Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 37
قضيتُ أواخر أيّام محكوميّتي في المشفى. أُعطيتُ مُسكِّنًا حسّن حالي قليلًا، وإن لم يكن ذلك كافيًا ليمنعني من تمنّي الموت في لحظات صحوي النسبيّ. صرختُ طالبًا الكاروجا، لكنْ لم يُصغِ إليّ أحد، فقُدِّمَ لي حساءٌ بغيض وتُرِكتُ لأموت ببطء. كانت أكثر الكلمات التي أسمعها غير مفهومةٍ لي، لكنّني تمكّنتُ من التقاط حديثٍ بوضوح حين مرّ بعض الحرّاس ليأخذوا مريضًا تعافى:
«والفتى؟ ألا يتعافى؟» سأل أحد الحرّاس.
«حسنًا، أخشى أنّ هذا لن يخرج من السجن على قدمَيه،» أجاب الطبيب.
وبالفعل، لم أخرج على قدمَيّ، لكنّني خرجتُ حيًّا. بعد يومَين، حلّ أوّل يوم الرعد العاصف، وانتهت محكوميّتي. لكنّ محنتي لم تنتهِ. بالكاد شعرتُ حين رفعني الحرّاس من المشفى واقتادوني إلى البوّابة الرئيسة. ظهرت وجوهٌ مألوفة. عرفتُ وجه الرجل الملتحي ووجه العملاق الموشوم. قال لي الملتحي شيئًا لم يفهمه عقلي المخدَّر بالألم. ثمّ حملني العملاق بين ذراعَيه، وأخرجوني من هناك.
أخذوني إلى الراقصات. لم تكن الحانة بعيدةً كثيرًا عن السجن، وبدت الرحلة قصيرة. بل إنّ كلّ شيءٍ بدا قصيرًا وطويلًا في آنٍ واحد. أضجعوني على السرير نفسه الذي نمتُ عليه المرّة الماضية، ورأيتُ الملتحي يفتح فمه ثمّ يُطبقه من جديد. تقطّب حاجباه قلقًا. سألني سؤالًا. ثمّ اقتربت الأزرق ولمست جبيني. وعلى الفور تقريبًا، تراجعت مطلقةً صرخةً حادّة.
«إنّه يتألّم،» لهثت.
حاولتُ أن أخبرهم بالسبب، لكنْ لم يخرج صوتٌ من حلقي. ثمّ علت جلبةٌ في الممرّ. سمعتُ أصواتًا تصيح. وزمجر أحدهم:
«دعوني أمرّ! أعرفه. أعرف ما يحدث له. أرجوكم، دعوني أمرّ.»
بعد لحظاتٍ قليلة، رأيتُ وجهًا مألوفًا جدًّا. كان يالِت. رأيته يُخرج حبّةً سوداء، ورغم أنّ الملتحي حاول منعه، وضعها في فمي.
«لكن ماذا بحقّ الشياطين أعطيته؟» صاح الملتحي.
زمّ يال شفتيه ولم يُحوّل نظره عنّي.
«إنّه دواء،» قال أخيرًا.
«دواء؟ وحقِّ لحيتي! هذا مخدِّرٌ، هذا ما هو،» هسّ الملتحي من بين أسنانه.
لم يُجب يال، وابتسم حين رأى أنّني رمشتُ وكففتُ عن التشنّج. كان قلبي لا يزال يخفق بعنف. تمتمتُ:
«ماء.»
«سأحضر لك بعضه حالًا،» قالت الشقراء.
أمسك يال بكتفي.
«ساري، كيف حالك؟»
«إلَسّار*،» همستُ.
رأيته يهزّ رأسه ويتنهّد ارتياحًا.
«أمّهات النور، إنّك بارعٌ حقًّا في الوقوع في المتاعب.»
ابتسمتُ. الآن صرتُ أشعر بتحسّن، بتحسّنٍ كبير.
«أخبرني الغطّاس أنّ كلّ غواكٍ يحترم نفسه يمكث في القرنفل مرّةً على الأقلّ.»
نحنحتُ حلقي، فقد بدا صوتي واهنًا على نحوٍ مخيف، وحاولتُ أن أتنفّس بهدوءٍ أكبر بينما قال الملتحي:
«من أنت؟ أحذّرك، إن كنتَ أنت من بدأ بتخديره، فسأطردك من هنا وبسرعة.»
أخيرًا أدار يالِت رأسه نحوه وأطلق زفرةً متبرّمة.
«أودّ أنا أن أعرف من أنت. كنتُ أنتظر درائن خارج القرنفل، فرأيتك تحمله على تلك الحال… أيّها الشياطين، للحظةٍ ظننتك تأخذه إلى المقبرة. من أنت؟ كيف تعرف درائن ولماذا أحضرته إلى هنا؟»
راقبه الملتحي بتكشيرةٍ متأمّلة قبل أن يُجيب:
«أنا كاكزايل مالاكسالرا، محاربٌ مجالِدٌ هارب من مملكة تاسّيا. وقد عرضتُ أن أتولّى تعليم هذا الفتى لبعض الوقت. لهذا أحضرته إلى هنا: إنّه تحت حمايتي. وفي رأيي، إنّه بحاجةٍ إليها.»
نظر إليه يال كأنّه ينتظر تفسيرًا آخر. وإذ شعرتُ بقوّتي تعود، رفعتُ نظري إلى بقيّة من في الغرفة. كانوا جميعًا هناك: التوأمتان، والعملاق، والقيتيّ ذو الشعر الأحمر. كان الأخيران يرمقان الخنجر الأسود الشابّ بنظراتٍ حَذِرة، بينما كانت الشقراء تنحني في تلك اللحظة لتناولني كوب الماء الذي طلبته. جلستُ مبتسمًا.
«شكرًا لك يا سيّدتي.»
شربتُ بينما استنشق يال هواءً وهو يومئ برأسه.
«حسنًا. لا أدري ما الاتّفاق الذي بينك وبين درائن، لكنّني أطلب منك أن تدعه يقرّر إن كان يريد البقاء هنا أو… إن كان يريد المجيء معي.»
«مستحيل،» أجاب كاكزايل. «اسمع يا صديقي: كانت السلطات قد أدرجت الفتى في قوائم مَن سيُرسَلون إلى دار الإحسان للمتشرّدين. ولولا تدخّلي لأُرسِل إلى هناك، فيؤسفني أن أخيّب ظنّك، لكنّ الفتى يبقى هنا. أتفهّم حَذَرك: نحن لا يعرف أحدنا الآخر. لكنّني أؤكّد لك أنّني سأعتني بالفتى خير عناية. وعلى أيّ حال، أنا شخصيًّا لن أخدّره.»
زمّ يال شفتيه بصبر، وقبل أن يتسنّى له الردّ، تدخّلتُ:
«يال. إنّهم ليسوا أشرارًا. يبحثون عن شخصٍ ما، ويظنّون أنّني أستطيع مساعدتهم، هذا كلّ شيء. وأنا… أودّ مساعدتهم. حقًّا أودّ ذلك. لكنّني لا أستطيع.»
«أنت تعرف أين صديقنا،» نطقت الأزرق. كانت واقفةً عند طرف السرير، تحدّق فيّ. بدت عيناها غير البشريّتين تقولان لي: لا تكذب عليّ.
ابتلعتُ ريقي وأومأتُ.
«أعرف أين هو.»
كانت الشقراء قد أخذت للتوّ كوب الماء، وحين سمعتني، كتمت لهفةً.
«شياطين… تعرف أين هو؟»
شعرتُ بشيءٍ من الخجل لأنّ الشقراء صدّقتني فعلًا حين قلتُ لها إنّني لا أعرف شيئًا. لم يكن يُصادَف كلَّ يومٍ مَن يقبل بكلمة غواك. تنهّدتُ والتفتُّ إلى يال. كان ينظر إلينا جميعًا في حَيرة.
«أخبرنا أين هو، وسندعك وشأنك،» ألحّت المرأة الزرقاء.
«اهدأنَ يا عزيزاتي،» تدخّل كاكزايل. «لا أدري إن كان هذا أفضل وقتٍ للحديث: الفتى خرج لتوّه من السجن…»
«لماذا لا تستطيع أن تخبرنا أين هو؟» سألت الشقراء، مقاطعةً المحارب.
خفضتُ نظري إلى يديّ. تبًّا للجحيم. وماذا عساي أقول لهم الآن؟ أطلقتُ تنهيدةً طويلة واستلقيتُ.
«لأنّ…» نحنحتُ حلقي. «لأنّه إن رحل، فسيضطرّ اثنان وثلاثون غواكًا إلى قضاء حياتهم وهم يتعاطون الكاروجا. والكاروجا ليست رخيصة.»
ساد صمت، ثمّ قال يال غير مصدّق:
«لا تقل لي… تقصد الخيميائيّ؟»
وإذ تحوّل الانتباه إلى يالِت، الذي أكّد للتوّ أنّه يعرف ديسّاري* وايام، شعرتُ بالإنهاك. لم أكن قد نمتُ منذ، على ما أظنّ، أربعة أيّامٍ ربّما. وإدراكًا منّي أنّني قد ألقيتُ المشكلة على عاتق يال، ارتديتُ قناع البراءة، واستسلامًا لإنهاكي، أغمضتُ عينيّ. ماذا سيفعل يال الآن؟ أيخبرهم بكلّ شيء أم يلزم الصمت؟ حسنًا، مهما قال، فالأرجح أنّه سيُبلي خيرًا منّي. كنتُ من الإرهاق بحيث لم أكن لأجفل حتّى لو غاصت إستِرغات في أعماق الأرض في تلك اللحظة.
أخيرًا، سمعتُ كاكزايل يقول:
«من الأفضل أن ندع الفتى ينام. إن لم يكن لديك مانع أيّها الشابّ، أودّ أن أدعوك إلى شرابٍ في الداخل. أظنّ أنّ لدينا بعض الأمور لنتحدّث عنها. أو بالأحرى، لديك أنت وزوريا وزالِن أمورٌ للحديث عنها.» شعرتُ بيدٍ على كتفي. «نَمْ يا فتى، واسترجع قوّتك.»
تظاهرتُ بالنوم. لم أسمع جوابًا من يال، لكنّني سمعتُ وقع أقدامٍ في الغرفة. حين أُغلق الباب، أنصتُّ لحظةً إلى الصمت، ثمّ فتحتُ عينًا واحدة، فالتقت عيناي بعينَي ساربّاس، العملاق الموشوم. كان جالسًا على السرير المجاور، مرفقاه على ركبتيه وعلى وجهه تعبيرٌ متأمّل. ابتسم لي ابتسامةً خفيفة، ثمّ اكتسى وجهه بالجدّية، وقال:
«المخدّرات سيّئة.»
كانت لهجته فظيعة. أومأتُ ببطء. وبعد صمت، سألتُ:
«لماذا لديك هذا الكمّ من الوشوم؟»
«آه،» ابتسم ساربّاس. «فعل بي هذا ساحرٌ من تاسّيا. الجسد كلّه. من قبل… كانت وشومًا سحرية. الآن… لم يبقَ منها شيءٌ تقريبًا.»
أطلقتُ زفرةً وأنا أحدّق في النقوش الغريبة على جلده المكشوف. أتُراها تغطّي بقيّة جسده أيضًا؟
«هل أنت من تاسّيا؟» سألتُ.
«آه، نعم، من تاسّيا،» أكّد ساربّاس. «لكن، حين كنتُ صبيًّا، أنا، من الشمال. الشمال البعيد جدًّا. يسمّونني ساربّاس المالو. المالو تعني… شماليّ بالتاسّية. جُعلتُ عبدًا. كاكزايل وأنا… كنّا مجالِدَين.»
«مجالِدان؟» كرّرتُ. «وما ذاك؟»
«آه.» اعتلى وجهه تعبيرُ تركيزٍ، كأنّه يبحث عن طريقةٍ ليشرح. «حسنًا. محاربون يكونون في… حلبة، وبام، يتقاتلون بالأسلحة، أتفهم؟ كنّا نقدّم عروضًا. كنّا عبيدًا. لكنّنا تحرّرنا… مثل ثعلب،» ابتسم، محاكيًا بيده مِشية من يتسلّل خارجًا. «منذ أقلّ من… عام. لهذا، دريونسانيّتي… سيّئة جدًّا،» اعترف.
بدا سعيدًا، رغم كلّ شيء، بأنّه يتحدّث الدريونسانية، فبادلته ابتسامته قبل أن أُغمض عينيّ من جديد وأزفر:
«أنا متعب.»
«إذًا نَمْ يا أُشكرا*،» قال ساربّاس. «أتذكّر. كانت أمّي تقول: أحلام الطفل تُحلّق بريئةً حرّةً كالياراك.»
ابتسمتُ، فقد كانت أوّل مرّةٍ أسمع فيها أحدًا غير معلّمي وغيري يذكر الياراك، طائر الجبل المُلوَّن. ردّدتُ في نفسي كلمات الشماليّ الطريفة، وأخيرًا غفوتُ.
حين استيقظتُ، شعرتُ بالراحة وبعافيةٍ عظيمة. لزمني برهةٌ لأفهم السبب. فتحتُ عينيّ، تثاءبتُ… ثمّ أدركتُ الأمر. كنتُ مستلقيًا على فراشٍ من ريش، في غرفةٍ دافئة، وقد نمتُ اثنتَي عشرة ساعةً متواصلةً على الأقلّ، إن لم يكن أكثر، إذ كان الظلام قد حلّ. ابتسمتُ في سرّي. وتلفّتُّ حولي. كانت الأسرّة الأخرى مشغولة. كان الجميع نيامًا. إلّا الشقراء: كانت زالِن جالسةً على حافّة النافذة. أنار ضوء الجوهرة المُزرَقّ وجهها اللؤلؤيّ.
بعد لحظة ترّددٍ، اعتدلتُ، وانزلقتُ من السرير، واقتربتُ بحذر.
«سيّدتي،» همستُ.
تحوّلت عينا الشقراء إليّ. وعلى خلاف عينَي أختها، بدتا دافئتين طبيعيّتين. أضفتُ:
«أيمكنني أن أخرج إلى الشارع؟»
بدا لي من اللائق أن أستأذن. ارتبكت الشقراء.
«لماذا تريد الخروج إلى الشارع في هذه الساعة؟» غمغمت.
«أنا جائع،» أوضحتُ.
زمّت الشقراء شفتيها بتفهّم.
«فهمت. حسنًا، قبل قليل أحضرتُ لك صينيّة، تحسّبًا لأن تستيقظ للعشاء. وبما أنّك لم تستيقظ، أكلها ساربّاس وكاكز.» ابتسمت. «لكنّهما تركا لك الخبز. إنّه هناك.»
أشارت إلى الطاولة الصغيرة، وأنا ما زلتُ غير مصدّق، ذهبتُ فوجدتُ أنّ هناك كعكةً بالفعل. قضمتُ منها قضمةً وعدتُ إلى سريري. أنهيتُ الكعكة، ولم تبدُ لي كثيرة، لكنّها أشبعت جوعي، وشيئًا فشيئًا خفّت وخزات الجوع. عدتُ إلى زالِن وعضضتُ لساني قبل أن أسأل:
«ماذا أخبركم يال؟»
هزّت زالِن رأسها.
«أشياء كثيرة، لكنْ ليست كافية. رفض أن يخبرنا أين الخيميائيّ. لكنّه وعدنا بأن يحدّثه عنّا.»
تبًّا للجحيم، غمغمتُ في داخلي. تمنّيتُ أن يكون يال يعرف ما يفعله… لم أكن أظنّ الخيميائيّ شيطانًا، لكنّني لم أكن لأجزم أنّه سيظلّ يبحث عن دواءٍ للغواكات إلى الأبد. لو أفلت، لوقعنا في ورطةٍ كبيرة.
اتّكأتُ على الجدار وحدّقتُ في الجوهرة لحظةً قبل أن تحجبها الغيوم. ثمّ قالت زالِن برفق:
«حدّثنا عن منجم السالبرونيكس والسوكواتا.»
خفضتُ نظري، وأمررتُ لساني على شفتيّ الجافّتين، وأومأتُ صامتًا. كنتُ أشكّ في ذلك. لكنّني لم أشأ الحديث عنه البتّة.
«وأصحابي؟» سألتُ. «لقد أتوا لرؤيتكم، أليس كذلك؟»
قطّبت زالِن حاجبيها، غير فاهمة.
«أصحابك؟»
«آه. إلفٌ مظلمٌ صغير وواحدٌ من أولئك الذين يُدعَون عيون الشيطان،» أوضحتُ. «إنّهما رفيقاي من الصحف. أرسلتهما لأحذّركم بأنّه قد قُبض عليّ.»
هزّت زالِن رأسها.
«لا أعرف من تقصد. جاء فتًى. قال إنّه رفيقٌ لك. شابٌّ… مسرحيُّ الطباع بعض الشيء. كان يعتمر قبّعةً عالية، لكنّه فيما عدا ذلك كان أشعثَ مثلك تمامًا. لم يذكر اسمه.» لمحتُ ابتسامتها وهي تضيف: «قال إنّك طلبتَ من الغواكِيّة أن تخبرنا بأنّك قد تجسّدتَ. لزمنا بعض الوقت لنفهم معنى تلك الكلمة الطريفة.»
حاولتُ أن أخمّن مَن يكون الغواك صاحب القبّعة العالية، لكنْ دون جدوى.
«ينبغي أن تواصل الراحة،» أضافت زالِن بعد صمت. «لا يزال أمامنا ساعتان قبل بزوغ النهار.»
رغم رغبتي في الخروج لأستنشق بعض الهواء المنعش وأبحث عن عائلتي الصغيرة، قرّرتُ أن أُصغي إلى الشقراء، وكنتُ على وشك العودة إلى سريري حين استوقفني الفضول.
«هل أنت من الشمال أيضًا؟» سألتُ.
ابتسمت زالِن.
«لا. أبدًا. أنا وأختي من الغرب.»
«من الجبال؟» سألتُ متحمّسًا.
«من ورائها،» همست. «من ورائها بعيدًا.»
حيّرني هذا، لكنْ حين شردت عيناها إلى ضوء الجوهرة، تركتها وشأنها وعدتُ إلى سريري المريح. تحسّستُ الأغطية والوسادة الطرية. تبًّا للجحيم، يا له من فرقٍ عن السجن! ابتسمتُ ابتسامةً عريضة في الظلام، ومددتُ سمعي لأصغي إلى أنفاس الآخرين النائمين في هدوء. كنتُ خارج القرنفل. وكنتُ… حرًّا، أليس كذلك؟ لن يظهر مأمور السجن في الصباح ليتّهمني بالتواطؤ في الهرب… أليس كذلك؟ نبذتُ مخاوفي بوصفها هُراءً. كنتُ حرًّا، وقد أتممتُ محكوميّتي، ولم يُثبتوا شيئًا. لم أكن بحاجةٍ إلى القلق، ولا إلى الاختباء في حيّ القطط. كبحتُ غرائزي الداعية إلى الفرار، وتسلّحتُ بالصبر.
لم أنم بقيّة الليل، ولم تتزحزح الشقراء عن مقعدها. من الواضح أنّها لم تكن متعبةً هي الأخرى. ومع بدء السماء تتّضح، اشتدّت جلبة المدينة، ثمّ سمعتُ حركةً في الغرفة ففتحتُ عينيّ. كان الملتحي يرتدي ثيابه. رأيته يشدّ حزامه، وقُبيل أن يضع العصابة الأرجوانية على رأسه لمحتُ الندبة على جبينه. الأرجح أنّه نالها أثناء تلك «العروض» المجالِديّة. التقت عيناي بعينيه فرأيته يبتسم وهو يتمطّى.
«آه! صباح الخير يا فتى. كيف حالك؟»
اعتدلتُ في جلستي.
«الريح في الأشرعة، لكنّ المعدة خاوية؛ غير أنّ ذلك يسهل إصلاحه، ما دمتُ الآن حرًّا،» ابتسمتُ وشدّدتُ على الكلمة الأخيرة، رامقًا إيّاه بنظرةٍ متسائلة.
زمّ كاكزايل شفتيه.
«أجل. اسمع، قبل أن تختفي إلى حيثما تذهب، أودّ أن أتحدّث إليك. ما رأيك أن نُصلح مشكلة المعدة الخاوية في الوقت نفسه؟»
ابتسمتُ مسرورًا. لم أكن لأرفض عرضًا بهذا اللطف، أليس كذلك؟
«تمشي،» وافقتُ.
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المعلّم أو السيّد، بمعنى «معلّمي» تقريبًا.
* ديسّاري: لقبٌ يُخاطَب به الخيميائيّ، بمعنى «معلّم» تقريبًا.
* أُشكرا: نداءٌ حانٍ، بمعنى «يا صغيري» أو «يا عزيزي» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion