Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 33
في صباح اليوم التالي، كنّا نحو خمسة عشر في الزنزانة. كانت الليلة حافلةً بالأحداث، وقد أمضيتُها مكمَّم الفم، متكوّرًا في زاوية، عاجزًا عن النوم. في منتصف الصباح، أطلقوا سراح الغواكات الثلاثة، فقالوا لي «أيو»، فرددتُ بإيماءةٍ صامتة. كنتُ عطشانَ كألف شيطان. اقتربتُ من القضبان ونظرتُ بوجهٍ حزينٍ إلى إحدى الذبابات. لعلّه استغرق نصف ساعةٍ قبل أن يُعيرني انتباهه.
«ما خطبُك يا فتى؟» استفسر.
«أظنّه يطلب الإذن بنزع الكمّامة»، تدخّلت ذبابةٌ أخرى كانت جالسةً إلى طاولة. «الغواك هو من بدأ الغناء الليلة الماضية.»
استغرق الحارس بضع دقائق أخرى قبل أن يلين.
«لن تبدأ بالغناء، أليس كذلك؟» هززتُ رأسي نافيًا. حكّ ذقنه وسار نحو الزنزانة قائلًا: «حسنًا، استدر ولأحلّ العقدة.» نزع الكمّامة عنّي من خلال القضبان وسأل: «ماذا تريد؟»
«ماء»، أجبتُ على الفور.
أُعطيتُ كأسًا، ومكافأةً على ذلك، لم أنبس بكلمةٍ طوال بقيّة الصباح. كان الوقت قرابة الظهر حين رأيتُ وجهين مألوفين في مركز الشرطة. كانا ديل ومانراس. ابتسمتُ ابتسامةً عريضة. دخلا بجرائدهما، فباع ديل واحدةً لذبابة، وباع مانراس اثنتين أُخريَين لمن في الزنزانة، وبينما كنتُ أتشبّث بالقضبان، اقترب الإلف المظلم الصغير وهمس لي:
«يا حاذق، هذا الصباح جاءت سلا لتكلّمنا في الساحة. تريد أن نبلّغك أنّك إن اضطُررتَ إلى دفع غرامةٍ فسيدفعها يال، لكن من الممكن أن يسجنوك على أيّ حالٍ لأنّ ما فعلتَه ليس صوابًا.»
«تقول سلا إنّك مثل أمّها تمامًا»، تدخّل الأمير الصغير.
تجهّمتُ.
«يا للهول. لكنّ الفتى الآخر هو من كاد يقتلنا! ليأخذ الشياطين هؤلاء الإسطرباغات...»
لمحتُ الذبابة الحارسة، وخشيةَ أن يقول شيئًا لمانراس وديل فيطردهما، سارعتُ إلى القول بصوتٍ خفيض:
«اسمعا يا شِيوران*. اصنعا لي معروفًا. اذهبا إلى الراقصات وابحثا عن شخصين يقيمان هناك اسمهما زوريا وزالِن. أخبراهما أنّني لن أستطيع الذهاب لاستعادة قلادتي لأنّني قد يُعاد تجسيدي اليوم. الأمر مهمّ. آه»، أضفتُ وهما يومئان منتبهَين جدًّا. «إن سألاكما أسئلةً، فلا تُجيبا بشيء، فهمتما؟ هؤلاء الناس فضوليّون. تقولان فقط: ‹درائن لا يستطيع الذهاب لاستعادة القلادة لأنّه أُمسك به›. ثمّ تفرّان، تمشي؟»
«تمشي يا حاذق»، أكّد ديل. «انظر، طلبت منّا سلا أيضًا أن نعطيك... هذا.»
ناولني جريدة. ومن تعبير وجهه الذي كان مقروءًا كصفحةِ كتابٍ مفتوح، حزرتُ ما بداخلها دون أن أنظر حتّى. سوكواتا. أو كاروجا. يبدو أنّ سلا لم تظنّ أنّ الذباب سيطلقون سراحي بعد أيّامٍ قليلةٍ فحسب. زفرتُ كاتمًا توتّري.
«حسنًا، بلّغه شكري و... اختفِ. الذباب ينظرون إليكما نظرةً غريبة»، قلت. ولمّا رأيتُهما يتردّدان وينظران إليّ، ابتسمتُ لهما. «لا تقلقا، ستكونان بخير. اعتنيا بنفسيكما ولا تفعلا حماقة. شكرًا على النسخة، كي لا أموت من الملل!»
غادرا. فتحتُ الجريدة بحذرٍ فوجدتُ حبوب السوكواتا الثلاث. بتكتّم، وضعتُها في جيبي. ولم أفتح فمي مجدّدًا طوال العصر. ولم يكن ذلك إلّا في الليلة التالية حين جاءت ذبابةٌ وأخرجتني من الزنزانة. حبسني في غرفةٍ خاليةٍ مع ذباباتٍ أخرى. أخرج أحدهم ورقةً من عشبة السموغ من علبةٍ صغيرة، ووضعها في فمه، وبدأ يمضغها، وتناول الورقة التي ناوله إيّاها رفيقٌ له قبل أن يقول بصوتٍ هادئ:
«درائن هيلِمبلرت. قبل يومين هاجمتَ سائقَ عربةٍ عموميّة، وشتمتَه، ونزعتَ حذاءً ورميتَ حجرًا فحطّمتَ نافذة مركبته. سيّدةٌ كانت بداخلها رفعت شكوى اعتداء. وردَنا خبرٌ من القاضي. رأى أنّه، مع أنّ الاعتداء لم يُحدث أذًى، فإنّ أفعالك كانت غير لائقةٍ وعنيفة، فحكم عليك بالسجن خمسين يومًا في إصلاحية القرنفل، وثلاثة أقمارٍ تحت المراقبة، وغرامةٍ قدرها عشرة سياتوات إخلالًا بالنظام العامّ، وسلوكًا معاديًا للمجتمع، وهلمّ جرًّا. ألديك ما تشكو منه؟»
ساد صمت. كنتُ ما أزال أستوعب العقوبة. أومأت الذبابة وهي تطوي الورقة.
«إذن ستقضي مدّتك وستحظى بثلاثة أقمارٍ لتدفع الغرامة... وسيكون عليك أن تبرّر كيف حصلتَ على المال، بالطبع.» توقّف، مضغ ورقته، ثمّ استأنف: «أنت تفهم عقوبتك، أليس كذلك؟»
أومأتُ، فألحّ:
«إذن اشرح لي، لماذا نضعك في السجن؟»
«لأنّ ما فعلتُه كان خطأً»، قلت، وإن كنتُ في قرارة نفسي لستُ متيقّنًا من ذلك.
واصلت الذبابة مضغ ورقة السموغ وأومأت:
«جيّد. يسرّني أنّك تفهم. آمل أن تعلّمك الإصلاحية ضبط نزواتك وأن تصير مواطنًا صالحًا. خذوه.»
تنفّستُ، ولمّا شعرتُ بيدٍ تقبض على كتفي، تبعتُ مرشدي دون مقاومة، متسائلًا ماذا سيحدث لو ظهر شوكينوري ويابير عند النُّزُل ولم يستطيعا التواصل مع أحد. تنهّدتُ، وأنا أكاد أشعر بالذنب حيال الأمر برمّته. لم يكن لديّ أدنى شكٍّ في أنّ كورثر سيبرم أذنيّ حالما أخرج من القرنفل.
ومع أنّ السجن كان قريبًا نسبيًّا، قرب جادّة تارميل، فقد استخدموا مركبةَ شرطةٍ لنقلي إليه. وحالما وصلنا، أعطوني سوارًا بسيطًا يحمل الرقم أربعمئة، وحلقوا رأسي فلم يتركوا إلّا القليل من الشعر، وشرع موظّفٌ في إعداد بطاقة سجني: قاسني، وكتب في استمارة، وكأنّ سوء حظّي لم يكن عظيمًا كمعبدٍ أصلًا، فبينما كان الحرّاس على وشك اقتيادي إلى زنزانتي، خطرت لهم فكرة تفتيشي. الطريقة الوحيدة لإخفاء حبوب السوكواتا كانت حشوها في فمي، ولربّما لم يكن ذلك لينفع. على أيّ حال، انتزعوها منّي ظانّين أنّها كاروجا، لأنّها كذلك بدت. احتججتُ: «مهلًا، تبًّا للجحيم، هذه ملكي»، فلم يصغوا إليّ، أخبرتُهم أنّها ليست كاروجا، فسخروا منّي. ثمّ نعتُّهم باللصوص، فغضبتُ، أمسكني أحدهم من رقبتي، هزّوني، ورغم احتجاجاتي التي تحوّلت إلى توسّلاتٍ وصرخاتٍ تُفطّر القلب، ثبتوا على موقفهم، ولم يعيدوا لي ما كان ملكي، ودفعوني خارج الغرفة. كان مزاجي أشدّ قتامةً من الممرّات التي اقتادوني عبرها إلى زنزانتي؛ فكيف، الآن، يُفترض بي أن أنجو دون سوكواتا...
فتح حارسٌ الزنزانة. دخلتُ وسمعتُ البوّابة تُغلق قبل أن أستدير حتّى.
«هيّا، لا تبدُ هكذا، بعد أيّامٍ قليلة ستعتاد الأمر»، قال الحارس.
وتركني وحدي. حسنًا، لا، لم أكن وحدي، على أقلّ تقدير. في الزنزانة، كان هناك واحدٌ، اثنان، ثلاثة، سبعة أشخاصٍ آخرين، عددتُهم. وكانت هناك ستّة أسرّة، ثلاثةٌ في الأسفل وثلاثةٌ في الأعلى. كان فتًى في عمر رفاقي مستلقيًا منبطحًا على الأرض، يمصّ أصابعه الداميّة وينظر إليّ بفضول. وكان الباقون جميعًا بالغين. أربعةٌ منهم كانوا يلعبون الورق.
«أتظنّون أنّ رفيقنا الشابّ سيتكرّم بتحيّتنا؟» قال إنسانٌ ذو شعرٍ بنّيٍّ بنبرةٍ عابثة.
قلّبتُ عينيّ وقلت:
«أيو.»
ابتسم لي ابتسامةً ماكرةً وهو يتفحّصني.
«أيو. إنّها مرّتك الأولى هنا، أليس كذلك؟ دعني أعرّفك بنفسي: أنا مئتان وثلاثة، الملقّب بلو بور. عشرة أقمارٍ في النُّزُل لأنّني رميتُ بضع كلماتٍ زائدةٍ على نبيلٍ رفيع المولد. وأنت؟»
نظرتُ حولي في الزنزانة الصغيرة مجدّدًا قبل أن أجيب:
«أنا درائن. أربعمئة»، أضفتُ ملقيًا نظرةً على سواري. وهززتُ كتفيّ. «حكموا عليّ بخمسين يومًا. يقولون إنّني معادٍ للمجتمع.»
اتّسعت ابتسامة لو بور.
«حقًّا؟ وعلينا، في خمسين يومًا، أن نجعل منك مواطنًا اجتماعيًّا، صحيح؟ مم. سنرى ما يمكننا فعله. أهلًا بك في الديار يا فتى.»
رحّب بي آخرون أيضًا، وسألوني عمّا فعلتُه لأستحقّ لقب معادٍ للمجتمع، فأخبرتُهم بما جرى. أثرتُ قدرًا كبيرًا من الضحك وأنا أروي لهم كلّ العناء الذي تكبّدتُه في نزع حذاء السائق، ولمّا رأيتُ بوضوحٍ أنّ حضوري كان أكثر من مرحَّبٍ به، تجرّأتُ وسألتُهم عن أنفسهم. وبعد لحظة، صرتُ أعرف تقريبًا نوع الرفقة التي سأحظى بها. الاثنان اللذان لم يكونا يلعبان الورق كانا المجدور، صحفيٌّ ترك رسومًا كاريكاتيريّةً في المكان الخطأ، والزنديق، الذي كان، كما يدلّ لقبه، مفتريًا بريئًا على الداغلات. أمّا الذين لعبوا الورق مع لو بور فكانوا ثلاثة: الرايواني، إلفٌ ضخم، صديق لو بور، لم ينبس بكلمة؛ والوقواق، محتالٌ ونصّابُ شوارع؛ ومعوجّ القدم، الذي كان يسمّي نفسه بفخرٍ «تاجرًا حرًّا»، وهو ما كان، لسوء حظّه، مرادفًا للمهرّب في نظر قضاء أركولدا. أمّا الفتى، واسمه فاريغو، فقد عرفتُ حكايته حين استلقيتُ بجانبه عند إطفاء الأنوار في التاسعة مساءً وسألته:
«وأنت يا شيور؟ من أين أنت؟»
بدا الصبيّ مذعورًا ووضع سبّابته على شفتيه. عرفتُ السبب حين رأيتُ السجّان يمرّ في الممرّ بفانوسه. وحين عاد الظلام، همس لي فاريغو:
«عائلتي من الحيّ الأسود. أُمسكتُ وأنا أسرق قبل ثلاثة أسابيع. ما زال أمامي ثلاثة عشر... لا، أربعة عشر أسبوعًا»، قال.
كان يحصيها إذن. من باب الفضول، حسبتُ كم أسبوعًا بقي لي فعددتُ ثمانية.
«يا للهول. وماذا سرقتَ؟» استفسرتُ.
تنهّد فاريغو.
«شوكات.» رفعتُ حاجبًا في الظلام، فأضاف: «وملاعق.»
«رعود. حسنًا، من سوء الحظّ أن أمسكك الذباب. إذن، لديك عائلة؟»
شعرتُ أكثر ممّا رأيتُ بأنّ فاريغو صار متحفّظًا.
«نعم، لديّ»، قال بعد صمت. «لكن... أمّي لم تعد تريدني. قالت لي إنّني لن أعود إلى البيت حين أخرج، وإنّني عارٌ على العائلة، وإنّه إن جاع أيٌّ من إخوتي فسيكون الذنب ذنبي، لأنّني أتكاسل هنا بدل أن أعمل في الطاحونة.» توقّف، وحاولتُ أن أضع نفسي مكانه لأتخيّل شعوره. مهانًا، مهجورًا، ربّما. فاجأني حين اعترف بهدوء: «فعلتُ شيئًا خاطئًا. وعليّ أن أدفع الثمن.»
رأيتُه يُسند جبهته إلى ذراعيه المتقاطعتين، فعضضتُ شفتي.
«أوه، أنت تدفع ثمنه بالفعل»، قلت. وأضفتُ: «لا تقلق. الرجال الذين سرقتَ منهم الشوكات قابضو مسامير. يمكنهم دائمًا أن يأكلوا بأصابعهم، كأيّ غواكٍ صالح.» ابتسمتُ. «تصبح على خير يا شيور.»
أجابني همسًا، فاتّخذتُ أكثر الأوضاع راحةً، وبعد أن أصغيتُ طويلًا إلى أنفاس رفاقي الهادئة وإلى صمت السجن، غرقتُ في أوّل نومٍ عميقٍ نسبيًّا منذ أن أمسك بي الذباب.
كان اليوم التالي هو اليوم المبارك ويوم راحة. لذا، بعد أن أعطونا وعاءً من الحساء الصافي، أرسلنا الحرّاس إلى المصلّى لنصلّي ونستمع إلى الكاهن لساعة. رحّب الكاهن بمن دخلوا القرنفل ذلك الأسبوع، وأعطى كلًّا منّا شمعةً لنشعلها من الشمعة الكبيرة ونحملها حول المصلّى إلى المدخل. كنتُ أتبع الموكب بشمعتي وعلى وجهي تعبير من يفكّر «أيّها الشياطين، لكن ماذا أفعل هنا»، حين، فجأةً، مستغلًّا انشغال الجميع، نفخ لو بور بقوّةٍ وشفتاه مائلتان، فانطفأت شمعتي. أطلقتُ فحيحًا من بين أسناني ونطقت شفتاي صامتتين:
«يا ابن الجرذ.»
أمّا لو بور فكان ينظر إلى أظفاره شارد الذهن. تنهّدتُ، وإذ تذكّرتُ أنّ روغان قد حدّثني عن بعض المضايقات التي تعرّض لها في أيّامه الأولى في السجن، رأيتُ أنّ هذا بريءٌ نسبيًّا بالمقارنة، فقرّرتُ أن أتقبّله بروح الفلسفة.
وكيلا أعود إلى الشمعة الكبيرة، استعملتُ لهبَ شمعة الفتى الذي كان خلفي مباشرةً لأشعل شمعتي. على الفور، استنكر الكاهن ذلك:
«أيّها القدّيس الشفيع، ما الذي أراه! لا نخلط لهبَ الأسلاف! تعالَ إلى هنا يا فتى. عُد واطلب المغفرة عند المذبح، إن لم تُرد أن تُلعَن على خطيئتك.»
تحت نظرات السجناء الساخرة أو المتسلّية أو اللامبالية، عدتُ إلى المذبح وعلى وجهي نظرةٌ مذعورة. وماذا كان عليّ أن أقول بالضبط؟ نظرتُ إلى الشمعة الكبيرة، ثمّ إلى المذبح الحجريّ المنقوشة عليه نجمة الداغلات الكبيرة، وابتلعتُ ريقي.
«أنا آسف.»
بدا الكاهن محرَجًا حقًّا.
«وأنا كذلك يا بُنيّ. ألا تعرف صلاة المغفرة؟»
«صلاة... المغفرة»، كرّرتُ متوجّسًا، ثمّ خطر لي إلهام. لقد علّمني روغان الصلاة! ابتسمتُ. «نعم، بالطبع أعرفها! تسير هكذا: أيّها الأسلاف، اغفروا لأولئك المذنبين الذين لا يتصدّقون حتّى على الفقراء، أيّتها الروح القدّيسة الشفيعة! اغفروا لأرواح قابضي المسامير، وليكن عذابهم في الجحيم هيّنًا، ويوم يصفّون، لتغفر الأرواح بخلهم وترحّب بهم في... في أرحبِ الجحيمات... جحيماتِ... آه...»
صمتُّ أمام تعبير الكاهن المذهول. نظرتُ حولي بتوتّر. في المصلّى، كان هناك ضحكٌ مكتوم. ضغط لو بور شفتيه بإحكامٍ وكان أحمرَ كلُبّ البطّيخ. تبًّا للجحيم. ما الذي قلتُه بحقّ السماء؟ احمررتُ بدوري، لكن خجلًا، وتلعثمت:
«آسف يا سيّدي. أخطأتُ في الصلاة.»
ترددتُ، وكدتُ أضيف «أليس كذلك؟»، لكن لم يكن هناك وقت، إذ انفجر لو بور ضاحكًا بقهقهةٍ باريتونيّةٍ منخفضةٍ دوّت في أرجاء المصلّى، وتحوّلت ضحكات السجناء المكتومة إلى قهقهةٍ عارمة. بجهدٍ تمكّن الحرّاس من إخماد المرح العامّ، وتنحنح الكاهن.
«أشعلِ الشمعة من جديد رجاءً. بإذن الحرّاس، سأُبقي هذا الفتى ساعةً أخرى. أظنّه بحاجةٍ إليها.»
لهولي، سمعتُ موافقة أحد الحرّاس. تنهّدتُ، أشعلتُ شمعتي، وسرتُ من جديد بين صفوف السجناء بها، حريصًا على ألّا أمرّ قرب لو بور.
حين انتهت الصلوات، تكفّل بي الكاهن. أخذني ليغسل رأسي بالزيت المقدّس، وأعطاني دروسًا لأمنع روحي من التحوّل إلى روحٍ شرّيرةٍ حين أموت. شكرتُه، ووعدتُه بأنّني من ذلك اليوم سأصلّي للأرواح كلّ ليلة، وأُعدتُ إلى زنزانتي. ساعاتٍ ظلّ لو بور يطلب منّي أن أُلقي الصلوات التي علّمني إيّاها روغان. أنصت إليّ الممرّ بأكمله، بمن فيهم السجّانون، ونقلوا كلامي إلى جيرانهم. من الغريب أنّ الوحيد الذي لم يبدُ مستمتعًا بالقصّة البتّة كان الزنديق، لسببٍ لا يُعرف. على أيّ حال، كان لو بور يقضي وقتًا رائعًا بل وكافأني بسيجار. من كلامه، وممّا رأيت، كان هذا الرجل يعيش حياة سجينٍ ذي حظوة. كان يحصل على المال من سيّدته، التي قال إنّها أفضل لاعبة ورقٍ في أركولدا، وإضافةً إلى ذلك، كان يلعب بالمال بنفسه مراهنًا مع الحرّاس كما مع السجناء، وكما أكّد، كان يربح أحيانًا مبلغًا لا بأس به. كان قد أمضى في القرنفل قمرين وصار عدّةُ حرّاسٍ «في جيبه»، كما قال. كان يشتري لهم السيجار، وأقداح القهوة، والداندِباشِن، وموادّ أخرى، يتشاركها مع صديقه الرايواني. حين سمعتُ كلّ هذا، رأيتُ أنّ لو بور هو خلاصي. لذا، قرب نهاية العصر، سألتُه بنبرةٍ لامبالية:
«قل يا بور. أتشتري كاروجا أيضًا؟»
نظر إليّ مقيّمًا.
«لا، لكن يمكنني أن أحصل على بعضها، لماذا؟»
التقيتُ نظرة الوقواق اليقظة فانتفضتُ توتّرًا.
«لـ-لا، لا لشيء.»
وذهبتُ لأتكوّم قرب فاريغو. من بين كلّ رفاقي في الغرفة، كان أكثر من كرهتُه، أو أقلّ من أحببتُه، حسب زاوية النظر، هو الوقواق. بدا لي شخصًا متقلّب المزاج. وفضوليًّا. كنتُ أعرف أنّني عاجلًا أو آجلًا سأضطرّ إلى اللجوء إلى لو بور لأحصل على مؤونتي من الكاروجا. لكنّني لم أُرد أن يعرف الجميع بالأمر. لكان ذلك أشبه، لا أدري، بكشف ضعفي للرياح الأربع. كان ذلك أمرًا لا يُفعل ببساطةٍ في عالم القطط. ولا في عالم القرنفل أيضًا. تنهّدتُ، وتجاهلتُ النظرة الفضوليّة التي رماها لو بور، ودفنتُ رأسي في ذراعيّ وأغمضتُ عينيّ.
كان اليوم التالي يوم عمل، وانحطّ المزاج في الممرّ فجأة. سرعان ما عرفتُ كيف ستكون أيّامي في السجن. لم يكن بالإمكان أن تكون أكثر إرهاقًا ورتابة. كنّا ننهض في الخامسة والنصف، ونتناول حساءً خفيفًا على الفطور، ثمّ ينادي سجّانٌ هذا القسم أو ذاك. أصحاب الأحكام الطويلة كانوا يذهبون إلى المحاجر لنحت الحجارة أو إلى المصانع تحت الإشراف الصارم للحرّاس. أمّا أنا، فبقيتُ في القرنفل، أفكّك حبال القنّب القديمة لاستعادة الموادّ. كان من الصعب إيجاد عملٍ أكثر مللًا. لم يكن بوسعك أن تتكلّم، وبالكاد كنتَ تتنفّس تحت العيون العابسة للحرّاس، وإلّا نلتَ ضربًا مبرحًا أو خُفّضت حصّتك من الطعام إلى حدودٍ لا تُتصوّر... هكذا كنّا، صامتين مجدّين، حتّى الظهر. نأكل. نواصل عملنا حتّى السابعة. نعود إلى زنازيننا، نتعشّى، وفي التاسعة، ننام جميعًا.
كانت لديّ مشكلةٌ سخيفة. حين كنتُ أفكّك الحبال المقطرَنة، لم تكن يدي اليمنى تنزف كالأخرى، وخشيتُ أن أثير الشبهات. لتدارك ذلك، ضممتُ يديّ لأُلطّخ يدي اليمنى بالدم وتظاهرتُ بمصّهما معًا، كأنّ كلتيهما تؤلمانني. كانت تقنيتي الاحترازيّة أكثر من كافيةٍ لتجنّب أيّ أسئلةٍ محرجة. لكن، على أيّ حال، أن أموت على عمود الحرق كساحرِ موتى أو أن أموت ألمًا وعطشًا لانعدام السوكواتا، بصراحةٍ... لا أدري أيّهما كنتُ أفضّل. لحسن الحظّ، ربّما يكون لو بور مستعدًّا لشراء بعض الكاروجا لي. أي، إن كانت لديّ الجرأة لأطلب منه.
أخيرًا، في صباح اليوم الخامس، بينما كنّا نتناول الفطور، اقتربتُ من لو بور وهمستُ له:
«بور. أيمكنني أن أسألك شيئًا؟»
رفع حاجبًا لتوتّري.
«ماذا تريد؟»
ترددتُ واقتربتُ من أذنه قبل أن أقول:
«أودّ أن أشتري منك بعض الكاروجا. ليس لديّ مال. لكنّني أقسم، حين أخرج، سأكون مدينًا لك كثيرًا. أعِدك، أقسم.»
نظر لو بور في عينيّ وضحك بصوتٍ عالٍ.
«وتظنّ أنّني سأصدّقك، ها؟»
الآن تحوّل انتباه الآخرين إلينا. تورّدتُ كلّيًّا وقلت:
«نعم. لا أكذب.»
نظر إليّ لو بور بعينين ضيّقتين.
«أأنت مدمنٌ إلى هذا الحدّ فلا تستطيع الانتظار قمرًا واحدًا؟»
لم أجبه، لكنّني رمقتُه بنظرةٍ متوسّلة. نظر إليّ متأمّلًا، وفجأةً مطّت ابتسامةٌ شفتيه.
«حسنًا. لكنّني قد أطلب منك أكثر من المال. معروفًا داخل هذه الجدران الثلاثة وهذه البوّابة. سأشرحه لك الليلة، اتّفقنا؟»
أومأتُ متوجّسًا. لم أستطع أن أرى أيّ خدمةٍ يمكنني أن أقدّمها له الآن، وأنا بلا مسمارٍ في جيبي، لكن لم يكن لديّ شكٌّ في أنّه، مهما طلب منّي، سأفعله. لأنّني، دون لو بور، كنتُ ميتًا.
سرعان ما وصل السجّانون لاقتيادنا إلى غرفة العمل، وطوال اليوم فكّرتُ في الخدمة التي سيطلبها لو بور منّي. لم يكن لديّ ما أفعله سوى التفكير وإجهاد يدي.
حين أعادونا إلى زنازيننا، تعشّينا، وبدأ لو بور لعبة الورق اليوميّة مع الرايواني والوقواق ومعوجّ القدم، وظننتُ أنّه نسي محادثتنا الصباحيّة تمامًا حين، فجأةً، بُعيد مرور السجّان في الممرّ، ألقى الورق وقال:
«أصغوا جميعًا. تعالوا، تعالوا. أيّها المجدور. أيّها الزنديق. ما سأقوله يعنيكم.»
متشوّقًا، ذهبتُ لأجلس عند قدم السرير، وضممتُ ركبتيّ، وأهداني لو بور ابتسامةً خفيفةً قبل أن يعلن بصوتٍ خفيضٍ للجميع:
«يسرّني أن أعلن أنّ رفيقيكما العزيزين لو بور والرايواني سيغادران رفقتكم قبل الشتاء. وإن ظننتم أنّنا سننهي حياتنا، فأنتم مخطئون: سنطير بعيدًا كالطيور من النافذة. لديّ العدّة سلفًا: أحتاج فقط إلى متطوّعٍ صغيرٍ يتسلّق إلى النافذة ويبرد القضبان. بالصبر والمثابرة، سينجح بلا شكّ. متطوّع؟» أضاف.
ذُهلوا جميعًا بالخبر، لكنّني تفاعلتُ بسرعةٍ فاهمًا العرض غير المعلَن:
«أتطوّع أنا.»
«طبيعيّ أن تفعل»، ابتسم لو بور. «والآن، أحتاج إلى ستّة متطوّعين ليصمتوا. أعشرون سياتو لكلٍّ منكم تكفي أيّها السادة؟»
تأفّف معوجّ القدم.
«بالتأكيد»، أكّد بصوتٍ خفيض. «لكن، يا بور، أمتيقّنٌ أنّك تريد الهرب؟ لم يبقَ لك سوى ثمانية أقمار.»
تلألأت عينا لو بور.
«ثمانية أقمارٍ أكثر من كافيةٍ لخسارة سيّدة. ولا سبيل إلى أن أخسرها. أيّها الوقواق، ماذا تقول أنت؟»
أومأ بتكشيرةٍ غير مبالية.
«إنّه شأنك، لن أتدخّل. بالطبع، لن أتكلّم. لكن يُستحسن أن تفي بكلمتك وتُجهّز تلك العشرين سياتو حالما تخرج.»
«ستنالها. أيّها المجدور؟»
أقسم المراسل الشابّ بدوره، وقلّب الزنديق عينيه وعاد إلى سريره قائلًا:
«افعل ما تشاء يا مئتان وثلاثة: لا أُبالي بقدّيس.»
«توقّعتُ ذلك.» حين تحوّلت نظرة لو بور إلى فاريغو، شحب الصبيّ، «وأنت أيّها الفتى؟ أأنت شيطانٌ بما يكفي لتشي بالأمر إلى الحرّاس وتمنع لو بور من لمّ شمله بحبيبته؟»
هزّ فاريغو رأسه خوفًا.
«لا يا سيّدي. لن أخبر أحدًا.»
«بالطبع لن تخبر أحدًا. شرفك وحياتك يتوقّفان على ذلك.»
حين شعرتُ بنظرة لو بور عليّ، رفعتُ عينيّ إلى السماء.
«ولا أنا، طبيعيّ»، قلت.
«ما كنتُ لأتوقّع منك أقلّ من ذلك»، أطراني لو بور. «ممتاز. سأطلب فقط أن تحصل، إضافةً إلى ذلك، على بعض قطع حبل القنّب خلال النهار. سنحتاج إليها.»
هززتُ كتفيّ، مبديًا مظهرَ من اعتاد التخطيط لعمليّات الهروب.
«تمشي.»
ابتسم لو بور.
«حسنًا. إذن...» سحب عدّة مباردَ من تحت سريره وناولني واحدًا. «اشرع في العمل يا أربعمئة.»
أخذتُ الأداة ولاحظتُ أنّ لو بور قد ترك كرةً سوداء صغيرة في راحة يدي. الكاروجا، أدركت. أخفيتُها، وتحت نظرات رفاقي في الغرفة، تسلّقتُ إلى النافذة، تكوّرتُ، وألقيتُ نظرةً على المدينة الليليّة في الخارج. في ظلال الليل، لم يكن يُرى سوى أضواءٍ بعيدةٍ في المصانع قرب نهر إستِرغات ونجومٍ خافتةٍ تلمع في السماء. لم أمضِ في السجن سوى أسبوع، ومع ذلك كم تمنّيتُ لو كنتُ هناك في الخارج مع رفاقي، حرًّا ودون أن أضطرّ إلى تحمّل نزوات الحرّاس أو شرب حسائهم القذر! شعرتُ فجأةً باتّفاقٍ تامٍّ مع قرار لو بور. فهمتُ تمامًا أنّ خسارة ثمانية أقمارٍ من العمر في القرنفل بدل قضائها مع سيّدته إنّما هي ظلم. لا سيّما أنّ جريمته الوحيدة، حسب قوله، كانت لعن أسلاف قابض مسامير. كان يستحقّ أن يخرج من هناك مرفوع الرأس.
أمسكتُ القضبان وتحسّستُ حولها. كانت النافذة تضيق نحو الخارج. كان لها شبكة، والقضبان، العموديّة والأفقيّة، كانت من حديدٍ كبيرٍ وقويٍّ جدًّا، لكنّها لم تكن فولاذًا أسودَ خالصًا. ابتسمتُ، حشوتُ الكاروجا في جيبي لحين حاجتي إليها، ألقيتُ تعويذة صمت، وشرعتُ أبرد.
* شيور: عبارة مخاطبةٍ حميمة، بمعنى «يا صاحبي/يا رجل» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion