو يقرأ، أو يتحدّث مع أبيريل. في تلك اللحظة، كان يقرأ صحيفة جريدة الليل.
«لا، لا، لا!» صاح شوكينوري. شهقتُ. «التتبّع، يا يابير، التتبّع خاطئ!»
كانت أوّل مرّةٍ أسمعهما فيها بهذا الوضوح، فنظرتُ إلى الكرة في حيرة. بدا أنّهما يُلقيان تعويذة تحديد موقعٍ أخرى.
«ستكسر الرابط، توقّف!» زأر شوكينوري.
ظننتُ أنّني في أمانٍ على كرسيّي، لكنّني كنتُ مخطئًا: شعرتُ بصدمة طاقةٍ مفاجئة. أطلقتُ صرخةً مكتومة، وبحركةٍ متشنّجة قذفتُ الكرة عبر الغرفة. اصطدم الحجر بمزهريةٍ جميلة، فتحطّمت بصوتٍ مدوٍّ على الأرض. للحظةٍ، ساد الصمت، ولم أتحرّك. ثمّ التقت عيناي بعيني كورثر، فامتقع وجهي.
«أحسنت»، قال كورثر وهو يطوي الصحيفة دون أن يفقد أعصابه. «ممتاز يا فتى. لقد دمّرتَ لتوّك مزهريةً كلّفتني اثنين وثلاثين سياتو. هل من سببٍ بعينه؟»
أومأتُ على الفور.
«نعم. جُنّت الكرة. أخذ شوكينوري يصرخ بأنّ يابير سيكسر الرابط، ثمّ، بام،»
«وبام»، قاطعني كورثر ناهضًا على قدميه. «وداعًا أيّتها المزهرية.»
خمّنتُ، رغم هيئته الرابطة الجأش، أنّه غاضب، فخفضتُ عينيّ بنظرةٍ خجلى.
«لم أفعلها عمدًا...»
انحنى كورثر، والتقط الحجر، وتنهّد وهو ينظر إلى المزهرية المحطّمة.
«هذا لا يُصلَح. التقطها وارمِها.»
نهضتُ؛ وجلس هو يفحص الكرة؛ وبعد أن وضعتُ كلّ قطع المزهرية في قميصي، نظرتُ إلى الكاب، وترددتُ، وقلتُ:
«أنا آسف يا كورثر.»
تنهّد الكاب.
«وأنا آسفُ أكثر. على الأقلّ لا تزال الكرة تعمل. الأفضل أن تُنذرني حين ترى هذين يقتربان من إستِرغات. هيّا، انصرف وعُد غدًا.»
فهمتُ أنّ بإمكاني نسيان الخمسين مسمارًا في ذلك اليوم. أومأتُ، وكنتُ على وشك أن أُرخي قميصي بيدٍ واحدة لأفتح الباب، حين انفتح بعنفٍ وأصابني؛ كدتُ أُوقع تمثالًا فضّيًّا صغيرًا، فأمسكتُه بأفضل ما استطعت، فسقطت كلّ قطع المزهرية من جديدٍ على السجّادة. تبًّا للجحيم.
«أوه»، قال أبيريل في حيرةٍ وهو يدخل. «آسفٌ على ذلك. ماذا حدث؟»
بتنهيدةٍ، انحنيتُ والتقطتُ كلّ شيءٍ من جديدٍ بسرعة. أجاب كورثر بهدوء:
«قرّر الفتى أن يهدم بيتي. ما الأمر يا آب؟»
هزّ أبيريل رأسه وتقدّم، مُلقيًا رسالةً على الطاولة.
«رسالةٌ من فراشلوك»، أعلن.
رأيتُ عيني كاب الخنجر الأسود الزاحفتين تتلألآن. ورأيتُهما تتّجهان نحوي على الفور. أجفلتُ، وفهمتُ التلميح الضمنيّ، والتقطتُ على عجلٍ آخر قطعةٍ من المزهرية قبل أن أنهض، متمتمًا بـ«أيو» تكاد لا تُسمَع، ومبتعدًا في صمت الظلّ.
ما إن بلغتُ الباب الأمامي حتّى ضبطتُ المزلاج ليُغلق من تلقاء نفسه، وابتعدتُ مسرعًا في ظلمة الليل. حين سلكتُ الشارع المنحدر إلى النهر الخجول، كنتُ أنوي أن أرمي كلّ الحطام في نهر إستِرغات، لكنّني كلّما ابتعدتُ ازددتُ تفكيرًا في أنّ المزهرية، إن كانت قد كلّفت كورثر اثنين وثلاثين سياتو، فلا بدّ أنّها لا تزال ذات قيمةٍ ما حتّى في هذه الحال. وبعد ترددٍ يسير، تركتُ شارع النهر ودخلتُ المتاهة. مررتُ بـالجارور، لكنّني اكتفيتُ بإلقاء نظرةٍ لأرى إن كان يارّاس هناك، وقلتُ، إن جاز التعبير، «أيو، أيو»، وانصرفتُ. ذهبتُ إلى الشُّعلة الزرقاء. لم يسبق لي قطّ أن دخلتُ بيتًا عموميًّا، وما رأيتُه أثّر فيّ قليلًا: كانت الجدران مكسوّةً بالمنسوجات، والطاولات والمنضدة مكتظّةً بالناس. غير أنّ الأجواء كانت مختلفةً عن أجواء الجارور. حين تعرّفتُ على لوتّو جالسًا إلى طاولة، تعرّجتُ بين السيّدات الحسناوات لأصل إليه.
«لوتّو! قل لي، أموجودٌ يارّاس؟»
رفع الرجل الصغير حاجبيه وأنزل قدحه.
«آه، أيّها المُنشِد. نعم، أظنّه في الطابق العلوي. ماذا تحمل هناك؟»
هززتُ كتفيّ.
«شيءٌ أريد أن أُريه إيّاه.»
وقبل أن يتمكّن من طرح مزيدٍ من الأسئلة، سلكتُ الاتّجاه المُشار إليه وصعدتُ الدَّرَج دون أن يوقفني أحد. مرّتين اختلستُ النظر إلى الغرفة الخطأ قبل أن أسمع صوت يارّاس عبر بابٍ موارب:
«... يا عزيزتي»، قال. «لأنّه، بصدق، إن كنتِ تنوين تحريك ذلك البيدق، فقد خسرتِ اللعبة.»
«اصمت، لا أستطيع التركيز»، ردّ صوتٌ نسائيٌّ بنبرةٍ مستغرِقة.
بعد ساعاتٍ طويلةٍ من التنصّت على أحاديث شوكينوري ويابير، صار لديّ نفورٌ خاصٌّ من التجسّس، فطرقتُ الباب وأدخلتُ رأسي. وجدتُ الرجل المفتول العضلات الأحمر الشعر وامرأةً جميلةً جالسَين على جانبي طاولة، وأمامهما رقعة ماوغ.
«شياطين»، نطق يارّاس مندهشًا. «المُنشِد؟ ماذا تفعل هنا؟ مهلًا لحظة، أنا قادم.» وأضاف: «آسف يا عزيزتي، كنتُ أنوي تحذيرك، لكن...» حرّك قطعة. «أنتِ تخسرين.»
نهض على قدميه بلا اكتراث، ورامقًا خصمه المهزوم بنظرةٍ اعتذاريةٍ ساخرة، خرج، وأغلق الباب.
«ما الأمر يا فتى؟»
شرحتُ له الأمر بأن أريتُه قطع المزهرية:
«كنتُ أتساءل إن كان لهذا الشيء أيّ قيمة.»
رفع يارّاس حاجبًا، وتناول قطعة، وبدا مستمتعًا.
«حسنًا حسنًا. يبدو أنّه خزف فارغيل. لا أظنّ أنّ بوسعي أن أسألك من أين حصلتَ عليه... أو لماذا هو في هذه الحال.»
عضضتُ شفتي؛ أعاد إليّ القطعة وهزّ رأسه.
«عشرون مسمارًا هي كلّ ما يمكنني أن أعرضه عليك.»
هززتُ كتفيّ. كان ذلك أفضل من لا شيء.
«تمشي.»
قادني إلى غرفةٍ صغيرةٍ مكتظّةٍ في آخر الممرّ، وجعلني أضع كلّ قطع الخزف في صندوق، ثمّ أعطاني العشرين مسمارًا.
«شكرًا يا يارّاس»، قلتُ مبتسمًا.
ردّ عليّ بابتسامة.
«لا ضير أبدًا في مساعدة غواك. يقولون إنّها تجلب الحظّ السعيد. أوه، بالمناسبة...» تردّد تردّدًا مسرحيًّا. «أتعرف بما حدث قبل بضعة أيّامٍ في طريق العجلة؟ عثروا على رجلٍ ميّت.»
اجتاحني التوتّر. رفعتُ حاجبيّ، متصنّعًا الدهشة.
«رعودٌ! حقًّا؟»
«نعم. على ما يبدو، وفق ما يقوله بعض الناس، كان أحد أوغاد الصقر الأسود. مات من جرعةٍ زائدةٍ من الفالسِن. لم تكن تعرف بذلك، أليس كذلك؟»
هززتُ رأسي عدّة مرّات.
«لا، لم أكن أعرف.»
نظر إليّ يارّاس ساخرًا.
«الذباب وجدوا أيضًا قبّعةً في رفرفها ثقب.»
امتقع وجهي. تبًّا. وأنا كنتُ أحسبني تركتُها في الراقصات... لكن لم يكن مستغرَبًا أنّ الغرباء الخمسة الذين أنقذوني لم يفكّروا في محو الأدلّة التي قد تُدينني. قلّب يارّاس عينيه وعبث بشعري.
«أظنّ أنّ لديّ قبّعةً ملقاةً في مكانٍ ما هنا. انتظر لحظة، سأبحث عنها، تمشي؟»
نظرتُ إليه بتمعّن، فقهقه يارّاس.
«استرخِ يا غواك! لو كنتُ مكانك، لكنتُ أقلّ لباقة.»
أخذ ينبش في الفوضى، وأخرج أخيرًا قبّعةً عتيقةً حقًّا.
«أتفي هذه بالغرض؟» سأل يارّاس.
لم ينتظر جوابي، ووضعها على رأسي قبل أن يقودني خارج الغرفة. نفختُ.
«شكرًا يا يارّاس.»
«هذا أمرٌ طبيعيّ: غواكٌ بلا قبّعةٍ ليس غواكًا كما ينبغي.»
لم أكن أقصد ذلك فحسب، لكنّني عرفتُ أنّ يارّاس قد فهم. أخرجتُ العشرين مسمارًا مرّةً أخرى، فرفع يديه.
«مستحيل، احتفظ بها.»
«لا. من العدل، ثمن القبّعة»، أصررتُ، مناولًا إيّاه القطع النقدية.
نظر إليّ يارّاس متسائلًا.
«ألا تريد، بأيّ حالٍ من الأحوال، أن تدفع مقابل خدمات إحدى قريباتي الفاتنات؟»
اتّسعت عيناي عند الفكرة.
«لا، لا»، سارعتُ إلى الرفض. «أنا...»
«تمشي!» ضحك يارّاس ساخرًا. «إذن... ما رأيك بلعبة مساميرَ قديمة؟ لديك مالٌ لتراهن به.»
قلّبتُ عينيّ، ونفختُ، فابتسم الوغد.
«تمشي معك؟»
أومأتُ بمرح.
«حسنًا حسنًا، نعم، تمشي معي!»
بعد ساعتين، غادرتُ البيت العموميّ وعليّ دَينٌ قدره ستّةٌ وثلاثون مسمارًا، وأنا موقنٌ أنّه لا يزال أمامي الكثير لأتعلّمه كي أُتقن لعبة المسامير القديمة، وأنّه لا ينبغي لي أن أعتمد على الحظّ.
مُتعَبًا بعد يومٍ طويلٍ من بيع الصحف، والتسكّع في الشوارع، والتجسّس على الماغاريّين، والغرق في الديون مع الأوغاد، قرّرتُ أنّه قد آن أوان العودة إلى ساحة الصوف. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، لكن في الساحة كانت لا تزال هناك عيونٌ مفتوحة. تجوّلتُ بحذرٍ بين الغواكات النائمين، وعثرتُ على مانراس وديل، واستلقيتُ بجانبهما متثائبًا. أرهفتُ أُذني. كانت هناك همهماتٌ من الغواكات المستيقظين؛ عصابةٌ تتسامر بهدوءٍ جالسةً قرب البئر المركزي؛ وعند مدخل شارع، رأيتُ غواكًا منهمكًا في مطالبة آخر بدَين. أشحتُ بنظري إلى السماء. كانت النجوم تتلألأ بحدّةٍ غير معتادة. وضعتُ يدي على قلادةٍ لم تكن بحوزتي، وهمستُ:
«طابت ليلتك يا إلَسّار*.»
أجابني معلّمي برفق:
«طابت ليلتك يا مور إلدال.»
ابتسمتُ وقلّبتُ عينيّ وأنا أسمع ذلك. منذ موت واروك، لا أدري لماذا، صارت التناغمات تلعب بي الحيل من حينٍ لآخر. لم يكن الأمر سيّئًا للغاية ما دامت المشكلة الصغيرة لا تتفاقم. ولم يكن ثمّة سببٌ يدعو للظنّ بأنّها ستتفاقم، أليس كذلك؟
تنهّدتُ، وحاولتُ أن أجد وضعيّةً مريحة، وما إن أغمضتُ عينيّ حتّى غفوتُ في هدوء.
* ديسّاري: لقبُ مخاطبةٍ للخيميائي، بمعنى «المعلّم» تقريبًا.
* شيور: عبارة مخاطبةٍ ودّية، بمعنى «صاحبي/يا رجل» تقريبًا.
* إلَسّار: لقبٌ يخاطب به المرء معلّمه/سيّده، بمعنى «المعلّم» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion