Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 50
أرسلني فراشلوك مع جارفيك لجلب بعض المؤن، وما إن نهضتُ حتّى استأذن لوين، الحفيد، جدَّه في الذهاب معنا. فأذِن له الجدّ. نزلنا نحن الثلاثة عددًا من الدرجات إلى غرفةٍ أعاد إليّ فيها جارفيك كُتيّب إطلاق سراحي من السجن والسكاكين التي اشتراها روغان في اليوم السابق. وقدّم لي طقم أدوات فتح الأقفال، وأراد لوين أن يُعيرني قفّازين قال إنّهما كانا لِلصٍّ ذائع الصيت من فيليريا. ولم يكن مفاجئًا أن تبيّن أنّهما أكبر من يديّ، فاضطُرّ الأمهق إلى إعادتهما إلى صندوق.
«يا للخسارة الحقيقيّة»، تنهّد لوين. «كنتَ ستبدو رائعًا جدًّا بهما!»
نظرتُ إليه بفضول، وخطر لي فجأةً أنّ الفتى، بعيدًا عن أن يريد السخرية منّي، كان يحاول أن يُصادقني. يُصادقني أنا! وهو المرتدي ثيابًا كأنّه ذاهبٌ ليُرشّح نفسه للبرلمان!
وبينما كان الأمهق منشغلًا بإغلاق الصندوق، اقترب لوين منّي وهمس:
«قل لي…»
«ماذا؟»
«أصحيحٌ أنّك صنعتَ ظلالًا؟»
كانت عيناه تلمعان فضولًا. أومأتُ بلا اكتراث.
«طبيعيّ، فعلت.»
ابتسم متحمّسًا.
«أتُريني؟»
قوّستُ حاجبًا، وبعد أن تأكّدتُ أنّ ظهر جارفيك إلينا، صنعتُ سحابةً صغيرةً من الظلام. سحابةً صغيرةً جدًّا، لأنّ ساق طاقتي كانت لا تزال محتضِرة. ومع ذلك أشرق وجه لوين. ألقى نظرةً سريعةً على جارفيك وهمس:
«أتتكلّم الأورامية؟»
ضيّقتُ عينًا. أكان يحاول أن يقول لي شيئًا لا يريد للأمهق أن يفهمه؟ هززتُ كتفيّ.
«لا. تلك لغة قابضي المسامير.»
قلتُها بنبرةٍ فيها شيءٌ من الازدراء، لكنّ لوين فراشلوك لم يستأ. أومأ، وابتسم، وبتعبير المزهوّ الذي ينطق بكلمةٍ جديدة، أجاب:
«طبيعيّ.»
مستمتعًا، بادلتُه الابتسامة ورمقتُه من رأسه إلى قدميه. لم يكن يبدو فتًى سيّئًا، رغم هندامه. ومستغلًّا انشغال الأمهق بدفع الصندوق تحت قطعة أثاث، قال لي لوين بصوتٍ خافتٍ حتّى إنّني أنا نفسي كدتُ لا أسمعه:
«قل. أيمكنني أن أذهب معك؟ لسرقة دمعة الريح. أريد أن أذهب معك»، أكّد.
حدّقتُ فيه. أيريد أن يساعدني في سرقة الماسة؟ ولمّا زالت المفاجأة، قطّبتُ، وبدوتُ غير مقتنع، ثمّ أجبت:
«أتعرف أين روغان؟ رفيقي»، أوضحت. أومأ وفي عينيه مزيجٌ من الخوف والحماسة. ودون تفكيرٍ طويل، حسمتُ أمري: «حسنٌ، أحضِر له كلّ ما يطلب. إن فعلتَ، أخذتُك معي. تمشي؟»
فتح لوين فمه، ورأى أنّ الأمهق كان يعبر الغرفة نحونا، فأومأ.
«حسنًا. غرفتي في الطابق الأوّل، قرب شجرة الكرز العتيقة. ستائرها حمراء.»
بالكاد كتمتُ ابتسامةً وأومأت. تردّد قبل أن يمدّ يده كالسادة. اتّسعت ابتسامتي، وصافحتُه. كان يلبس قفّازين.
«إيه. أعطني قفّازيك ولعلّي أدعوك رفيقي»، قلت.
«لا مجال»، تدخّل الأمهق منضمًّا إلينا. «لا تُعطِه شيئًا يا لوين. أكيدٌ أنّك لا تريد أن تُغضِب أمّك.»
أمّا قابض المسامير الصغير، الذي كان قد بدأ ينزع قفّازيه، فأعادهما، وقد بدا نصفه حزينًا ونصفه خائفًا. قلّبتُ عينيّ.
«لا يهمّ»، طمأنتُه. «كان ذلك فقط لأستبدل بهما قفّازَي اللصّ الشهير كابروكو… كابري…»
«كارابي»، أعانني لوين مقهقهًا.
تنحنح الأمهق بعبوسٍ صبور.
«هيّا نخرج يا فتيان»، حثّنا.
خرجنا من الغرفة، وقادنا الأمهق إلى الباب الرئيسيّ. وضع في يدي قطعة نقد. كانت قطعةً ذهبيّة.
«تحسّبًا لحاجتك إلى شراء شيءٍ آخر. تذكّر: كلّما طال الأمر، كان أسوأ لك. حظًّا طيّبًا.»
لمحتُ بريق شفقةٍ في عينيه. والغريب أنّ ذلك أقلقني أكثر من أيّ تهديد. نظرتُ إلى لوين فرأيتُه، على العكس، يبدو مفعمًا بالأمل. وبعبوس، دسستُ القطعة في أحد جيوبي، وأدرتُ مقبض الباب، وقلتُ بنبرةٍ خفيضة، دون أن أُخاطب أحدًا بعينه:
«آه، إن أصاب رفيقي مكروه، فسأزأر كالتنّين، أهذا واضح؟ أيو.»
وخرجت. كدتُ أتسمّر في مكاني حين رأيتُ حديقة الحجارة أمامي. يا للهول. استدرت. كان المبنى الذي يسكنه فراشلوك على الحدّ تمامًا بين حيّ أتويرثو والقطط. لم أكن أدري إن كان روغان هناك. من يدري، لعلّهم نقلوني نائمًا عبر حيّ القطط كلّه. أو لعلّهم لم يفعلوا. لم تكن لديّ أدنى فكرة. وعلى أيّة حال، شككتُ في أن يكون فراشلوك قد أدخل حاشيته من الخونة كلّها من ذلك الباب في الليلة الماضية. أدرتُ رأسي يمينًا، ثمّ يسارًا، فرأيتُ أنّ ثمّة بالفعل شجرة كرزٍ تنمو هناك، في مساحةٍ خضراء صغيرة قرب البيت. وأنّ النافذة المقابلة لها، في الطابق الأوّل، لها ستائر حمراء. تنشّقتُ هواء العصر البارد. حسنٌ. خيرٌ لقابض المسامير الصغير أن يعتني بالقِسّ كما يُعتنى بملك.
مشيتُ مبتعدًا في الشارع العريض الذي يُطوّق الحديقة، ونزلتُ الدرج، ودخلتُ حيّ القطط. أوّل ما فعلتُه أنّني قصدتُ وردة الريح وطلبت: وجبةً خفيفة يا سيّد صاحب الحانة! ووضعتُ الذهبيّة على المِنضدة. فردّ لي خمسةً وثمانين سنتًا، وخرجتُ من هناك أنهش طعامي نهشًا ضاريًا. الأمّ الصالحة، كم كنتُ جائعًا! جائعًا لدرجة أنّني حين مررتُ بدكّان حلوى دخلتُ واشتريتُ بعضها والتهمتُها في طريقي إلى النهر لأُجدّد مخزوني من الأسوفلا. ونزلتُ ونزلتُ ونزلتُ الصخرة، بخطًى أثبتَ منها نشِطة. ولمّا بلغتُ الأسفل، كان الظلام قد حلّ. كان الأسوفلا ينمو بكثرةٍ على الضفّة بجوار جسر القمر تمامًا. كان المكان مقفرًا، إذ لم يكن ثمّة سدٌّ ولا ممشى، بل حدائق خضارٍ صغيرة وأشجارٌ وأدغال. أسرعتُ أقطف الأسوفلا، وما إن وضعتُ ساقًا منه في فمي حتّى سمعتُ صوتًا عاليًا:
«أنت!»
خرج إلفٌ مظلم يرتدي ثياب فلّاح من حديقة خضارٍ واندفع نحوي صائحًا كالمستميت:
«ابصُقه أيّها الأحمق، إنّه سُمّ!»
وليّتُ الأدبار. ركضتُ، وخدشتُ جلدي في الأدغال، ووخز قدمي شيءٌ ما، وبلغتُ أخيرًا ساحة القمر. ولدهشتي، ظلّ الرجل يصيح خلفي. بحقّ الشياطين، كيف لذلك الإلف أن يقلق على صحّتي إلى هذا الحدّ؟
وإذ سمعت ذبابةٌ الصياح ورأتني مُطارَدًا، جاءت راكضةً بنيّةٍ واضحةٍ في محاولة إيقافي. تفاديتُها، وتعثّرتُ بذبابةٍ أخرى، ووضعتُ يديّ على رأسي صائحًا:
«مجنونٌ يطاردني! مجنونٌ يطاردني!»
أمسكتني الذبابة التي تعثّرتُ بها من ذراعي وهزّتني لأكفّ عن الصراخ. وأخيرًا صمتُّ. وكان ذلك من حسن الحظّ، لأنّ الصمت أتاح للفلّاح أن يشرح أنّي لستُ لصًّا، وأنّه رآني فحسب آكل نبتةً سامّة.
«الأسوفلا، يد الشيطان!» شرح الفلّاح مضطربًا. «أرجوكم لا تؤذوا الفتى المسكين.»
لم يكن الشرطيّ يؤذيني: كان يُمسكني بقوّةٍ فحسب. ودون ردّ، مدّ يده إلى أوفر جيوبي امتلاءً، وقد كانت السيقان تبرز منه، فأخرج حفنةً من الأسوفلا. وعلى الفور، ارتسمت على وجهه دهشةٌ خالصة. حدّق فيّ، ونظر إلى رفيقه، ثمّ عاد ينظر إليّ. وأخيرًا تنحنح.
«مهلًا، مهلًا. يا بُنيّ. هذا سُمّ. لا أُصدّق أنّك لم تكن تعلم. وإن كنتَ تعلم، فذلك يعني قطعًا أنّك…»
«ألك والدان؟» استفسر الرفيق مقاطعًا الذبابة الأخرى.
أومأتُ دون تفكير وقطّبتُ مندهشًا. أيّتها الأرواح، كم بدا غريبًا أن أقول إنّ لي والدين…
«أين يسكنان؟» سألت الذبابة التي تُمسكني. ولمّا لم أُجب، كرّرت سؤالها. وكأنّما ألهمتها فكرةٌ مفاجئة، أضافت: «إن لم تُجب، اضطُررنا إلى معرفة ذلك بأنفسنا، فيدفع والداك النفقات. لا تريدهما أن يخسرا مالًا بسببك، أليس كذلك؟»
هززتُ رأسي في حَيرة.
«لا يا سيّدي. لكنّني…»
«العنوان يا فتى»، ألحّت الذبابة.
كان صوتها قد لان. كانت لطيفةً وكلّ شيء، وفي النهاية شعرتُ بالعجز عن ألّا أُجيب، فقلت:
«شارع الغروب، رقم اثني عشر، في حيّ تارميل. لكن يا سيّدي، إنّهما لا…»
دفعتني الذبابة برفق.
«هيّا بنا يا فتى. وبهدوء.»
رمقتُ الفلّاح الإيثاريّ المسؤول عن هذا كلّه بنظرةٍ ناقمة، وتبعتُ الذبابة إلى ساحة القمر متوتّرًا. حثّتني الذبابة على ركوب أومنيبوس عابر. ركبنا. لم أُصدّق: كانت أوّل مرّةٍ أركب فيها أومنيبوس! لكنّ الرحلة، لسوء الحظّ، كانت عذابًا حقيقيًّا لي. لماذا أعطيتُ الذبابة عنوان الحلّاق؟ ولماذا أصرّت على أخذي إلى هناك؟ كان ذلك أفضل من القرنفل، بالطبع، لكن… كنتُ على يقينٍ أنّه يعني «وداعًا أيّتها العائلة» إلى الأبد. أردتُ أن أقفز من العربة وأهرب، لكنّ الذبابة كانت جالسةً إلى جانبي. لكانت أمسكتني على الفور، ومن يدري، لعلّها كانت تغضب وتخطر لها فكرة تفتيشي. وحينها كانت ستجد أدوات فتح الأقفال والسكّينين. ثمّ، طاخ، عودةٌ إلى القرنفل لمن يدري كم من الوقت.
كانت الجادّة مزدحمةً بالناس صاعدين نازلين، يتحدّثون في جماعاتٍ صغيرة، يدخلون الحانات ويخرجون منها. نزلنا. كان النور ما يزال في الدكّان، ومن خلال النافذة رأيتُ الحلّاق يُسرّح شعر رجلٍ عجوزٍ بدا لي أصلعَ تقريبًا.
«قِف ساكنًا»، أمرت الذبابة وقد بدا عليها نفاد الصبر.
كففتُ عن التململ، وبدأ قلبي يخفق أسرع حين طرقت الذبابة الباب. كان سامفين هو من فتح.
«مساء الخير يا فتى. أيمكنني التحدّث إلى والدك؟» سألت الذبابة.
عُقد لسان سامفين. وأخيرًا تمكّن من أن يتلعثم:
«أ-أبي؟ إنّها الشرطة.»
بعد لحظة صمت، سمعنا وقع خطًى تقترب مسرعةً، وظهر الحلّاق. اخترقتني عيناه كالسهام. لثوانٍ قليلةٍ فقط. لكنّ الثواني بدت قرونًا. ثمّ نظر حوله في الشارع، وبدا كئيبًا جدًّا، ربّما لأنّ جارًا ما كان يراقب المشهد بفضول، ثمّ خاطب الذبابة، وتمنّى لها «مساءً طيّبًا» بصوتٍ آتٍ من وراء القبر، ودعاها إلى الدخول. دخلنا. أخبرته الذبابة بما حدث بنبرة من يقول: حاول ابنك أن ينتحر، لكن لا تقلق، الأمر ليس بهذه الخطورة، لا شكّ أنّ ضربًا جيّدًا سيُصلح كلّ شيء، وأنا واثقٌ أنّك أبٌ صالح. دفع الحلّاق أجرة رحلتَي الأومنيبوس و«الإزعاج»، وربّتت الذبابة على كتفي برفقٍ وانصرفت، تاركةً إيّاي أُواجه نظرة الحلّاق الرهيبة، وعبوس الزبون العجوز، وذهول سامفين. لم أفتح فمي. أسرع الزبون بالخروج من هناك، وقدّم الحلّاق موعد الإغلاق بلا شكّ، فقلب اللافتة ليُغلق الدكّان، دافعًا المزاليج، وساحبًا الستائر، وآمرًا سامفين أن يأخذ الفانوس. ثمّ أشار بإصبعٍ آمرةٍ إلى الباب في مؤخّرة الغرفة.
تقدّمتُ وأنا أُفكّر أنّه لو كانت النظرة تقتل، لكنتُ في تلك اللحظة قد صرتُ روحًا «في سلامٍ وفضيلة».
كانت غرفة الطعام خالية إلّا من الأخ الصغير، ذي التسع سنوات أو نحوها، الذي كان جالسًا إلى الطاولة يكتب في دفتر، وقد بدا عليه الضجر. نظر إلينا ونحن ندخل بعينين متّسعتين.
«ساروفا، اذهب إلى غرفتك»، أمر الأب.
بسرعة، جمع الصبيّ دفتره ومحبرته وريشته، وخرج مع سامفين دون كلمة. وبقيتُ وحدي مع الحلّاق. لم أُغفِل عنه بصري. وكان لي حقٌّ في ذلك. دار الحلّاق حول الطاولة وعاد بخطًى واسعة.
«أيّها الفتى الغبيّ!» انفجر. «أتحسب هذه طرائقَ لجلب الانتباه؟ أن تحاول قتل نفسك؟ أتُدرك أصلًا ما معنى أن يقتل المرء نفسه يا فتى؟» تقدّم ووقف أمامي، وتعبيره نصفه غير مصدّقٍ ونصفه غاضب. «أحسنتَ صنعًا. خسرتُ كلّ ما كسبتُه اليوم تقريبًا لأدفع ثمن حماقتك! أتظنّ ربّما أنّ أولادي أغنياءُ لأنّ لهم بيتًا؟ وزبوني والحيّ كلّه…»
اختنق. وكنتُ أختنق في داخلي أنا أيضًا. وما إن رأيتُ يده تقترب حتّى فررت، ودرتُ حول الطاولة، وبينما كان الحلّاق يأمرني بالتوقّف، أخرجتُ بعض القطع النقديّة التي كانت في جيبي:
«هذه لك يا سيّدي. لك ولإخوتي وأخواتي الصغار…»
أخرجتُ على عجلٍ كلّ ما لديّ من نقود، بما فيها الحلوى التي بقيت معي، وتركتُ ذلك كلّه على الطاولة. ها هو، كلّ شيءٍ لعائلتي. ثمّ رفعتُ بصري بحذرٍ ونظرتُ في عينَي الحلّاق. بدوتُ ككلبٍ مضروبٍ واعترفتُ، محاولًا أن أستدرّ شفقته، لكن بصدقٍ تامّ:
«لم أُرِد أن يُرسلوني إلى ملجأ الفقراء!»
كان الحلّاق يهزّ رأسه، ويبدو كأنّه يحاول أن يُهدّئ نفسه فلا يقدر. وأخيرًا، أمسكني من رقبتي، ودفعني عبر نصف الغرفة، وفتح بابًا، وزجّني في الداخل قائلًا:
«إن حاولتَ الآن أن تقتل نفسك، أرسلتُك إلى دار الإحسان بنفسي. والأمر نفسه إن فتحتَ فمك»، حذّرني، إذ رآني أفتحه فعلًا.
أطبقتُه، وأغلق هو الباب؛ بل سمعتُ مفتاحًا يدور في القفل. وابتعدت الخطى. كان الظلام يلفّني من كلّ جانب. والضوء الخافت الذي يتسلّل من الشقّ تحت الباب بالكاد كان يُنير شيئًا. ومع ساق طاقتي المحترقة، لم أجرؤ على إلقاء أيّ تعويذة. تحسّستُ ما حولي. تبيّن أنّني في ما يُشبه المخزن. أينما خطوتُ اصطدمتُ بشيء. وأخيرًا جلست، وضممتُ ركبتيّ، ولعنتُ الذباب، بعضهم يسرقك ويقبض عليك، وبعضهم يُفسد عليك عصرك بمحاولة فعل الخير.
تبًّا للجحيم.
انتابني العطاس. كان كلّ شيءٍ هناك تفوح منه رائحة القِدم. لمست يدي شيئًا طريًّا، فتخيّلتُ أنّني حُبستُ مع وحش. ثمّ تحوّل الوحش إلى جثّة، وبعد حينٍ بلغ رعبي حدًّا جعلني أُقرّر إلقاء نورٍ متناغمٍ صغير، فرأيتُ أنّ الوحش لم يكن في الحقيقة سوى سلّةٍ فيها كُبَبُ صوف، حمراء وسوداء وزرقاء… تفكّكت تعويذتي، فقلتُ لنفسي: لن أعود أبدًا. لن أستعمل التناغمات أبدًا بعد اليوم. كانت تعبث بي، وترسم أمام عينيّ سناجبَ وهياكل ناكروس، وتجعلني أهذي أكثر من الباسوايت، وتتركني مُنهَكًا.
«لن أعود أبدًا»، تمتمتُ بصوتٍ خافت.
مرّ الوقت. امتلأت غرفة الطعام بالأصوات. صاح طفل: «ميلي! ميلي!». وفرض صوت أمّي الصمت. سُمع صليل أدوات المائدة، وأصواتٌ أخفض، وتنحنح. ثمّ تبيّنتُ:
«ماذا ستفعل به؟»
ساد صمت، ثمّ تنهيدةٌ عالية، وردّ الحلّاق المتوتّر:
«وماذا تُريدينني أن أفعل. في الوقت الحاضر، الليلة، يبقى هنا.»
هززتُ رأسي. أبقى هنا؟ لا مجال. لم أكن سأبقى هنا محبوسًا. لسببٍ بسيطٍ هو أنّ عليّ أن أُوقظ مورجاس الذئب الصغير. وعليّ أن أذهب لرؤية رفاقي. وأن أسرق ماسةً لأكبر كابٍ في القطط. وأن أذهب لقطف بعض الأسوفلا. ضمن أمورٍ أخرى. فلا، لم أكن سأبقى في دكّان الحلّاق…
دار المفتاح في القفل، فرفعتُ بصري مندهشًا. رمشتُ، وبالكاد لمحتُ تعبير أمّي قبل أن تنحني لتترك لي قصعة. بدت كأنّها توشك أن تقول شيئًا، لكن بعد صمتٍ قصير، أخذت نفسًا عميقًا، وتراجعت في ارتباك، وأغلقت الباب، تاركةً إيّاي أعمى من جديد.
في غرفة الطعام، صمتت الأصوات الآن. كان إخوتي قد أوَوْا إلى غرفهم، ووالداي إلى غرفتهما، و… أنا إلى غرفتي. قلّبتُ عينيّ، ومددتُ يدي، واسترجعتُ القصعة. كانت لا تزال دافئة. ورغم وجبة العصر، كنتُ ما أزال جائعًا، فلم أزدرِ الحساء. شربتُه كلّه. لم يكن مُشبِعًا كثيرًا، لكنّ طعمه كان لذيذًا.
وبعد أن وضعتُ القصعة الفارغة، وقفت. تحسّستُ طريقي إلى الباب. وجدتُ القفل، وفحصتُه، وأنا أدعو ألّا أكسره، أخرجتُ أداةً لفتح الأقفال وشرعتُ أشتغل كما يليق بالخنجر الأسود الذي كنتُه.
استغرقني الأمر طويلًا، لكنّني فتحته. دفعتُ الباب. صرّ، فتقلّص وجهي…
«أشيغ؟»
قفزتُ. جاءت الهمهمة من اليمين، من تحت نافذةٍ مغلقة المصاريع. رأيتُ شكلًا مُمدّدًا على فراش قشّ. أوه، لا…
«من أنت؟» همست.
«سام»، أجاب. «سامفين. أفزعتني حتّى الموت. كيف…؟ كيف خرجت؟»
ابتلعتُ ريقي.
«أه… كان مفتوحًا»، كذبت. وأخفيتُ أداة فتح الأقفال بسرعةٍ وأضفت: «سأرحل. عليّ أن أخرج.»
كان سامفين قد نهض ملتفًّا ببطّانيّته. تحسّس طريقه نحوي.
«أشيغ. لا أظنّها فكرةً جيّدة. في هذا الوقت من الليل… الناس لا يخرجون، أتفهمني؟ لا تخرج. سيغضب أبي.»
«غضب أصلًا»، أجبت. «وهو لا يحبّني. وأنا لا أُحبّه أيضًا. سأرحل.»
كان الباب المؤدّي إلى الدكّان مفتوحًا. اتّجهتُ إلى هناك. تبعني سامفين.
«انتظر، هذا غير صحيح!» همس لي. «قبل قليلٍ سمعتُ أبي وأمّي يتحدّثان. يقول أبي إنّ… أه… حسنًا. يقولان إنّ…»
صمت. كنتُ قد توقّفتُ قرب باب الخروج. أثار سامفين فضولي.
«يقولان ماذا؟» سألت.
تردّد سامفين.
«يقولان إنّ بوسعهما ربّما أن يفعلا شيئًا لأجلك. وإنّ ذلك أفضل من ألّا يفعلا شيئًا. هذا ما كانا يقولانه. أرجوك يا أشيغ»، ألحّ. «لا تذهب.»
ابتلعتُ ريقي وسحبتُ المزلاج. حاول سامفين أن يوقفني، فدفعتُه كما كنتُ أفعل بأيّ غواكٍ يُزعجني، لا بعنفٍ ولا برفق، بل بحزم. وبدا أنّ ردّة فعلي جرحته. ودون أن يتدخّل أكثر، احتجّ:
«أشيغ…»
فتحتُ الباب، فرنّت أجراس. شحب لوني ورفعتُ بصري إلى الشيء المعلّق خارج الباب مباشرة. الأمّ الصالحة، لم أُفكّر في ذلك. قال سامفين بصوتٍ خافت:
«أتعلم؟ كنتُ دائمًا أظنّ أنّنا فقدناك بسببي. لأنّني مرضت، فذهبتَ لتجلب الشراب و… حسنًا، أعني… لا تَضِعْ من جديد.»
للحظة، بقيتُ عاجزًا عن الكلام، بل متأثّرًا. لكنّني لم أستطع الانتظار أكثر، فربّما سمع الحلّاق الجرس. فتحرّكت.
«آسف يا سامفين. لا أستطيع البقاء. حقًّا.» وخطوتُ إلى الخارج. الأمّ الصالحة، كم كان البرد قارسًا في الشارع… وأضفت: «اسمع، ليس ذنبك أنّني ضِعت. كان ذلك… بسبب العاصفة، والبارد، والثلج، وما أدراني، على أيّة حال… لم يكن ذنبك.»
وفجأةً سمعتُ وقع خطًى ورأيتُ ضوءًا يظهر في غرفة الطعام. نفختُ ووليّتُ الأدبار بأقصى سرعة، أعرج قليلًا، فقد كانت قدمي اليسرى تؤلمني، إذ علِق فيها شيءٌ خلال المطاردة الأخيرة مع الفلّاح. لا شيء خطير، حسبت، لكنّه كان مزعجًا.
كانت الريح شتويّة، وكان الثلج يتساقط، والشوارع شبه مقفرة. ولمّا دخلتُ حيّ القطط، بحثتُ عن مخبأ في المتاهة وقتًا طويلًا قبل أن أُقرّر أخيرًا ترك أدوات فتح الأقفال والسكّينين في تجويفٍ صخريّ في آخر زقاقٍ مسدود. كان جرس الليل الأوّل قد قُرع للتوّ حين وصلتُ إلى الروح المرِحة متجمّدًا مبتلًّا مرتعشًا. لم أدخل الحانة: التففتُ حولها، ودخلتُ الزقاق المسدود، وصعدتُ الدرج العتيق، وطرقتُ باب لو بور.
ألصقتُ أذني بالخشب وكدتُ أطرق ثانيةً حين سمعتُ صوتًا مكتومًا:
«من الطارق؟»
«أ-أربع-مئة»، قلتُ وأسناني تصطكّ.
كان البرد ينخر عظامي. سُمع صوت أقفال، وانفتح الباب.
«أربعمئة»، نفخ لو بور. تردّد. «إذن، لم يُمسكوا بك في النهاية. ما الأمر؟»
لففتُ ذراعيّ حول نفسي، مرتجفًا من رأسي إلى قدميّ.
«أ-أيمكنني الدخول؟»
تنهّد لو بور وأومأ، مُفسحًا لي. دخلت، فأسرع بإغلاق الباب ليحجب البرد. أوّل ما رأيتُه كان الموقد يبثّ حرارته. ثمّ الفتى الأشقر، النائم بهناءٍ وسط كومةٍ من البطّانيّات غير بعيدٍ منه. هتفت:
«الذئب الصغير!»
واندفعتُ نحوه. كان نائمًا، وما همّ ذلك. أمسكتُه من صدره، وعانقتُه، وبمنتهى الحذر أيقظتُ المورجاس في عظامه. حاولتُ أن أستعمل أقلّ ما يمكن من الطاقة. لم يستيقظ الذئب الصغير تمامًا حتّى: حرّك رأسه ويده قليلًا، لكنّه لم يفتح عينيه. بدا سعيدًا جدًّا!
«من هذا الفتى بحقّ الجحيم؟» سأل صوتٌ فجأة.
رفعتُ رأسي قليلًا وفتحتُ عينيّ على اتّساعهما حين رأيتُها. هي. سيّدة لو بور. ملكة إستِرغات. بطلة الورق. كانت قد انسلّت لتوّها من الفراش بلا أدنى خجل، ورأيتُها ترتدي ثوب نومٍ أبيضَ وخُفّين، بينما أجاب لو بور بنظرةٍ محرَجة:
«إنّه أربعمئة. حدّثتُكِ عنه من قبل. إنّه…»
«بالطبع حدّثتني عنه!» صاحت. «لكن انظر إليه! إنّه يرتجف من البرد! تعال إلى هنا يا صغيري. تعال.»
مذهولًا، تركتُ الذئب الصغير مُمدّدًا هناك وقبِلتُ اليد التي مدّتها إليّ السيّدة. وقفت. ولدهشتي، بدأت تفرك يديّ وقد بدا عليها أسفٌ شديد.
«يداه متجمّدتان! أرأيتَ يا عزيزي؟ يا للمسكين. وحين أُفكّر أنّك أنقذتَ شيولي* من السجن! أنت من برَد القضبان، أليس كذلك؟ أنت فعلتَ، صحيح؟»
شعرتُ بيدها الدافئة على خدّي، وبدت عيناها الزمرّديّتان الخضراوان فجأةً جميلتين إلى حدٍّ لا يُصدَّق.
«نعم يا سيّدتي»، أجبتُ مبتسمًا لهذا الترحيب الحارّ. «أنا فعلت.»
هزّت رأسها متأثّرة.
«ليس لديك مكانٌ تذهب إليه، أليس كذلك؟»
أومأت، وواصلت السيّدة مداعبة جبيني وعنقي وذقني وهي تقول:
«يا للمسكين. وفي هذا البرد! بالطبع لن نتركك في الخارج. تُريد أن تنام في مكانٍ دافئ، أليس كذلك؟»
«آه، أجل أُريد يا سيّدتي»، اعترفت.
منحتني ابتسامةً فاتنة، ونزعت عنّي المعطف المبتلّ، وقالت للو بور:
«اذهب واجلب ماءً لنُسخّنه.»
نفخ لو بور غير مرتاح.
«عزيزتي، لن تغسليه الآن، أليس كذلك؟»
«إنّه أوسخ من جرذ، بالطبع سأغسله الآن! اذهب واجلب ماءً»، أمرت.
تنهّد لو بور، لكنّه أطاع لدهشتي وخرج بدلوين. ثمّ بدأت السيّدة تنزع عنّي ثيابي، وهي تقول لي وهي تفعل:
«حسنٌ أنّك كنتَ هناك لتُخرج شيولي من القرنفل. أقول له دائمًا أن ينتبه للسانه. الشتائم لا بأس بها بين الأصدقاء، لكن لا مع الأغنياء الذين لا تعرفهم. لكن، على أيّة حال، كم أنت نحيل! هل أكلتَ شيئًا اليوم؟»
وخشيةَ أن تفتر شفقتها، كذبتُ وقلت:
«لا يا سيّدتي.»
ولسعادتي، تحسّرت:
«لا شيء البتّة؟ لا بدّ أنّك تتضوّر جوعًا! ما إن يعود شيولي حتّى أُرسل في طلب الطعام»، وعدتني.
ابتسمتُ وفكّرتُ أنّني، في النهاية، سآكل الليلة أكثر ممّا أكلتُ في حياتي كلّها. مرّرت السيّدة أصابعها الدافئة على إحدى كدماتي. قطّبت، لكنّها لم تسأل سوى:
«أيؤلمك؟»
«لا يا سيّدتي، بالكاد»، قلتُ متمنّعًا. فقليلٌ من الشفقة أمرٌ طيّب، لكنّ كثيرها قد يكون سيّئًا أيضًا… واعترفت: «لكنّ قدمي تؤلمني. هذه. اليسرى.»
أريتُها باطن قدمي، فقالت بتكشيرة:
«يا للهول… يبدو أنّك دستَ على شيءٍ خبيث، أليس كذلك؟ لا بدّ أنّ ذلك مؤلم.» ضغطت بأظافرها فصرخت. «هيه، هيه، لا تتذمّر. أخرجتُها. أترى؟ إنّها شوكةٌ من… أه… من يدري. لا تقلق، ما إن يأتي الماء حتّى أُداويها لك: عندي جارافيل. الجارافيل يشفي كلّ شيء!» ابتسمت وأضافت بفضول: «وما كلّ هذا؟»
كانت تقصد قلائدي. ابتسمتُ من جديد وشرحتُ، آخذًا إيّاها واحدةً واحدة:
«هذه تمائمي. هذه تميمتي منذ كنتُ صغيرًا. تجلب لي الحظّ. وبهذه أدعو القدّيس الشفيع. وهذه هديّةٌ من أعزّ أصدقائي. والزرقاء للذئب الصغير. أحتفظ بها له تحسّبًا. وهذه لكي لا تُهاجمني الذئاب.»
«أرى أنّ لديك من الحماية أكثر ممّا لقدّيس!» ضحكت السيّدة. «وأين هو أعزّ أصدقائك هذا؟»
فتحتُ فمي. ثمّ أطبقتُه. وخفضتُ عينيّ إلى الأرض. لم أجرؤ على إخبارها بأنّ روغان وقع في يد فراشلوك. وأنّ ذلك ذنبي. وإذ فسّرت السيّدة صمتي، بدت متأثّرةً وضمّتني إليها، وطبعت قبلةً ناعمةً على جبيني.
«يا مسكيني الصغير»، تمتمت.
لفّتني ببطّانيّةٍ كبيرة وبدأت تُثرثر وهي تضع مزيدًا من الفحم في الموقد. لا أدري عمّ كانت تتحدّث؛ كنتُ أُصغي فحسب إلى صوتها المرح، ولا أزال مأخوذًا بعناقها وعينيها الزمرّديّتين. ولمّا عاد لو بور، وضعت السيّدة الماء على الموقد وأرسلت حبيبها ليجلب بعض الطعام. قلّب عينيه لكنّه لم يُعلّق وخرج من جديد. ولمّا سخُن الماء، صبّته السيّدة في طستٍ كبير وقالت لي:
«انزع تلك البطّانيّة وادخل هنا.»
أطعت، وبدأت السيّدة الجميلة تُصبّنني بنفسها. لم يُعجبني كثيرًا أن تهزّني بإسفنجتها، فقد كانت تفرك بقوّةٍ شديدة، وكان طعم الصابون كالشيطان، وكان يلسع عينيّ. وحين بدأتُ أتململ، وأحمي وجهي، وأتمتم ببعض «سيّدتي…» و«ما هذا، تبًّا للجحيم…»، طقطقت السيّدة بلسانها وقالت لي: لا تتحرّك واصمت. لا أدري أكان ذلك خوفًا من أن تغضب سيّدة لو بور، وهي التي كانت لطيفةً معي إلى هذا الحدّ، لكنّني بقيتُ مشدود القامة وصمتُّ كالبطل. وأخيرًا، ألقت الساحرة دلو ماءٍ فوق رأسي، هكذا، بلا إنذارٍ ولا شيء. صرختُ مذعورًا وسمعتُ قهقهةً عظيمة.
«أخشى أنّكِ صدمتِ الفتى بالفعل»، علّق لو بور مستمتعًا. وصل بصينيّةٍ محمّلةٍ بالطعام ووضعها على الطاولة، مضيفًا: «أذكر أنّ أمّي كانت تفعل بي الشيء نفسه تمامًا. كان تعذيبًا! وحين كنتُ أُحاول الهرب، كانت تُطاردني بالصابون. وذات يومٍ أغضبتُها كثيرًا حتّى جعلتني أبتلعه، أحكيتُ لكِ ذلك يومًا يا ملكتي؟»
تنشّقتُ الرائحة الطيّبة فسال لعابي على الفور. كانت تلك الصينيّة تفوح منها رائحةٌ رائعة. ضحكت الملكة وهي تُجفّف أذنيّ بمنشفة:
«آه، لا يُدهشني ذلك، لا بدّ أنّك كنتَ شيطانًا صغيرًا. لم تتغيّر البتّة»، مازحته.
«كيف لم أتغيّر؟» ردّ لو بور مُصطنعًا الاستياء. «لو كنتِ أنتِ من يُطاردني بالصابون، لما هربت، أؤكّد لكِ.»
وتقدّم آخذًا الملكة من خصرها بشغفٍ واضح. لكنّها أفلتت منه محتجّةً:
«تأدّب يا عزيزي. لدينا ضيف.» ثمّ، بعد أن رمقتني من رأسي إلى قدميّ بنظرةٍ ناقدة، ابتسمت وقد بدت راضية، ولفّت المنشفة حولي، وقالت: «العشاء جاهز.»
قفزتُ من الطست وجلستُ لآكل الحساء وقطعةً من سمك التروتة. وبينما كنتُ آكل، انشغلت السيّدة بدهن باطن قدمي بمادّةٍ مائلةٍ إلى الصفرة. أمّا لو بور فكان يطبّل على الطاولة، وقد بدا واضحًا انزعاجه من كلّ هذا الفيض من اللطف الذي لم يكن موجَّهًا إليه.
ولمّا انتهيت، أخرجت السيّدة رزمة ورق، فنفخ لو بور.
«تغسلينه، وتُطعمينه، وتنزعين الأشواك من قدمه… والآن تُريدين لعب الورق؟»
«ما الأمر يا عزيزي؟ ألعلّك تغار؟» عابثته السيّدة.
جلست إلى الطاولة بأناقة ملكة، وبدأت توزّع الورق بسرعةٍ بدت أعجوبة. وبينما كنّا نلعب، ظلّت السيّدة تُثرثر: تحدّثت عن ألعابٍ رائجةٍ جدًّا في نوادي القمار في أنحاء إستِرغات، وعن أناسٍ لا أعرفهم، وعن الحفلات الراقصة، وعن الرهان… حتّى إنّها كشفت لي حيلةً لحفّ حواف الورق، تعلّمتُها بسرعةٍ جعلتها تُغدق عليّ المديح.
ولمّا كانت الملكة عاجزةً عن اللعب دون رهان، راهنّا على من ينام في السرير ومن لا ينام. خسر لو بور، وتحت نظرته القاتلة، أكّدتُ له أنّني لا أُمانع النوم على الأرض إلى جانب الذئب الصغير. لكنّ السيّدة لم تكن تُحبّ خرق قواعد الرهان. وحين حاججتُ بأنّ في السرير متّسعًا لثلاثتنا، علّق لو بور من بين أسنانه:
«أنت لا تُحسّن الأمر يا أربعمئة.»
منحتُه عبوسًا اعتذاريًّا، فهزّ رأسه مستسلمًا. وأمرٌ لا يُصدَّق: كانت السيّدة الشخص الوحيد الذي عرفتُه قادرًا على ترويض طبع لو بور الحسّاس. فنام شيولي العزيز قرب الموقد في بطّانيّات الذئب الصغير، ونقلتُ أنا الذئب الصغير إلى السرير بيني وبين السيّدة. شعرتُ بحرجٍ شديدٍ من لو بور حتّى بالكاد استطعتُ أن أنام. لكنّني تمكّنتُ أخيرًا من الاسترخاء، ونمتُ كروحٍ مباركة.
* شيولي: اسمُ تحبّبٍ، أقرب إلى «يا عزيزي».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion