Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 49
لم أُغمض جفنًا طوال الليل. كانوا قد وضعوني أنا وروغان والرجال الذين استسلموا في قبو. أمّا هؤلاء الأخيرون فقد قُيّدت أيديهم وأرجلهم، بخلافي أنا وروغان. بل إنّ الكِمامة نُزعت بناءً على طلب روغان، وأظنّه لا بدّ ندم على ذلك، إذ كِدتُ لا أدَعه ينام. والحقّ أنّني لم أدَعْ أحدًا في القبو ينام، فقد كنتُ هائجًا. تارةً أبكي وأصرخ وأنادي رفاقي، وتارةً أُغنّي أو أهذي وأتلعثم، مرّةً بالدريونسانية، وأخرى بالكايلدرِكية… ولم يكن يهمّ عمّ أتكلّم: فبعد حينٍ لم يعُد أحدٌ يُعير كلامي أدنى انتباه: كانوا جميعًا قد سئموني أشدّ السأم، ولو لم يكن أولئك الرجال مقيَّدين لَما نجوتُ على الأرجح من تلك الليلة. ولو أنّ فراشلوك كان يبحث عن عذابٍ مناسبٍ لخرافه الضالّة، لَما وجد خيرًا من ذلك.
وفي النهاية، إذ حفّزته نصائح الآخرين عن كيفيّة إنزال القبضة بوجهي «المُخاطيّ» بالسرعة المناسبة، عزم روغان على التحرّك. وضع ذراعيه على كتفيّ وأنا أُغنّي.
آهُوي! آهُوي!
يا إلفتي الجميلة،
آهُوي! آهُوي!
أحبّكِ دائمًا…
انهرتُ تحت ثِقل القِسّ؛ أرغمني على القرفصاء، فتلقّيتُ ضربةً في معدتي قطعت أنفاسي وكادت تجعلني أتقيّأ نصف الرغيف الذي أكلتُه ذلك اليوم. تلقّيتُ ضربةً أخرى، وفي حَيرةٍ واضطراب، لهثتُ قائلًا:
«تؤلمني… تؤلمني يا صاحبي.»
وإذ طوّقني من الخلف، وضع روغان يده الأخرى على جبيني. كاد يغرز إصبعه في عيني، ثمّ تنهّد.
«هلّا صمتَّ يا حاذق؟ إن صمتَّ فلن أضربك. أتمشي؟ إنّك لا تُطاق. لا أدري ما خطبك، لكنّي أرجو أن تتعافى قريبًا. هيّا، استلقِ، هكذا، والآن اسكُتْ، اتّفقنا؟» قال ذلك واضعًا يده تحت فكّي وكأنّه يمنعني من العودة إلى الغناء. «آه، تبًّا للجحيم»، تمتم. «والآن تبكي؟ لكن ما بالك بحقّ الجحيم يا شيور*؟ أهي تلك التعويذة التي أذهبت عقلك؟»
«لا بدّ أنّ الساحرة سحرته»، زمجر أحد الكبار.
«اسكتوا، أرجوكم، اسكتوا جميعًا»، توسّل آخر. «أريد أن أنام…!»
وأطلق آخر، كان قد لزم الصمت منذ حين، هديرَ ضجرٍ عميق.
«كفى، أيّها الـشيطان اللعين! وحقّ روحي، لأُشبعنّ هذا الغواك ضربًا ما إن تتحرّر كفّاي!»
وإذ شعرتُ أنّ التهديد لا يعنيني في شيء، نشجتُ قائلًا:
«رفاقي…»
«رفاقك بخير يا حاذق؛ قال الغطّاس إنّه سيعتني بهم، أخبرتُك بذلك عشرين ألف مرّة!» تبرّم روغان. وربَت على رأسي ربتةً خفيفة. «إنّك وجعُ رأس.»
أردتُ أن أسأل: «لكن أين العظام؟» غير أنّ ومضةَ بصيرةٍ في تلك اللحظة جعلتني أتساءل إن كان سؤالي معقولًا، و… بقيتُ في حَيرة. ضِعت. ونسيتُ البكاء، وأخذتُ أُحدّق في ظلمة المكان بحَيرةٍ متزايدة حتّى غلبني النوم فجأةً تقريبًا. ولو أنّ رفاقي أطلقوا صيحات النصر، لَما أيقظتني على الأرجح.
راودني كابوس. بدأ كلّ شيءٍ على ما يُرام: كنتُ جالسًا على ضفاف نهر إستِرغات، على درجةٍ من سلّمٍ ينزل إلى الأرصفة. كنتُ أحمل سلّةً كبيرةً مملوءةً بعظام السمك. ألتقطها واحدةً واحدة، وأرميها في النهر، فتدبّ فيها الحياة وتسبح من جديدٍ كما كانت تفعل دائمًا. كان محضَ بهجةٍ أن أراها تخفق بأذنابها تحت الماء… إلى هنا وكلّ شيءٍ بخير. لكنّ المشكلة جاءت حين رفعتُ بصري فرأيتُ كاكزايل في بزّة الذباب، يقود داكيس بمِقود. وكلاهما يكشّر عن أنيابه ويزمجر في وجهي. فزعتُ ووثبتُ واقفًا، فانزلقتُ وسقطتُ في النهر، وبدأتُ أخبط في هلعٍ بينما يُذكّرني صوتٌ صغير: أنت لا تُحسن السباحة يا مور إلدال، أنت لا تُحسن السباحة! وكان كاكزايل والكلب، على غير المتوقّع، يحاولان إنقاذي، لكنّني كنتُ قد بلغتُ القاع بالفعل، وسط عظام السمك التي كانت تدور حولي في فضول، دون أن تفهم أنّني، بخلافها، أحتاج إلى التنفّس، دون أن تفهم أنّني أموت…
تلقّيتُ ضربةً من ذنَبٍ عظميٍّ ضخمٍ جدًّا. ثمّ أخرى. ثمّ أخرى. وكان ماء النهر يهزّني كما تُهزّ شجرة البرقوق.
«ضعوا في فمه شيئًا من فلفل ليزيا! سيستيقظ كالمصعوق»، قال صوت.
كأنّ لساني قد اشتعل. ناولني أحدهم كأس ماء، فأخذتُ أجرع منه جرعاتٍ طويلة، وعيناي مفتوحتان على اتّساعهما. وأخيرًا نظرتُ حولي. كانوا قد نقلوني من القبو إلى غرفةٍ حسنة الإضاءة ذات نوافذَ بارزةٍ تُطلّ على شرفة. وكانت فيها طاولةٌ كبيرة يجلس حولها ثلاثة أشخاص. اثنان يلعبان مُحرِّكَين أحجارًا على رقعة. أمّا الثالث، وهو أكبرهم سنًّا، فكان يراقبني. كان بشريًّا أبيض ممتلئًا في منتصف العمر، يرتدي ثياب قابض مساميرَ على الطراز القديم… أتراه فراشلوك؟ لا بدّ أنّه هو. غير أنّ مجرّد الاحتمال ملأني بالتوجّس. حسنًا، لم يكن يحدث كلّ يومٍ أن أجد نفسي وجهًا لوجهٍ أمام أكبر كابٍ في القطط.
أخذت يدٌ الكأسَ الفارغة من يدي، فرفعتُ بصري عن فراشلوك لألتقيَ بعينين حمراوين لرابع رجلٍ في الغرفة. بدا لي مألوفًا، ولمّا أدركتُ السبب لهثتُ غيرَ مصدِّق. كنتُ قد رأيتُ ذلك الرجل في الجارور غير مرّة. كان اسمه جارفيك. وكانوا يدعونه الأمهق. لأنّ بشرته وشعره شديدَي البياض. وكان نظريًّا إلفًا مظلمًا، لكنّه لم يكن يبدو كذلك. وبينما كنتُ أُحدّق فيه، وجّه إليّ جارفيك ابتسامةً خفيفةً محرَجة، وقال فراشلوك:
«لطالما قلتُ إنّ هذا الفلفل يصنع العجائب. مساء الخير يا درائن هيلِمبلرت. تفضّل بالجلوس.»
ورمقتُ فراشلوك بحذر، فرأيتُه يُشير إلى أحد الكراسي بجانبه، فنهضتُ وأجبتُ بأدب:
«مساء الخير يا سيّدي.»
كان لساني ما يزال يحترق من الفلفل، فخرج جوابي أزَّ أزيزًا. تقدّمتُ إلى قاعة الجلوس، وكنتُ قد جلستُ على الكرسيّ حين شحُب وجهي وأخذتُ أُعيد على نفسي: مساء الخير؟ «مساء» الخير؟ تخيّلتُ وجه مدير السنونو حين يرى أنّني لم أحضر إلى المكتب طوال الصباح. أيّتها الأمّ الصالحة… ودون تفكير، غرستُ يدي في الجيب الذي أحتفظ فيه بالأسوفلا. وإذ أخرجتُ ساقًا ودسستُها في فمي، خطر لي أنّه لَحظٌّ أنّ أحدًا لم يأخذها منّي. لعلّ الغطّاس شرح الأمر و… بالطبع، فكّرت. كان فراشلوك يعلم كلّ شيءٍ عن السوكواتا والخيميائيّ والأسوفلا. وكيف لا يعلم؟ فعلى قول أهل الجارور، كان قد نال حتّى نصيبًا ممّا كسبه الصقر الأسود من لآلئ السالبرونيكس. كان يعلم كلّ شيء.
ولمّا كان قابض المسامير منشغلًا في تلك اللحظة بإشعال غليون، حوّلتُ انتباهي إلى الشخصين اللاعبَين على الرقعة. كانا يُشبهان فراشلوك شبهًا واضحًا، لكنّهما أصغر سنًّا. أحدهما في مثل سنّي على الأرجح، أو أكبر بقليل. ولعلّ صاحب الغليون استشعر اهتمامي، فقال:
«هذا ابني، داريس فراشلوك. وهذا حفيدي، لوين فراشلوك. وأرجو»، تابع، «أن تكون قد تعافيتَ من نوبة الفتور التي أصابتك.»
هكذا كان معلّمي يُسمّيها هو أيضًا: نوبة الفتور. وقد أصابتني واحدةٌ من قبل حين كنتُ في الثامنة، وأنا أحاول إحياء هيكل طائر. أسأتُ استعمال ساق الطاقة، وكنتُ عنيدًا أكثر من اللازم، وفجأةً، هذيتُ أيّامًا. وبعد أن تعافيتُ، وبّخني معلّمي توبيخًا لم يفعل مثله قطّ من قبل. فعلى قوله، كان يمكن أن أبقى فاترًا أبله إلى الأبد. ومن ذلك اليوم، أقلعتُ عن التجارب المحفوفة بالخطر، ولم يتكرّر الأمر قطّ. حتّى ليلة أمس. ولحسن الحظّ، تعافيتُ سريعًا… أليس كذلك؟
وفي قلق، سألت:
«أكان ذلك ليلة أمس؟ أعني الكفّ الباردة وغوبور. كان ليلة أمس، أليس كذلك؟»
رفع فراشلوك حاجبًا ودسّ طرف غليونه بين شفتيه قبل أن يومئ، فارتحتُ كثيرًا.
«ليلة أمس، نعم»، أكّد. «ليلةٌ تُذكَر. أودت بحياة خائنٍ وبحياة ساحرةٍ ظنّها بعضهم خالدة. كنتُ لأدفع عشرة آلاف سياتو كي تعيش عشر سنواتٍ أخرى. فليس من السهل أن تجد سيلمِستًا بارعًا في العالم السفلي.»
عضضتُ شفتي تحت عينه المراقِبة. لم أستطع حقًّا أن أحزن لهذا الخبر لأنّ… حسنًا، الكفّ الباردة عاشت أطول ممّا يعيش أيّ ساجِتٍ من لحمٍ وعظم. في المقابل، كنتُ قلقًا حقًّا على الذئب الصغير. وذلك لأنّ عليّ أن أُوقظ مورجاس عظامه كلّ يوم. ومع ذلك لم أجرؤ على سؤال فراشلوك إن كان يعرف شيئًا، وانتظرتُ صامتًا. وأخيرًا قال فراشلوك:
«اسمع يا فتى. استدعيتُك إلى هنا لأنّي أودّ أن أطرح عليك بضعة أسئلة. سنُنهي الأمر سريعًا، اتّفقنا؟»
«تمشي يا سيّدي»، وافقتُ دون حماسٍ كبير.
«أخبرني ماذا كنتَ ورفاقك تفعلون عند الكفّ الباردة»، طالب الكاب.
وواصل الابن والحفيد اللعب في صمت. وكان الأمهق قد جلس في الطرف الآخر من الطاولة يُنظّف أظافره بخنجره. خلعتُ قبّعتي، وحككتُ رأسي بعنف، وقلتُ، أوّلًا بتردّد، ثمّ بنبرة غواكٍ خطيب:
«حسنًا… أنا يا سيّدي… أتفهم. أوّلًا، لنكن واضحين: نحن، أنا ورفاقي، لا علاقة لنا بغوبور، إيه؟ لا علاقة البتّة حقًّا. للتوضيح فقط. حدث فقط أنّنا كنّا ذاهبين لرؤية الكفّ الباردة، لزيارتها. لأنّه كان هناك صبيٌّ صغيرٌ نحبّه. ولمّا وصلنا، دخلتُ فأخبرتني الكفّ الباردة أنّ الذئب الصغير ليس هناك، وأنّه ذهب مع شخصٍ آخر. فأسألها: أين هو؟ وعندئذٍ، في تلك اللحظة بالذات، يصل أولئك الإسطرباغات، ويطلب ذو القلنسوة الخضراء من الساحرة أن تبوح بكلّ شيء، ثمّ تصلون أنتم بالورقة من تحت الباب، فيقول لنا غوبور: أنتم أحرار. أحرار، وأمّك! يا له من وغدٍ كذّاب! أرسلنا مباشرةً إلى الأقواس الناشبة، ويكذب أكثر منّي. أه… حسنًا، ثمّ أمسكتم بنا. وهذا كلّ شيء»، ختمتُ بنظرةٍ تقول إنّه، بصراحة، لم يبقَ في الأمر ما يُنبَش.
ظلّ فراشلوك جامدًا طوال حكايتي، لكنّي حين فرغتُ رأيتُ شفتيه تلتويان قليلًا تحت شاربه الرماديّ.
«حكايةٌ بديعة يا فتى»، قال أخيرًا. «بديعة.»
أجبتُ بابتسامةٍ مترددة، لا أدري أيسخر منّي أم يُطريني.
«لم يفُتك إلّا شخصٌ واحد»، أضاف فراشلوك مُخرِجًا الغليون من فمه. «لو بور.» رمشتُ بنظرةٍ تقول: تبًّا للجحيم. وتابع بتسليةٍ ظاهرة: «يا لها من مفاجأةٍ حين وجدناه في بيت الساحرة، بصحبة ذلك الذئب الصغير وثمانمئةٍ وأربعين ذهبيّة. يقول إنّه ليس خائنًا، وأخبرنا أنّ الكفّ الباردة أرادت أن تترك له المال ليعتني بالشقيّ. عليك أن تعترف يا فتى أنّ في الأمر مصادفاتٍ كثيرة. لَظنّ أيّ أحدٍ أنّكم كنتم جميعًا هناك لتحاولوا خداع الكفّ الباردة، وتستنزفوها حتّى آخر قرش، وربّما لتقتلوها، ثأرًا لغوبور البريء الباسل.»
وكان وجهه قد اكفهرّ، ونظرتُ إليه مذعورًا وهو يُضيف بنبرة من يسأل عن عاصمة أركولدا:
«أتدري ماذا أفعل بالخونة يا غواك؟ أبقُر بطونهم، وأنتزع قلوبهم وأدمغتهم، وأُطعمها للكلاب. وأفعل الشيء نفسه بمن يستسلمون، إلّا أن ينحنوا انحناءً بالغًا وأكون في مزاجٍ طيّب: عندئذٍ أضربهم بالعصا ضربًا يذكرونه طوال حياتهم. وبشركائهم، مرّةً أخرى، أفعل الشيء نفسه. أتودّ أن ترى؟»
هززتُ رأسي نافيًا، عاجزًا عن الكلام.
«لا»، وافق فراشلوك. «لعلّك تريدني أن أُعيد إلى لو بور الثمانمئة والأربعين سياتو التي أراد أن يأخذها. لعلّك تريدني أن أدَعك وشأنك، وأن أدَع أيضًا رفاقك الذين شهدوا المشهد كلّه ليلة أمس في سلام.»
هذه المرّة أومأتُ، مفعمًا بالأمل، وقلت:
«أُقسم إنّي لم أكن أعرف غوبور…»
«صمتًا»، قاطعني فراشلوك. «لا دليل لديّ، ولا أجدني راغبًا في تصديقك. أنت في نظري شريك. لكنّك أيضًا خنجرٌ أسود. وبهذه الصفة، ستدفع الثمن بأن تُسدي إليّ خدمة.»
نظرتُ إليه مترقّبًا. ماذا عساه ذلك الكاب أن يطلب منّي الآن بحقّ السماء؟ ولماذا لا يُصدّقني حين أقول له إنّي بريء؟
«تعرف البيت في شارع العظام حيث يختبئ كورثر أحيانًا، أليس كذلك؟»
جعلني سؤاله أُقطّب.
«طبيعيّ»، أكّدت.
«أتعرف الاسم الحقيقيّ لكابك؟» استجوب فراشلوك.
اتّسعت عيناي.
«لا يا سيّدي»، همست.
«همم»، تأمّل فراشلوك ناظرًا إليّ بإمعان. «أتعرف أين يسكن؟»
هززتُ رأسي نافيًا. وكان ذلك صحيحًا. لم أكن أعرف عن كورثر شيئًا سوى أنّه، بلا شكٍّ تقريبًا، شيطان.
ثمّ أخرج فراشلوك قلادةً من تحت قميصه وابتسم وهو يعرضها عليّ. كانت على هيئة معيَّن، كقطع العشرة مسامير، غير أنّها أكبر، وفي وسطها ماسةٌ رماديّةٌ فاتحةٌ جدًّا.
«حين تسمع كذبةً، تهتزّ وتصير برتقاليّة»، أخبرني فراشلوك. وقال على سبيل البرهان: «أنا أخرس.»
فصارت الماسة برتقاليّةً للحظة. ارتعدتُ غيرَ مصدِّق. أيّ ماغارا هذه؟
«أجِب: هل سرقتَ يومًا لحساب كورثر؟»
ابتلعتُ ريقي، ورمقتُ القلادة في توتّر، وأومأت:
«فعلتُ يا سيّدي.»
«كم مرّة؟»
استغرقتُ ثوانيَ قليلةً لأحسب، ثمّ قلت:
«ثلاث. ثلاث مرّاتٍ يا سيّدي.»
«وفي تلك المرّات الثلاث، أعطّلتَ أيّة أفخاخ، أاستعملتَ أدوات فتح الأقفال؟»
«وصنعتُ مفاتيح مطابقة يا سيّدي»، أضفتُ بلمسةٍ من الفخر.
«إذًا أنت خنجرٌ أسود خبير»، ابتسم فراشلوك. فصارت القلادة برتقاليّة، فابتلعتُ ريقي. يا للهول. «لستَ بهذه الخبرة»، صحّح. «قل لي، من أين تعرف لو بور؟»
أربكني تغيير الموضوع.
«أ-أنا… لو بور… أعرفه من القرنفل.»
«كنتما في الزنزانة نفسها.»
«نعم يا سيّدي.»
«وساعدتَه على الفرار. قل لي، أتُكِنّ للو بور أيّ ودّ؟»
وبعد أن رمقتُ الابن والحفيد والتقت عيناي بعينَي هذا الأخير، هززتُ كتفيّ.
«طبيعيّ، أُكِنّ له.»
اتّكأ فراشلوك إلى ظهر كرسيّه، ورمق ابنه وحفيده، وقال:
«إذًا، ما دمتَ تحبّه كلّ هذا الحبّ، فأنت لا تريدني أن أحكم عليه بالعصا. ولعلّك تريدني أيضًا أن أُطلق سراح رفيقك صاحب القبّعة، روغان، أليس كذلك؟»
شعرتُ بقلبي ينقبض انقباضًا موجعًا. همست:
«لا تؤذهما يا سيّدي.»
«لن أفعل»، لان فراشلوك. «ليس إن جلبتَ لي… تلك الماسة.»
مدّ يده إلى صحيفةٍ على الطاولة وأراني صورة حجرٍ كريم. تهجّيتُ العنوان بصوتٍ خافت، وكان مكتوبًا بحروفٍ كبيرة:
«سُرقت دمعة الريح من المعهد»
ذُهلت. كان الرسم مطابقًا تمامًا للماسة الشفّافة ذات الأوجه الستّة عشر التي سرقتُها في الربيع. لم أجرؤ على رفع بصري وتظاهرتُ بقراءة المقال. كنتُ خائفًا من القلادة وحجرها الرماديّ الصغير خوفًا شديدًا، خائفًا أن يطلب منّي فراشلوك أن أسرق كورثر… حتّى بدأتُ أرتجف. لا كثيرًا. قليلًا. لكنّ فراشلوك لاحظ.
«أنت تعرف هذه الماسة»، تمتم. بل بدا مندهشًا.
أومأتُ صامتًا، ثمّ خطرت لي فجأةً فكرةٌ عظيمة.
«يا سيّدي!» هتفت. «إن كان هذا الشيء يكشف الأكاذيب، فسيصير برتقاليًّا لو قلتُ إنّي خائن. ولن يتغيّر لونه لو قلتُ إنّ رفاقي ولو بور لا علاقة لهم بغوبور. فأنا أقول إذًا: لا علاقة لنا بغوبور. أرأيت؟ أترى؟» تحمّست. «لستُ…»
صمتُّ حين رأيتُ في رعبٍ القلادة تصير برتقاليّة. ثمّ صارت خضراء. زرقاء. أرجوانيّة. ضحك فراشلوك، وفعل الحفيد مثله مُغطّيًا فمه بيدٍ واحدة. شعرتُ بالدم يصعد إلى رأسي.
«لقد كذبتَ عليّ»، اتّهمته.
قطّب فراشلوك ودقّ الطاولة بقبضته.
«كفى مجاملات. أحتاج تلك الماسة. أريد تلك الماسة. وأنا أعلم أنّها عند كورثر. ما كان أحدٌ غير خنجرٍ أسود ليدخل المعهد في وضح النهار ويسرق دمعة الريح. أنكر كورثر أنّها عنده. لكنّي أعلم أنّها عنده. وأنت، أنت ستسرقها لي.»
رمقتُه بنظرةٍ خاوية. جفّ فمي. فكّرتُ في لو بور. فكّرتُ في رفاقي. وفي روغان، الذي ما زال بين يدَي فراشلوك. وفي الذئب الصغير، الذي يحتاج إليّ. وببطء، أومأت، وأشحتُ بعينيّ في توتّرٍ نحو الصحيفة والصورة المطبوعة. سيكرهني كورثر على هذا. سيكرهني ربّما أكثر ممّا كره ييرّيس. إلّا أن… إلّا أن يبقى الأمر خافيًا عليه. عندئذٍ لن يعاقبني. ولن يعلم بما فعلتُ أحدٌ سوى آل فراشلوك والأمهق.
سمعتُ صوت فراشلوك المتسلّي يهمس:
«أنت لستَ خائنًا.»
وبطرف عيني، رأيتُ قلادته تصير برتقاليّةً أكثر من أيّ وقتٍ مضى. عضضتُ لساني. كان يسخر منّي. قابض مساميرَ لعين.
* شيور: لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، أقرب إلى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion