Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 39
قضيتُ نصف الصباح أتجوّل في إستِرغات مع مانراس وديل والقِسّ. وبين الحين والآخر، كنتُ أتظاهر بالبحث عن عمل. ناولتُ الاستمارة لعازف أرغن شارعٍ لا يُحسن القراءة، ولمحامٍ نعتني بالوقاحة، ولسكرتيرٍ قال إنه لا يفعل أمثال هذه الأمور، ولسيّدةٍ من قابضي المسامير مرّت دون أن تتوقّف.
«إن شئتَ، وقّعتُها لك»، قهقه روغان ونحن نجلس على درجات الكابيتول لنستريح. «تملأ لي الاستمارة كما أُملي عليك، فأوظّفك خادمَ مذبح، ونتلو على الجمهور صلاةً بديعةً أعرفها. بمهاراتك في الإنشاد ومهاراتي في التمثيل... سنجني ثروة!»
تنهّدتُ.
«ليتني أستطيع». صمتُّ ثم حسمتُ أمري. «حسنًا، كفى هذا. سآخذ الأمور على محمل الجدّ. لا أريد أن أخيّب أمل كاكزايل».
«لأنه أخوك؟»، سأل روغان.
كنتُ قد رويتُ لثلاثتهم حكاية القلادة، محاولًا ألّا أُعطيها أهمّيةً كبيرة. أمّا مانراس، الذي خيّبت عائلتُه أملَه في الحياة، فلم يُعِرها انتباهًا، لكنّ ديل ظلّ غارقًا في التفكير، وهذا ما ألهم القِسّ أن يقول جُملًا عدّةً عن العناية الإلهية والقدر ولمّ شمل العائلة. أجبتُ:
«لا. لأنه عاملني بلطف. لهذا، لا لشيءٍ آخر. ولأنهم قد يُرسلونني إلى ملجأ الفقراء إن لم أملأ هذه الورقة».
«وكأنّ الذباب سيُكلّف نفسه عناء البحث عنك»، سخر روغان.
هززتُ كتفيّ ونهضتُ.
«سأذهب».
«إلى أين؟»، استفسر ديل.
«لا أدري»، اعترفتُ. «لكنّ ورقتي ستُملأ قبل حلول هذا الليل. أراهن بقطعة خمسة مسامير».
«قبِلتُ الرهان»، قال روغان. «حظًّا موفّقًا! ولا تقذف النوافذ بالحجارة!»
نفختُ مُتسلّيًا، وحيّيتُهم، وطمأنتُ مانراس أنني لن أغيب هذه المرّة قمرًا كاملًا، ثم انصرفت. مضيتُ من رفضٍ إلى رفض. دخلتُ كلّ متاجر المعرض الكبير قبل أن أمرّ ببسطات السوق، التي رفض أصحابُها توقيع أيّ عقد. فكّرتُ في فاريغو، وتذكّرتُ ما أخبرني به عن مغازل مينشالدرا، وأردتُ أن أجرّب حظّي، لكن حين خطر لي أنّ عليّ أن أقطع المدينة بأكملها لأفعل ذلك، تقاعستُ. تسكّعتُ أقرأ إعلانات العمل، وطلبتُ عملًا من بنّاء، لكنهم قالوا لي إنني أصغر من اللازم. أمّاه الصالحة... ثم يقولون إننا نحن الغواكات كسالى!
«يعيش عالم العمّال»، تمتمتُ بخيبة أمل.
كان الظهر قد جاء وذهب، وكنتُ أسير في شارعٍ ضيّقٍ في الجزء الشمالي من تارميل، وقد بدأتُ أفكّر في أن أستسلم وأذهب لرؤية كورثر أو يال، بل الأخير أكثر من الأول في الحقيقة، حين رأيتُ قابضَ مساميرَ أنيقًا للغاية، يعتمر قبّعةً عالية، ويحمل غليونًا، وينتعل حذاءً لامعًا، يخرج من رواق. كانت السماء تُمطر رذاذًا، فنشر مظلّته السوداء على عجل، وبينما يفعل ذلك، سقطت محفظتُه أرضًا. نظرتُ إليه منتظرًا أن ينحني ويلتقطها، لكنه لم يلحظ الأمر حتى. فقلتُ في نفسي: أيها القِسّ، هذا يومُ خلاصي. وصِحتُ:
«سيّدي، سيّدي! سقط منك شيء».
حرصتُ ألّا أقترب منه، فلم أُرِد أن يظنّ أنني حاولتُ سرقتها. رأى الرجل أنّ المحفظة محفظتُه فعلًا. التقطها وقال:
«يا إلهي».
أدار لي ظهره، فابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، وأنا أشعر بقلبي طاهرًا كقلب قدّيس. كنتُ قد استأنفتُ تجوالي حين ناداني صوت. كان صاحبَ المحفظة. ناولني ورقةً نقدية.
«أنا غارقٌ في التفكير إلى حدّ أنني نسيتُ أن أشكرك. تفضّل».
اقتربتُ ونظرتُ إلى قطعة الورق، فاغرًا فمي. كانت ورقةَ سياتو واحد.
«حقًّا؟»، انفلتت منّي الكلمة. وقبل أن يُجيب، أخذتُ الورقة وفحصتُها. كان عليها وجهٌ مرسومٌ جانبيًّا. «مَن هذا؟»
«أنوارٌ مقدّسة، إنه ستيركسيس فيدمان العظيم، الذي أنشأ برلماننا عام أربعةِ آلافٍ وأربعمئةٍ واثنين وستّين»، أجاب الرجل الأشيب بنبرةٍ متسامحة.
«هل تحمل كلّ الأوراق النقدية صورًا؟»، سألتُ بنبرةٍ عابرة.
«بالطبع»، أجاب الرجل اللطيف. «ورقة العشرة سياتوات تُمثّل المعبد الكبير، وورقة الخمسة تُمثّل وحيد القرن الطيّب. أترى؟»
أراني الورقتين، ففتحتُ عينيّ على اتّساعهما مندهشًا.
«أوه! أذلك وحيد قرن؟ لم أكن أعلم أنها حقيقية».
ضحك، وكأنني قلتُ شيئًا مضحكًا. تأمّلتُه بعناية. بدا وديعًا. كنتُ لأراهن بقطعة خمسة مسامير أنني لو طلبتُ منه الورقة التي عليها المعبد الكبير لأعطانيها. لكنني كنتُ في طوري كغواكٍ قدّيس، فتصرّفتُ كنبيلٍ وقلت:
«ليس من العدل في شيء أن تُعطيني هذه الورقة يا سيّدي. سأقنع بشيءٍ أكثر معقولية». نظر إليّ النبيل بوجهٍ يعلوه الاندهاش، وإذ دعوتُ ألّا يرسلني أطاردُ الغيوم، أضفتُ بأدبٍ جمّ: «انظر يا سيّدي. ألا يقولون: أعطِ الرجل حَجَلةً يأكل يومًا، وأعطِه قوسًا يأكل كلّ يوم؟ حسنًا، كما ترى، أنا أبحث عن عمل، وسيساعدني كثيرًا لو وقّعتَ هذه الورقة. بمجرّد أن تملأها، تُسدي إليّ معروفًا عظيمًا».
سواه، لدى سماع هذا، لكان قطّب حاجبيه وأرسلني إلى الجحيم. لكنّ قابض المسامير الرائع هذا، الذي كان يفيض عطفًا وكرمًا، اهتمّ باستمارة إعادة الإدماج، وألقى عليها نظرة، وزمّ شفتيه، وقال:
«آه. أوه. فهمتُ. لا أستطيع ملء هذه، لكن... سأمنحك رسالة توصية. لعلّك حينئذٍ تتمكّن من الحصول على عمل. هذا كلّ ما بوسعي فعله».
وكان ذلك أكثر مما توقّعت. ابتسمتُ ابتسامةً عريضة، فأدخلني إلى بيته، بيتٍ مؤثّثٍ أنيق، فيه مزهريّةٌ لا بدّ أنها تُساوي مثل تلك التي كسرتُها في النُّزُل. كان اختبارَ بطولةٍ حقيقيًّا لي أن أُبقي يديّ مشبوكتين. لم أمسّ الساعة على الرفّ، ولا المنديل الفاخر المتروك في سلّة، ولا القطعة الذهبية التي كانت تلمع بجمالٍ على المكتب في غرفة الجلوس حيث جلس الرجل. وبينما كان يُحضّر ريشته ومحبرته، قلت:
«يا له من بيتٍ تملكه يا سيّدي! لا بدّ أنّ هذا الشيء يُساوي ثروة. أمّاه الصالحة، يا لها من لوحةٍ جميلة! عرفتُ رسّامًا رسم صورتي ذات مرّة. كان يرسم كلّ أنواع الأشياء الغريبة... لا تتصوّر كم أنا ممتنٌّ لك لكتابتك هذه الرسالة. قد تحمل أطيب النوايا في العالم، لكن أحيانًا، إن لم تجد دفعةً صغيرة، فمهما صرختَ لا يُصغي إليك أحد...»
وبينما كنتُ أُثرثر، اغتنمتُ الفرصة لأُدفّئ يدي الباردة وأفركها. ابتسم لي قابض المسامير ابتسامةً متفهّمة. كان قد بدأ يغمس الريشة في المحبرة حين ظهر إلفٌ شابٌّ أشقر يرتدي زيّ خادمٍ عند أسفل الدرج، وبيده منفضةُ ريش، فلمّا رآني قطّب حاجبيه.
«أمّهات النور!»، هتف. «سيّد ساردرا، ما الذي يفعله هذا البائس المسكين هنا بالضبط؟ لعلّك لا تُورّثه البيت، أليس كذلك؟»، قذف بها بنبرةٍ ساخرة.
ضحك السيد ساردرا.
«الأرواح المقدّسة، لا يا ريميس. أنا فقط أكتب له رسالة توصية».
«حقًّا؟ وما الذي فعلته هذه الروح البريئة لتستحقّ مثل هذا الكرم؟»
نظر إليّ ريميس، وكان جليًّا أنه متلهّفٌ لخروجي من هنا بأسرع ما يمكن. زممتُ له شفتيّ ببراءة، لكنّ ذلك تحوّل إلى ابتسامةٍ لا تُقاوَم حين رأيتُ أنّ السيد ساردرا قد شرع فعلًا في كتابة الرسالة. أجاب:
«أنقذني من أن أفقد أوراقي، ودعوة الحفل الموسيقي، وتذكرة اليانصيب، ومئةً وخمسين سياتو».
في تلك اللحظة تجمّدت ابتسامتي. مئةٌ وخمسون، كرّرتُ في نفسي. مئةٌ وخمسون سياتو، وأنا المسكين قرّرتُ لتوّي أن أُمثّل دور القدّيس. تمتمتُ بصوتٍ خافت:
«تبًّا للجحيم».
بعد أن سألني عن اسمي، أراد السيد ساردرا أن يعرف إن كان لديّ شخصٌ في ذهني لأُعنون له رسالة التوصية، فأجبتُه على البديهة أن يُعنونها إلى شركة السنونو للرُّسل، وأن يُضيف أنّ لديّ خبرةً سابقةً كرسول، وأنني عملتُ قرابة عامٍ لدى شخصٍ يُدعى ميروكي فال.
«ميروكي فال!»، هتف السيد ساردرا مندهشًا. «حقًّا؟»
«أُقسم بأسلافي». وحتى لا يبقى في ذهنه أدنى شكّ، أضفتُ تفاصيل: «عملتُ مع روكس، كبير خدمه. أنهى السيد فال دراسته في المعهد في الربيع، ورحل إلى غريادا مع عائلته. فوجدتُ نفسي بلا عمل. لكن لديّ خبرة».
إن جاز أن تُسمّى خبرةً حملُ الأزهار والرسائل الغرامية إلى حبيبة ميروكي، أضفتُ في نفسي. هزّ قابض المسامير رأسه.
«ولم يترك لك أيّ نوعٍ من التوصية أو ما شابه؟»
بدا مستاءً. ودفاعًا عن سيّدي السابق كخادمٍ وفيّ، قلت:
«أوه، ليس ذلك ذنبه يا سيّدي. في الأيام الأخيرة كان في ذهنه أمورٌ أخرى أهمّ، وكان مشغول البال جدًّا».
لم أذكر أنه حاول الانتحار وأنني أنقذتُ حياته. كنتُ لأبدو بطلًا، لكن ربما لم يكن قابض المسامير ليُصدّقني، ولانهار كلّ شيء.
دون مزيدٍ من الأسئلة، كتب السيد ساردرا بسرعةٍ لكن بأناقة، ووقّع، وختم الرسالة، وناولني إياها.
«آمل أن يكون هذا كافيًا».
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
«طبيعيّ! شكرًا لك يا سيد ساردرا. إن احتجتَ يومًا أيّ شيء، فلا تتردّد في طلبه منّي».
انحنيتُ كنبيلٍ صغير، وزممتُ لريميس شفتيّ ساخرًا، وخرجت. لم يلحظ السيد ساردرا العظيم حتى أنني لم أُعِد إليه ورقة السياتو الواحد. لكن ما قيمة سياتو بالنسبة إليه، أليس كذلك؟ ركضتُ مباشرةً إلى متجر ملابس في جادّة تارميل، حيث اشتريتُ قميصًا بسيطًا بلا ثقوب. ارتديتُه فوق الآخر، وهكذا متزيّنًا، ركضتُ صاعدًا الشارع إلى المكتب المركزي للرُّسل. في الصباح، كنتُ قد رأيتُ إعلان عمل، وابتهجتُ حين رأيتُ أنّ الورقة لا تزال ملصوقةً على الجدار.
مررتُ بثلاثة رُسلٍ في نحو الخامسة عشرة من العمر، كانوا يستريحون عند مدخل زقاقٍ مسدود، يمضغون عشبة السموغ. نظرتُ إليهم بوقاحة. كانوا يرتدون أزياءً وقبّعاتٍ عليها رقمٌ على كلّ جانب، وحروف «السنونو» مكتوبةٌ بخطٍّ كبير. ابتسمتُ في سرّي. حين يراني مانراس مرتديًا هذا، سيُصعق. دخلتُ المكتب فرأيتُ موظّفًا يجلس خلف مكتبٍ تكسوه الأوراق. وإذ لم يلحظني، قلتُ بصوتٍ عالٍ:
«مرحبًا! جئتُ بسبب الإعلان. أبحث عن عمل. ولديّ رسالة توصية من السيد ساردرا».
لم أكن أدري إن كان مُحسني معروفًا، لكنني تقمّصتُ نبرة من يقول: أرأيتَ أيّ أصدقاءَ مهمّين لي؟ ومع ذلك، رمقني الكاتب بتعبيرٍ يملؤه الشكّ، لم يُزله إلا حين قارن الاسم المكتوب في الرسالة بالاسم المدوّن في كُتيّب إطلاق سراحي من السجن. وبعد لحظة تردّد، أرسلني إلى مدير المكتب، الذي دقّق فيّ النظر، وأجلسني، وسألني لماذا أظنّ أنني سأكون رسولًا جيّدًا وكلّ ما إلى ذلك. أجبتُ بأفضل ما استطعت. تأكّد أنني أستطيع القراءة فعلًا، وجعلني أُجري بعض تمارين الحساب، واستطلعني عن معرفتي بالشوارع، ففوجئ سرورًا بسعة معرفتي بالموضوع. وأخيرًا، سألني:
«إذن أنت مستعدٌّ للعمل الجادّ؟»
«نعم يا سيّدي!»
إذ رآني بهذا الحماس، لم يملك المدير إلا أن يبتسم. شرح لي بمزيدٍ من التفصيل ما هي واجبات الرسول، وحذّرني من كلّ الأمور التي لا ينبغي لرسولٍ أن يفعلها، فأصغيتُ باهتمام، مدركًا أنّ كلّ هذا لن يكون بساطة حمل الأزهار إلى ليسابيث.
وأخيرًا، وظّفني المدير، ونهض بخفّةٍ من كرسيّه، وفتح الباب، ونادى:
«يُم!»
انتظر بضع ثوانٍ وزمّ شفتيه.
«يا فتى. أترى ذلك الباب هناك؟ تلك غرفة الرُّسل. هناك يمكنك أن تستريح في أوقات الفراغ... آه»، قال بعدها بارتياح. فقد فُتح ذلك الباب لتوّه، وظهر إلفٌ مظلمٌ ذو شعرٍ فضّيّ وعينين خضراوين بارزتين. كان أحد الرُّسل الثلاثة الذين رأيتُهم حين دخلت.
«ناديتني يا رئيس؟»
«نعم. هذا درائن، إنه جديد، وأودّ أن تُطلعه على الأمور لبضع ساعات. سيبدأ الخدمة غدًا».
أومأ يُم، ورمقني بنظرة، وابتسم.
«بالتأكيد. سآخذه على الفور».
«حسن»، وافق المدير. «أولًا، خُذه إلى ديرمن، ليختار زيًّا يناسبه». ربَت على كتفي. «آمل ألّا تُخيّب ظنّنا يا درائن هيلِمبلرت».
وقد انتابني شيءٌ من الرهبة، أومأتُ، فقادني يُم دون كلمةٍ إلى ذلك الرجل المدعوّ ديرمن، الذي جعلني أُجرّب زيًّا، وخصّص لي قبّعةً تحمل الرقم اثنين وأربعين، وكان في خضمّ شرحه أنّ عليّ أن أعتني بالزيّ حين نادى الكاتب:
«أيها الفتيان! وصل ماغيغرامٌ عاجلٌ لتوّه!»
يُم، الذي كان يتثاءب وهو يسمع تعليمات ديرمن، لهث وقذف:
«اتبعني يا صغير».
كانت القبّعة لا تزال على رأسي، وكنتُ أودّ لو أغادر بها، لكنّ ديرمن نزعها عنّي.
«لستَ في الخدمة بعد»، ذكّرني.
أدرتُ عينيّ وتبعتُ يُم بفضولٍ شديد. رأيتُه يتسلّم مذكّرةً وبضع رسائل أخرى من الكاتب، وتبعتُه إلى الخارج. كنتُ أعلم أنّ الماغيغرامات رسائلُ شبه فورية تُرسَل عبر ماغاراتٍ قويّةٍ من أماكن بعيدةٍ كـكيترا أو فيليريا. كان ميروكي فال قد أرسلني أكثر من مرّةٍ لتسليم مثل هذه الرسائل إلى السنونو العام الماضي. لكنني لم أسلك الاتّجاه المعاكس قطّ.
لم يدعني يُم أسأل إلى أين نحن ذاهبان: انطلق الإلف المظلم الشابّ راكضًا في الشارع، فتبعتُه دون أن أنبس بكلمة. وبشكلٍ لا يُصدَّق، بعد خمس عشرة دقيقة، كنتُ ألهث وعليّ أن أُجاهد كي لا يغيب يُم عن ناظري. ذهب إلى البورصة لتسليم الماغيغرام، وبينما دخلتُ المبنى، جعلتني ذكرى الوادا أرفع بصري دون وعيٍ إلى المكان حيث وقف التمثال المرصّع ذات يوم. أطلقتُ لهاثًا مذعورًا حين رأيتُه معلّقًا هناك بكامل بهائه. ماذا كانت تفعل الوادا هناك؟
مموّلٌ بدينٌ متّجهٌ نحو المخرج دفعني «دون قصد» بتلك العادة الخاصّة بقابضي المسامير في عدم رؤية الآخرين، فكِدتُ أسقط. أمسكني يُم من ذراعي.
«أشاردٌ في الغيوم يا مبتدئ؟»، قذفها إليّ. على ما يبدو، كان الرسول قد سلّم الماغيغرام. «هذه أول مرّةٍ لك في البورصة، صحيح؟»، استفسر. «هيه! أجِب».
هززتُ رأسي.
«لا. أعني... نعم. يبدو الأمر كذلك»، تمتمتُ، رافعًا بصري إلى الوادا مجدّدًا بعينين مضطربتين.
كان الأمر وكأنني حلمتُ بتلك الليلة الشتوية حين دخلتُ عبر القبّة، مربوطًا بحبل. ثم أدركتُ أنني لا أُعطي يُم انطباعًا إيجابيًّا عنّي، فقلت:
«آسف. إنه الانفعال. انفعال الحصول على هذا العمل. أبقيت رسائلُ كثيرة؟»
«خمس. ظننتُ أنني سأُسلّمها في ساعتين، لكن بهذا المعدّل، سنحتاج فترة الظهيرة كلّها. كيف قبلوك وأنت لا تُحسن حتى الركض؟»، سأل.
هززتُ كتفيّ دون أن أستاء.
«كنتُ أستطيع. الأمر هو... أنني كنتُ مريضًا. لا تقلق، تقدّم أنت واركض، وسأتبعك».
رمقني يُم بنظرةٍ مرتابة.
«مريض، ها؟»
بسرعةٍ مدهشةٍ مدّ يده إلى جيبي وسحب الاستمارة التي ملأها لي الرئيس. كبحتُ نفسي عن التشبّث بها كي لا تتمزّق، واحتججت:
«أعِد لي ذلك!»
رفع الورقة وقرأ بصوت مُنادٍ وكأنه أراد أن يسمعه كلّ قابضي المسامير الحاضرين:
«سجلّ إعادة إدماج درائن هيلِمبلرت، ذي الأحد عشر عامًا، الذي قضى عقوبته في أول يوم رعدٍ عاصف بعد أن حُكم عليه بخمسين يومًا بتهمة الاعتداء بالعن...»
تدريجيًّا، خفض صوته، مذهولًا أكثر فأكثر، وأخيرًا صمت، ربما مندهشًا لأنني لم أحتجّ أكثر. نظرتُ في عينيه صامتًا. زمّ شفتيه في حرجٍ وأعاد إليّ ورقة السجلّ. طويتُها بلا اكتراثٍ وقلتُ بجفاء:
«شكرًا».
نحنح يُم.
«أنا آسف. أنا... لم أستطع تصوّر ذلك. حقًّا، ما ضايقني فقط أنك ظللتَ تكذب عليّ، لا غير. من الأفضل أن نذهب لتسليم تلك الرسائل... قل لي، ماذا يعني «الاعتداء بالعنف» بالضبط؟»
للحظةٍ، راودتني رغبةٌ في أن أُخبره أنني سطوتُ على مصرفٍ وبيدي خنجر. لكنني عدلتُ عن ذلك، وبينما كنّا نغادر البورصة، حدّثتُه عن حادثة سائق العربة. كان جليًّا أنّ يُم ارتاح حين علم أنّ رفيقه الجديد ليس مجرمًا خطيرًا بل مجرّد صبيٍّ مندفع. بعد ذلك، أمضيتُ فترة ظهيرةٍ ممتعة. علّمني يُم حِيَل الرسول، فأصغيتُ إليه باهتمام، وساعدتُه في حساب أسعار كلّ رسالةٍ يقبلها في الطريق، ولمّا كان الظلام قد بدأ يُخيّم توقّفنا أمام المكتب، فقال:
«حسنًا، أنت تعرف الأساسيّات الآن. لا يبقى عليك إلا أن تتعلّم كيف تتعامل مع الزبائن. وألّا تتوتّر كثيرًا حين يدفعونك يمنةً ويسرة!»، لاحظ بحكمة. «حسن، سأواصل العمل. لو كنتُ مكانك لذهبتُ إلى البيت. تبدو متعبًا. غدًا سأُقدّمك إلى الشركة. سترى، إنهم جميعًا فتيةٌ لطفاء. بعضهم أكثر جدّيةً من بعض. أنا من أولئك الذين يتظاهرون بالجدّية. لهذا يناديني الرئيس كلّما كان ثمّة ما يُفعَل. حتى إنني أُنزّه كلابه في الصباح. وكأنني، إضافةً إلى كوني رسولًا، عاملُ صيانة البيت»، قال مبتسمًا. «بالمناسبة، ألا يهمّك أن تُنزّه كلاب الرئيس في الأيام المقدّسة؟ كما تعلم، أنا آخذ أخواتي الصغيرات إلى المعبد في تلك الأيام. يدفع ستّة مساميرَ مقابل نزهةٍ مدّتها ساعة».
ابتلعتُ ريقي وهززتُ رأسي.
«لا، لا. لا أحبّ الكلاب في الحقيقة».
«حقًّا؟»، بدا يُم مندهشًا. «حسن. سأجد شخصًا آخر إذن. طاب مساؤك!»
«طاب مساؤك وشكرًا لك!»، قلت.
في النهاية، راودني انطباعٌ أنّ هذا العمل سيروقني. لبعض الوقت على الأقلّ.
ولمّا لم يبقَ على السابعة إلا ساعة، وكنتُ قد وعدتُ كاكزايل أن أعود إلى الراقصات عند تمام السابعة، اكتفيتُ بترك الاستمارة في المحطّة المركزية وجررتُ قدميّ إلى الحانة. لم أرَ كاكزايل ولا أيًّا من رفاقه، وكي لا يطردني صاحب الحانة، طلبتُ وجبةً ودفعتُ من المال الذي تبقّى لي من ورقة السياتو الواحد. كنتُ أُنهي عشائي لتوّي حين جلس فجأةً أحدٌ أمامي، فرفعتُ بصري مذعورًا.
«يال!»
قال لي سيّدي على الفور بصوتٍ منخفض:
«ما الذي تفعله بحقّ الجحيم يا مور إلدال؟ كورثر ينتظرك في النُّزُل طوال الصباح. هذا الصباح أراد أن يشدّك من أذنيك، لكنني أظنّه الآن بلغ مرحلة الرغبة في لَيّ عنقك. أخبرني بتلك الحكاية عن الكرة الأرجوانية. قلّما رأيتُه بهذا الاضطراب».
صمت، ونظر إليّ بوجهٍ متسائل، فأجبتُ مسرعًا:
«كنتُ أنوي الذهاب، حقًّا، لكن بين هذا وذاك... الأمر أنني حصلتُ على عمل».
هزّ يالِت رأسه مندهشًا.
«عمل؟ في يومٍ واحد؟»
«أجل، رسول السنونو»، أعلنت.
ابتسم يال بينما اعتدلتُ في جلستي بفخر.
«تهانيّ. على أيّ حال، أخشى أنّ كورثر لن يأبه لذلك أدنى اكتراث»، حذّرني. «إنه مقتنعٌ أنّ الغريبين موجودان في إستِرغات. ظلّ يبحث عنهما منذ أسبوع. ويريدك أن تُترجم».
تنهّدتُ وأومأتُ، مبعدًا الطبق الفارغ.
«لا بأس، تمشي، سأذهب. لكنني وعدتُ كاكزايل أن أكون هنا عند تمام السابعة...»
«سأُخبره أنك مررت»، طمأنني يال. «ترك لك عنواني، أليس كذلك؟ و... هل تحدّثتَ معه؟»
استطعتُ أن أُدرك من تعبيره أنه يعرف بالفعل أمر العائلة والقلادة. هززتُ كتفيّ.
«نعم».
نظر إليّ يال وزمّ شفتيه ابتسامًا.
«حسنًا. أتعلم أنني أعمل الآن سكرتيرًا في الكابيتول؟ ليس عملًا مُثيرًا، لكن راتبي جيّد، بل كان بوسعي أن أتحمّل تكاليف مسكنٍ أقرب؛ لكن لأقول الحقّ، في الوقت الراهن، يناسبني تمامًا بيت الضيافة الذي أُقيم فيه. إن شئت، يمكنك أن تأتي وتنام هناك. صاحبة بيت الضيافة ليست بمقدار إزعاج تلك التي في بيت دارغيت. ما دام لا ضجيج، تسمح بدخول عائلاتٍ بأكملها إلى ديرها».
فتحتُ عينيّ على اتّساعهما، غير متيقّنٍ تمامًا أنني فهمت.
«تعني... أنني أستطيع أن آخذ رفاقي إلى هناك؟»
زمّ يال شفتيه.
«حسنًا. رأيتُهم مرّة. يبدون فتيةً طيّبين. ما داموا لا يُحدثون ضجيجًا...»
«سيكونون صامتين كالصخور!»، أكّدتُ متأثّرًا. «واو، هذا لطيفٌ جدًّا يا يال!»
ضحك سيّدي.
«أجل، حسنًا. لقد صرتُ أفهم أنك من دونهم لن تبقى حتى في قصر أمير».
عضضتُ شفتي مبتسمًا.
«أنت جولةٌ ميتة! و... ماذا عن روغان؟ أيمكنه أن يأتي هو أيضًا؟ هو فقط. هو ورفاقي فحسب. إنه ليس شخصًا لطيفًا وحسب: إنه قدّيس. انظر، أعطاني هذا»، قلتُ، مُريًا إياه قلادة الصدف. «جميلة، أليست كذلك؟ وهو، حسنًا، لا يُثير الجلبة، إنه هادئٌ جدًّا».
بلّل يال شفتيه.
«لا بأس»، رضخ أخيرًا. «لكن ولا واحدٌ زيادة. الغرفة صغيرةٌ جدًّا. وإن أيقظتني في منتصف الليل، فسأطردكم جميعًا. الآن، اذهب إلى كورثر، وإلا لوى عنقك إلى الأبد».
أومأتُ ونهضتُ على قدميّ، ولا أزال متحمّسًا لفكرة اصطحاب عصابتي الصغيرة إلى سيّدي. تردّدتُ، ثم أعلنتُ بحزم:
«أحبّك يا إلَسّار*. أيو!»
رأيتُه يبتسم مُتسلّيًا قبل أن أُدير له ظهري وأخرج بخطًى واسعةٍ من الحانة، متّجهًا نحو النُّزُل. في الحقيقة، اقتربتُ من نقابة الخنجر الأسود بتوجّسٍ، لكن بفضولٍ أيضًا. كنتُ متلهّفًا لأعرف إن كان شوكينوري ويابير فعلًا في إستِرغات. علاوةً على ذلك، تذكّرتُ أنّ ألفون قد أعطاني رسالةً للكاب. وبصفتي رسول إستِرغات الجديد، لم يكن ممكنًا بأيّ حالٍ أن أنسى تسليمها.
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المعلّم أو السيّد، بمعنى «معلّمي».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion