Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 43
«هيّا، اقذف!» صِحنا.
نقر روغان الفلّينة، فطارت متجاوزةً الفلّينة المتصدّرة ببضع بوصات، فانتزع صيحات الاستحسان من المشاركين في سباق الفلّين.
«أوْوي، أوْوي، أوْوي، النصر للقِسّ!» صِحتُ، واغتنمتُ شروده لأسرق قبّعته العالية وأفرّ.
كان الظلام قد حلّ، لكنّنا في الشارع العريض المحاذي للقناة كنّا نرى على أتمّ ما يُرام بفضل مصابيح الشارع وضوء الجوهرة. كنّا نحو عشرين فتًى في الجملة. وكلّهم، ما عداي أنا ورفاقي، أبناء عائلات. كثيرون منهم جاؤوا من نُزُل فيربانك واجتمعوا ليلهوا قليلًا بعد يومٍ من العمل.
كان ذلك عالمًا آخر، يختلف عن عالم باعة الصحف ويختلف عن عالم الغواكات. كان لرفاقنا الجدد معجمٌ مغاير، وكثيرون منهم قدِموا من الريف أو كانوا ببساطةٍ أجانب، ولم يكن جميعهم يُحسنون الدريونسانية. ولم يمنعنا ذلك من أن نلعب معهم سباق الفلّين وأن نُعلّمهم شيئًا من الغواكِيّة.
«غونوف لعين!» زجر روغان وهو يُطاردني دون أن يجري. «هيّا، لا تُغضبني. أعِدْ لي ذلك.»
توقّفتُ تحت ضوء مصباح شارعٍ، ورفعتُ يدي إلى قبّعتي متّخذًا هيئة قابض مسامير؛ وإذ اقترب القِسّ، وثبتُ إلى الوراء وأنشدت:
آهوي، ها هو ذا!
الغواك المُشاكس من القطط!
شقيٌّ ثرثار،
وغونوفٌ ذائع الصيت!
لو، لو، لو…
أدركني روغان، لكنّه بدل أن ينتزع قبّعته عنوةً، عقد ذراعيه ونظر إليّ في صبر. ابتسمتُ له ابتسامةً عريضة.
«أيمكنني أن أحتفظ بها بضع دقائق أخرى؟»
«لا»، رفض القِسّ.
تنهّدتُ، ونزعتُ القبّعة، وضغطتُها على رأس صديقي، فانتزعتُ منه ابتسامةً ساخرة.
«يا لك من روحٍ ساذجة»، قال بنبرةٍ كهنوتية. «كان الأجدر بك أن تشتري لنفسك قبّعةً بتلك الذهبيّات الخمس!»
«لو أنّها كفت»، قلتُ حالمًا.
لكنّها لم تكفِ. بل في الحقيقة، لم يمضِ على ثرائي سوى ليلتين، ولم يبقَ معي شيء. أنفقتُه كلّه على الهدايا. كان أغلاها الهارمونيكا التي اشتريتُها لييرّيس، وفكرة إهدائها إليه كانت تملؤني حماسًا. ثمّ اشتريتُ ليال قفّازين، ودعوتُ روغان ورفاقي إلى المثلّجات، و… عند تلك النقطة، تبخّرت مدّخراتي. فقد قلتُ في نفسي على أيّ حال: قبل أن تسرقها ذبابةٌ فضولية أو السريع أو نذلٌ ما، خيرٌ لي أن أُنفقها عن آخرها.
«مال القطّ يأتي مُغنّيًا ويذهب مُغنّيًا»، اقتبس روغان، ثمّ استدار حول نفسه وأضاف: «طريف. تذكّرتُ فجأةً الليلة التي طردوني فيها من عصابتي الأولى لأنّني أضجرتُهم بوعظي. قبل نحو سنةٍ ونصف. كنتُ أتسكّع في هذا الشارع بعينه، حزينًا مكروبًا»، قال وهو يمشي مشيةً مسرحية، «وكنتُ أُفكّر كم أنا تعيس وما إلى ذلك من هذا الضرب، وإذا بي فجأةً أُصادف متوحّشًا صغيرًا مُتلفّعًا بجلود أرانب، يبدو تائهًا تمامًا، فقلتُ في نفسي: ‹تبًّا للجحيم! وأنا الذي كنتُ أحسبني بائسًا!›» ورمقني بابتسامةٍ من ذلك الطراز الذي يعلو وجهه حين يوشك أن يُعلن عِبرةً بديعةً بوجهٍ خاصّ. «مهما بلغ بؤسُ الغواك، فسيجد دومًا غواكًا أشدّ منه بؤسًا. ولهذا أنا أملك قبّعةً وأنت لا»، ختم.
بُهِتُّ. متوحّشٌ صغير متلفّعٌ بجلود أرانب؟ وفي هذا الشارع بعينه، قرب نهر إستِرغات؟ وفجأةً أدركتُ ما هو بيّن، فأطلقتُ ضحكةً عالية.
«يا نذل، أنت من سرق بطّانيتي!»
نظر إليّ روغان في حَيرة.
«ماذا…؟» ثمّ بدا أنّه فهم، فامتلأ وجهه ذهولًا. هتف: «مستحيل! أتعني أنّك ذلك الأبله الذي لم يكن يعرف حتى ما الكابور؟ أنت تمزح!»
كنتُ أضحك بشدّة وأنا أستعيد يومي الأوّل في إستِرغات، وتلعثمتُ قائلًا إنّني لا أمزح، بل أنا جادّ. هزّ روغان رأسه غير مصدّق.
«قل، لم أقصد أن أسرق منك شيئًا»، قال. «لكنّني فقدتُ أثرك. أيّتها الأرواح المقدّسة، هذا يستحقّ آيةً في الكتاب المقدّس! لقاء نبيّين! لا شكّ أنّ أسلافنا دبّروا هذا.»
قلّبتُ عينيّ، وما زلتُ مبتسمًا، ودسستُ يديّ في جيبَي معطفي الجديد. كان قديمًا وواسعًا عليّ بعض الشيء، لكنّه كان دافئًا. ابتعدتُ نحو ضفّة النهر وتسلّقتُ الحاجز لأُطلّ على المياه الباردة المظلمة التي تصبّ في القناة. رفعتُ بصري إلى سماء الليل. تذكّرتُ أنّني في أوّل ليلةٍ قضيتُها في إستِرغات حاولتُ أن أبحث عن النجوم فلم أجدها. أمّا هذه الليلة، فكانت تُرى بالكاد. قفزتُ عن الحاجز وتوقّفتُ عند مصباح شارعٍ مُطفأ، قائلًا:
«التقينا هنا تمامًا.»
لم أكن على هذا القدر من اليقين، لكنّ روغان لم يُخالفني. بدا أنّ انتباهه انصرف إلى شيءٍ آخر. رفع حافة قبّعته مع حاجبيه.
«تبًّا للجحيم»، أفلتَ منه. «ذلك الملتحي هناك، أليس واحدًا من أولئك الغرباء الذين أخرجوك من القرنفل؟ أعني، ذاك الأخ الذي لك.»
حين رأيتُ كاكزايل يتّجه نحو مدخل فناء نُزُل فيربانك، انتابني فضولٌ حادّ. أجاء ليراني أنا؟ عضضتُ شفتي واقتربتُ مسرعًا. أدركتُه وهو يوشك أن يدخل الفناء الداخليّ.
«سيّدي!» صِحتُ بحدّة، فأجفلته. «أتبحث عن ابن عمّي؟ ليس هنا، ذهب إلى المسرح.»
ولم أُضِف أنّني أشتبه في أنّ اهتمام يال الجديد بالمسرح له علاقةٌ بصديقةٍ بعينها بدا مغرمًا بها أشدّ الغرام. تفحّصني المجالِد السابق من رأسي إلى قدميّ وابتسم.
«في الحقيقة، كنتُ أبحث عنك أنت. أرسل إليّ يالِت رسالةً هذا الصباح يقول فيها إنّك تعيش هنا معه. أتُمانع لو مشينا قليلًا؟»
أومأتُ وتبعتُه عائدًا إلى الشارع. كان يخطو خطواتٍ واسعة، وكان عليّ أن أجهد كي لا أتخلّف عنه. لوّحتُ لروغان من بعيد، ورمقتُ الملتحي بنظرةٍ حائرة وهو يسلك شارعًا يصعد إلى جادّة تارميل.
«إذًا، كيف يسير عملك رسولًا؟» استفسر بعد صمت.
«الأمور تسير على ما يُرام»، أجبتُ مبتسمًا.
لم يسألني كاكزايل أسئلةً أخرى، وإذ استبدّ بي الفضول، سألت:
«إلى أين نحن ذاهبان؟» كنّا نصعد جادّة تارميل بالفعل، فأضفتُ على الفور: «أذاهبان نحن إلى الراقصات؟»
«لا»، أجاب كاكزايل بهدوء. «لم أعُد أُقيم هناك. أتعلم؟ الليلة الماضية بِتنا في بيتٍ في أتويرثو. بيتٌ جميلٌ بحديقة، شبيهٌ نوعًا ما بالبيت الذي كان لزوريا وزالِن على ما يبدو»، ابتسم. «هناك كان ديسّاري* وايام.»
لم أتوقّف تمامًا، بل نسيتُ فحسب أن أُواصل السير، ونظرتُ إلى كاكزايل بعينين متّسعتين. التفت الملتحي ورمقني بنصف ابتسامة.
«تمامًا كما تُخمّن يا فتى. اهتدت زوريا في النهاية إلى الأثر الصحيح. أخبرنا الغنوم أنّه لا ينقصه شيء، لكنّه يشعر بشيءٍ من الضغط، على حدّ قوله، من شخصٍ يطلب منه عملًا إضافيًّا آخر لا علاقة له بمسألة السوكواتا تلك.»
تحت نظرته المتيقّظة، رمشت. شياطين، أيقصد كورثر؟
«وعلمتُ أمرًا آخر يبعث على القلق»، تابع كاكزايل بتعبيرٍ جادّ. تلفّت حوله ليتأكّد أنّ لا أحد يسمعنا، ثمّ دنا منّي ليهمس: «أنّك أنت ويالِت جزءٌ من عصابة.»
قطّبتُ وهززتُ كتفيّ في تحفّظ.
«ومن ليس كذلك؟»
قلّب كاكزايل عينيه.
«مممف. عصابةٌ مدرَّبة، قادرةٌ على استخدام التناغمات، ونسف منجم، وشراء دم الهيدرا. ولها كابٌ مستعدٌّ لاستئجار بيتٍ في أتويرثو بمبلغٍ وفيرٍ من المال، أراهن على ذلك.»
عضضتُ شفتي العليا، ولا أدري ماذا أقول. وأخيرًا اعترفت:
«حسنًا. وماذا في ذلك؟»
زفر كاكزايل في خفوتٍ وواصل صعود الجادّة وهو يردّ:
«ففي ذلك أنّ ‹ابن عمّك› يالِت كذب عليّ بوقاحة.»
هرولتُ خلفه، ولبرهةٍ لم نقل شيئًا. كان ذهني يعدو، وبالكاد أقدر على ترتيب أفكاري. لقد وجد المجالِدون والتوأمان الخيميائيّ، وأخبرهم بكلّ ما يعرف، فماذا عسى كورثر أن يظنّ بكلّ هذا؟ إن كان يعلم، فلا بدّ أنّه مستاء، لا سيّما إن كان قد طلب من الغنوم عملًا بعينه غير السوكواتا. فمع سيلمِستَين وثلاثة محاربين يحمون السيّد وايام… صاروا هم أصحاب السلطة عليه الآن، لا كورثر.
«وماذا عن العلاج؟» سألتُ بصوتٍ مخنوق. «أسيكفّ عن البحث عنه؟ أستُغادرون الصخرة؟»
سرت قشعريرةٌ في ظهري لمجرّد الفكرة. تنهّد كاكزايل.
«لم أكن أعرف السيّد وايام حتى أمس… لكنّه لا يبدو رجلًا سيّئًا. وأنا واثقٌ أنّه وضع كلّ عزيمته في البحث عن ذلك العلاج.»
لاحظتُ أنّ هذا لا يُخبرني إن كان سيُواصل البحث عنه. ابتلعتُ ريقي وقلتُ بنبرةٍ محايدة:
«سيجده، أليس كذلك؟ لا يمكنه أن يُغادر إستِرغات دون أن يجده.»
صادفنا جمعًا كبيرًا من الناس ينزلون الجادّة، فدُرنا حولهم قبل أن يستطيع كاكزايل أن يُجيبني:
«أصغِ يا فتى. لا تُعلّق آمالك. يقول الغنوم إنّه مُنهَكٌ بعد تجاربَ لا تُحصى، واقترحت عليه زوريا وزالِن أن يأخذ… إجازة. وأظنّ ذلك أفضل للجميع. يقول ديسّاري إنّه لا يستطيع أن يُفكّر بوضوحٍ مع كلّ هذا… آه… الضغط.»
صررتُ على أسناني. ضغط، نعم، بالطبع. في الأسابيع الثلاثة التي عشتُها معه، لنقل فحسب إنّني لم أرَه تحت وطأة كثيرٍ من الإجهاد. أيّتها الأمّ الصالحة…
«كلّ ما أحتاج إليه أن أعرف»، تابع كاكزايل، «من هؤلاء الناس الذين ساعدوا في تحرير ديس حقًّا. وأنا أعلم أنّك تعرف من هم لأنّك عشتَ في ذلك البيت أسابيع عدّة.»
وحين لم أُجب، توقّف عند بوّابة عرباتٍ وقال:
«أصغِ يا فتى. لو أسديتُ إليك نصيحةً أخوية، أتأخذ بها؟»
هززتُ كتفيّ في حَيرة واتّكأتُ على الجدار.
«طبيعيّ! فلنسمعها.»
مرّر كاكزايل يده على ضفائره الفوضوية وأعلن:
«حسنًا. إليك ما أقترحه. سأطلب من ديسّاري وايام أن يُواصل صنع السوكواتا لك، وفي المقابل تترك تلك الزمرة من المجرمين إلى الأبد ولا تطأ حيّ القطط ثانيةً. أنا جادّ. هذا خير ما تفعله. لن يعترف بك والدانا ابنًا لهما أبدًا إن علِما… بهذا.»
نظر إليّ بجدّيةٍ وبقلقٍ في آنٍ معًا، كأنّه يخشى أن آخذ كلامه على محمَلٍ سيّئ. لبضع لحظاتٍ لم أقل شيئًا، وراودتني رغبةٌ في الانصراف دون كلمة. وفي النهاية، ولدهشتي أنا نفسي، انفجرتُ ضاحكًا. وكلّما فكّرتُ في اقتراح كاكزايل علا ضحكي، حتى إنّ بعض المارّة رمقوا ظلال المدخل بفضول.
حين هدأت، علّق كاكزايل:
«لم أكن أمزح.» زممتُ شفتيّ، فأضاف: «هيّا. سأُقدّمك. ثمّ أدعك تُفكّر في الأمر، وتأتي لتُخبرني بقرارك. ما رأيك؟»
ارتبكت.
«تُقدّمني؟»
«إلى العائلة»، أوضح كاكزايل.
ومضى صاعدًا في الشارع. لستُ واثقًا ممّا دفعني إلى اتّباعه. الفضول، ربّما. لم نتبادل كلمةً حتى بلغنا شارع الغروب. وكان دكّان الحلّاق قد أُغلق منذ وقتٍ طويل. طرق كاكزايل الباب والتفت إليّ، لعلّه ليتأكّد أنّني لم أفرّ. ومن خلف الستارة المسدلة، رأيتُ نورًا يظهر في الدكّان، وجاء طيفٌ ليفتح الباب.
«مساء الخير يا أبي»، حيّاه كاكزايل بمرح. «كنتم على العشاء، أليس كذلك؟ آسفٌ على المقاطعة. أنَدخل؟»
قطّب الحلّاق، وأومأ وهو يزمّ شفتيه، وتنحّى جانبًا. دعاني كاكزايل إلى الدخول، فدخلتُ دون أن أجرؤ على قول كلمةٍ لأبي المفترض.
«الفتى هو…؟»
لم يُكمل الحلّاق سؤاله، وأومأ كاكزايل وهو يدخل.
«أشيغ»، أكّد.
وبيده شمعة، تفحّصني الحلّاق بحاجبين مقطّبين، ثمّ رمق كاكزايل في ضجر، ولاحظ:
«كان بوسعك أن تُخبرني مسبقًا أنّك ستجلبه.»
كان في صوته شيءٌ من العتاب. شخر كاكزايل.
«بدا لي من الطبيعيّ فحسب أن أجلبه إلى هنا.» ثمّ دفعني نحو الباب في مؤخّرة الدكّان وأضاف بمرح: «أهنا العريس؟»
لم ينتظر جواب الحلّاق، بل فتح الباب، فدخلنا توًّا إلى غرفة طعامٍ بسيطةٍ فيها طاولةٌ كبيرة ومقاعد مُرتجَلةٌ إلى حدٍّ ما. كانت كلّها مشغولةً تقريبًا، وانشغلتُ بتأمّل الجالسين هناك بينما هتف كاكزايل:
«مرحبًا يا عائلة! مساء الخير يا أمّي. سكيلروغ، كيف يسير حفل العزوبيّة؟»
ربّت في ودٍّ على شابٍّ كان أضأل منه بكثير. ابتسم سكيلروغ وأجاب بصوتٍ هادئٍ سعيد:
«على ما يُرام، شكرًا لك.»
عددتُهم. كانوا ثمانية. زِد عليهم امرأةً جالسةً في صدر الطاولة، ناداها كاكزايل «أمّي». كلّهم ذوو بشرةٍ سمراء مثلي وشعرٍ أسود. أمّا أن نبلغ حدّ القول إنّهم عائلتي حقًّا… حسنًا، ولمَ لا؟
كان قدوم كاكزايل قد أثار صيحاتٍ متحمّسةً من الصغار. كان بيّنًا أنّهم يُحبّون الأخ الأكبر الذي لم يعرفوه إلّا منذ أقمارٍ قليلة. وإن ظهر أمامهم أخٌ آخر، فلعلّهم يُسرّون أيضًا، فكّرت. ووجدتُني أتخيّل نفسي جالسًا بين هؤلاء الناس، ولأوّل مرّةٍ في حياتي صارت لديّ فكرةٌ أوضح قليلًا عن شكل العائلة عند الناس «العاديّين». غير أنّني أدركتُ على الفور أنّني لا أنتمي إلى هنا.
«ميلي، نات، هلّا سكتّما؟» أشارت الأمّ إلى اثنين من الصغار. وكان صوتها، على خفوته، يبدو آمِرًا، ففرض الصمت في الحال. ولمّا عاد الهدوء، رمقت ابنها البكر بنظرةٍ محرَجة. «كاكزايل. من هذا الفتى؟»
ابتسم الملتحي، ودار حول الطاولة من جديد، وأشار نحوي مُعلنًا كأنّه يوشك أن يُقدّم جائزة:
«ابنُكِ يا أمّي. أشيغ مالاكسالرا.»
وفي وجه النظرات الفضولية من آل مالاكسالرا، تكلّفتُ ابتسامةً محرَجة وقلت:
«أيو.»
ورمقتُ كاكزايل كأنّني أسأل: أيمكنني الذهاب الآن؟ كان الحلّاق على بُعد خطوةٍ واحدة منّي، وكنتُ متوتّرًا. تنهّد وقال:
«أيمكننا أن نتحدّث لحظةً يا كاكزايل؟ على انفراد؟»
لم يكن قد أنهى سؤاله حتى كان متّجهًا إلى بابٍ ما. بدا كاكزايل صبورًا، وقال وهو يمرّ بي:
«لا تقلق.»
قوّستُ حاجبًا في لامبالاةٍ كأنّني أقول: «بفّ، لستُ قلقًا البتّة.» ومع ذلك، أدركتُ أنّ حضوري ليس مرحَّبًا به كثيرًا. نهضت الأمّ واقفةً، وبعد أن رمقتني في تردّد، اختفت هي الأخرى في الغرفة المجاورة بخطوةٍ سريعة. أُغلق الباب. وخيّم صمتٌ مُحرِج في غرفة الطعام بينما كان الحديث المحتدم خلف الباب مسموعًا. تبيّنتُ كلمات: «سجن»، «لصّ»، «فرصة»… وتحت النظرات الفضولية من إخوتي، بلغتُ حدًّا قلتُ فيه لنفسي: «ما الذي أفعله هنا، تبًّا للجحيم؟»
وفجأةً نهض سكيلروغ، ذاك الذي كان سيتزوّج في اليوم التالي، وقال لي برفق:
«أتودّ أن تجلس؟»
نظرتُ إليه في دهشة.
«لا.»
زمّ سكيلروغ شفتيه متفهّمًا وعلّق:
«أخبرني كاكزايل أنّك تعمل رسولًا في السنونو.» أومأت، فتابع في لطف: «عندي تلميذٌ يعمل في المراكز بعد الظهر. مع عملٍ كهذا، عليك أن تبقى في لياقةٍ جيّدة، هذا مؤكّد. أظنّ أنّك ما دمتَ رسولًا فلا بدّ أنّك تُحسن القراءة.»
«الجولة الميتة»، أجبت. ونظرتُ إليه بفضول. «أأنت معلّم مدرسة؟»
ابتسم وعاد إلى الجلوس.
«هذا صحيح. أعمل في مدرسة الممرّ في حيّ تارميل الأسفل منذ سنتين. تمامًا إلى جوار معمل الزجاج حيث يعمل سكريندوار»، لاحظ مُشيرًا إلى أخٍ لا بدّ أنّه في سنّ يال. «أواثقٌ أنّك لا تريد الجلوس؟»
في تلك اللحظة، سمعنا الحلّاق يرفع صوته، ومع أنّني لم أتبيّن ما يقول، فقد رسّخ ذلك قناعتي بأنّ حضوري، وهو أبعد ما يكون عن أن يكون مُرحَّبًا به، يخلق نزاعًا لم أُرِده قطّ.
«لا تقلق»، طمأنني فتًى. «أبي يغضب أحيانًا، لكنّ ذلك لا يدوم طويلًا أبدًا.»
عرفته. كان سامفين، ذاك الذي أعاد إليّ الإيصال الموقَّع قبل يومين. ورغم نظرته الصادقة العطوف، لم أستطع إلّا أن أشعر بضيقٍ متزايد، وإذ سمعتُ نبرة الأمّ المتضايقة في الغرفة المجاورة، تراجعتُ دون وعيٍ نحو الباب المُفضي إلى الدكّان.
«مهلًا، إلى أين أنت ذاهب؟» احتجّ سكيلروغ.
هززتُ كتفيّ.
«حسنًا… أنا ذاهب. أتعلم، أعني، رعودٌ! لم آتِ إلّا لأُلقي نظرة. لستُ هنا لأُثير المتاعب. فأنا ذاهب. وكما يقولون: الدم الفاسد لا يُصلح بساطًا. أيو.»
في تلك اللحظة، سقطت الطفلة الصغيرة، ذات السادسة تقريبًا، وهي بلا شكّ تلك التي تُدعى ميلي، عن كرسيّها بجَلَبة، وبعد أن مددتُ عنقي ورأيتُ أنّها لم تتأذَّ، اغتنمتُ الانشغال لأبتعد مسرعًا نحو باب الخروج. فتحتُ المزلاج.
«أشيغ!» ناداني سكيلروغ في ضيق. «أرجوك انتظر.»
لم أنتظر. خرجتُ، ولم أنسَ أن أُغلق الباب خلفي بأدب، وكدتُ أفرّ راكضًا، خشية أن يُحاول إخوتي إقناعي بالعودة، وهو ما كان سيذهب سُدًى على أيّ حال. رأيتُ العائلة كلّها، وارتوى فضولي في الوقت الراهن. لم أُرِد أن أبقى وأنتظر حتى يطردني الحلّاق أو سيّدته بأنفسهم لأنّني غواكٌ سيّئ أو ما شابه. والحقيقة أنّه حتى تلك اللحظة، لم يخطر ببالي قطّ أنّه يمكن أن أعيش معهم. لم يخطر حتى رأيتُ سكيلروغ وسامفين بهذا اللطف. لم يخطر حتى رأيتُ إخوتي وأخواتي جميعًا ينظرون إليّ بفضولٍ غير مستور.
وبدل أن أعود إلى نُزُل فيربانك، دخلتُ حيّ القطط ومشيتُ أركل حجرًا على امتداد شارعٍ، غارقًا في التفكير. ثمّ قلتُ أخيرًا بصوتٍ عالٍ:
«الغواك غواك يا مور إلدال.»
وإذ اقتنعتُ هكذا أمام هذه الحقيقة العظيمة، ركلتُ الحجر ففقدتُ أثره في الظلام؛ ودسستُ يديّ في جيبَي معطفي وواصلتُ المسير.
ولمّا بلغتُ الساحة الرمادية، كانت أفكاري قد عادت إلى حكاية الخيميائيّ و«إجازته». ماذا لو ذهبتُ إلى الغنوم وطلبتُ منه أن يبذل جهدًا ليُواصل البحث عن العلاج؟
«نعم، بالطبع، وكأنّه سيُصغي إليّ»، تمتمتُ ساخرًا.
وإن رفض، فماذا أفعل؟ أأخطفه ربّما؟ ثمّ تخيّلتُ الغنوم وقد أفزعته عصابةٌ من الغواكات الغاضبين، فيُعطينا جميعًا سُمًّا ليتخلّص منّا، ورأيتُه يبتسم في أسًى فوق قبورنا قائلًا: وداعًا أيّتها السوكواتا الملعونة… هززتُ رأسي. كان خيالي مُرعبًا.
وكذلك كان حسّي بالاتّجاه. تباطأتُ فجأةً حين أدركتُ أنّني متّجهٌ إلى النُّزُل. ومع ذلك لم أتوقّف. انعطفتُ إلى شارع العظام ودلفتُ إلى الزقاق المسدود. رفعتُ بصري إلى الباب الذي كان بالكاد يُرى في عتمة الممرّ. مددتُ يدي ولمستُ الخشب. وقفتُ هناك بعض الوقت، وكدتُ أستدير وأمضي، حين سمعتُ فجأةً صيحةً مكتومة، وانفتح الباب بعنف.
«ما عرفتُ قطّ رجلًا أشدّ إسطرباغيّةً منك!»
نظرتُ بعينين متّسعتين إلى وجه سلا الغاضب، وأنا أرمش في مواجهة الضوء. مرّت الإلفة المظلمة بجانبي وشعرها الأحمر مُنكوش، وشخرت كأنّها تُحاول أن تهدأ.
«أيو يا شيور*. لنأمل أن تقدر على إعادة عقل القطّ الأسود إليه. على ما يبدو، فقده يوم تناول ذلك العلاج اللعين. سألوي عنق ذلك الخيميائيّ الآن حالًا، أينما كان.»
«سلا، لا يمكن أن تكوني جادّة!» احتجّ صوت ييرّيس في الداخل. لمحتُه جالسًا أمام الطاولة، يبدو تائهًا كما في المرّة الأخيرة.
لم تتنازل سلا بالجواب. أمالت قبّعتي، ناظرةً إليّ بتعبيرٍ بدا كأنّه يقول: «أنا وأنت نعلم أنّ في رأس القطّ الأسود بُرغيًّا مفكوكًا»، ومضت. وبعد لحظة تردّد، دخلتُ الغرفة.
«د-درائن؟» سأل ييرّيس في قلق.
أغلقتُ الباب وسألت:
«أأنت وحدك؟»
تنهّد نصف القزم.
«كنتُ وحدي تمامًا حتى جاءت سلا تُوبّخني. تُوبّخني كثيرًا في الآونة الأخيرة. لا يُعجبها أنّني تطوّعت.»
عضضتُ شفتي، وسِرتُ وجلستُ إلى الطاولة. كانت نار المدفأة تُضيء الغرفة كلّها.
«أين رولغ؟»
«هه؟ آه، في غرفته. ذلك العجوز ينام أبكرَ فأبكر.»
قطّبتُ في قلق، وأمَلتُ ألّا يكون رولغ قد انتكس. ثمّ أخرجتُ الهارمونيكا من جيبي على الفور ووضعتُها على الطاولة.
«إنّها لك أيّها القطّ الأسود.»
قوّس ييرّيس حاجبيه وتحسّس الطاولة حتى وجد الآلة. ارتسم على وجهه تعبير عدم تصديقٍ ودهشة، ثمّ أخيرًا ابتسامةٌ عريضة.
«لا أُصدّق! أهذه هديّة؟»
ابتسمت.
«نعم. كي لا تملّ إلى هذا الحدّ. اسمع، الأمر فقط أنّك تبدو جالسًا هنا طوال اليوم لا تفعل شيئًا.»
ضحك ييرّيس وهو يُقلّب الهارمونيكا في يديه مرارًا.
«واو. شكرًا يا شيور.» وابتسم، ورفع الهارمونيكا إلى شفتيه وعزف نغمةً قبل أن يُبعد الآلة ببطء. «أسمعتَ بخبر الخيميائيّ؟»
تجهّم وجهي.
«أسمع ماذا؟»
تردّد ييرّيس.
«أوف. سيروقك هذا. ذلك المجنون فرّ من البيت وجماعةٌ من الأصدقاء يبحثون عنه. تقول سلا إنّه ترك علاج عينيّ في بيت أتويرثو مع رسالةٍ يقول فيها إنّه لم ينسَ السوكواتيين. لهذا بلغت سلا هذه الحال»، شرح مُتنحنحًا. «تظنّ أنّ الخيميائيّ يعبث بنا، وأنّه في الحقيقة فرّ من الصخرة.» تنهّد. «وكورثر يقول نعم، نعم، إنّه سيُحاول أن يُكلّمه إن وجده، لكن لديه شؤونه الخاصّة، ولنقل فحسب إنّه يُهملنا قليلًا، أتفهم. لا أدري ما الذي ينويه بتلك الحكاية عن…»
صمت، وارتخت ملامح وجهه الحالك سوادَ الليل. قلقت.
«تلك الحكاية عن ماذا؟ ييرّيس؟ ييرّيس، أأنت بخير؟»
لكنّ القطّ الأسود ظلّ كأنّه مشلول ولم يُجبني. مال رأسه ببطء، فهززتُ كتفه، وأنا أزداد خوفًا فأكثر.
«ييرّيس!» صحت.
هززتُه بعنفٍ أشدّ، وأخيرًا رمش نصف القزم وتلعثم:
«م-ماذا؟ ما الذي يجري؟»
ابتلعتُ ريقي.
«لا شيء. لا شيء يجري.»
«شيور؟»
تنفّس شهيقًا وزفيرًا مرّاتٍ عدّة، وأظنّه فهم ما حدث للتوّ. سألتُ في خجل:
«أيحدث لك هذا كثيرًا؟»
شدّ القطّ الأسود قبضته على الهارمونيكا أكثر. كانت يداه ترتعشان. لم يُجب؛ اكتفى برفع الآلة إلى شفتيه وشرع يعزف لحنًا هادئًا.
تنهّدتُ ونهضت. أردتُ أن أذهب، لا لأنّني أردتُ أن أترك القطّ الأسود وحده، لا، بل لأنّني لم أُرِد أن أُصادف كورثر. ولا سيّما الآن وقد عرفتُ أنّه غير مستعدٍّ لإضاعة الوقت على قضيّة الخيميائيّ.
ذهبتُ إلى نار المدفأة، وأضفتُ قُطعة حطبٍ، وحرّكتُ الجمر، غير جريءٍ على مقاطعة ييرّيس لأقول أيو. وأخيرًا جلستُ من جديد، ورأسي بين ذراعيّ المطويّتين، أُصغي إلى اللحن المتداخل مع طقطقة النار. كان القطّ الأسود يعزف جيّدًا. لم أعرف أين تعلّم العزف، لكنّه كان يعزف جيّدًا.
وإذ هدهدتني الموسيقى وداعبتني موجاتُ الحرارة اللطيفة المنبعثة من النار، غفوتُ أخيرًا.
* ديسّاري: لقبُ مخاطبةٍ للخيميائي، بمعنى «المعلّم» تقريبًا.
* شيور: لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، أقرب إلى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion