Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 40
كان الشارع مقفِرًا. دخلتُ الزقاق المسدود وطرقتُ الباب. انتظرت. وبعد لحظاتٍ قليلة، سمعتُ المزلاج يُرفَع، وانفتح الباب.
«ادخل.»
كان صوت كورثر. لم أُضِعْ وقتًا في تفسير نبرته: دخلتُ ووقفتُ لحظةً في ذهول. كان في الغرفة أربعة أشخاص. كان كورثر جالسًا في كرسيّه قرب المدفأة؛ وأبيريل مسنِدًا ظهره إلى جدار، وقد رفع لفاعه الأزرق ليخفي وجهه؛ وييرّيس جالسًا إلى الطاولة؛ ورولغ واقفًا عند الباب. نظرتُ إلى الإلف العجوز بعينين حائرتين وهو يُغلق المزلاج. لم أتوقّع أن أراه هناك، وعلى هذا النحو… المختلف. أعني، بدا أوفرَ صحّة. وأخيرًا، تلعثمتُ غيرَ مصدِّق:
«رولغ! لم أكن أعرف أنك عدت.»
ابتسم الإلف الشيطانيّ، لكنّ كورثر لم يَدَعْه يجيب.
«بلى»، قال الإلفوكان بخفّة، «من كان ليظنّ أنه سيعود قبلك. تعال إلى هنا يا فتى.»
ألقيتُ عليهم جميعًا نظرةً أخرى وأنا أقترب من كاب الخناجر السوداء. توقّفتُ قرب الكرسيّ، وتحت عينَي كورثر الزاحفتين اليقظتين، قلتُ بهدوء:
«أيو.»
«همم»، تمتم كورثر. «استغرقتَ وقتًا لتجد طريق عودتك إلى النُّزُل. أراهن أن يال هو من نبّه ذاكرتك.» رأيتُ من الحكمة ألّا أجيب. «مُدَّ يدك»، أضاف.
مددتُ يدي اليمنى، فوضع الحجر الأرجوانيّ في راحتي. وعلى الفور، شعرتُ بطاقة الماغارا.
«حالما تسمع شيئًا، تترجمه بصوتٍ عالٍ. اجلس هناك.»
كان صوت الكاب، وإن لم يكن خشنًا، آمِرًا. أومأتُ بسرعة وتراجعتُ إلى الطاولة، مركِّزًا انتباهي على الحجر. سمعتُ عبره صوتَ هسيسٍ خافتًا لا يمكن تمييزه، ثم ساد الصمت. اعتدلتُ في جلستي، ورمقتُ ييرّيس، وقطّبتُ مندهشًا. كان نصف القزم يمسك رأسه بكلتا يديه، وبدت عيناه شاردتين.
«ييرّيس؟» همست.
مددتُ يدي، وما إن لمستُ ذراع القطّ الأسود حتى انتفض فجأةً دون أن يُدير رأسه، وتنفّس قائلًا:
«شيور*… ك-كيف حالك؟»
رفعتُ حاجبًا في قلق.
«آه… أنا بخير الآن بعد أن صرتُ حرًّا. وأنت؟ تبدو غريبًا. أتعلم أنني صادفتُ معلّمك في القرنفل؟ طلب منّي أن أُخبر كورثر بأنك لستَ مذنبًا. لكنني لا أعرف عمّ كان يتكلّم.»
رأيتُ كورثر يجفل قليلًا، فالتفتُّ إليه. زادني تعبيرُه المنزعج اضطرابًا. نظرتُ إليهم جميعًا في قلق.
«ما الذي يجري؟»
«أحقًّا قال آل إنني لستُ مذنبًا؟» لهث ييرّيس.
ابتلعتُ ريقي وأومأت، لكن راودني شعورٌ بأن ييرّيس لم يرَ إيماءتي.
«نعم. هذا ما قاله. قُبيل فراره مباشرة. ما الذي يجري؟» كرّرت.
ساد صمت. كان أبيريل في وضعيّةٍ متأمّلة، وقد عاد كورثر إلى قراءة كتابٍ كان على حجره، ولخيبتي، كان رولغ قد خرج من الغرفة، ليفعل من يدري ماذا. ودون أن ينظر إليّ بعد، تنهّد ييرّيس.
«لو كنتَ تعلم. الأسبوع الماضي، ظنّ الخيميائيّ أنه وجد علاجًا. جرّبتُه. وقد نجح إلى حدٍّ بعيد. ما زلتُ أحتاج إلى السوكواتا، لكنّ جسدي يصنعها بنفسه، على ما قاله السيّد وايام. غير أنّ… لم يسِرْ كلُّ شيءٍ على ما يُرام.»
وبينما كنتُ أستوعب معنى كلماته في دهشة، سمعتُ فجأةً عبر الحجر:
«أظنّنا قد ابتعدنا بما فيه الكفاية.»
كان ذلك شوكينوري. غير أنني لم أقل شيئًا، تظاهرتُ بأنني لم أسمع، ولم أنظر حتى إلى الحجر الأرجوانيّ. مذهولًا، حدّقتُ في ييرّيس، ثم مرّرتُ يدي اليسرى أمام عينيه، وأطلقتُ فُواقًا.
«الأمّ الصالحة… ألا تستطيع أن تراني؟»
تجهّم ييرّيس وهزّ رأسه.
«لا أنت ولا أيّ أحدٍ آخر: كأنّ أمام عينيّ حجابًا أحمرَ دائمًا. لو أنني على الأقلّ لم أفقد الهارمونيكا في الرحلة، لأمكنني أن أفعل شيئًا غير الجلوس والتفكير…» هزّ رأسه ثانيةً، وكأنه يسخر من نفسه، وبعد ترددٍ يسير أضاف: «لكنّ هذا ليس الأسوأ. الأسوأ أنني أحيانًا… أفقد تركيزي ولا أقدر حتى على التفكير. يقول الخيميائيّ إنه سيساعدني ويجد علاجًا آخر… وعدني بأنه سيفعل. فلا تقلق. سيُحَلّ كلّ شيء»، قال بابتسامةٍ لم تبدُ لي واثقةً جدًّا. توقّف. «إذًا… أحقًّا التقيتَ آل في القرنفل؟ كيف كان حالك هناك يا شيور؟»
هززتُ كتفيّ، ثم تذكّرتُ أنه لا يستطيع رؤيتي، فأجبت:
«لا بأس، بين بين.» هززتُ رأسي ونطقتُ بصوتٍ أجشَّ متغيّر: «يا للهول، أيعبث بنا ذلك الخيميائيّ أم ماذا؟ يُحوّلنا، ويُعمينا، ولا يجلب لنا إلا الشرّ… تبًّا، سينتهي به الأمر إلى قتلنا، أُقسم.»
«مهلًا، مهلًا، اهدأ يا شيور»، ردّ ييرّيس. تحسّس بيده وأمسك يدي. عصرها بقوّة. «لا تقلق. أنا من تطوّع. وسأتطوّع في المرّات القادمة. حين يجد السيّد وايام العلاج الصحيح، سنعطيه لكم جميعًا. ولن نتحدّث عن السوكواتا ولا عن هذا الكابوس كلّه مرّةً أخرى… صدّقني.»
نظرتُ إليه عاجزًا عن الكلام. لم أدرِ ماذا أقول له. أأشكرك على تضحيتك بنفسك؟ أأنت مجنونٌ تمامًا؟ وأردتُ أيضًا أن أسأله إن كان يؤمن حقًّا بأن الخيميائيّ سيجد شيئًا في العشرين عامًا القادمة. وأخيرًا، همست:
«أُصدّقك.»
كان القِسّ يقول إن الإيمان يُزحزح الجبال… حسنًا، كنتُ آمُل أن يُشغّل دماغ الخيميائيّ أيضًا. تنحنحتُ، وبعد صمت، قلت:
«شوكينوري ويابير في طريقهما للخروج من إستِرغات.»
كان الأمر أشبه بمُفجِّر. وثب كورثر واقفًا، تاركًا كتابه، وسأل:
«أين؟»
تحت نظرته النافدة الصبر، أسرعتُ إلى قول كلّ ما سمعتُه واستطعتُ تبيّنه بينما كان ييرّيس يكلّمني:
«إنهما يسيران بمحاذاة غابة. يقولان إنهما سيُجريان بعض الحسابات لتحديد موقع الحجر.»
تبادل كورثر نظرةً مع أبيريل وتمتم:
«السرداب.»
كانت الغابة الوحيدة في الجوار. أمسك كورثر عباءته وقال بنبرةٍ حازمة:
«درائن: ستأتي معي. آب، اتبعنا من بعيد. رولغ، ابقَ مع ييرّيس.» كان الإلف العجوز قد عاد إلى الغرفة، فأومأ بهدوء. رأيتُ كورثر يتفقّد جيوبه على عجل ثم خناجره، واحدٌ مخبّأٌ في حذاءٍ، وآخرُ في كُمّه؛ وأخيرًا أضاف: «لننطلق.»
لم أطرح أيّ سؤال، بل لم أتوقّف حتى لأفكّر: كان كلّ شيءٍ يجري بسرعةٍ مفرطة. تمتمتُ: «أيو أيّها القطّ الأسود…» وخرجتُ أنا والكاب وأبيريل إلى الليل.
تخلّف أبيريل عنّا بسرعةٍ ونحن نشقّ طريقنا عبر الأزقّة المظلمة. سِرنا نازلين بمحاذاة النهر الخجول حتى الميدان ثم نهر إستِرغات. لم تكن الجوهرة والقمر في السماء بدرًا كاملًا، لكنهما أنارا طريقنا بما يكفي. عبرنا الجسر الأسود خلف عصبةٍ من الفتيان الثملين إلى حدٍّ ما، وما إن ابتعدنا عن المصانع حتى انعطفنا يمينًا، مباشرةً نحو السرداب. كان لا يزال أمامنا ساعةٌ كاملةٌ لبلوغ الطرَف. وبينما كنّا نمرّ بحدائق الخضار والأراضي البور، سألني كورثر:
«ماذا يقولان؟»
كانت هذه المرّة الثالثة التي يطرح فيها عليّ هذا السؤال. تنهّدتُ وأجبت:
«حسنًا… لا أدري، لا أسمعهما جيّدًا. يتحدّثان عن مثلّثٍ لا أدري ما هو. يتّهم شوكينوري يابير بأنه أخرقُ. ويعترف يابير بأنه ليس بارعًا كثيرًا لكنه يطلب من شوكينوري أن يحترمه قليلًا؛ يقول إنه ليس نكرة، وإنّ الرابطة، فوق ذلك، آخذةٌ في الضعف، وإنه ليس بطلًا. ويقول أيضًا إنهما لو أتقنا تعلّم لغة السطح لوفّرا على نفسيهما الكثير من المتاعب. و…»
«أيّ دليلٍ على مكانهما؟» قاطعني كورثر.
تنحنحتُ واعترفت:
«لا. لم أسمعهما إلا يتحدّثان عن الأشجار.»
«أشجار»، كرّر الكاب، مبطئًا خطوه قليلًا. «أقالا ‹أشجار› فحسب؟ فالأشجار، كما تعلم، في كلّ مكانٍ يا فتى: ليست كلّ الأشجار تنبت في غابة.»
«أنا واثقٌ من ذلك إلى حدٍّ كبير»، أكّدت. «في لحظةٍ ما سمعتُ بومة. حسنًا، أظنّها كانت بومة»، استدركت.
في الظلام، استطعتُ أن أرى نظرة كورثر النافذة.
«إن لم نجد أولئك الجوفيّين الليلة يا فتى، فسأُصاب بخيبةٍ كبيرةٍ منك. فأصغِ جيّدًا إلى الحجر وأسرِعْ خطوك.»
كنتُ أفعل ما بوسعي، لكنني كنتُ أركض طوال الظهيرة وساقاي تشكوان الإرهاق. كنّا نعبر الطريق الأبيض المحاذي للجانب الشرقيّ من الغابة حين سمعتُ كلمةً فقلتُ بشيءٍ من الحماس:
«قال شوكينوري شيئًا عن تلّة. لا بدّ أنهما يصعدان الأخاديد!»
ألقى كورثر نظرةً على الدرب، ثم على المسلك المظلم الذي يصعد بمحاذاة الحافّة قرب الأخاديد. أشار بيده ونادى بصوتٍ خافت:
«آب. اتبعنا عبر الغابة.»
ما إن غِبنا عن أنظار أيّ ساجِتيّين حتى تبعنا الخنجر الأسود المُقنَّع عن كثبٍ أكثر. رأيتُه يتقدّم ويومئ.
«احذر يا كور»، قال. «لهؤلاء الجوفيّين ثقافةٌ مختلفة. يُقال إنهم يستلّون السيف ليقولوا صباح الخير.»
«إذًا سأستلّ خناجري لأردّ لهم التحيّة»، ردّ كورثر ساخرًا. «لا نُضيّع الوقت.»
استأنفنا السير، متتبّعين الدرب صعودًا؛ وبعد صمت، سألتُ بفضول:
«ماذا سنفعل حين نعيد إليهما الحجر؟»
أبطأ كورثر خطوه قليلًا.
«همم. لأجل ذلك، سيتعيّن أن أجد في نفسي رغبةً في إعادته إليهما يا فتى. أوّلًا التعارف، ثم المفاوضات، ثم الاتّفاق. إن سار كلّ شيءٍ على ما يُرام»، لاحظ. «والآن: الصمت.»
عضضتُ شفتي لكنّي مع ذلك تجرّأتُ على القول:
«بعد ظهر اليوم، رأيتُ الوادا في البورصة. أليس ذلك مذهلًا؟»
سمعتُ لهثة كورثر الخفيفة.
«لا يا فتى. إنه أمرٌ طبيعيٌّ تمامًا. أحيانًا، على الخنجر الأسود أن يُحسن السرقة مؤقّتًا. والآن، بجدّية: كلمةٌ أخرى وسأتركك في وسط الغابة، مكمَّمًا ويداك مقيّدتان، أهذا واضح؟»
أومأتُ، غيرَ جريءٍ على فتح فمي. تمشي، تمشي، فكّرتُ متنهّدًا. على أيّة حال، لم أملك إلا أن أشعر بخيبةٍ إذ فكّرتُ أنني سرقتُ ربّما أثمنَ ما في إستِرغات ثم أعدتُه كأنّ شيئًا لم يكن.
ضاق الدرب، وتقدّم الكاب في الطليعة. إذًا كان كورثر يعتزم إعادة الذخيرة إلى الجوفيّين مقابل شيءٍ ما. مال؟ معلومات؟ لم أكن أبالي ما دام لن يُبقيني هنا الليلَ كلَّه لأقوم بدور مترجمه.
كنّا نصعد الأخاديد منذ برهةٍ قصيرة حين شعرتُ باهتزاز طاقةٍ مفاجئ، فأخذتُ نفسًا عميقًا مندهشًا، وانزلق الحجر الأرجوانيّ من قبضتي. كتمتُ لعنةً، ولمّا كان كورثر يسير بضع خطواتٍ أمامي، انحنيتُ مسرعًا لأستعيد الحجر قبل أن يُدير رأسه ويلحظ شيئًا. بعينيّ السوكواتا، وجدتُه قريبًا على نحوٍ خطِرٍ من حافّة السقوط في الأخدود، لمستُه، و… أطلقتُ صرخةً مخنوقةً إذ تلقّيتُ صدمةً حادّة. رميتُ بنفسي أرضًا، أرتجف بتشنّجاتٍ عصبيّة.
لحسن الحظّ، عاد كورثر بسرعةٍ ومنعني من الارتماء في الأخدود. لكنّ الحجر… أيّتها الأمّ الصالحة، أين كان الحجر…؟ هزّني كورثر.
«مهلًا يا ولد! أأنت بخير؟ ماذا حدث؟» استفسر بصوتٍ قلِق.
لم أُجِب على الفور. وحين هدأت، ساعدني على النهوض. غير أنني، توقّعًا لانفجارٍ قادم، تراجعتُ مسرعًا إلى الغابة وتشبّثتُ بجذعٍ، قائلًا:
«لا تضربني! لم أفعلها عمدًا! انزلق من يديّ!»
عندئذٍ أدرك كورثر الكارثة. ويُحسَب له أنه لم يصرخ في وجهي. نظر إلى الأخدود وقال:
«اذهب وابحث عنه.»
ولمّا لم أُطِعْ على الفور، فصلني عن الجذع بالقوّة، نافرًا ومُلِحًّا:
«حالًا. لا يمكن أن يكون قد سقط بعيدًا جدًّا مع كلّ تلك الصخور.»
اقتربتُ، متوجّسًا. كان الأخدود شديد الانحدار، لكنه لم يكن عموديًّا كما ظننت، ولا عميقًا كأماكنَ أخرى أقربَ إلى المناجم. بدأتُ أنزل وأُلقي تعاويذ الإدراك يمنةً ويسرة، مستنفدًا معظم ساق طاقتي. بلغتُ القاع وبحثتُ بين الأدغال، فاتحًا عينيّ على اتّساعهما، كأنّي أستطيع أن أكتسب حاسّةً سادسةً تعينني على إيجاد الحجر الأرجوانيّ. وما إن تشبّثتُ بجذرٍ لأتسلّق عائدًا صعودَ الأخدود حتى رأيتُ فجأةً شيئًا يُطلق شرارة طاقةٍ على بُعد أصابعَ من يدي. الحجر. تنفّستُ الصعداء، والتقطتُه، وإذ شعرتُ بتدفّق طاقةٍ عنيفةٍ عبر جسدي، دسستُ الذخيرة في جيبي على عجل.
«أيّتها الصخرة المجنونة»، تمتمت. وقد بدا حقًّا أن الحجر قد جُنّ: حتى وهو محشورٌ في جيبي، كان يُطلق نحوي صدماتٍ كهربائية.
ثم سمعتُ صوتًا يهمس صفيرًا بالكايلدرِكية:
«داكيس، أمسِكْ!»
للحظةٍ، بقيتُ ساكنًا، ولأسبابٍ عدّة. أوّلًا، لأنّ الصوت الذي سمعتُه كان بلا شكٍّ صوتَ شوكينوري. ثانيًا، لأنني سمعتُ لتوّي هديرًا عميقًا. وثالثًا، لأنني علمتُ أن الهدير لا يمكن أن يكون قد صدر إلا عن ذئبٍ أو كلبٍ أو… شيءٍ ضخمٍ على أيّة حال. وحين رأيتُ الهيئة الرباعيّة القوائم الضخمة تندفع نحوي، تملّكني الذعر. أفلتُّ الجذر وركضتُ في الاتّجاه المعاكس للمكان الذي جاء منه صوت شوكينوري. لم يكن لديّ أملٌ كبير. كانت هناك في الأسفل أدغالٌ عالية، لكن لا أشجار، فما كنتُ أستطيع أن أتسلّق شيئًا. وكنتُ أعلم جيّدًا أن للكلاب أنوفًا حادّةً كأنوف الوَشَق. فحين شعرتُ بقوّةٍ هائلةٍ تطرحني أرضًا دفعةً واحدة، لم أُفاجأ. ولم أُرعَب. كان خوفي قد تجاوز خوف الموت أصلًا. تدحرجتُ أرضًا وسرعان ما وجدتُ نفسي على ظهري والوحشُ فوقي. أعادني زئيرُه إلى عيش هجوم كلاب أدويا السبعة، وإذ لم أشأ أن أختبر موتي، هربتُ إلى الوادي.
كنتُ مستلقيًا إلى جوار معلّمي، أُحدّق في النجوم. كانت السماء من كثرة نجومها تبدو كجدولٍ من اللآلئ.
«أليس منظرًا بديعًا يا مور إلدال؟» سأل معلّمي في هدوء. «آه، شهابٌ ساقط! أرأيتَه؟»
غمرتني خيبةُ أمل، فاعترفت:
«لم أرَه.»
كلُّ ما استطعتُ رؤيته عينان سوداوان كبيرتان ونجومٌ في هيئة أنياب.
«عليك أن تنتبه»، قال معلّمي مبتسمًا.
لم يكن يبتسم حقًّا: بل كانت عيناه الخضراوان المتلألئتان هما اللتان تبتسمان. التفتتا إليّ لحظةً ثم عادتا إلى تأمّل النجوم.
«من المهمّ جدًّا أن تعرف أين تنظر»، تابع. «لأنها من سرعة زوالها تظهر وتختفي أسرعَ من السناجب.»
في تلك اللحظة، رأيتُ ضوءًا يشقّ السماء المرصّعة بالنجوم فابتسمتُ رافعًا سبّابتي.
«هناك، رأيتُ واحدًا يا إلَسّار*! كان شهابًا ساقطًا.»
فجأةً شعرتُ بالأرض تبدأ في الاهتزاز بعنف، فانكمشت… سقط عليّ غصنٌ ومنعني من الحركة. تصارعتُ، لكنّ الغصن كان ثقيلًا جدًّا. صِحت:
«إلَسّااااار!»
هذه المرّة، سقط شيءٌ في فمي فأسكتني. خُيّل إليّ كأنّ شهابًا ساقطًا قد استقرّ هناك وأسكتني عمدًا؛ فكما كان معلّمي يقول، النجوم سيّداتُ الصمت. ثم تساءلتُ ما الذي كان يحدث لي بحقّ الجحيم، في اللحظة التي سمعتُ فيها صوت يابير يقول:
«إنه يتكلّم لغتنا يا شوك. ماذا نفعل؟»
ساد صمتٌ، ولوَمضةٍ، رأيتُ عبر الغصن ونجوم الوادي هيئتين مُقنَّعتين، إحداهما جاثيةٌ إلى جواري، والأخرى تُمسك الذئب الضخم من عنقه. كان جزءٌ من عقلي يقول لي أن أنهض وأفرّ. والآخر، الأعقل، يقول لي إنه لا جدوى من محاولة الهرب من وحشٍ كهذا. وجزءٌ ثالث، هو الذي غلب، كان منشغلًا بخلق الأوهام المتناغمة كي لا أرى أو أشعر أو أسمع إلا ريح الوادي، والبومة الليليّة، وصوت معلّمي المُطَمْئِن. لكنّي، رغمًا عنّي، ظللتُ أسمع الأصوات المكتومة.
«معنا الحجر»، قال شوكينوري. «أخذُ الفتى معنا سيكون جنونًا. هيّا يا يابير: أعلى الأخدود ثمّة أناس. لعلّهم كانوا قادمين مع الفتى، ولا بدّ أنهم سمعوه يصرخ. لنخرج من هنا قبل أن تتعقّد الأمور.»
«لا أملك إلا أن أظنّ أنه سيكون عونًا كبيرًا لنا يا شوكينوري»، احتجّ يابير. «ثم إنه ليس من قبيل الصدفة أن يتكلّم هذا الفتى لغتنا. ألا ترى؟ بألف مانتيكور! لا بدّ أن من عثروا على الذخيرة قد اكتشفوا كيف تُفعَّل وأنصتوا عبرها مستعينين بالفتى… لماذا تنظر إليّ هكذا؟ الأمر ليس بعيدَ الاحتمال إلى هذا الحدّ. فكّر فيه. وإلا فلماذا يجولون هنا؟ لأنهم كانوا يبحثون عنّا!»
ضاعت كلماته، مكتومةً تحت كلمات معلّمي الناكروس، الذي كان يحدّثني الآن عن عدد العظام التي في الأرانب. فجأةً، شعرتُ بنفسي أبدأ في الطيران، ورأيتُ ياراكًا ذا ريشٍ متعدّد الألوان يمرّ فوقي ويقول:
«لننطلق!»
طرتُ قريبًا منه وشعرتُ بنفسي أُحمَل بعيدًا في زوبعةٍ مشوّشةٍ تختلط بأنفاس الكلب الحلقيّة.
«يقول داكيس إنهم قادمون في إثرنا يا يابير»، أزّ شوكينوري. «هذا الفتى في صدمةٍ أو ما شابه، لكنه لن يتعاون، وأُذكّرك بأنّ لا أحدَ منّا عملاق… فلنتركه ولنخرج من هنا بحقّ الجحيم. لا تكن أحمق.»
توقّف طيراني فجأة، وسمعتُ همهمة.
«أحمق، أحمق… ومع ذلك لم تبدُ لي فكرةً بهذه الحماقة.»
«اركض.»
تلاشى وقعُ الخطى، وكذلك حضور الكلب، فتكوّرتُ، محاولًا أن أفهم لماذا… لماذا تنتابني هذه النوبات المتناغمة التي لا أقدر على السيطرة عليها. كان كلُّ ذلك بسبب كلاب أدويا. تمكّنتُ إلى حدٍّ ما من حلّ التناغمات التي ملأت المكان أمام عينيّ مباشرة، وحين سمعتُ خطواتٍ أخرى تقترب راكضةً، تدحرجتُ أرضًا واختبأتُ تحت أدغال. كان أبيريل وكورثر بلا شكّ. لكن، تبًّا للجحيم، لم أشأ أن يرياني. لا بعد أن سرق شوكينوري ويابير الكرة الأرجوانية منّي واختفيا، والشياطين تعلم أين.
رأيتُ نورًا متناغمًا يُضيء المكان الذي كنتُ فيه قبل لحظة وسمعتُ كورثر يقول:
«كانا هنا. اللعنة. آب، حاول تعقّبهما.»
ابتعد الخنجر الأسود الآخر، لكنّ النور بقي. عبر الدَّغَل الكثيف، رأيتُ كورثر ينحني، ورأيتُ يده تتتبّع خطًّا…
«سألوي عنقك يا فتى»، تمتم. «اخرج.»
تجمّدت. وبعد ثوانٍ من الصمت العميق، أدركتُ أنه لا خيار لديّ سوى أن أُجيبه، فاحتججت:
«ليست غلطتي. كان معهما كلبٌ ضخمٌ جدًّا…»
«اخرج!» أمر كورثر.
وقد قالها بصوتٍ جافٍّ إلى حدّ أنه أصابني بالقشعريرة، فظننتُ أنه يعني حقًّا أن يلوي عنقي. حاولتُ أن ألتفّ حول الأدغال بأهدأ ما يمكن، ونهضتُ، وفررت. لكنّ كورثر لا بدّ أنه توقّع حيلتي لأنه كان مستعدًّا. تصرّف بسرعةٍ وأمسكني من معصمي. وفعلتُ ما لا ينبغي لساري صالحٍ أن يفعله على الأرجح، ركلتُه في ساقه وصِحت:
«أفلتني!»
تلقّيتُ صفعةً تركت خدّي مشتعلًا، أعقبها إمساكٌ وضعني في الوضع نفسه الذي كنتُ فيه مع الذئب. غير أنّ من كان يُثبّتني إلى الأرض هذه المرّة هو كاب الخناجر السوداء. وكان غاضبًا. وإذ لاحظ أنني لم أعد أقاوم حقًّا وأنني كنتُ أكتفي بتغطية وجهي بذراعي اتّقاءً لأيّ ضربةٍ محتملة، أزّ كورثر:
«أوّلًا تُلقي الذخيرة في الأخدود، ثم تدع الجوفيّين يسرقون منك، ثم تختبئ، وليزداد الطين بلّة، تحاول أن تفرّ وتركلني؟ إننا نبدأ بدايةً سيّئة!»
أبعد ذراعي بالقوّة كي أنظر في عينيه وقال:
«لستُ معتادًا أن أفقد أعصابي. لكنك ستجعلني أفقدها حقًّا أيّها الشقيّ الصغير. ولا أنصحك أن تكون قريبًا منّي في ذلك اليوم. كانت تلك الذخيرة تعني لي الكثير: كانت تعني أنني سأتمكّن أخيرًا من التحدّث مباشرةً مع هؤلاء الجوفيّين. سواء فقدنا أثرهم أم لا، سيتعيّن عليك أن تدفع ثمن هذا يا فتى، وثمنًا باهظًا جدًّا. وبالمناسبة، في المرّة القادمة التي يقول لك فيها خنجرٌ أسود إنني أريد رؤيتك، لا تتأخّر. إن أردتَ أن تكون خنجرًا أسود حقًّا وألّا تقع في المتاعب في إستِرغات يا فتى، فسيتعيّن عليك أن تتعلّم ألّا تتصرّف بتهوّر.»
آلمتني كلمات الكاب بقدر ما أرعبتني. في النهاية، لعلّ معلّمي الناكروس كان مُحقًّا كلّما قال لي: «لو أنك تفكّر قبل أن تتصرّف يا مور إلدال». ثم أضاف كورثر بنبرةٍ آمرة:
«لا تبرح مكانك.»
أطلقتُ لهثةً وهو يُطلق سراحي، وهمست:
«أنا آسف.»
لكنّ كورثر كان قد انصرف بالفعل، ولم يُجِب. ولعلّه لم يسمعني أصلًا. وحين رأيتُه يختفي بين الأدغال الكثيفة، ابتلعتُ ريقي ونهضت. وبعد صمتٍ طويل، تمتمت:
«رعودٌ وعواصفُ وتبًّا للجحيم. تبًّا للجحيم. و… تبًّا للجحيم»، كرّرت.
مررتُ كُمّي على عينيّ، ودلّكتُ خدّي الموجوع، وصررتُ على أسناني. أحيانًا، تمنّيتُ لو أن رولغ لم يلحظني ذلك اليوم الربيعيّ في الساحة الرمادية. بدأتُ أمشي بعزم. لا مزيد من الخناجر السوداء، فكّرت. انتهى كلُّ شيء. هل طلبتُ من كورثر أن يعطيني عملًا؟ لا. كان قد أراد أن يستغلّني لأنني أتكلّم الكايلدرِكية، ومن دوني، ما كان ليتمكّن من تحديد موقع شوكينوري ويابير. أهي غلطتي أنني لا أستطيع الركض بسرعة الذئب؟
«إلى الجحيم بكلّ هذا»، تذمّرت.
وإذ فكّرتُ ثانيةً في الذئب، وافترضتُ أنه لو وجد كورثر وأبيريل شوكينوري ويابير لجاءا إليّ لأترجم لهما، أسرعتُ خطوي وسِرتُ شبهَ راكضٍ بين الشجيرات المُعتمة. تركتُ الأدغال ورائي، ونزلتُ التلّة، عبر منطقةٍ مليئةٍ بأكوام الفحم والعربات، وبلغتُ القنوات.
حين بلغتُ حيّ القطط، كنتُ قد تعافيتُ تمامًا من محنتي. أو كِدت. بحثتُ عن المأوى الذي حدّثني عنه روغان. ومع أنني جُبتُ المتاهة مرّاتٍ كثيرةً من قبل، فإنني في كلّ مرّةٍ أدخلها كنتُ أعبر أزقّةً لم أسلكها قطّ، وأصعد سلالمَ ودرَجات، وأمشي عبر ممرّاتٍ غير مألوفة، وأتجنّب بشبه غريزةٍ ممرّاتٍ أخرى حيث تُرى الظلال والأشباح اليقظة.
وأخيرًا، بلغتُ ما قدّمه لي القِسّ باسم الدَّرَج: سُلَّمٌ خشبيٌّ يصعد إلى مكانٍ ما قرب ساحة الصوف، ويؤوي دزّينةً كاملةً من الغواكات. لم تكن الفجوة بين الجدار والسلّم واسعةً جدًّا، لكنها تكفي للمرور. انسللتُ تحته، وإذ عجزتُ عن الرؤية في مثل هذا الظلام، كِدتُ أدوس شيئًا حيًّا. لم يصدُر عن الغواكات أيُّ ردّ فعلٍ لمَقدَمي، كانوا جميعًا في نومٍ عميق. تمكّنتُ من إيجاد ركنٍ قرب من استنتجتُ أنه لا بدّ أنه القِسّ، إذ اصطدمتُ بشيءٍ يشبه القبّعة الأسطوانية. وبعد أن فكّرتُ في إيقاظ رفاقي وروغان لآخذهم إلى بيت يال، تذكّرتُ أن يال لا يحبّ أن يُوقَظ في منتصف الليل، ثم إن كورثر لا بدّ يعرف أين يسكن، فيأتي إليّ ويُلقي عليّ خطبةً أخرى عن كوني أفعل كلّ شيءٍ على نحوٍ خاطئ، و… بَه. أطلقتُ زفيرًا طويلًا، ثم سمعتُ همسة.
«الحاذق؟ أهذا أنت؟»
كان روغان. أمسكتُ قبّعته، ووضعتُها على وجهي، وهمست:
«أنت مدينٌ لي بقطعة الخمسة مسامير يا قِسّ. سنونو إستِرغات، ليس أقلّ.»
أخذ روغان القبّعة منّي ونفر.
«يا ماجن. ألا تعلم أنه لا يجوز أن تأخذ المال من القساوسة بل أن تعطيهم إياه؟»
ربتَ عليّ برفق، فابتسمت.
«إذًا أعِرني القبّعة.»
«اصمتا أيّها الاثنان»، تأوّه صوتٌ غير مألوفٍ نصفُ نائم.
عضضتُ شفتي وسمعتُ همسة روغان الساخرة:
«لا تُعير صديقًا. ثم إنك إن كنتَ ستصير سنونوًا، فستحصل على قبّعةٍ احترافية، أليس كذلك؟»
عبستُ. كان مُحقًّا. قلّبتُ عينيّ وهمست:
«راوند جدًّا، راوند جدًّا. غدًا، حين يطلع النهار، هزّني إن لم أستيقظ، إيه؟ لا أريد أن أتأخّر عن العمل.»
«سأجرّك إلى عالم الأموات إن اضطُررت يا حاذق»، وعد روغان.
ابتسمت.
«شكرًا. نَمْ هنيئًا يا قِسّ.»
«طابت ليلتك يا تلميذي»، ردّ القِسّ بسخريةٍ حانية.
أغمضتُ عينيّ وفكّرتُ أنه لَمن حسن الحظّ أنّ لي روغان ورفاقي، لأنني من دونهم، لكنتُ وحيدًا جدًّا تلك الليلة.
* شيور: لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، أقرب إلى «يا صاحبي/يا رجل».
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ أستاذَه أو معلّمه، بمعنى «الأستاذ» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion