Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 44
كنتُ أسمع أصواتًا هادئةً من حولي. كان النعاس يثقلني حتى ما عدتُ أدري أحالمٌ أنا أم يقظان. ثم شعرتُ بيدٍ تهزّ كتفي، فأطلقتُ أنينًا ناعسًا.
«هيّااا، انهض»، قال صوتٌ وادع.
كان صوت آب. جذبني ذراعُه القويّة بعيدًا عن الطاولة، فاعتدلتُ في كرسيّي وفركتُ عينيّ، وقد أعماني ضوء النار التي ما زالت تتوهّج في المدفأة. رأيتُ هيئةً جالسةً في كرسيّ كاب الخناجر السوداء، و… استيقظتُ فجأة. تبًّا للجحيم. كنتُ قد غفوت، والآن… أين ييرّيس بحقّ الجحيم؟ بحثتُ عنه فرأيتُه مستلقيًا على مقعده، نائمًا على ما يبدو. ثم رأيتُ وجه أبيريل المُلثَّم. كانت عيناه تبتسمان لي. أمّا كورثر، فلم يكن يبتسم.
دون أن ينبس بكلمة، ثنى الكاب أصابع إحدى يديه داعيًا إيّاي إلى الاقتراب. نهضت، وبينما كنتُ أخطو نحوه بضع خطوات، فكّرتُ أن أقول له إنني آسفٌ جدًّا على تلك الليلة في الأخاديد، وإنّ، لا أدري، وإنّ روحًا قد تلبّستني أو ما شابه، لكنّني بالطبع لم أقل شيئًا، لأنني خشيتُ أن أرتكب حماقةً أخرى. وحين توقّفتُ أمامه والتقت عيناي بعينيه الزاحفتين البنفسجيّتين، رأيتُ الصمت يطول وتوتّري يتصاعد. بلّلتُ شفتيّ، وشهقتُ، وزفرت، وفتّشتُ في وجه كورثر بلهفةٍ عن أيّ إشارةٍ إلى أنه قد سامحني، فلم أجد شيئًا. كان ينتظر أن أعتذر. وكنتُ عاجزًا عن ذلك. وبدلًا من ذلك، امتلأت عيناي بالدموع وأخذت تنهمر غزيرةً على خدّيّ.
أطلق كورثر نخرةً خافتة.
«هذا كلّ ما كان ينقصنا. أعجزتَ عن قول ”أنا آسف“ يا فتى؟»
أجهشتُ وتحشرجتُ:
«أ-أنا آ-آسف.»
تقبّل الإلفوكان اعتذاري بنظرةٍ راضية.
«جيّد. هذه خطوةٌ أولى طيّبة. كفّ عن البكاء يا ولد. دموعك لن تجعل منك خنجرًا أسودَ أفضل.»
نظر إليّ بابتسامةٍ صغيرة، داعيًا إيّاي إلى التهدئة، لكنّني كنتُ قد انطلقتُ ولم أستطع التوقّف. ولمّا رأى ذلك، محا الابتسامة عن وجهه والتفت إلى أبيريل بتعبيرٍ ضجِر.
«أينبغي أن أهزّه أو ما شابه؟»
أطلق آب ضحكةً مكتومة.
«أنت الكاب. يُفترض بك أن تعرف كيف تتعامل مع ساريّيك.»
زمّ كورثر شفتيه وربَت على كتفي بحرجٍ، متمتمًا:
«إن كنتَ تظنّ أنك ستُنسيني حيلتك الخبيثة بدموعك، فأنت مخطئٌ يا فتى. ولن أواسيَك كما لو كنتُ أمّك أيضًا. آه، هيّا الآن. تمالك نفسك يا ولد.»
أخيرًا، بذلتُ جهدًا وهدّأتُ نفسي. مسحتُ أنفي بمعطفي، فارتسمت على وجه الكاب أمارةُ اشمئزاز.
«أنت الأناقة بعينها يا فتى. قل لي، أجئتَ إلى النُّزُل لسببٍ خاصّ؟»
وقد خجلتُ بعض الشيء من أدائي، هززتُ كتفيّ وأنا أستنشق بحدّة.
«نعم. حسنًا. أظنّ ذلك. يابير وشوكينوري في إستِرغات. رأيتُهما في حيّ القطط.»
ابتسم كورثر، واتّسعت ابتسامته. رمق أبيريل بنظرةٍ قبل أن يقول:
«أحقًّا يا فتى؟»
«نعم»، قلت. «طاردني الذئب مرّةً أخرى. في المتاهة.»
«أوّل أمس»، حدّد كورثر.
أومأتُ ثم تجمّدتُ، محدّقًا في عينيه.
«كيف تـ…؟»
«لن تصدّق هذا»، ابتسم الكاب. «كان الجوفيّون يبحثون عمّن يستطيع اقتحام مكانٍ بالغ الحراسة، وفي بحثهم… عثروا على خنجرٍ أسود. يابير عالِمٌ ويتكلّم الأورامية بإتقان. أمّا الدريونسانية عنده فمريعة. لكنّها مفهومة. وشوكينوري، في المقابل، لا يفهم كلمةً واحدة. على ما يبدو أنه أشبه بحارسه الشخصيّ. غير أنّ كليهما هوبيت، ولنقُل إنّ مظهرهما لا يفرض هيبةً كبيرة»، مازح ضاحكًا. «حسنًا، كما ترى، العمل يسير على ما يُرام. من المؤسف أنّنا فقدنا، أنا وأنت، ثقتنا المتبادلة، وإلّا لكنتُ قد أسندتُ إليك مهمّةً بالغة الأهمّية.»
نظرتُ إليه عاجزًا عن الكلام. رمقني كورثر ساخرًا، وقال وهو يحكّ لحيته:
«هكذا هي الحياة يا فتى. كيف حال ييرّيس؟»
ومن الغريب أنه كان يسأل آب. انحنى آب فوق القطّ الأسود وتحسّس عنقه، كأنه يبحث عن نبض. عندئذٍ فقط لاحظتُ القارورة الفارغة على الطاولة إلى جانب الهارمونيكا… قارورةٌ فارغة، كرّرتُ في نفسي، وقد انتابني الفزع فجأة. أيمكن أن…؟ أخذتُ نفسًا عميقًا وسألت:
«أهذه هي الجرعة؟»
«أجل»، أكّد أبيريل. «تركها ديسّاري* وايام في البيت فعلًا قبل أن يرحل مع ذينك التوأمين الغريبين والرجال الضخام.» أشار إشارةً مبهمةً نحو ييرّيس وأضاف وهو ينهض: «حتى الآن لا تعتريه تشنّجاتٌ كالمرّة الماضية. عسى أن تنفع الجرعة.»
جلس الخنجر الأسود الشابّ في كرسيّ، وبينما يفعل، التقط الهارمونيكا وأخذ يتفحّصها بفضول. قطّبتُ وكدتُ أقول له ألّا يلمسها، وأنها للقطّ الأسود، لكنّني، بما كنتُ فيه من توتّر، عضضتُ على لساني. وبينما راح أبيريل يتأرجح على مقعده ويسند حذاءيه إلى الطاولة، استأنف الكاب:
«حسنًا، ما الأمر يا فتى؟ إن كنتَ قد جئتَ إلى النُّزُل، فأحسبك جئتَ بنيّة نيل صفحي، وأن تسلك من الآن فصاعدًا سلوك خنجرٍ أسود لا سلوك جبانٍ مُخاطيٍّ فارّ.»
شعرتُ بوجهي يشحب ونظرتُ إليه بحذر.
«نعم يا سيّدي. لكنّ الخيميائيّ…»
بلّلتُ شفتيّ وصمتّ، فرفع كورثر حاجبًا.
«ما خطب الخيميائيّ يا فتى؟»
ابتلعتُ ريقي.
«حسنًا… لقد رحل.»
هزّ كورثر كتفيه.
«أعلم. يقول في رسالته إنه سيبذل كلّ ما بوسعه ليجد علاجًا للسوكواتيين. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ لن تنال شيئًا بمطاردته وتهديده. دَعِ الأمر وشأنه. انظر إلى أبيريل: انتظر خمس سنواتٍ قبل أن يجد علاجًا لعدم استقرار طاقته.»
رفعتُ حاجبًا. عدم استقرار الطاقة؟ آب؟ وأمام نظرتي المندهشة، زمّ أبيريل شفتيه بابتسامة، وترك الهارمونيكا على الطاولة، وأعلن بمرح:
«هذا الغنوم أفضل خيميائيّ في بروسباتيرّا. صدّقني يا صغير: حاولتُ إقناعه بالبقاء والعمل معنا. لقد صنع لنا منتجاتٍ بارعةً إلى أبعد حدّ… لكنه، للأسف، رفض. ”أنا، ديسّاري وايام، لن أتعاون مع حفنة مجرمين مرّةً أخرى أبدًا“»، اقتبس ساخرًا رافعًا سبّابته. وتنهّد: «وبعد كلّ ما أحسنّا معاملته…»
«مممف. عامِلِ الشحّاذ معاملة الأمير ينسَ حتى اسمك»، نطق كورثر. وقعت عيناه عليّ فتلألأتا بوهج النار في المدفأة. «قل لي يا فتى. أتُسدي إليّ معروفًا؟»
فتحتُ عينيّ على وسعهما. معروف! أومأتُ متلهّفًا مترقّبًا.
«حسنًا، طبيعيّ! أيّ معروف؟»
نظر إليّ الكاب لحظةً قبل أن يبتسم.
«اخرج من هنا.»
هوى قلبي. أومأتُ ثانيةً في توتّر، وتراجعتُ نحو باب الخروج، وأنا أختلس نظرةً إلى جسد ييرّيس الساكن.
«تـ-تمشي»، تلعثمت. أزحتُ المزلاج، وجذبتُ المقبض، فجعلني بردُ الخارج أجفل. «أيو»، تمتمت.
لم ينظر إليّ كورثر. لكن، في اللحظة التي كدتُ أُغلق فيها الباب، رأيتُه يقطّب، وفي تعبيره خيبةٌ خفيفة. أكان يتوقّع منّي ردّ فعلٍ مختلفًا؟ أن أطلب منه ربّما أن يثق بي ويمنحني فرصةً ثانيةً لإتمام تلك المهمّة التي كانت بالغة الأهمّية لشوكينوري ويابير؟ لكن، بجدّية، لماذا؟ ليَنقضّ عليّ ذئب أولئك الجوفيّين من جديد؟ الأمّ الصالحة. أنّني لم أشأ أن أصادف ذلك الوحش مرّةً أخرى لا يعني أنني جبانٌ مُخاطيّ… أليس كذلك؟
تردّدتُ بضع ثوانٍ أمام الباب المغلق، ثم أدرتُ له ظهري ومضيتُ مبتعدًا في شارع العظام. وبعد حين، أدركتُ أنني متّجهٌ إلى النهر الخجول لا إلى نُزُل فيربانك. وأدركتُ أيضًا أنني لستُ على ما يُرام. عرفتُ الأعراض: وخزٌ مزعجٌ في عينيّ، وخدَرٌ في يديّ، وضيقٌ عامّ لن يلبث أن يشتدّ…
«تبًّا للجحيم»، زمجرت.
من حيث المبدأ، كان يُفترض بمفعول السوكواتا أن يدوم يومين آخرين على الأقلّ…
توقّفتُ في وسط شارعٍ مقفِر، وأمسكتُ رأسي بين يديّ.
حسنًا، ماذا أفعل الآن؟ لم أكن أدري إن كان الخيميائيّ قد ترك مؤونةً من السوكواتا، لكنّ ذلك وارد. غير أنني تردّدتُ لأنني لم أرغب البتّة في العودة إلى النُّزُل لطلبها.
واصلتُ السير بلا هدف، محاولًا التفكير. كان بوسعي أن أذهب إلى الروح المرِحة وأطلب من لو بور كاروجا. كنتُ أعلم أنه سيعطيني إيّاها وإن لم يكن لديّ الكثير لأعطيه إيّاه الآن. لكنّني كنتُ أسير في الاتّجاه المعاكس. أَلِأنّني لم أشأ أن أُخيّب ظنّ لو بور؟ ربّما.
ولمّا بلغتُ النهر الخجول، جثوتُ عند خيطٍ من الماء في موضعٍ صخريٍّ غير شديد الخطورة، وغمستُ يديّ في التيّار. ورغم برد هواء الليل، كان الماء دافئًا. شربتُ وتمتمتُ بصوتٍ واهن:
«ماذا تفعل يا مور إلدال؟ ماذا تفعل بحقّ الجحيم؟»
كان عليّ أن أتحرّك. فكّرتُ في رفاقي وفي روغان. لقد تناولوا السوكواتا بعدي ببضعة أيّام، ولعلّهم جميعًا بخير. على الأقلّ، كان ذلك شيئًا.
نهضتُ بشيءٍ من العناء، وسرتُ مرتجفًا من رأسي إلى قدميّ عائدًا في الشارع الذي يحاذي النهر الخجول حتى نهر إستِرغات. شعرتُ كأنّني قد استحلتُ روحًا عرجاء تهيم في إستِرغات بلا هدف. كنتُ أمضي قُدُمًا، ولا أدري حقًّا إلى أين. وفجأةً بلغتُ درجًا، لكنّني لم أره فانزلقت. سقطتُ متدحرجًا، ولا بدّ أنّ أرواح حسن الطالع كانت في صفّي، إذ نجوتُ حيًّا بأعجوبة، عدا الرضوض التي عمّت جسدي كلّه. ولمّا وصلتُ إلى الأسفل، أخرجتُ كلّ الهواء من رئتيّ مع:
«إسطرباغ.»
اعتدلتُ بجهد، ورأيتُ هيئتين قد توقّفتا قربي وانحنتا تلتقطان… نقودًا. نقودي أنا.
«أيها الأوغاد، لتُصفَّوا…» تمتمتُ بصوتٍ خفيض.
نهضت، والحقّ أنني لم أكن واثقًا من نيّاتي، لكنّني على أيّ حالٍ لم أستطع تنفيذها، لأنّ أحد المنتهزين التفت في تلك اللحظة ودفعني. لم يدفعني بقوّةٍ كبيرة، لكن بما يكفي لإسقاطي أرضًا من جديد، بالحال التي كنتُ فيها. ضحك اللصّ.
«جحيم، الفتى ثملٌ حتى النخاع. لا أصدّق أنه لم يمت بعد سقطةٍ كهذه.»
«الأرواح تحمي السكران والطفل»، أجاب رفيقه. «هيّا، لا تتلكّأ.»
وسرعان ما كففتُ عن سماع وقع خطاهما واعتدلتُ من جديد. ذهبتُ ألتقط قبّعتي التي كانت قد سقطت، ومضيتُ مترنّحًا في الشارع. وبعد دهرٍ، بلغتُ، على ما أظنّ، الشارع الذي يعلو الميدان مباشرةً ويحدّ أخفض أجزاء حيّ القطط. سرتُ فيه ببطءٍ حتى رأيتُ هيئتين جالستين على عتبة بيتٍ خرِبٍ يكسوه اللبلاب. كانتا بالكاد مرئيّتين في الظلمة، لكنّ حدسي أخبرني أنهما من عصابة السريع. ألم يقل لي الغطّاس إنهم انتقلوا مؤخّرًا إلى بيتٍ خرِبٍ ذي إطلالةٍ بديعةٍ على الميدان؟ ودون تفكيرٍ كثير، اقتربت، محاولًا ضبط ارتجافي. وأخيرًا توقّفت، فنهض الغواكان.
«من أنت؟» سأل أحدهما بفضول.
أجبتُ بصوتٍ متّزن:
«الحاذق. أهنا السريع؟»
سمعتُهما يتهامسان، وأخيرًا قال أحدهما:
«إنه هنا. لكنّك لا توقظه في منتصف الداركمانز. سيثور ثورةً عارمةً إن فعلت.»
هززتُ كتفيّ وعبرتُ العتبة دون أن يمنعاني. كان جزءٌ من الداخل المتهدّم مسقوفًا بسقفٍ نصف مكتملٍ من الألواح والمشمّعات. وتحته أشكالٌ متكوّمة. توقّفتُ أحدّق فيها. لا أدري كم وقفتُ هناك بلا فعل، لكنّني أخيرًا فتحتُ فمي لأطلب النجدة… وقبل أن يخرج صوتٌ من حلقي، انهرت.
سقطتُ على أحدهم فأطلق شتيمة. ثم سمعتُ أصواتًا مضطربة، وشعرتُ بأيدٍ تقلبني لأستلقي على ظهري. كان الظلام شديدًا، ولم أستطع التعرّف على الهيئة التي ربتت على خدّي وقالت:
«افتح فمك يا شيور*. رعودٌ! افتحه وامضغ هذا.»
أطعت، وإن كان ذهني قد لاحظ أنّ هذا الغواك لا يعطيني حبّة الكاروجا المعتادة، بل شيئًا على هيئة ساق. ابتلعت.
«جحيم، هيّا، امضغ. وإلّا لم يكن مفعولها بالقوّة نفسها. خذ. هذه المرّة، امضغها فعلًا.»
أخذتُ الساق الثانية ومضغت. وبصورةٍ لا تُصدَّق، خفّ الألم تدريجيًّا. وحين تعرّفتُ أخيرًا على صوت مُنقِذي، تقبّض وجهي. كان سيرديو. أطلقتُ نخرة.
«ما… هذا الشيء؟»
«أسوفلا»، أجاب صوتٌ آخر. كان الغطّاس. «لا تقلق، أتناولها منذ ثلاثة أيّام وما زلتُ حيًّا. يقول الناس إنها سامّة، أعلم، لكن لا يبدو أنها تؤثّر في السوكواتيين التأثير نفسه. هذا ما أظنّه على الأقلّ. ومن محاسن الأسوفلا أنها تنبت في كلّ مكان. والآن، ما الذي جاء بك إلى هنا بحقّ الجحيم يا حاذق؟»
اعتدلتُ في جلستي وواصلتُ مضغ الأسوفلا. كان طعمها مرًّا. أسوفلا، كرّرتُ في نفسي غير مصدّق. كنتُ أعرف ما هي: نبتةٌ سوداء تنبت كالعشب الطفيليّ قرب النهر وعلى جانبَي الدروب. في أحد أيّامي الأولى في إستِرغات، ضبطني ييرّيس أقتلع واحدةً منها وكاد يميتني رعبًا حين صرخ: «اترك ذلك يا شيور، إنها يد الشيطان!».
عضضتُ شفتي وهززتُ كتفيّ. يد الشيطان أو لا، لقد أعادتني لتوّها إلى الحياة. وكان ذلك خبرًا رائعًا. أكثر من رائع. لأنه كان يعني: وداعًا للسوكواتا، ووداعًا للكاروجا… ووداعًا للخيميائيّ!
وأخيرًا شرحت:
«يقول الخيميائيّ إنه سيواصل البحث عن العلاج، لكنّه فرّ، ولا أدري أين هو.»
ساد صمت. ثم صفر سيرديو:
«أضعتَ الخيميائيّ؟»
وعلى الفور، شعرتُ بالأجواء تسخن.
«لقد فرّ»، كرّرت. «لكنه يقول إنّ…»
«إسطرباغ»، قاطع سيرديو. «والقطّ الأسود لا يعرف أين هو أيضًا؟»
«لا. ولا سلا. لقد ذهب الغنوم»، أصررت. «وكورثر لم يعد يريد أن يتعامل مع هذا الأمر…»
«كاب الخناجر السوداء؟» تساءل الغطّاس.
«الجولة الميتة»، أكّدت.
شهقتُ بحدّةٍ حين دفعني سيرديو إلى الأسفل، مُطلقًا نخرة امتعاض. وكلّما مضغتُ أكثر، خفّ حريق عينيّ، واشتدّ وجع كلّ عضلةٍ في جسدي… من تلك السقطة الحمقاء على الدَّرَج. نهضتُ وأنا أشعر كأنّ ستوستيلر قد سحقني. ولمّا رآني واقفًا، دفعني سيرديو من جديد، فارتطمتُ بالجدار الخرِب مطلقًا لهاثًا.
تدخّل الغطّاس معترضًا:
«مهلًا يا سيرديو، لا تغضب! ليس هذا ذنب الحاذق. لولا الخناجر السوداء لكان الخيميائيّ ما يزال عند الأوجيساريين، أتذكر؟ ثم من يهتمّ بالخيميائيّ الآن؟ لدينا الأسوفلا. ضَع بعض الماء في نبيذك»، أصرّ.
سكت سيرديو، وأطلق «بَه» من عدم الاكتراث، ومضى بعيدًا دون كلمة. لاحظتُ أنّ غواكاتٍ آخرين قد استيقظوا واقتربوا منّي ليروا ما يجري، لكنّ معظمهم كان ما يزال نائمًا.
«أيها الغطّاس»، قلتُ بصوتٍ خفيض. «إن كنتَ تعرف بأمر الأسوفلا منذ ذلك اليوم… فلماذا لم تخبرني؟»
من صمته القصير، أدركتُ أنه يقطّب في حرج. أجاب:
«كما قلت، كنتُ أُجرّب.» أمسكني من كُمّي وأومأ لنعتزل المكان الذي تنام فيه العصابة. تبعتُه أعرج قليلًا إلى جدارٍ خرِب وهو يقول: «كانت تخمينةً موفّقة. كنتُ هناك في اتّجاه ليسِنتام، وأعلم أنني لن أبلغ إستِرغات حيًّا دون كاروجا، فقلتُ في نفسي: إلى الجحيم بكلّ شيء. ودسستُ حفنةً كبيرةً من الأسوفلا في حلقي. ظننتُ أنني سأموت، لكنّ النبتة أعادتني إلى الحياة. إنها لا تُصلح كلّ شيء»، اعترف. «لكنها تكاد تعادل الكاروجا، ومن محاسنها أنك لا تحتاج إلى أن تقصم ظهرك لتحصل على ساق: إنها تنبت في كلّ مكان! إذن، حُلّت المشكلة. إلى الجحيم بالخيميائيّ.»
ربَت على ظهري ربتةً مرِحةً جعلتني أئنّ من الألم.
«انتبه أيها الشيطان! أنا مهشَّمٌ من كلّ جانب»، احتججتُ وأنا أدلّك كتفي.
«أوه، حقًّا؟» قال الغطّاس مندهشًا. «هل ضربك الخناجر السوداء؟»
نفختُ في ضيق.
«لا، لا، ليس الأمر كذلك. سقطتُ من درجٍ في طريقي إلى هنا.» ضحك الغطّاس غير مصدّق، فأكّدتُ له: «لستُ أكذب. أتألّم في كلّ موضع.»
«حسنًا، عندي علاجٌ للضرب والسقطات، إن شئت. خذ.»
وضع شيئًا مستديرًا في راحة يدي.
«ما هذا؟»
«ما هذا، تسأل؟ لا تقل لي إنك لم تتناول منه قطّ! إنه باسوايت. يقتل الألم، ويُذهِب البرد، ويُنعش الروح. أشبه بالرادراسيا، لكنه لا يورثك خُمارًا. بل إنّ مفعوله أفضل إن كنتَ سوكواتا.»
أطنب الغطّاس في مدحه حتى ابتلعتُ الحلوى دون تردّد، وواصلتُ مضغ ساق الأسوفلا. لم أشعر بأيّ تغيير، لكنّني قلتُ رغم ذلك:
«شكرًا لك.»
استند الغطّاس إلى الجدار.
«عفوًا. على الأقلّ ستكون مرِحًا الليلة على هذا النحو. أما زلتَ تعمل في السنونو؟»
«نعم. وأنت؟»
«أنا؟ صرتُ أقضي وقتي في حانات القطط»، أعلن. «أقوم بالمشاوير. ينبغي أن تفعل مثلي. قضاء النهار في الخارج والبرد قارسٌ مضرٌّ بالصحّة. حسناءُ من الشُّعلة الزرقاء قالت لي ذلك، أتعلم.»
لويتُ فمي في تكشيرة، وأثنيتُ بدوري على عملي:
«حين تركض لا تشعر بالبرد. ليست لديك فكرة كم من الناس أعرف في طريق العجلة وشارع الورد… حسنًا! لو كنتَ تعلم فقط… و…»
ضحكتُ وترنّحت. ساعدني الغطّاس على استعادة توازني والجلوس. كانت نشوةٌ غريبةٌ تتملّكني، وإذ غمرني دفءٌ لذيذ، مضيتُ أثرثر عن السنونو وعن لقاءاتي في العمل. لا أدري بالضبط ماذا قلتُ له. لا شيء متماسكًا كثيرًا، بالتأكيد. وفي أثناء ذلك، شاركني الغطّاس مؤونةً صغيرةً من الأسوفلا تكفيني بضعة أيّام. وفي لحظةٍ ما، انفجرتُ في الغناء فجأة، فكتم رفيقي فمي بيده وهو ينفجر ضاحكًا لئلّا أوقظ الغواكِيّة. وبعد ذلك بوقتٍ طويل، حين بدأ الرفاق الآخرون يتحرّكون في المأوى، كنتُ ما أزال أهذي بلا انقطاع:
«وأقول لك يا صاحبي: يحيا الغواك! قابضو المسامير عندهم الذهب والفضّة، أمّا نحن فعندنا العظام. العظام! يقول معلّمي إنّ ذلك أهمّ شيء. إنه أمرٌ حيويّ.»
«طبيعيّ»، ضحك الغطّاس. سحب دخانًا من سيجار عشبة السموغ ومرّره إليّ.
«طبيعيّ»، كرّرتُ وأنا آخذه. «ثم يا صاحبي، رفاقي يساوون أكثر بكثير من الذهب والفضّة، لأنّ عندهم عظامًا. هذا سهل الفهم جدًّا. أعرفه منذ وقتٍ طويل. أنت تصغي إليّ، صحيح؟»
«منذ وقتٍ طويل»، ردّد الغطّاس باجتهادٍ وهو يكتم تثاؤبًا.
أومأت.
«منذ وقتٍ طويل. عظام. أجل. لهذا يحترم مستحضِرو الموتى الحقيقيّون الحياةَ أكثر من الشياطين: لأنهم يمنحون المورجاس للعظام التي تتحرّك ويأخذونه من التي لا تتحرّك. تفهم، صحيح؟ نحن نقاتل من أجل الحياة حتى فيما وراء الموت. هذا ما قاله معلّمي، وهو صحيح.»
«مم، بالتأكيد»، أكّد الغطّاس. «إذن لديك معلّم؟»
«بالطبع لديّ. لولاه لكنتُ في عداد الموتى. كم أودّ أن أرى جمجمته من جديد. وأن أسمعه يتكلّم. هو من علّمني الغناء. أفتقده»، اعترفت.
ساد صمت. كانت نشوتي السابقة قد استحالت تدريجيًّا مزيجًا من الفتور والكآبة. ثم قال الغطّاس:
«أحيانًا يكون أن تفتقد أحدًا خيرًا من ألّا تفتقد أحدًا.»
ساد صمتٌ آخر، ثم أخذ منّي السيجار ونهض.
«قل لي، بالمناسبة، أتعلم أنّ الفجر قد بزغ؟ أنت تتكلّم أكثر من ببّغاوات القطط يا حاذق. يُستحسن أن تعود إلى بيت ابن عمّك قبل أن يزول مفعول الباسوايت. هكذا لن تتألّم في الطريق. تمشي؟»
«تمشي!» قلت.
نهضت، وبعد دوارٍ خفيف، نجحتُ في الوقوف معتدلًا.
«بالمناسبة أيها الغطّاس»، قلتُ حينها. «إلى أين قلتَ إنّ عليّ أن أذهب؟»
أطلق الغطّاس نخرة.
«إلى بيت ابن عمّك. أو إلى السنونو، ما أدراني.»
«السنونو!» صحت. «بالطبع. أنا ذاهب.»
منحتُه ابتسامةً عريضةً وربتةً ودّيّةً على الظهر، ومضيت. لم أدرك حالتي إدراكًا تامًّا إلّا وأنا في جادّة تارميل بالفعل، وقد تجاوزتُ الراقصات. وإلى جوارها مباشرةً كان شارع الغروب، شارع دكّان الحلّاق، فتوقّفتُ أتأمّله. نظرتُ في الواجهة. كان الدكّان ما يزال مغلقًا.
«لا، ليس دكّان الحلّاق»، قلتُ بصوتٍ عالٍ. تجاهلتُ النظرة الحذرة التي رماني بها عابر سبيل، وقلت: «السنونو. إلى هناك أنا ذاهب.»
كدتُ أستدير حين جعلتني حركةٌ في إحدى نوافذ الطابق الأوّل أرفع بصري. كانت الستائر تتحرّك. وبعد لحظة، ظهر وجه امرأة. عرفتها. كانت الفتاة نفسها، في السادسة عشرة ربّما، التي رأيتُها في اليوم السابق جالسةً إلى مائدة العائلة. التقت عيناي بعينيها، ثم أطلّ سامفين برأسه هو أيضًا. وقفتُ كأنّني مشلول، وتردّدتُ في رفع يدي لأحيّيهما حين أمسكني أحدهم فجأةً من عنقي.
«أتبتعد عن عتبة بيتي أيها الشقيّ؟»
دفعني الرجل جانبًا، وبينما كان يستدير ليُغلق باب بيته، رفعتُ له إصبعي بردّ فعلٍ تلقائيّ، ومضيتُ بمشيةٍ غير مستقيمةٍ كثيرًا. لم أجرؤ على رفع بصري إلى نافذة دكّان الحلّاق مرّةً أخرى. مررتُ بالجادّة لأنظّف وجهي ويديّ، وحين بلغتُ مكتب الرُّسل، كنتُ قد أفقتُ نوعًا ما من مفعول الباسوايت، لكن لهذا السبب عادت كلّ الآلام التي كتمها طوال الليل إلى الظهور. تنهّدت. كنتُ أعلم أنّ الغطّاس لم يخدّرني بنيّةٍ سيّئة، لكنّني الآن شعرتُ بسوءٍ بالغٍ حيال ذلك… وقبل كلّ شيء لأنني خشيتُ أن أكون قد قلتُ أكثر ممّا ينبغي. لقد حدّثتُه عن استحضار الموتى. لماذا بحقّ السماء كلّمتُه عن العظام والمورجاس واستحضار الموتى؟ الشيء الوحيد الذي عزّاني هو أنّ الغطّاس لم يبدُ أنه أعار هذياني اهتمامًا كبيرًا هو الآخر.
دخلتُ المكتب حين دقّت أجراس المعبد الكبير التاسعة. كنتُ متأخّرًا، وأدركتُ من النظرة على وجه دالِم، موظّف المكتب، أنّ المدير يعلم بذلك. تبًّا للجحيم. ألقيتُ «أيو» عامّةً بشيءٍ من التحفّظ، ومررتُ دون توقّف. ذهبتُ لأرتدي الزيّ خلف أحد الحواجز في الممرّ، والأمّ الصالحة، كم عانيتُ لأرتدي السروال… بفضل بشرتي الداكنة قليلًا، لم تكن الرضوض ظاهرةً كثيرًا، لكن رغم ذلك، حسنًا، كانت مرئيّة. وإذ تذكّرتُ السقطة، عجبتُ من جديد أنني ما زلتُ حيًّا. مددتُ يدي إلى قلائدي الثلاث وتحسّستها في رضًى. بحماية نجمة الداغلات، وتميمة أسلافي، وقلادة القِسّ… حتى لو ألقتني الشياطين من أعلى الصخرة، لنجوتُ بلا شكّ!
قلّبتُ عينيّ من أفكاري الجامحة، ومددتُ يدي في معطفي إلى الأسوفلا، وحشوتُها في جيوب زيّي. ابتسمتُ فرحًا، إذ صرتُ الآن، وقد صفا ذهني، أدرك تمام الإدراك ما يعنيه اكتشاف الغطّاس. شعرتُ كأنّني… كأنّني تحرّرتُ من منجم السالبرونيكس مرّةً ثانية. تذكّرتُ شيئًا قاله ييرّيس منذ زمنٍ بعيد، عن أنّ على الغواك أن يكسب قوته وأنّ ليس كلّ شيءٍ يُقدَّم له على طبق، وكان ذلك صحيحًا. لم يحلّ الخيميائيّ أيّ مشكلة: بل حلّها غواك. اتّسعت ابتسامتي وأنا أضع ساق أسوفلا في فمي. تمتمت:
«يحيا الغطّاس.»
جلستُ على الأرض وأنهيتُ انتعال الحذاء. وضعتُ القبّعة رقم اثنين وأربعين، وكنتُ أتحسّس جيوبي بحثًا عن قلمي وأوراقي، حين أطلّ ديرمن من جانب الحاجز.
«يا ولد. المدير يريد رؤيتك.»
نظرتُ مذعورًا إلى تعبير الموظّف، وحين أدار لي ظهره، اغتنمتُ الفرصة لأبصق الأسوفلا؛ احتفظتُ بها في جيبي وتبعتُ ديرمن في الممرّ دون كلمةٍ إلى مكتب المدير. كان الباب مفتوحًا، ورفع المدير، الجالس إلى طاولته، بصره حين أطللتُ برأسي إلى الغرفة.
كان المدير بشريًّا شابًّا نسبيًّا قياسًا إلى منصبه. كان ممتلئًا قصيرًا، ويلبس لبس قابضي المسامير. كان رفاقي في المكتب يرونه رئيسًا طيّبًا. لكن كانت له نزواته. كان يعدّ من الأمور الحيويّة أن نُظهِر، نحن رسل السنونو، صورةً لا تشوبها شائبة تعزيزًا لصورة الشركة، ولذا وعد بمكافآتٍ لمن يقترب أكثر من نموذجه عن «الرسول المثاليّ»، وهو في نظره فتًى نظيفٌ نشيطٌ خدومٌ كتومٌ و… دقيقٌ في مواعيده. نظرتُ في عينيه الخضراوين وخُيّل إليّ أنني أرى فيهما رسالةً واضحة: أنت مطرود.
وعملًا بنصيحة يُم في كيفيّة استرضاء رئيسٍ منزعج، خلعتُ قبّعتي باحترام، ودخلتُ المكتب، وسألتُ بنبرةٍ مهنيّة:
«هل استدعيتني يا سيّدي؟»
«درائن هيلِمبلرت»، قال بجفاء. أسند ظهره إلى كرسيّه وحدّق فيّ بحدّة. «تأخّرتَ ساعةً عن العمل، وزيادةً في الطين بلّة، وجهك مليءٌ بالرضوض… كان سلوكك حتى الآن على أفضل ما يُرام. آمل ألّا يتكرّر هذا.»
رمشت. الأمّ الصالحة، إنه لا يطردني! كتمتُ ابتسامةً بصعوبة، وقفزتُ في داخلي من الارتياح، وحاولتُ أن أتّخذ هيئةً آسفة.
«المعذرة يا سيّدي. في الحقيقة…»
«لا أريد أن أسمع عن الأمر»، قاطعني المدير. وأمام تعبيره الخائب الواضح، خفضتُ بصري ورأيتُ من الحكمة أن ألزم الصمت. وبعد صمت، أضاف: «خطؤك مسجَّل، ولن أنساه. ديرمن! أعطِ الفتى شيئًا من المرهم ودَعْه يُصلح وجهه قليلًا. ثم إلى العمل. بالعمل وحده يكسب المرء خبزه بشرف. أليس كذلك يا درائن هيلِمبلرت؟»
«نعم يا سيّدي»، قلتُ بهيئة المقتنع.
صار تعبير المدير أكثر ودًّا. أطلق سراحي، فغادرتُ المكتب وأنا أزفر بهدوءٍ لأُتمّ تهدئة نفسي. وبلطف، ساعدني ديرمن على تغطية الخدوش والرضوض بمرهم. لم يسألني كيف أصبتُ بها، ولم أقل شيئًا.
«أنت جاهزٌ للانطلاق»، أعلن ديرمن حينها بابتسامةٍ صغيرة.
بادلتُه الابتسامة وكدتُ أمضي حين ظهر دالِم، الكاتب، في الممرّ بتعبيرٍ قلق.
«يا ولد! أوه… أنت هنا. آه… انتظر لحظة، اتّفقنا؟» قال. وطرق باب المدير تحت نظرتي المندهشة. شياطين، ما الذي يجري الآن؟
اقتربتُ مقطّبًا، ونجحتُ في سماع ما كان دالِم يقوله للمدير في همسةٍ متوتّرة:
«ثمّة شرطيٌّ يبحث عن الفتى…»
«أيّ فتى؟» أجاب المدير بصوتٍ أعلى.
«آه… درائن هيلِمبلرت»، أجاب دالِم.
حين سمعتُ اسمي، تسمّرتُ في مكاني وشحبتُ شحوب الموتى. الأمّ الصالحة، ولماذا يبحث عنّي الذباب الآن؟
* ديسّاري: لقبٌ يُخاطَب به الخيميائيّ، بمعنى «معلّم» تقريبًا.
* شيور: نداءٌ ودّيّ، بمعنى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion