Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 34
لم يمرّ يومٌ واحدٌ دون أن يعطيني لو بور جرعتي من الكاروجا. أوفى بوعده، وأوفيتُ بوعدي. في الحقيقة، لم تكن لديّ في البداية أدنى فكرةٍ عن مقدار الكاروجا الذي أحتاجه لأتفادى آثار نقص السوكواتا. كان ذلك يختلف من يومٍ إلى آخر، ولم يكن مُجديًا: كان يخفّف الألم ويكاد يُذهبه، لكن ليس تمامًا، حتّى إنّه في كلّ ليلةٍ حين أعود إلى الزنزانة، كان الألم يزداد ويزداد، إلى حدٍّ لا يُطاق. وذات مساءٍ، في مطلع قمر الذئاب، أصابني رعبٌ مميتٌ حين لم أرَ لو بور عند دخولي الزنزانة. تلعثمت:
«أين لو بور؟»
«لقد أخذته الأرواح»، رمى الوقواق بالكلمات وعلى وجهه كآبة.
وضحك من نظرتي المذعورة. تدخّل الرايواني بصوتٍ جهير.
«لا تُصغِ إلى ذلك الوغد: أثار لو بور جلبةً فأرسلوه ليكنُس عقابًا له، لا أكثر. سيعود قريبًا.»
كانت تلك أوّل مرّةٍ يخاطبني فيها بهذا القدر من الكلمات المتتالية، ولهذا السبب، وربّما بسبب حالتي المشوّشة بعض الشيء، ظللتُ أحدّق فيه. لم أفهم تمامًا معنى كلماته، وبعد صمت، تلعثمتُ من جديد:
«أين لو بور؟»
هذه المرّة لم يُجبني أحد. تلقّيتُ نظراتٍ مندهشةً من الجميع، فتحاشيتُها والتفتُّ إلى القضبان. أمسكتُها، أسندتُ جبهتي إلى أحدها، وانتظرت. لكنّ لو بور لم يأتِ. جاء العشاء، فأفرغتُ وعائي بلا شهيّةٍ قبل أن أعود إلى قضباني. لا شيء. تسارع نبضي، ولسعت عينيّ... ولو بور لم يأتِ. فبعد حين، جلستُ في زاوية. حيّاني فاريغو بتعبيرٍ نصفه حذرٌ ونصفه فضول.
«درائن؟ ألديك مشكلة؟» همس لي.
لم أدرِ ماذا أقول له. كان قلبي يخفق كأنّني للتوّ قطعتُ إستِرغات راكضًا بأقصى سرعتي. ثمّ انتقلت عيناي إلى الكيس الذي فيه أغراض لو بور. رمقتُ الرايواني بطرف عيني. كان مستلقيًا على سريره، على بُعد أصابعَ قليلةٍ من الكيس، لكنّ جفنيه كانا مغمضين. ببضع تناغمات صمتٍ، أستطيع على الأرجح أن أُخرج الكاروجا دون أن يسمعني، أليس كذلك؟ كان الزنديق ينظر إليّ. بَه. وما همُّ ذلك الرجل بما عساي أفعله؟
تحرّكتُ بهدوء. زحفتُ على أربع. واقتربتُ من الكيس. فتحتُه، و... انطبقت قبضة الرايواني على ذراعي. أطلقتُ صيحةً مكتومة.
«لا تلمس أغراض لو بور»، زمجر في وجهي الإلف الضخم.
نظر في عينيّ دون أن يُفلتني. أومأتُ صامتًا. كانت عيناي تحترقان، وكان رأسي يؤلمني أكثر من ذراعي المقبوض عليها. ثمّ جاء وقعُ خطواتٍ من الممرّ، فأطلقني الرايواني. انفتح باب الزنزانة، ودخل لو بور متبخترًا. لم أكن قد تحرّكتُ، ما زلتُ جاثيًا قرب الكيس. أدار لو بور بصره، وبدا أنّه لاحظ أنّ شيئًا قد حدث، فعلّق:
«يبدو أنّ عاصفةً مرّت من هنا.»
«يا يا، عاد الكنّاس»، ابتسم الوقواق بسخريةٍ وديّة. «الغواك كان يتحرّق شوقًا إليك.»
وقعت عينا لو بور عليّ، ثمّ على الرايواني، ثمّ هزّ الوغد رأسه برفق.
«فهمت.»
انحنى بجانبي، وانتشل حبّة كاروجا من الكيس، لكن بدل أن يعطيني إيّاها فورًا، راح يعبث بها متأمّلًا.
«أردتَ أن تأخذها بنفسك، أليس كذلك؟ لا يجدر بك ذلك يا أربعمئة. أستطيع أن أعاقبك اليوم فلا أعطيك إيّاها. ما رأيك؟»
مجرّد التفكير في قضاء الليلة بطولها في الجحيم ملأ عينيّ بالدموع. لم أنبس، لكنّ نظرةً كانت تساوي أكثر من ألف كلمة. اكتسى وجه لو بور بالكآبة. أخيرًا، تنهّد.
«إنّك مثيرٌ للشفقة يا أربعمئة.»
وأعطاني حبّة الكاروجا. وضعتُها في فمي، وابتلعتُها، وامتثالًا لإشارةٍ صامتةٍ من لو بور، انسحبتُ إلى زاويتي. تدريجيًّا، زال الألم كلّه تقريبًا. لكن ليس العار. دفعتُه بعيدًا قدر استطاعتي، وحين رماني الوقواق بنظرةٍ ساخرةٍ وأنا ذاهبٌ لألعب لعبة الورق اليوميّة، واجهتُ نظرته بكرامة. وبينما امتلأت الزنزانة بالتعليقات على اللعبة، انضمّ إليّ فاريغو زاحفًا على أربع.
«ما كان ذلك؟» سأل.
رمقتُه بنظرةٍ متفاجئة.
«ألا تعرف ما هي الكاروجا؟»
وإذ هزّ رأسه نافيًا، ابتسمتُ وعبثتُ بشعره قائلًا:
«شيءٌ سيّئٌ جدًّا يا شيور*. لكن إن لم أتناولها، سأُصفّى. اسمع أنت، إيّاك أن تجرؤ على تناولها، ولو على سبيل المزاح، مفهوم؟ وإلّا صفّيتُك أنا.»
قلّب فاريغو عينيه.
«أإلى هذا الحدّ هي سيّئة؟»
«سيّئةٌ بجنون»، أكّدت له. توقّفت. «أتريد أن تلعب المورّة؟»
دبّت الحياة في فاريغو.
«بجنون!»
ابتسمت. كان الغزّال الصغير يتعلّم لهجة القطط بسرعةٍ مذهلة.
رغم أدائي في يومي الأوّل في السجن، تفاهمتُ أنا والكاهن على نحوٍ حسنٍ جدًّا، حتّى إنّه أعطاني ذات مرّةٍ قلادةً تحمل نجمة الداغلات من خشب البلّوط. وأعطى واحدةً لفاريغو أيضًا، وفي عيد الأبرياء، ثالثِ يومٍ مباركٍ في قمر الذئاب، علّمنا جميعًا نحن الأطفال السجناء أنشودةً دينيّةً لنغنّيها أمام السجّانين وسائر السجناء. صفّق لنا الجميع. وبينما كنّا عائدين إلى الزنزانة، قال لي لو بور بنبرةٍ ساخرة:
«أتعلم أنّنا سمعناك تعوي أكثر من أيّ أحدٍ آخر يا أربعمئة؟»
ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً وأجبت:
«طبيعيّ: أنا قطٌّ غواك.»
في ذلك اليوم، كان لو بور في مزاجٍ رائقٍ جدًّا. والسبب أنّه كان يوم الزيارة. عند الظهر، بينما كنّا جميعًا في زنازيننا نقتل الوقت، بدأ سجّانٌ ينادي الأرقام.
«مئتان وثلاثة!»
كان لو بور مستعدًّا. ارتدى معطفه الأنيق ودفع لحلّاق. حتّى إنّه نجح في جعلي أُلمّع حذاءه مقابل كرة الكاروجا المعتادة وبسكويتتين تبقّتا لديه من الزيارة السابقة.
«سأذهب، سيّدتي بانتظاري»، أعلن بابتسامةٍ عريضة. خرج إلى الممرّ بمشية ملكٍ، فقُيّدت يداه.
«ثلاثمئة وسبعة وستّون!»
كان ذلك المجدور. من يدري من عساه جاء لزيارته؟ عدا هذين الاثنين، لم يخرج أحدٌ آخر من زنزانتنا. كلّما سمعتُ رقمًا يبدأ بأربعمئة انتفضتُ انتفاضةً طفيفةً جدًّا، لكنّها كانت كلّها إنذاراتٍ كاذبة. ومن ذا الذي كان سيأتي لزيارتي على أيّ حال؟ صحبي؟ لم يكن بوسعهم: لم يبلغوا السنّ القانونيّة. ولا يال، ولا ييرّيس، ولا سلا. وفضلًا عن ذلك، لم تكن تربطهم بي، بيروقراطيًّا، أيّ صلة قرابة. ومن البديهيّ أنّ كورثر لم يكن ليأتي بنفسه ليبرم أذنيّ.
«تحرّكوا!» نادى حارس.
غادر صفُّ السجناء ذوي الزوّار، تاركًا الممرّ صامتًا. أفلتُّ القضبان، وما إن استدرتُ حتّى لاحظتُ تعبير فاريغو الكئيب. أكان يفكّر في أمّه الغزّالة التي نبذته من العائلة كخروفٍ أسود؟ لا بدّ أنّه كان يفكّر في شيءٍ من هذا القبيل، فقد بدا المسكين كأنّه على وشك البكاء. دفعتُ رأسه بيدٍ حانية، أساسًا لأواسيه قليلًا، وقلت:
«سأصعد.»
تسلّقتُ إلى النافذة بمعونة الأسرّة الطابقيّة، وتشبّثتُ بالشبكة. كانت السماء ذلك اليوم زرقاء، ودخل هواءٌ شتويٌّ باردٌ من الفتحة. تكوّرتُ ولويتُ جسدي لأتّسع فوق الكوّة الضيّقة. عندئذٍ، إضافةً إلى السماء، رأيتُ سطوح إستِرغات، والأخاديد، بل وحتّى جزءًا من النهر. وبعد لحظاتٍ من تأمّل المنظر مبهورًا، أخرجتُ المبرد خِلسةً، وألقيتُ تعويذة صمتٍ وواصلتُ حكّ القضيب.
في معظم الأوقات كنتُ أعمل ليلًا، لكنّ اليوم كان يومًا مباركًا، ولمّا كان لو بور قد حدّد موعد الهروب بعد أسبوعٍ من الآن، كان عليّ أن أُسرع. قال لو بور إنّه حين يهرب السجناء، تعرض السلطات مكافآتٍ سخيّةً إلى حدّ أنّ المواطنين جميعًا يتطوّعون للمطاردة. ثمانية سياتوات لمن يمسكك قرب القرنفل، وأربعة عشر داخل المدينة، وعشرون بل وثلاثون سياتو إن أمسكوك خارج إستِرغات. وهو ما يمثّل، لكثيرين، دخل قمرٍ كامل. ومع ذلك، زعم لو بور أنّ لديه أصدقاء وأنّ خطّته ستنجح. حسنًا، لنأمل ذلك.
حين عاد لو بور، كان القضيب قبل الأخير قد كاد يُقطع. وإذ سمعتُ وقع الخطوات في الممرّ، هرعتُ نازلًا، تمطّيتُ، ودلّكتُ عضلاتي المتوجّعة. دخل لو بور وعلى وجهه ابتسامة. اتّسعت عيناي حين رأيتُ ما يحمله بين يديه. كانت كعكة توت العلّيق. مجرّد رؤيتها كان متعة.
مستلقيًا على بطني ومرفقاي على الأرض، رحتُ أراقب لو بور وهو يتقاسم الكعكة مع صديقه الرايواني، بينما يروي مبتهجًا كيف ربحت سيّدته جبلًا من الذهب في الليلة السابقة. كنتُ بالكاد أُصغي إلى ما يقول: كانت عيناي مسمّرتين على كلّ قضمةٍ يقضمها من الكعكة. في الواقع، كنّا جميعًا ننظر إليه، عدا المجدور، الذي كان مستلقيًا كئيبًا على سريره.
«يا أربعمئة»، قال لو بور بابتسامةٍ خفيفة. «أتريد قضمة؟»
سال لعابي لمجرّد سماع الدعوة. لم أُرد أن أقع في أيّ فخّ، لكنّني كنتُ أتوق إلى تذوّق الكعكة توقًا شديدًا...
«ماذا تريد في المقابل؟» سألت.
قلّب لو بور عينيه.
«فقط واصل البرد، أليس ذلك كافيًا؟»
أكان جادًّا أم كان يعبث بي فحسب؟ نهضتُ واقتربتُ بحذر. وللمفاجأة، وضع لو بور قطعةً سخيّةً من الكعكة في يديّ وقال:
«عيدَ أبرياءَ سعيدًا يا شيور.»
اتّسختا يداي بالقشدة، لكنّ قطعة الكعكة بدت رائعةً على نحوٍ قدّيسيٍّ شفيع. تراجعتُ خطوة، وإذ رأيتُ تعبير فاريغو الغيور، شطرتُ القطعة وأعطيته الحصّة الأكبر.
«هيّا، كُلْ.»
نظر إليّ فاريغو غير مصدّق، لكنّه لم يطلب منّي أن أُكرّر عرضي. أكل كلٌّ منّا حصّته، ولعقنا ومصصنا أصابعنا. ولم يقل لي الغزّال الصغير، إلّا حين بدأنا نهضم الوجبة اللذيذة:
«شكرًا.»
هززتُ كتفيّ وابتسمتُ له.
«عفوًا يا شيور. المتعة إذا شُورِكت تضاعفت»، تلوتُ بحكمة. واتّسعت ابتسامتي وأنا أتذكّر أنّني قلتُ الشيء نفسه ذات مرّةٍ، منذ زمنٍ بعيد، لمعلّمي الناكروس، غير أنّه بدل كعكة توت العلّيق، كان ذلك مورجاس عظم أرنبٍ كنتُ قد سرقتُه من معلّمي.
في تلك الليلة كسرتُ القضيب قبل الأخير، وفي اليوم التالي، بينما كنّا نتغدّى، أخبرتُ لو بور همسًا.
«لم يبقَ إلّا أن أبرد القضيب الأفقيّ على اليسار»، همست. «أتظنّ الرايواني سيتمكّن من المرور؟»
«بالطبع سيمرّ»، زمجر لو بور دون أن يرفع بصره حتّى إلى النافذة في أعلى الجدار. «وإن واجه صعوبةً في المرور، دفعتُه»، أكّد. «سيمرّ.»
إن كنتَ تقول ذلك، فكّرت. تاه بصري نحو صديق لو بور. كان الإلف الضخم واقفًا قرب البوّابة، مستغرقًا ومنشغلًا جدًّا يحتسي رشفاتٍ صغيرةً من قنّينة نبيذ.
«تتساءل لماذا حكموا على ذلك الضخم، ها؟» التفتُّ. كانت عينا لو بور تبتسمان. هززتُ كتفيّ، وأومأت، واصطنعتُ وجهًا متسائلًا. ثمّ قال، وهو ينظر إليّ بطرف عينه: «نبش القبور.»
تقلّبت معدتي.
«تقصد... أنّه يسرق أشياء من القبور؟»
«إن كنتَ تعدّ الجثث أشياء، فنعم.» ضحك ضحكةً خافتةً لتعبيري المذهول. «عُد إلى رشدك يا شيور. مستشفى زهرة الآلام يدفع ثمنًا جيّدًا لقاء كلّ قطعة. أعرف عمّا أتكلّم: أعنتُه في الصيف. الأطبّاء يدفعون ذهبًا. آه، هيّا يا أربعمئة، لا تصنع ذلك الوجه! سرقة الأحياء أسوأ من سرقة الأموات، ألا ترى؟ فالميت، في نهاية المطاف، لا يعرف شيئًا أصلًا.»
بدوتُ متأمّلًا وقبِلتُ الحجّة.
«هذا صحيح. إلّا إن أحياه أحدٌ من جديد.»
رماني لو بور بنظرةٍ ساخرة.
«وهل تعرف كثيرين قادرين على إنهاض الموتى؟ الرايواني قادر»، قال متسلّيًا، إذ لم أُجب. «الرايواني يُنهض الموتى.»
أنهيتُ حسائي وقرّرتُ أن أغيّر الموضوع.
«وماذا عن الحبل؟ أصار طويلًا بما يكفي؟»
«للشنق نعم، للهرب لا...» ضحك. «إنّها مزحة يا شيور. إنّه طويلٌ بما يكفي. على الأكثر، سنقصر ببضعة أقدامٍ عن بلوغ القاع... إن استطعتَ أن تسرق قليلًا بعد، فافعل، وسأعزّز الحبل. لكن لا تخاطر. عدا ذلك، لم يبقَ أمامك سوى قضيبٍ واحد.»
«نعم...» ترددتُ وقلتُ همسًا: «قل، لن تنسى الكاروجا، أليس كذلك؟»
لا أدري لماذا كنتُ أخفض صوتي كلّما نطقتُ كلمة كاروجا. كان ذلك سخيفًا، خصوصًا أنّ الجميع في الزنزانة كانوا يعرفون سلفًا أنّني أتناولها، ولا بدّ أنّ الحرّاس خمّنوا ذلك. ما لم يكن بوسع الحرّاس، ولا ينبغي لهم، أن يتخيّلوه هو ما كنتُ أعطيه للو بور في المقابل.
«سأعطيك مؤونةً كي لا تنفد منك»، وعدني لو بور. «لكن... إن أردتَ نصيحتي، لأقلعتُ عنها. إن كنتَ تنوي أن تدفع ثمن جرعةٍ كلّ يوم، فلن يكون أمامك خيارٌ سوى أن تعمل لحساب مهرّبي القطط أولئك... إن لم تكن تفعل ذلك أصلًا قبل مجيئك إلى هنا.»
كشّرتُ، ونظرتُ إلى وعائي الفارغ وأمررتُ إصبعي لأُتمّ تنظيفه. كنتُ أعلم أنّ لو بور لم يطلب منّي جوابًا. ومع ذلك، أعطيتُه واحدًا.
«لا. لم أكن أعمل لحساب أحد.»
كان وقعُ خطوات الحرّاس يُسمع سلفًا في الممرّ. دون أن أرفع بصري، مصصتُ إصبعي وتركتُ الوعاء مع الأوعية الأخرى. ثمّ قال لو بور:
«أُصدّقك.»
التفتُّ إليه مندهشًا. ابتسم لو بور.
«لهذا... أُكرّر نصيحتي.»
رمقتُه بتكشيرةٍ محرَجةٍ والتفتُّ إلى القضبان بينما كان السجّانون يفتحون الزنازين وينادون السجناء للدخول. قطّبتُ حاجبيّ مندهشًا. كان ثمّة أمرٌ يجري. سرنا جميعًا نحو القضبان فرأينا آمر السجن يظهر. كان كاداإلفًا طويلًا مربّع الوجه بعينين صفراوين. لم يكن يُرى إلّا نادرًا في القاعة الكبيرة حيث تُفكّ الحبال. توقّف أمام زنزانتنا.
«ثلاثمئة واثنان وستّون وثلاثمئة وثمانية!» أعلن. «خذوا أغراضكم وتعالوا معنا. ستُنقلون.»
تحرّك معوجّ القدم والزنديق بعصبيّة.
«إلى أين؟» سأل الأوّل.
«إلى سترون»، أجاب آمر السجن. «ستساعدون في المناجم، في السكك وما شابه ذلك.»
مضى إلى الزنزانة التالية لينادي سجينًا آخر، فتراجعتُ عن البوّابة ونظرتُ إلى معوجّ القدم والزنديق بمزيجٍ من الحزن والحسد. حزنٌ لأنّني لن أراهما ثانيةً، وحسدٌ لأنّني كنتُ أعرف أنّ بلدة سترون المنجميّة تقع في قلب الجبال تمامًا. فعلى الأقلّ سيتمكّنان من رؤية الجبال كلّ يوم.
«يا صديقيّ»، قال لو بور بنبرةٍ مهذّبة. «سُررتُ بمعرفتكما.»
«وأنا كذلك»، أجاب الزنديق بسخرية. وحاملًا كيسًا لا بدّ أنّه لم يزن نصف رطل، عبر العتبة.
أمّا معوجّ القدم، بوصفه التاجر الحرّ الطيّب الذي كانه، فكان أكثر أُلفة. صافح لو بور، والوقواق، والرايواني، والمجدور، ولإرضائي، لم ينسني، وعبث بشعري.
«واصل الغناء يا أربعمئة»، قال لي.
ابتسمتُ، فخرج، وأغلق الحرّاس البوّابة ليتأكّدوا أنّ كلّ من في الخارج ليسوا إلّا السجناء الذين ينقلونهم إلى سترون. تشبّثتُ بالقضبان، وإذ رأيتُ صفّ السجناء يتحرّك خارجًا إلى الممرّ، أنشدتُ:
آهِ، لا! لن أنساكَ أبدًاااا!
يا رفيقَ عمري العزيز،
لقد تقاسمنا الخبز نفسه
وكِدنا نتقاسم الفراش نفسه.
المزحة، وإن كانت شائعة، انتزعت الابتسامات، وكثيرٌ من السجناء، لتطييب المناسبة، صفّقوا وصفروا.
«لترعكم الأرواح يا رفاق!» صاح أحدهم.
غنّى آخرُ أنشودةَ سجين، وانضمّ إليه عدّة سجناء، وهكذا مضى رفاقنا السجناء، وسط الصخب والأبيات والهتافات. أخيرًا، ابتعدتُ عن البوّابة وراقبتُ التعبير اللامبالي على وجه لو بور، الذي ما زال جالسًا على السرير. ظننتُ أنّني أستطيع تخمين أفكاره: برحيل الزنديق ومعوجّ القدم، سيكون عليه أن يدفع أربعين سياتو أقلّ. ما دام لا يأتينا وافدون جدد...
لكنّهم جاؤوا.
ومن بينهم، خنجرٌ أسود.
* شيور: عبارة مخاطبةٍ حميمة، بمعنى «يا صاحبي/يا رجل» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion