Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 41
«السنونو!» صحتُ بأعلى صوتي. ناولتُ الماغيغرام العاجل لرجل الأعمال، ومعه الإيصال ليوقّعه، وأضفتُ بنبرةٍ مهنيّة: «وإن أردتَ ردًّا، فأنا في خدمتك.»
تجاهلني المستثمر وقرأ الورقة وضحك، معلّقًا بما لا أدري عن أسعارٍ تهوي كالشلّال الأبيض. ثم أمسك ذراعي فجأة.
«انتظر لحظة.»
أومأتُ وانتظرت. أعطيتُه قلمًا وورقة مع قائمة الأسعار. لكنّ الرجل لم يُلقِ على الأخيرة نظرةً حتى، بل خربش شيئًا وناولني الجواب. عددتُ الكلمات، وحسبتُ في رأسي، وراجعتُ التعريفات بأسرع ما استطعت، وأخبرتُه بالثمن. أربعة وثلاثون مسمارًا، اثنان أكثر ممّا كتبتُه في فاتورة المكتب، لكن ما الذي يعني قابضَ المسامير ذاك: على الأرجح لم يكلّف نفسه عناء حساب الثمن أصلًا. وبعد أن دفع لي، استحثّني:
«اركض كأنّ الشياطين تطاردك!»
خرجتُ راكضًا من البورصة، وبلغتُ مكتب الرُّسُل المركزيّ، وسلّمتُ المسامير الاثنين والثلاثين والماغيغرام. ذهب دالِم، الكاتب، ليمرّر الرسالة إلى المشغّلين وهو يقول:
«بالمناسبة يا فتى! بعد ظهر اليوم مرّ صديقٌ لك وترك لك رسالة. دسستُها في خزانتك.»
رفعتُ حاجبيّ. رسالة… لي؟ وبمزيجٍ من التوجّس والفضول، مضيتُ إلى الممرّ الخلفيّ. كان باب غرفة الرُّسُل مفتوحًا، فرأيتُ عددًا من رفاقي جالسين هناك يعلّقون بمرحٍ على لعبة شوكات. بعضهم، على حدّ قول يُم، كان ينجح في خسارة مبالغَ مُفزِعةٍ في الرهانات. وعملًا بنصيحة معلّمي الجديد، كنتُ قد امتنعتُ بحكمةٍ عن المشاركة حتى الآن.
جثمتُ في الممرّ قرب الخزائن ومددتُ يدي في خزانتي. كنتُ أحتفظ فيها بسروالي وقبّعتي القديمة، وقلمِ رصاص، وتعويذةِ قطٍّ للحظّ أهداني إيّاها مانراس، وقد وجدها في مكانٍ لا تعلمه إلا الأرواح، و… كان هناك أيضًا ورقةٌ صغيرة مطويّة. أخذتُها وفتحتُها وقرأتها.
«إلى درائن هيلِمبلرت. أرجو أن تمرّ ببيتي في أقرب وقتٍ ممكن.»
كانت موقّعةً باسم «يال». شهقتُ نفَسًا وعضضتُ شفتي ببطء. شعرتُ بالذنب. مرّت أربعة أيامٍ على حادثة الذئب في الأخاديد، ولم أذهب مرّةً واحدةً لرؤية يال، مع أنه عرض عليّ بكلّ طيبة الدنيا أن يؤويني ورفاقي. في قرارة نفسي، لا بدّ أن أعترف، كنتُ خائفًا. كنتُ أخشى أن أضطرّ إلى رؤية كورثر ثانيةً وأن أشرح له لماذا أخلفتُ موعدي معه. لكن ربما لم يكن يال يعلم بالأمر أصلًا.
بالطبع كان يعلم، فكّرتُ. لا بدّ أنه يعلم.
«كيف حالك يا رفيق!» حيّاني صوتٌ ودود.
أدرتُ رأسي فرأيتُ يُم وقد عاد لتوّه من إحدى جولاته، ويقترب من الممرّ بخطوةٍ سريعة. نهضتُ ووضعتُ الورقة في جيبي.
«أيو يا يُم.»
توقّف الإلف المظلم أمامي ونظر إليّ رافعًا حاجبًا.
«كلّ شيءٍ على ما يرام؟»
أدرتُ عينيّ.
«بجنون. لكنني متعبٌ قليلًا»، اعترفت. وكان ذلك صحيحًا: لم أنم كثيرًا تلك الليلة لأنّ ضجّةً وقعت قرب الدَّرَج، مشادّةً طويلةً تلتها معركةٌ صاخبة. وفي الصباح، حين خرجنا نحن الغواكات من الكوخ، كدنا نتوقّع أن نجد جبلًا من الجثث. لكننا في الحقيقة لم نجد شيئًا. وكما كان يقول ييرّيس، المتاهةُ أدغالٌ مليئةٌ بالأسرار. ولا يليق بأيّ غواكٍ أن يُكثر الكلام عمّا يراه هناك.
أمام تعبيري الشارد، أمال يُم رأسه إلى جانب، ومدّ يده في جيب زيّه، وأخرج ورقتين من عشبة السموغ.
«أتريد بعضًا منها؟»
وافقتُ، ومضغتُ الورقة ونحن في طريقنا إلى غرفة الرُّسُل. كان ستّةٌ منهم يتفرّجون على اللعبة واثنان يلعبان. انضممتُ إلى الجمهور، لكنّ أفكاري كانت بعيدةً كلّ البعد عن أصوات رفاقي اللاعبين. لم أكن أفكّر في يال، ولا في كورثر، ولا في ذئب العالم السفلي. ولا كنتُ أفكّر في ييرّيس وعينيه العمياوين، ولا في الخيميائي، مع أنه موضوعٌ كان يشغلني بقدر ما يشغلني كورثر تقريبًا. لا، في تلك اللحظة كنتُ أفكّر في لو بور والسياتوات العشرة التي وعدني بها. فالمسألة أنّ الشتاء يقترب، وكنتُ أشعر ببردٍ حقيقيّ كلّما خلعتُ الزيّ، أما صحبي فكانوا يشعرون ببردٍ أشدّ. كانت سرقة الثياب احتمالًا، لكن لم تكن لي رغبةٌ في العودة إلى القرنفل، فكنتُ بحاجةٍ إلى تلك الذهبيّات العشر. ولأجل ذلك، ذكّرتُ نفسي، كان عليّ أن أذهب إلى الروح المرِحة وأطلب رؤية شخصٍ يُدعى كالديسونا.
انتزعتني من أفكاري صيحةٌ أعلى من زملائي. كانت الساعة الخامسة قد جاءت ومضت، ومثل كلّ الأيام، عدا يوم اللطف واليوم المقدّس حين أُنهي العمل في العاشرة على أقلّ تقدير، كان يومي ينتهي في السابعة. وما زلتُ أمضغ عشبة السموغ، غادرتُ الغرفة وجررتُ خطاي في الرواق. مررتُ ببابِ مكتب المدير، وفي هذا الوقت كان على الأرجح في بيته. وفي غرفة المشغّلين، كان ديرمن منهمكًا في ترتيب الأوراق مع موظّفَين آخرين. وحين رآني قال:
«يا فتى! ما دمتَ هنا تتكاسل، فمُدَّ لنا يد العون.»
ساعدتُهم طائعًا برهةً، ثم رنّ جرسٌ صغير معلنًا وصول رسائل جديدة. وقد سئمتُ ترتيب الأوراق، فتسلّلتُ إلى القاعة الرئيسية، فناولني دالِم الكاتب حزمةً صغيرة من الرسائل. نظرتُ في العناوين، وتأكّدتُ أنني أعرفها جميعًا، وخرجتُ برسائلي إلى ريسكيل. كانت أربعًا. الأولى لقبّعاتيٍّ في الجادّة؛ والثانية لآنسةٍ تُدعى الآنسة فايرا في الوادعة بشارع الورد. كان ذلك الشارع في حيّ ريسكيل، ويطؤه رُسُل إستِرغات بقدر ما يطؤون البورصة. وحين دخلتُ الحانة، وجدتُ أربع فتياتٍ في حالة ذعرٍ يلوّحن في وسط الغرفة. حيّرني المشهد حتى إنني نسيتُ أن أصيح «السنونو!»، وسألتُ بدلًا من ذلك:
«ما الذي يجري؟»
«عنكبوت!» أجابت الصغرى وقد بدا عليها الفزع. «عنكبوتٌ مروّع! أيتها الأرواح، لا بدّ أن نقتله!»
لكن يبدو أنّ لا واحدةً منهنّ تجرّأت على تنفيذ المذبحة. فقلتُ بهيئة الفاتح:
«لا مشكلة يا سيّداتي! سأتكفّل بالأمر. العناكب لا تخيف السنونوات. أين هو؟»
أرَينَه لي في زاويةٍ من القاعة الرئيسية للمكان، والحقّ أنني وجدتُه كبيرًا بشعًا، لكنّ عيون السيّدات المترقّبة منحتني شجاعةً كافية، فهرستُه بحزمٍ على الجدار بحذائي قبل أن يتمكّن من الفرار.
«مات وانتهى أمره»، قلت. وخلعتُ قبّعتي لأجل الوقع. «السنونو في خدمتكنّ يا سيّداتي. أحمل رسالةً للآنسة فايرا.»
«أنا هي. أحسنتَ يا فتى!» هنّأتني بارتياحٍ بادٍ.
وأطرَتني صديقاتها الثلاث بدورهنّ، وعلى الفور، حائرًا مبتهجًا، تركتُ نفسي تنقاد لإشاراتهنّ وملاطفاتهنّ وكلماتهنّ، فوجدتُني جالسًا إلى طاولة، وأمامي كأسُ حليب، وحولي أربعُ عصافيرَ ثرثارة يتحدّثن في كلّ شيءٍ ولا شيء. ولدهشتي، سألنني عن حياتي، وبعد أن فكّرتُ في أن أقصّ عليهنّ حكايةً مجنونة، قرّرتُ أن أقول الحقيقة، فقلتُ بفخر:
«الأمر بسيط. أنا سنونو، وقطٌّ غواك. وبعض الناس يسمّونني المُنشِد ويقولون إنني بارعٌ في الصياح.»
تأثّرن كثيرًا حين سمعن أنني يتيم، ودعونني إلى أن أُغنّي شيئًا. غنّيتُ لهنّ الكارتيكادا فأحببنها، وحين أخبرتُهنّ، مع الأسف، أنّ لديّ رسالتين أخريين لأوصلهما، دعونني إلى العودة وزيارتهنّ في أيّ وقت، فوعدتُهنّ بذلك عن طيب خاطر. خرجتُ وقد أخذتُ قبلةً كبيرةً من الآنسة فايرا على جبيني، وحين عدتُ إلى برد الليل، فكّرتُ أنّ الذين يقولون إننا نحن الغواكات نكبر بلا حنانِ أمٍّ إنما يهذون، فنحن، إذ لسنا أبناءَ أحد، صرنا أبناءَ الجميع، وقد فهمت سيّدات شارع الورد الطيّبات هذا جيّدًا.
أردتُ أن أتخلّص من الرسالتين الباقيتين بأسرع ما يمكن، فركضتُ صاعدًا الشارع إلى تارميل. كانت الرسالة الثالثة لامرأةٍ شابّة، ما إن تناولت الرسالة حتى مزّقتها إلى قطعٍ عدّة وزمجرت باللعنات.
«فيمَ تحدّق؟» رمتني بها.
هززتُ كتفيّ ونزلتُ الدرج قافزًا كالأرنب البرّي. أخذتني الرسالة الرابعة إلى دكّان الحلّاق مالاكسالرا. ولم أنتبه إلى أنّ الاسم مألوفٌ جدًّا إلا حين وقفتُ أمامه. وحين تذكّرتُ أنه اسم عائلة كاكزايل، تملّكني الفضول. أيعني هذا أنّ هذا الحلّاق…؟
عاضًّا شفتي، متلهّفًا لأعرف المزيد، أطللتُ عبر النافذة. كان المكان ما يزال مفتوحًا، ورأيتُ رجلًا شابًّا حسنَ الهيئة واقفًا قرب كرسيّ. كان يشذّب شارب زبون. وفي عمق الغرفة الصغيرة، كان هناك فتًى لا يكبرني بأكثر من سنتين، ينظّف شفرات الحلاقة بجدّ. ذكّرتني هبّةٌ من ريح الليل بعملي، فأسرعتُ إلى الباب ودفعتُه وأعلنت:
«السنونو!»
بالكاد ألقى الحلّاق نظرةً عليّ قبل أن يقول:
«سامفين، تولَّ الأمر، من فضلك.»
ترك الفتى الشفرات وجاء ليوقّع الإيصال. نظرتُ إلى سامفين بفضولٍ شديد. كان أوّل شخصٍ أعرفه بهذا الاسم، عدا الأخ الذي يُقال إنني ذهبتُ لأشتري له شرابًا حين لم أكن قد بلغتُ السادسة بعد.
«إيه… الإيصال»، ذكّرني سامفين.
نظر إليّ بتعبيرٍ حائر وهو يناولني الورقة. خبّأتُ الإيصال وأنا مضطرب.
«حسنًا… سأذهب. أيو. بالمناسبة»، قلتُ رغم ذلك. «مالاكسالرا… أهو اسمٌ شائع؟ أعني، أهناك كثيرون بهذا الاسم في المدينة؟ أعني، انسَ ما قلت»، أضفتُ على عجل، وتحت نظرته المندهشة خرجتُ من هناك مسرعًا. «الأمّ الصالحة…» تمتمت.
لقد جعلتُ من نفسي أضحوكة. حسنًا، لم تكن المرّة الأولى التي أجعل فيها من نفسي أضحوكة، لكن أمام عائلةٍ لا تريدني أصلًا، لم يكن ذلك ليُصلح الأمور. لكن، على أيّ حال، لم يكن ثمّة ما يُصلَح، فكّرتُ. لا شيء البتّة.
توقّفتُ عند الناصية وأدرتُ رأسي نحو الدكّان. وبعد لحظة تردّد، ركضتُ صاعدًا جادّة تارميل، وانعطفتُ يمينًا مرّةً أخرى، وسلكتُ طريقًا مختصرة، ووصلتُ إلى المكتب والساعة توشك أن تدقّ السابعة. بدّلتُ ثيابي، وأودعتُ الزيّ مكانه، وتسلّمتُ المسامير الاثنين والأربعين التي كسبتُها ذلك اليوم، وتوجّهتُ إلى بيت يال. تذكّرتُ أنه في نُزُل فيربانك، قرب ساحة القمر، هناك في الأسفل عند النهر. وقد تعبتُ من الركض، فتمهّلتُ، ومررتُ بـالراقصات، وطلبتُ ما أقتاتُ به. لم أرَ كاكزايل، ولا الشماليّ العملاق، ولا التوأمين، ولا رفيقَهم القيتيّ ذا الشعر الأحمر. ولم أكن أبحث عنهم تحديدًا على أيّ حال. كنتُ أمرّ بحانةٍ تُسمّى الجوزة المجنونة، وكنتُ قد تجاوزتُ للتوّ جماعةً من الرجال، حين توقّف أحدهم ورماني بقوله:
«تبًّا لي، أليس هذا المُنشِد؟!»
التفتُّ وزفرت.
«الأمّ الصالحة! يارّاس. ماذا أصابك؟»
كان وغدُ الأبيض في بذلةٍ كاملة، وقد حمل عصًا وكلّ شيء. ضحك.
«ذهبتُ إلى مراسم دفن، لا أكثر»، شرح الأحمرُ الشعرِ الطويل. «كنتُ قد بدأتُ أظنّ أنك أنت أيضًا قد دُفنت.»
«كنتُ أُقيم في النُّزُل»، شرحتُ وأنا أقترب. ألقيتُ نظرةً سريعة على الأصدقاء الثلاثة المحيطين به. كان أحدهم لوتّو المُصلِح. والآخران بديا مألوفَين أيضًا. حيّيتُهما بإشارةٍ من يدي. «من مات؟»
«آه، زوجة العجوز فييرونيل»، أجاب يارّاس. «دعانا المسكين، كلَّنا نحن روّاد الجارور. لم يبقَ له أهل. إذًا، كنتَ في الظلّ، ها؟»
«نعم. آه، لا تظنّ أنني نسيتُ المسامير الستّة والثلاثين التي أدين لك بها»، قلتُ متصنّعًا هيئة الرجل الشريف.
أخرجتُ ثلاث قطعٍ من العشرة مسامير، وقطعةً من الخمسة مسامير، ومسمارًا واحدًا، وأعطيتُها له وهو ينفخ مبتسمًا.
«حسنًا يا فتى، لقد كسبتَ احترامي للتوّ. عادةً ما تحتاج ذاكرةُ الغواك إلى من يُنعشها. أنا ذاهبٌ إلى البيت الآن، لكن في المرّة القادمة التي أراك فيها تمرّ بـالجارور، سأدعوك إلى شراب، ما رأيك؟»
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة وأومأت.
«طبيعيّ أنني سأمرّ! أيو، وتعاويذي للعجوز!»
«تقصد تعازيك، يا دكتور»، سخر يارّاس.
«هو ذاك، هو ذاك»، أجبتُ، وابتعدتُ ماضيًا في الشارع بخطًى واسعة، مفكّرًا في العجوز فييرونيل وزوجته الميتة. أراهن أنّ العجوز لن يبرح كرسيّه في الجارور من الآن فصاعدًا.
وجدتُ نُزُل فيربانك قُبيل جسرٍ صغير يؤدّي إلى جُزيرات القنوات. كان ديرًا قديمًا حُوِّل عن غرضه، وكان الفناء مكشوفًا مكدّسًا بالخُردة والغسيل المنشور. لا بدّ أنّ الوقت كان قد قارب الثامنة، وعدا عويلِ رضيعٍ حديث الولادة ونباحٍ بعيدٍ في الريح، كان الفناء ساكنًا سكونَ القبور. أدركتُ، وأنا أتنقّل من بابٍ إلى باب، أنني لا أعرف أين يسكن يالِت. ثم طرقتُ بابًا يتسلّل ضوءُ شمعةٍ من تحته، ففتحته امرأةٌ شابّة، وسألتُها عن يالِت فيرباديس، فقالت إنها لا تعرف الجيران، وإنها استأجرت لتوّها، وأغلقت الباب في وجهي. حسنًا.
وقفتُ في وسط الفناء وشرعتُ أُغنّي:
لاريلان، لاريلون،
يا ربيعُ،
اخرجِ الآن،
بومبومبيم،
ما أجمله، إنه الربيع!
لاريلان، لاريلون،
متكبّرٌ قليلًا، هذا صحيح،
بومبومبيم، لاريلون،
لكنّك الأجملُ على الإطلاق،
لأنك دومًا، دومًا، يا ربيع،
أوّلُ من يُغنّي.
كنتُ قد سمعتُ بابًا يُفتح. لا يمكن أن يكون إلا يال. لا أحد غيره هنا يملك من الفضول ما يكفي ليفتح بابه للبرد.
«شياطين، لقد كنتُ قلقًا عليك يا ساري.»
التفتُّ وابتسمتُ وأنا أرى معلّمي يقترب. أشار إليّ أن أتبعه، فتبعتُه قائلًا:
«أيو يا إلَسّار*.»
لم أقل شيئًا آخر، ولم أنفجر بالكلام إلا حين صرنا في الغرفة الصغيرة التي كانت بيت يالِت:
«لقد أخطأتُ يا يال. والآن أنا خائفٌ لأنّ… كورثر غاضبٌ منّي جدًّا، أليس كذلك؟ لا أدري ما أفعل»، اعترفت.
وبينما يُشعل شمعةً ثانية، جلس يال على مقعده وتنهّد وهو يدلّك جبهته.
«حسنًا… لن أكذب عليك: كورثر خائبُ الأمل فيك جدًّا. لقد فقدتَ ثقته، وهذا يعني أنه على الأرجح لن يعرض عليك عملًا بعد الآن.»
رفعتُ حاجبًا. أهذا كلّ شيء؟ لا بدّ أنّ ارتياحي بان على وجهي، فقد زمّ يال شفتيه. ودعاني بإشارةٍ إلى الجلوس.
«أخبرني يا مور إلدال. ماذا حدث تلك الليلة؟»
عقدتُ ساقيّ وهززتُ كتفيّ.
«ليس ذنبي. جُنّ الحجر، وسقط في الأخدود، وطلب منّي كورثر أن أذهب لأجلبه. وحين وجدتُه، أطلق شوكينوري ذئبه عليّ، فهربتُ، لكنّ الذئب أمسك بي. و… وبعد ذلك… لا أدري يا إلَسّار. أخذوا الحجر منّي ومضوا.»
«ألم تتكلّم معهم؟»
هززتُ رأسي نفيًا في صمت. نحنح يال.
«ثم ماذا؟ لماذا… إيه… رحلت؟»
عرفتُ من نبرة صوته أنه يرى أنّ خذلان كورثر على هذا النحو كان حماقة. أشحتُ ببصري وبقيتُ صامتًا، لا أدري ماذا أقول. في معظم الأمر، هربتُ بسبب الذئب، لكن أيضًا لأنني ببساطة سئمت، ولأنني أردتُ أن أعود إلى البيت مع أصدقائي، ولأنني أردتُ أن أنام… أسبابٌ كان كورثر ليجدها يائسةً وصبيانيّةً ونزِقة… وربما يالِت أيضًا.
في تلك اللحظة، كان كلّ ما أريده أن أُغيّر الموضوع. وبعد صمتٍ طويل، زفر يالِت وسأل:
«أستبيت هنا الليلة؟»
هززتُ رأسي نفيًا.
«لا أستطيع. آسف يا يال. ربما غدًا؟»
تنهّد يال وهزّ رأسه.
«غدًا إذًا»، وافق. «كما ترى، لقد هيّأتُ لك حتى فُرُشًا من القشّ وكلّ شيء. لا يحقّ لك أن تشتكي.»
وفي الواقع، كانت كومةٌ لا بأس بها من القشّ تشغل مؤخّرة الغرفة.
«رعود!» نفختُ وذهبتُ لأُجرّب فراشي المستقبليّ قبل أن أمنح معلّمي ابتسامةً عريضة. عضضتُ شفتي. «قل لي يا يال. أتذكر حين كنّا نصعد إلى القمّة وكنتَ تعلّمني أشياء؟»
رفع يال حاجبيه مبتسمًا.
«بالطبع.»
«لماذا لم نعد نصعد إلى القمّة؟» سألتُ بلمسةٍ من الحنين.
ذُهل يال.
«آه. حسنًا. الأمر فقط أنّ… علّمتُك كلّ ما أستطيع تعليمه لك. عدا شيئًا واحدًا.»
«أيّ شيء؟» سألتُ بفضول.
ابتسم يال ابتسامةً خفيفة وهو يُجيب:
«لا تسخر من الكابات.»
شعرتُ بالخجل يغمرني من جديد.
«تبًّا للجحيم، لم أكن أسخر منه»، احتججت.
«هكذا شعر هو. لكن لا بأس، أنا واثقٌ أنك ستُصالحه. بالمناسبة، مسألة كاكزايل، كيف تسير؟»
أُصالحه، كرّرتُ في نفسي. وماذا يُفترض بي أن أفعل لأُصالحه؟ أأذهب إلى النُّزُل وأراه؟ هززتُ رأسي.
«مسألة كاكزايل؟ ماذا تعني؟»
لاحظتُ أنّ نظرة يال صارت أكثر حذرًا.
«حسنًا. عائلتك… الحلّاق. أذهبتَ لرؤيته؟»
رمقتُه بنظرةٍ فيها حذرٌ وتمنّع.
«لا. ولمَ؟ هو أيضًا لم يأتِ لرؤيتي.»
حكّ يال حاجبه وهو ينحنح.
«نعم. حسنًا. لو كنتُ مكانك لذهبتُ لرؤيته. لا تخسر شيئًا بذلك، أليس كذلك؟ حسنًا، على أيّ حال. سأخرج مع بعض الأصدقاء إلى المسرح. لم أكن أعرف متى ستأتي، فقلتُ لهم إنني قد لا أذهب، لكن… أتودّ أن تأتي؟» سأل وهو ينهض.
كانت المرّة الأولى التي يدعوني فيها للخروج مع أصدقائه، وبصراحة، فوجئتُ كثيرًا. على أيّ حال، زممتُ شفتيّ اعتذارًا.
«عليّ أن أذهب لرؤية صحبي.»
رمقني يال بنظرةٍ نصفُها سخريةٌ ونصفُها حنان، وعبث بشعري، وخرجنا معًا من بيته.
«كيف حالك رسولًا؟» استفسر ونحن نعبر الفناء نحو المخرج.
«بخير. يعجبني العمل»، اعترفتُ بمرح. «رفاقي ودودون. ولا أُوصل الرسائل فحسب. بالأمس علّمني أحد المشغّلين كيف تعمل الآلة التي يُرسلون بها الماغيغرامات، وأرسلتُ واحدًا. أُقسم. ودالِم، الذي يُعطينا الرسائل، قال لي إنّ غدًا دوري لأذهب وأُطعم الحمام في الجادّة خبزًا يابسًا. يدفع أربعة مسامير. نحن رُسُلَ إستِرغات نتكفّل بأشياء كثيرة؛ قد لا يبدو الأمر كبيرًا، لكنه مهمّ»، أكّدتُ مردّدًا كلماتٍ سمعتُها من فم دالِم نفسه. «يقول يُم إنّ الناس يثقون بنا بسبب الزيّ، ولهذا يُعطوننا أعمالًا. يعجبني ذلك.»
كان يال يبتسم.
«حسنًا، أنا سعيدٌ لأجلك. سعيدٌ جدًّا. على أيّ حال، من الواضح أنّ هذا يعجبك أكثر من العمل الذي وجدتُه لك عند ميروكي فال.»
نفختُ، وابتسمنا، ثم رفعتُ يدي وقد بسطتُ السبّابة والبنصر والإبهام، قائلًا:
«طِرْ!» وشرحت: «هذه تحيّة الرُّسُل. تفعلها هكذا»، قلتُ آخذًا يده، «ثم تصفق بكفّك، أرأيت؟ علّمتُها لصحبي، وأحبّها مانراس. إنه يحسدني كالمجانين. خصوصًا بسبب الزيّ!» ضحكت. «حسنًا، أيو، واستمتع بالمسرح.»
ضحك يالِت ضحكةً خافتة.
«طاب مساؤك يا مور إلدال. من كان ليقول إنك كنتَ متوحّشًا حقيقيًّا قبل عامين لا غير. طِرْ»، قال مازحًا.
أدّى تحيّة الرُّسُل ومضى في الشارع. سرتُ في الاتجاه المعاكس، نحو القطط. أقلقتني كلماته الأخيرة. في الحقيقة، وصلتُ إلى إستِرغات طفلًا جاهلًا، وربما متوحّشًا، لكنني في قرارة نفسي لم أشعر أنني تغيّرت. أما أنني تحسّنت، فلم يكن لديّ شكّ، وقد ملأني ذلك رضًا. لكنني كنتُ ما أزال مور إلدال. وقد سرّني ذلك لأنني ما زلتُ أذكر كلمات معلّمي الناكروس: «لا تنسَ كلّ ما علّمتُك إيّاه»، قال، «وقبل كلّ شيء يا مور إلدال، قبل كلّ شيء، لا تكفّ أبدًا عن أن تكون نفسك.»
عبرتُ جادّة تارميل بخطوةٍ سريعة وقرّرتُ أن أذهب إلى الروح المرِحة لآخذ ذهبيّاتي العشر.
كنتُ أعرف أين المكان: لم يكن بعيدًا كثيرًا عن وردة الريح، وأذكر أنني سمعتُ أنّ ذلك المحلّ شيءٌ أشبه بوكر فراشلوك المركزيّ. لم أدخله قطّ، والحقّ أنني حين دفعتُ الباب، فوجئتُ إذ رأيتُ داخله يبدو كحانةٍ عاديةٍ مزدحمةٍ بعض الشيء.
تلوّيتُ بين الطاولات الصاخبة، وحين لم أرَ أحدًا خلف المنضدة، درتُ حول نفسي مرّتين وعضضتُ باطن خدّي متفكّرًا. ثم لمحتُ امرأةً شابّةً ممتلئة في فستانٍ أحمرَ مهيب، بدت من أهل المكان من طريقة كلامها مع الزبائن. وتأكّدتُ من ذلك حين رأيتُها تمرّ إلى الجهة الأخرى من المنضدة، فاقتربت.
«سيّدتي…» ناديتها.
تجاهلتني عن عمد، ولعلّها ظنّت أنني سأطلب منها صدقةً أو ما شابه. فسارعتُ إلى تصحيح ظنّها:
«اسمعي يا سيّدتي، أبحث عن كالديسونا. أتعرفين أين هي؟»
التفتت إليّ الشابّة أخيرًا ورفعت حاجبًا وهي تتفحّصني.
«اسمك؟»
«درائن. قيل لي أن أذهب إلى…»
«نعم، نعم»، قاطعتني بصوتٍ ناعم. «لينا! تولَّي المنضدة لحظة، من فضلك. من هنا يا فتى.»
قادتني إلى الباب الخلفيّ، فخرجنا إلى زقاقٍ مسدودٍ صامت، وصعدنا درجًا خشبيًّا نصفُه منخورٌ بالسوس، وطرقت بابًا كبيرًا.
«فيرّوكا!» صاحت دليلتي. «لديكِ زبون.»
وبعد صمت، أجاب صوتٌ مكتوم:
«أدخِليه.»
أدخلتني الشابّة دافعةً إيّاي برفق، ودون كلمةٍ أخرى أغلقت الباب خلفي، وسمعتُها تمضي. كانت رائحة البخور في الداخل خانقة. أضاءت شمعةٌ الغرفةَ إضاءةً خافتة، فرأيتُ امرأةً جالسةً على سريرٍ كبير، كثيفةَ المساحيق، لكنها قبيحة، قبيحةٌ جدًّا، وتبدو كأنها خرجت من حكاية رعب.
«ما اسمك يا فتى؟»
أصابني صوتها المكتوم بالقشعريرة، ودفعني شيءٌ ما غريزيًّا إلى أن أفكّر جدّيًّا في احتمال الرحيل والتخلّي عن سياتواتي العشرة. لكنني تشجّعتُ وأجبت:
«درائن يا سيّدتي. قال لي أحدهم أن آتي لرؤيتك وأنكِ ستُعطينني عشر ذهبيّات.» رأيتُها تنهض وتقترب، فتراجعتُ خطوة. وألححت: «جئتُ لآخذ ذهبيّاتي العشر.»
«وتظنّ أنني سأُعطيك إيّاها هكذا ببساطة؟» سخرت القبيحة. «لنرَ، قال لي لو بور إنك تدين لي بخدمةٍ أخرى»، همست لي ومدّت يدها إلى خدّي.
اتّسعت عيناي رعبًا.
«ماذا؟»
ثم، بسرعة الأفعى، أمسكت ذراعي، فصرختُ وحاولتُ الإفلات، لكنّ المرأة اللعينة كانت قويّة. طرحتني أرضًا، وتخبّطتُ عبثًا، وشعرتُ بأنفاسها التي تفوح بالثوم على وجهي.
«أهلًا يا أربعمئة.»
هذه المرّة بدا الصوت ذكوريًّا عميقًا. قهقهت المرأة القبيحة. لا، لم تكن المرأة القبيحة: كان لو بور. كبحتُ على الفور الصدمة المَوْتية التي كدتُ أقذفه بها، وقلتُ بصوتٍ مبحوح:
«تبًّا للجحيم، اذهب إلى الجحيم أيها النذل!»
كان ذلك كلّ ما خطر لي لأصف به مقلبه العفن. نهض الوغد وهو ما يزال يضحك.
«الفستان يليق بي، أليس كذلك؟»
زفرتُ وأنا أعتدل جالسًا.
«يليق بك على نحوٍ إلهيّ. إذًا أنت كالديسونا؟»
«أنا هو»، ابتسم الوغد.
أشعل شمعةً أخرى وجلس على كرسيّ في جِلسةٍ غير أنثويّة. كانت المساحيق التي تغطّي وجهه فعّالةً كالقناع. نهضتُ وأنا ما أزال غير مصدّق.
«وماذا عن سيّدتك؟»
«تلعب الورق كملكة»، أجاب الوغد بمرح. «هيّا، اجلس هنا واسمع. لديّ ما أقوله لك.»
وبعد أن حدّقتُ فيه بتمعّنٍ أكبر، لم أستطع تجنّب الابتسام، فجلستُ إلى الطاولة الصغيرة وقلت:
«لا بدّ أن أعترف أنه يليق بك. خصوصًا الشعر. والقُرطان. والصدر المكشوف. أترتدي رِباطَي الجورب أيضًا؟»
ابتسم لو بور بكلّ أسنانه.
«أتريد حقًّا أن تعرف يا أربعمئة؟»
فتحتُ عينيّ واسعتين مستديرتين كالصحون حين رفع الفستان ليُريني الجوارب ورباطَيها. وما إن تجاوزتُ الفزع حتى انفجرتُ ضاحكًا.
«إن تحوّلتَ إلى امرأة، فعليك أن تفعلها بجدّية»، قال لو بور بنبرة خبير. «حسنًا، لندخل في صلب الموضوع. إن كنتُ أذكر جيّدًا، فقد وعدتُك بعشر ذهبيّات مقابل خدمة.»
تلاشت ابتسامتي وقطّبت.
«ظننتُ أنّ…»
«حسنًا، ظننتَ خطأً»، قاطعني لو بور بهدوء. «قلتُ لك صراحةً إنني سأُعطيك عشر ذهبيّات لقاء خدمة. نعم أم لا؟»
قطّبتُ وأومأت.
«هذا ما قلته»، أقررت. «ما هي الخدمة؟»
«آه»، ابتسم لو بور. «في الحقيقة يا فتى، كنتُ أفكّر في عقد صفقةٍ صغيرة معك. لكن، إن لم أكن مخطئًا، فقد مرّ أسبوعٌ على خروجك من القرنفل و…» وأخرج فجأةً حبّةً سوداء وتركها على الطاولة قائلًا: «أظنّك عقدتَ صفقةً مع شخصٍ آخر قبلي.»
أحدث منظر الكاروجا فيّ ردَّ فعلٍ أفزعني. نظرتُ إلى الحبّة مسحورًا، وتساءلتُ إن كان يال محقًّا حين قال إنّ السوكواتيين، رغم كلّ شيء، عرضةٌ للإدمان أيضًا. ابتلعتُ ريقي.
«لا. لم… لم أتعاطَ الكاروجا منذ خرجتُ من الحبس. لا أكذب»، أقسمتُ أمام تعبير لو بور المرتاب.
«إذًا تعاطيتَ شيئًا آخر»، جازف لو بور.
هززتُ كتفيّ دون جواب، فطبّل بأصابعه على الطاولة. وعاد بصري لا محالة إلى الحبّة السوداء. نحنح لو بور ليجذب انتباهي من جديد، ووضع هذه المرّة كيسًا صغيرًا، أخبرني رنينُه فورًا بما يحتويه.
«خمس عشرة ذهبيّة»، أعلن لو بور بلا اكتراث. «إن حملتَها إلى شخصٍ وعدتَ بالأوراق التي تُعطيك إيّاها… فسأُعطيك سياتواتك العشرة، وأعدك أيضًا بأنك ستنال شيئًا كلّما جئتَ لرؤيتي.»
نظرتُ إليه بمزيجٍ من الدهشة والفضول.
«وماذا سأنال؟»
هزّ لو بور كتفيه.
«عملًا صغيرًا، مالًا، كاروجا، أيّ شيء. ما يناسبك ويناسبني أكثر. لا تنسَ أنني كنتُ دائمًا كريمًا في القرنفل. ما قولك؟ أتناسبك الصفقة؟»
عضضتُ شفتي وهو يتكلّم، وانتهيتُ مبتسمًا من أذنٍ إلى أذن.
«بجنون»، اعترفت. «إذًا أعمل عندك، أهذا هو الأمر؟ طبيعيّ أنني موافق. ثمّة أمرٌ واحد فقط… لديّ عملٌ آخر بالفعل.»
اكفهرّ وجه لو بور.
«حقًّا؟»
«نعم، أعمل لدى السنونو»، شرحت. «أنا رسول. وجدتُ قابضَ مساميرَ طيّبًا مؤدّبًا كتب لي رسالة، فدخلتُ كالملك. المسألة أنني ما زلتُ تحت التجربة وكنتُ بحاجةٍ إلى عقدٍ وكلّ ذلك…»
قاطعتني ضحكة لو بور.
«حسنٌ حسن، يسرّني سماع ذلك! هكذا لن تكون هنا تركض تحت قدميّ طوال النهار. ما يجب ألّا تنساه هو أنني هنا، في الروح المرِحة، فيرّوكا كالديسونا، وأنّ لو بور اختفى عن وجه بروسباتيرّا…»
«لا تقلق من هذه الناحية»، أكّدتُ رافعًا يديّ. تركتُ كرسيّي، وكأنّ شيئًا لم يكن، التقطتُ حبّة الكاروجا وقذفتُها في الهواء والتقطتُها في الطيران، سائلًا: «لماذا تعيش هنا في أرض فراشلوك؟»
أدار لو بور عينيه.
«لأنّ لي أصدقاء هنا، منطقيًّا.»
الأصدقاء أنفسهم الذين ساعدوه على الهرب، خمّنت. نظرتُ إليه بفضول.
«أتعمل لدى فراشلوك؟»
طقطق لو بور بلسانه ضيقًا.
«لا أعمل إلا لنفسي ولسيّدتي. أربعمئة»، حذّرني بعينين ضيّقتين وأنا أوشك أن أفتح فمي من جديد. «لا تستفزّ أعصابي.»
ابتسمتُ، لأنني في تلك اللحظة شعرتُ كأنني أتكلّم مع معلّمي الناكروس. كم مرّةً طلب منّي ألّا أستفزّ عظامه بأسئلتي! غير أنني هذه المرّة، بدل أن أُكلّم هيكلًا عظميًّا، كنتُ أُكلّم وغدًا في ثوب امرأة. اتّسعت ابتسامتي. وبعد سكتة، تركتُ حبّة الكاروجا على الطاولة، فنلتُ من لو بور نظرةَ دهشةٍ مسرورة.
«ربما في يومٍ آخر»، قلت. «إذًا، إلى من أحمل هذا المال؟»
ابتسمت عينا لو بور.
«إلى الكفّ الباردة. ستحبّها: إنها أجمل منّي حتى.»
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ معلّمَه أو أستاذه، بمعنى «معلّمي» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion