Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 51
كنّا كالملوك تحت الأغطية. كلّ شيءٍ دافئٌ، وثيرٌ، بديع. رمشتُ ورأسي مدفونٌ في الوسادة براحة. ومن بين شقوق المصاريع المغلقة تسلّل ضوءٌ خافت، ومعه همهمة مدينةٍ تستيقظ ببطءٍ من سُباتها… لكان استيقاظًا رائعًا لولا وجه لو بور المُعلَّق فوقي بتعبيرٍ ينذر بالشرّ. ابتلعتُ فزعي، وقلتُ وأنا أفيق فجأةً بنبرةٍ بريئة:
«أيو يا بور…»
أخطأتُ الحساب. أمسكني لو بور من القميص الذي «أعارني» إيّاه بطلبٍ من سيّدته، وهزّني.
«بور وأمّك يا أربعمئة!»
«سيّدي!» هتفت.
وقد برقت عيناه، رفع قبضته ولوّح بها تحت عينيّ مهدّدًا.
«ستدفع ثمن ذلك»، زمجر.
لم أفهم تمامًا ما عناه بذلك، لكنّني فهمتُ أنّ لو بور مستاء. وأنّ السيّدة كانت قد رحلت ولم تكن هناك لتقول لشيولي* العزيز أن يهدأ. أمّا الذئب الصغير، وكان قد استيقظ، فكان واقفًا على كرسيّ. وقد التفت لتوّه لينظر إلينا…
تصرّفتُ بسرعة. نزلتُ من السرير وأقسمت:
«سأرحل، تمشي، سأرحل!»
«مهلًا لحظة»، ردّ لو بور. ورمى ثيابي في وجهي. «أعِد إليّ القميص، إنّه لي. الكفّ الباردة انتزعت منّي وعدًا بأن أمدّ لك يد العون، لا بأن أدَعك تستعمل السرير الذي تنام فيه سيّدتي! بحقّ الأرواح، إن أخبرتَ أحدًا بهذا، اقتلعتُ لسانك وعينيك، مفهوم؟»
أومأتُ بحماسٍ وأنا أرتدي ثيابي على عجل.
«ولا كلمة يا سيّدي. ولا كلمة واحدة. لم أقصد قلّة احترام. أقسم. كانت السيّدة هي…»
«اتّهِم سيّدتي وستنال واحدة»، حذّر لو بور وهو يهزّ قبضته في وجهي.
«تمشي يا سيّدي»، نفخت.
أعدتُ قلائدي الخمس إلى عنقي فورًا، ووضعتُ قبّعتي، وأخذتُ الذئب الصغير. كدتُ أسأله عن فراشلوك، وعن تلك السياتوات الثمانمئة والأربعين، وعن حكاية أنّ الكفّ الباردة أنقذت حياته… لكنّ لو بور كان منزعجًا، وحين ينزعج لو بور فلا مجال للنقاش. تعلّمتُ ذلك في القرنفل. فلمّا فتح لي الباب، خرجتُ مُطيعًا. أُغلق الباب دون حتّى «أيو». تنهّدتُ وتمتمتُ بتكشيرة:
«أيو، أيو…»
نزلتُ الدرج، وأنزلتُ الذئب الصغير، وما إن خرجتُ من الزقاق المسدود حتّى صفا مزاجي من جديد. تذكّرتُ سمك التروتة، ولعبة الورق، والبطّانيّات الدافئة، ووجه الذئب الصغير السعيد… ليت روغان حظِي بليلةٍ طيّبةٍ مثلها! وذكّرتني الفكرة بالماسة، فتزعزع مزاجي الطيّب قليلًا. تلك الماسة اللعينة…
خفضتُ بصري إلى الفتى الأشقر وابتسمتُ له.
«إيه يا ذئب صغير. أجائعٌ أنت؟» أومأ وهو يمضغ بلا اكتراث، وأعاد إصبعين إلى فمه دون أن يرفع عينيه عنّي. فتّشتُ في جيبي بلا أملٍ كبيرٍ وتنهّدت. «حسنٌ، ليس معي مسمار. لكن لا بدّ أنّ عند أحد رفاقي بعضًا منها. أراهن بقطعة خمسة مسامير أنّهم عند السريع، أتراهن؟» قلت.
وانطلقنا. كان الوقت ما يزال باكرًا جدًّا، وكان محتملًا أن يكون مانراس وديل، بتأثيرٍ من الغطّاس، قد تركا الجرائد وما زالا في المأوى، في البيت الخرِب فوق أخدود الميدان. وهناك كانا فعلًا. رأيتُهما أمام البيت، واقفَين في حلقةٍ مع غواكاتٍ آخرين يتناقشون في أمرٍ مهمٍّ على ما يبدو. حسنٌ، لم يكن مانراس وديل يتكلّمان: بل الأكبر سنًّا هم من كانوا يتكلّمون. وكنتُ قد شرعتُ أنضمّ إليهم حين اندفع اثنان منهم أحدهما نحو الآخر وتدحرجا على الأرض، يشدّ كلٌّ منهما شعر الآخر ويُمطره باللكمات. وصفّق الباقون بأيديهم وأنشدوا نشيد المعركة، وهو ببساطة: تدحرج، تدحرج…! وبالفعل، كان الخصمان يتدحرجان. تثاءبتُ ومضيتُ إلى ديل. دفعتُ رأسه.
«شيور*! أتعرف أين الغطّاس؟»
وما إن رآني مانراس حتّى صاح:
«يا حاذق! راغوك قال للين إنّه لا يريد أن يدفع الخمسة والعشرين التي يدين له بها!»
وأجابني ديل:
«لم أرَه ليلة أمس يا حاذق. قال أن ننتظره هنا هذا الصباح لأنّه ربّما يحتاج إلى نجدةٍ لا أدري لماذا. أين القِسّ؟»
كشّرت.
«إنّه بخير»، طمأنتُه. وبارتيابٍ كرّرت: «أيّ نجدة؟ أيريد أن يعمل ضربةً مزدوجةً معكما أم ماذا؟»
«البتّة»، ضحك مانراس. وخفض صوته كالمتآمر وهمس في أذني: «الغطّاس لم يعُد يغطس في الجيوب. صار سفيرًا الآن.»
«سفيرًا؟» كرّرتُ غير فاهم.
هزّ مانراس كتفيه، كأنّه يقول إنّه لا يعرف أكثر منّي. مممف… وإذ قرّرتُ ألّا أنبش أكثر في شؤون الغطّاس، سألت:
«أعندكما بعض المسامير؟ ليست لي، بل للذئب الصغير. اليوم سيبقى معكما. تمشي؟»
«تمشي»، وافق كلاهما.
ابتسمتُ لهما والتفتُّ إلى راغوك ولين. كان الشجار قد أوشك أن ينتهي، وكان لين على وشك الفوز. وفي النهاية، سيضطرّ راغوك إلى دفع تلك المسامير الخمسة والعشرين… وحسمت لكمةٌ النصر. نهض كلاهما مُوحِلَين مكدومَين، وبكرامة المهزوم، صافح راغوك لين. وها هما ذان صديقان من جديد.
«حسنٌ، أنا ذاهب»، أعلمتُ رفيقيّ. «اعتنيا بالذئب الصغير. أيو!»
ردّا تحيّتي، ومضيتُ مبتعدًا في الشارع ويداي في جيبيّ. وما كدتُ أخطو خطواتٍ قليلةً حتّى سمعتُ من ينادي عليّ:
«يا سميّي، ما الأخبار!»
التفتُّ فرأيتُ السريع خارجًا من البيت الخرِب بخطوةٍ نشِطة. صمت الغواكات الآخرون وتابعوا الكاب بأعينهم وهو يمشي نحوي. كانت في يده عصًا. ولمّا رأيتُ رأس الوشق المنحوت، شهقت. كانت تلك هي العصا التي سرقها منّي السريع في الربيع.
توقّف الإلف الأحمر الشعر أمامي. كان قد طال، ولا بدّ أنّه صار في طول يال. اتّكأ على العصا وقال:
«هيّا يا سميّي. أوّلًا تأتي في منتصف الليل وتتحدّث مع الغطّاس حتّى الصباح، ثمّ يأتي رفاقك ويستقرّون هنا، والآن تجلب لنا طفلًا صغيرًا. حسنٌ إذن، قل لي مرّةً وإلى الأبد يا غواك: أراحلٌ أنت أم باق؟» باغتني السؤال حتّى لم أدرِ بمَ أُجيب، فرفع العصا أمام عينيّ وكرّر: «راحلٌ أم باق.»
أومأت. وما كان بوسعي أن أُعطي جوابًا أشدّ إبهامًا، فقلّب السريع عينيه.
«أراحلٌ أنت؟»
«باقٍ»، أجبتُ فجأة.
لم يكن القرار عسيرًا جدًّا: فرفاقي والذئب الصغير كانوا هناك أصلًا، ولم يكن لي مكانٌ آخر أذهب إليه، والسريع، رغم كلّ شيء، لم يكن فتًى سيّئًا.
قوّس سميّي حاجبًا لجوابي المفاجئ وأومأ متفكّرًا.
«هذا إن قرّرتُ أنا أنّ بوسعك ذلك»، استدرك.
نظرتُ إليه، لا متوسّلًا ولا متعجرفًا، وانتظرتُ حكمه. أدار الإلف العصا، ولعب بها، ولاحظ:
«كلّ غواكٍ جيّدٍ يجتاز اختبارًا قبل أن يدخل عصابتي.» صمت ثمّ أضاف: «لنفعلها الآن. الجميع تقريبًا هنا، لا يغيب سوى ثلاثة. ألديك وقت؟»
هززتُ كتفيّ وقلت:
«لديّ.»
«ألديك جرأة؟»
أطبقتُ فكّيّ.
«أكيدٌ لديّ»، قلت.
ابتسم السريع وحذّرني:
«لا تجبُن.»
«لن أجبُن.»
«ولا تتذاكَ.»
كشّرتُ ولم أُجب. ثمّ تلقّيتُ ربتةً صغيرةً بالعصا على ذراعي.
«اتبعني.»
أدار لي ظهره ونادى الغواكات الآخرين. دخلنا جميعًا البيت الخرِب. كان الغطّاس محقًّا: كان المنظر من هناك بديعًا. في البعيد كنّا نرى أشجار السرداب، والأخاديد، والنهر المتلألئ…
«إذن، أكلّنا متّفقون؟»
ذكّرني صوت السريع بأنّنا في وسط طقس انضمام. كان الجميع قد شكّلوا الآن حلقةً حولي وحول الإلف الأحمر الشعر، وأيّدوا بـ«طبيعيّ» و«تمشي معي» وإيماءاتِ موافقة. إذن، وافق الجميع على قبولي في العصابة. ولم يكن ذلك مفاجئًا: فكلّنا كنّا نعرف بعضنا. بل إنّ بعضهم كانوا سوكواتيين من البئر، وكنّا نتقاسم البؤس نفسه والحياة نفسها. وكانوا يحسبونني غواكًا جيّدًا.
«مانراس. ديل. وأنتما أيضًا»، أمر السريع.
دخل رفيقاي الحلقة. ولم يبدُ أنّ أيًّا منهما يعرف بالضبط ما سيحدث. ربتُّ على ذراعيهما لأُفهمهما أنّ كلّ شيءٍ طبيعيّ، ونظرتُ في عينَي السريع.
«انزعوا معاطفكم وشمّروا أكمامكم»، قال الكاب.
وضعنا معاطفنا وشمّرنا نحن الثلاثة أكمامنا. وكان سائر الغواكات يشاهدون المشهد كما لا بدّ أنّهم شاهدوه مرارًا من قبل، بتعابيرَ جادّةٍ منتبهة. وأخيرًا أخرج السريع سكّينًا من كيسه. وكان قد شمّر أكمامه هو أيضًا، وقال:
«أُقسم بأسلافي أن أحمي عائلتي الجديدة وأُعينها.»
ودون إنذار، شقّ ذراعه. فظهر خطٌّ أحمر رفيع. كانت ذراعه مغطّاةً بالندوب أصلًا، لاحظت. غير أنّه بالكاد يمكن رؤيتها، فذراعا السريع مجدورتان كوجهه. وناولني السكّين الذي احمرّ بالدم.
«الآن أنت.»
ابتلعتُ ريقي وفكّرتُ أنّه من حسن الحظّ أنّ عليّ أن أشقّ ذراعي لا يدي اليمنى، وإلّا لدُهشوا حين يرون أنّها لا تنزف. كان مانراس يتنفّس على عجل، فهمست:
«اهدأ يا مانراس.»
أخذتُ السكّين، ووضعتُ طرف النصل أسفل مرفقي قليلًا، وقلتُ بصوتٍ عالٍ واضح:
«أُقسم بأسلافي أن أحمي عائلتي الجديدة وأُعينها.»
أخذتُ نفسًا عميقًا، ودون ارتجاف، تحت أعين رفاقي المقبلين المتيقّظة، حاكيتُ السريع وشققتُ ذراعي. بالكاد شعرتُ بالألم: كنتُ معتادًا عليه أكثر من اللازم بسبب السوكواتا. وبرباطة جأش، مرّرتُ السكّين إلى ديل وهممتُ بلعق جرحي، لكنّ السريع أوقفني واضعًا يده على كتفي. ابتسم لي.
«أهلًا بك في عصابتي يا سميّي.»
في تلك اللحظة، عرفتُ من نظرة عينيه أنّه سعيدٌ حقًّا بوجودي في عصابته. بادلتُه الابتسامة، مسرورًا باجتياز الاختبار، والتفتنا كلانا إلى رفيقيّ. كانا متوجّسين. وتحت نظرتي النافدة الصبر، تعجّل ديل قول الصيغة، وأحدث شقًّا سخيفًا إلى حدٍّ ما، ونظر إلى السريع كأنّه يسأل: «أيكفي هذا؟» قلّب الإلف عينيه، وأومأ، ورحّب به. أمّا مانراس فلم يقوَ على شقّ ذراعه، وتلعثم بشيءٍ عن دوارٍ أصابه. دوارٌ وأمّك… لأجل شقٍّ صغيرٍ في الذراع فحسب؟ وفي النهاية اضطُررتُ إلى مساعدته، وتنحنح سميّي قبل أن يقول:
«أهلًا بك في العصابة.» وربّت على خدّ مانراس بنظرةٍ ساخرة وأضاف: «العائلة تساوي أكثر بكثيرٍ من جرح، يا شيور.»
أومأ مانراس بحماس.
«طبيعيّ!»
وكأنّما ليُفرّغ توتّره، أخذ يقفز بين كلّ الغواكات الحاضرين، عارضًا جرحه كغنيمة. ورُحِّب بنا ترحيبًا عامًّا في صخبٍ فوضويّ، وبعد مصافحاتٍ كثيرة، تأمّلتُ كلام السريع. عائلة، كرّرتُ لنفسي. نظرتُ إلى رفاقي الجدد وهم يبتعدون، يثرثرون، ويتدافعون، ويتثاءبون، ويضحكون… فابتسمت. حسنٌ، طبيعيّ. كانوا أفضل عائلةٍ يمكن أن تكون لغواك. ولم تكن تُشبه أيّ عائلةٍ أخرى. كانوا عائلةً حقيقيّة. وهي الآن عائلتي. اتّسعت ابتسامتي. وفجأةً شعرتُ أنّ انضمامي إلى عصابة السريع كان قرارًا جيّدًا بجنون.
وضعتُ يدي على رأس الذئب الصغير الأشقر وهو يراقب الضجّة بفضولٍ عظيم.
«حسنٌ، صارت لك عائلةٌ لا بأس بها يا ذئب صغير، لا يمكنك أن تشتكي، أليس كذلك؟» ووقفتُ منتصبًا في وسط الأطلال، أتأمّل المنظر البديع. «الأمّ الصالحة، ما أجمله»، تمتمت. وإذ أدركتُ أنّ الذئب الصغير لا يرى كلّ شيءٍ من ذلك الانخفاض، حملتُه بين ذراعيّ وقلت: «انظر إلى هذا يا شيور! يعجبك، أليس كذلك؟ ألا يعجبك البيت؟» لم يتحرّك الذئب الصغير، فنفختُ وأنزلتُه إلى الأرض من جديد. «يا دِمورجِد الصغير. بالطبع يعجبك. لسنا في دفء بيت السيّدة، لكن لن يطردنا أحدٌ من هنا… إيه، ما الذي معك هناك؟» سألت. أخذتُ يده الصغيرة. كان الصغير يقبض على عظمةٍ صغيرة. ولمّا رأيتُها، ضحكتُ متأثّرًا. «الأمّ الصالحة، أنت تُشبهني! مُصّها، هكذا، هكذا، لكن لا تبتلعها وإلّا صفّيت. كان معلّمي يقول: حيث توجد عظمة، يوجد أمل. كان يقول إنّ العظام تُخبّئ كنوزًا. أتُصدّقني يا شيور؟ كنوز!»
ابتسم لي الذئب الصغير والعظمة بين أسنانه. بدا مضحكًا إلى حدٍّ جعلني أقهقه وأظلّ أضحك عليه حينًا. وقلتُ مرارًا إنّني راحل، وإنّ لديّ شغلًا، لكن كان ثمّة دائمًا ما يُلهيني. أطلعني السوكواتيون على أفضل الأماكن للبحث عن الأسوفلا، وحدّثتُهم أنا عن الخيميائيّ وتجاربه التي لا تنتهي؛ وساعدتُ في تنظيف البيت بمكنسةٍ صنعها الكاب بيديه؛ وأخيرًا، تسلّقتُ مع لين المِقدام أعلى جدارٍ متهدّمٍ بقي واقفًا، وهناك، في القمّة، أراد لين أن يُثبت لي أنّه، بوصفه نظريًّا ابن موسيقيّ، يعرف من الأغاني أكثر ممّا أعرف. وشرعنا نعدّها حتّى الإعياء… وهكذا، بين حماقةٍ وأخرى، بقيتُ هناك الصباح كلّه تقريبًا. وأخيرًا، إذ رأيتُ الرفاق يذهبون واحدًا تلو الآخر ليكسبوا خبزهم، قرّرتُ أن أتحرّك، وودّعتُ الجماعة. كان قد آن أوان الذهاب لإنقاذ روغان.
استرجعتُ أدوات فتح الأقفال من مخبئي في وسط المتاهة، ومضيتُ إلى شارع العظام. لم أدخله هو، بل الشارع الموازي له. دخلتُ زقاقًا مسدودًا، وبعد أن تأكّدتُ أنّ أحدًا لا يراني، شرعتُ أتسلّق ميزابًا إلى سطح مبنًى. وفي لحظةٍ ما انزلقت، لكنّني تشبّثتُ أشدّ، وفي لحظاتٍ كنتُ في الأعلى، مختبئًا بين سطحين، غير بعيدٍ، كما ظننت، عن النُّزُل. وبالفعل، بعد أن عبرتُ سطحين، صادفتُ مبنًى أعلى قليلًا، وخُيّل إليّ أنّني تعرّفتُ على نافذتَي المكتب العلويّ، حيث يحفظ كورثر مزهرياته وكتبه وسجّاده، ولم يكن لي إلّا أن آمل أنّه يحفظ فيه ماساته أيضًا.
وتقدّمتُ من قرميدةٍ إلى قرميدة حتّى دنوتُ من الجدار تحت إحدى النافذتين مباشرة، وتحسّستُ مواضع أتشبّث بها في التسلّق. فوجدتُها. وتردّدت، جاثمًا إلى الجدار، أُفكّر. كان النهار قد طلع. ولم يكن مستحيلًا أن يراني أحدٌ من الشارع أو من نافذة، وحينها… سأكون في ورطةٍ كبيرة. ثمّ إنّني كنتُ قد وعدتُ حفيد فراشلوك بأن أدَعه يرافقني لسرقة دمعة الريح. ليتني أستطيع أن أتيقّن أنّها في هذا المكتب…
كانت السماء مغطّاةً بغيومٍ رمادية، وبينما أنا أُفكّر متكوّرًا على سطحي، بدأت ندف الثلج تتساقط. التفكير أمرٌ حسنٌ وكلّ شيء، لكنّني في هذه الأثناء كنتُ أتجمّد.
تحرّكتُ وقلتُ لنفسي إنّ بوسعي على الأقلّ أن أذهب لأرى إن كان الدخول من تلك النافذة ممكنًا. وملتفًّا بتناغماتٍ رمادية لأختلط بالجدار، بدأتُ أتسلّق. بلغتُ حافّة النافذة ومددتُ يدي اليمنى، موقنًا أنّني سأجد إنذارًا، فخًّا… لا شيء.
قطّبتُ ورفعتُ نفسي بجهد. كانت الحافّة ضيّقةً إلى حدٍّ سخيفٍ حتّى إنّه لم يكن سهلًا أن أجد وضعًا ثابتًا. وكنتُ أفحص الفتحة، وأُفكّر أنّ بالإمكان استعمال أداة فتحٍ رافعةً، حين انطلق شيءٌ ما، لدهشتي، واخترقتني كتلةٌ من الطاقة كالصاعقة. تركتني مشويًّا. سقطتُ على قرميد البيت المجاور، ولكنتُ بقيتُ هناك مذهولًا لولا أنّ تشنّجاتٍ هزّتني فدحرجتني نحو الفراغ. وشاء حسن الحظّ أن يُقرّبني من مدخنة، وأومض في رأسي بصيصٌ من الصواب فتشبّثتُ بها واتّخذتُها سندًا.
ولمّا خفّت التشنّجات، لزمني حينٌ طويلٌ آخر لأُرخي فكّي وأتنفّس تنفّسًا طبيعيًّا. كان رأسي يؤلمني ألمًا فظيعًا. خُيّل إليّ أنّه سينفجر. كان ألمًا كالكابوس. وبيدٍ مرتجفة، مددتُ يدي إلى جيبي وأخرجتُ بعض سيقان الأسوفلا التي أعطاني إيّاها سوكواتيو العصابة. وضعتُها كلّها في فمي. لكنّها لم تُفِد صداعي في شيء.
تنهّدت. الأمّ الصالحة، أيّ فخاخٍ هذه التي لا تُكتشف إلّا بتشغيلها؟ كورثر وتُحَفه السحرية…
وما زلتُ أرتجف، عدتُ إلى الزقاق المسدود وأخذتُ أضع قدمًا أمام قدم، بخرقٍ وتخبّط، وأشعر كأنّ عضلاتي تتيبّس. وكنتُ أبلغ آخر الشارع حين سمعتُ صوتًا عن يميني.
«درائن؟»
رمشتُ وفتحتُ عينيّ على اتّساعهما. أوه، لا…
* شيولي: اسمُ تحبّبٍ، أقرب إلى «يا عزيزي».
* شيور: لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، بمعنى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion