Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 52
«درائن؟»
«ر... رولغ»، تلعثمتُ. «أنا... يسرّني أن أراك.»
نظر إليّ الإلف العجوز بفضول. كان يحمل في كلّ يدٍ دلوًا مملوءًا بالماء. هزّ رأسه هزّةً خفيفة.
«مم... وأنا كذلك يا فتى. ساعدني هنا، أتفعل؟»
«طبيعيّ!» قلتُ. لكن، في الحقيقة، كم تمنّيتُ لو أستطيع الفرار من هناك!
أخذتُ الدلوين، وسِرنا إلى النُّزُل، هو بقدمٍ عرجاء، وأنا بقلبٍ يخفق خوفًا وخجلًا. فقد كنتُ أُدبّر لسرقة كورثر، تبًّا للجحيم.
«مرّ يال ليلة أمس يسأل أين كنت»، قال رولغ بصوتٍ هادئ. خطا بضع خطواتٍ أخرى وأضاف: «سينتقل إلى دار إقامةٍ أقرب إلى الكابيتول. يقول إنّ بإمكانك أن تمرّ على عمله متى شئت». صمت. «أأنت بخيرٍ يا فتى؟»
أومأتُ. لا، لم أكن بخير. فبسبب ذلك الفخّ قبل قليل، كان رأسي ثقيلًا كأنّ جذعًا سقط عليّ. لكنّني أومأتُ على أيّ حال.
«أالقطّ الأسود في النُّزُل؟» استفسرتُ.
«ييرّيس؟» نفخ رولغ. «لا. غادر أمس دون أن يقول إلى أين يذهب. لا بدّ أنّه وجد عملًا. ذلك الفتى يتكلّم أكثر من منادٍ، لكن ما إن يأتي الأمر إلى الحديث عن نفسه حتّى يصير كجدارٍ من حجر». قالها بمسحةٍ من حزنٍ وحنانٍ ممتزجَين. وتابع: «وأنت يا فتى؟ ما الذي تفعله هنا في هذه الساعة؟ ظننتُك تعمل رسولًا.»
كشّرتُ.
«أعمل، أعمل»، أكّدتُ. «الأمر أنّني أخذتُ يوم عطلة. كان عليّ أن أجد مكانًا لفتًى صغير. لكنّ الأمر تمّ الآن، وجدتُه، وتركتُه مع رفاقي. الريح في أشرعتي»، لخّصتُ.
لا بدّ أنّ صوتي لم يبدُ متحمّسًا إلى هذا الحدّ، لأنّ رولغ رمقني بنظرةٍ فضوليّةٍ قبل أن يدخل الزقاق المسدود ويدفع باب النُّزُل. دخلتُ بالدلوين. ووقعت عيناي المذعورتان في الحال على الكاب. كان كورثر جالسًا إلى الطاولة وكتابٌ في يديه، إلى جانب فتاةٍ في مثل سنّي، وكان يقول لها متنهّدًا:
«لا عجب أنّ درجاتك في الجغرافيا كانت بهذا السوء يا ابنتي...»
وفجأةً دوّى «بانغ!» عالٍ. كان أحد الدلوين قد انزلق من يدي وتدفّق الماء كالشلّال، فأغرق الأرض كلّها.
ضربتني عينا كورثر الشيطانيّتان، وللحظةٍ تمنّيتُ لو أختفي عن وجه بروسباتيرّا.
«أنت...» هسهس.
أنزلتُ الدلو الآخر مسرعًا، والتقطتُ الذي وقع، وبين لهاثٍ ولهاث، ثرثرتُ بسرعة البرق:
«آ... آسف. سأذهب لأملأه فورًا.»
ومررتُ سريعًا بجانب رولغ المذهول، وركضتُ خارجًا بدلوي الفارغ، والدم يقرع صدغيّ. بلغتُ البئر قبل أن أدري، وساعدتُ عجوزًا على ملء دلوها قبل أن أملأ دلوي. وحين انتهيتُ، جثوتُ أمامه وغمستُ رأسي كلّه في الماء. كان شعورًا رائعًا. لم يكن الماء باردًا، لأنّه يأتي من الصخرة مباشرة. لكنّه مع ذلك سكّن صداعي على نحوٍ عجيب.
انتزعتني يدان من نعيمي. سمعتُ صوتًا غاضبًا يقول:
«أيّها الفتى الغبيّ! ليست هذه غاية دلاء الماء. لو زدتَ قليلًا لغرقت. لو كنتُ أمّك لأشبعتُك ضربًا!»
رفعتُ رأسًا يقطر ماءً نحو وجه امرأةٍ كانت قد ابتعدت أصلًا وهي ترمقني بنظراتٍ موبّخة. تنهّدتُ، وأرقتُ الماء من الدلو، وأعدتُ ملأه. وعندئذٍ فقط أدركتُ أنّني بلا قبّعة. أين تُراني تركتها؟ في البيت الخَرِب؟ لا، تذكّرتُ أنّني ثبّتّها جيّدًا على رأسي قبل أن أتسلّق الميزاب. لا بدّ أنّها سقطت أثناء نوبة تشنّجاتي. ولم يكن ذلك وحده ما تركتُه هناك: تركتُ أيضًا إحدى أدواتي لفتح الأقفال. وإذ غمرني الضيق، ضربتُ حافة البئر الحجريّة بقبضتي وتمتمتُ:
«إسطرباغ، إسطرباغ، إسطرباغ!»
وبدل أن أعود إلى شارع العظام، سلكتُ الطريق الآخر، وتركتُ الدلو على برميلٍ في الزقاق المسدود السابق، وعدتُ إلى السطوح. وجدتُ أداة فتح الأقفال، تحت النافذة تمامًا، لكن مهما بحثتُ عن القبّعة لم أعثر عليها في أيّ مكان. وأخيرًا خبّأتُ كلّ أدواتي تحت قرميدةٍ على بُعد بضعة سطوح، وإذ خطر لي أنّهم لا بدّ يتساءلون لماذا لم أعد بالدلو، استدرتُ وسلكتُ طريق النُّزُل، نصفَ ماشٍ ونصفَ مهرول. كاد صداعي يزول. وصلتُ، وطرقتُ الباب، ففتحت الفتاة. تذكّرتُ أنّ كورثر ناداها «ابنتي». كانت لها ملامح نصف إلفيّة، لكن أهي حقًّا ابنة كورثر؟ لم يخطر لي قطّ أنّ هذا الإلفوكان قد تكون له عائلة. على أيّ حال، نظرت إليّ نصف الإلفيّة بفضول. كنتُ ألهث.
«أيو»، لهثتُ. «سأضع هذا في الداخل وأمضي، تمشي؟»
وبتعبيرٍ مضطرب، تنحّت الفتاة جانبًا، فدخلتُ، وإذ لم أرَ رولغ، تركتُ الدلو في أقرب زاوية عازمًا على أن أستدير وأخرج دون أن أنظر حتّى إلى كورثر...
«لحظةً واحدة يا فتى.»
أغراني أن أتظاهر بأنّني لم أسمع، لكنّني لم أستطع. استدرتُ نحو الكاب متجنّبًا عينيه.
«نعم يا سيّدي؟»
ساد صمت.
«زينيرا. خذي الدلو إلى رولغ، أتفعلين يا عزيزتي؟»
أومأت نصف الإلفيّة الصغيرة، وأغلقت الباب الأماميّ، ورفعت الدلو، وغادرت الغرفة، لكن ليس دون أن ترمقني نظرةً فضوليّةً أخيرة. نظرتُ إليها، وإلى باب الخروج، وإلى الصورة على رفّ الموقد. نظرتُ إلى كلّ مكانٍ إلّا في اتّجاه كاب الخنجر الأسود. ماذا لو كان يعرف؟ ماذا لو خمّن؟ عندها سيفعل ما فعله فراشلوك، سيبقر بطني، وسيرمي قلبي للكلاب، و... فضّلتُ ألّا أُفكّر في الأمر أكثر. كسر كورثر الصمت.
«منحتُ ييرّيس فرصة، وقرّرتُ أن أمنحك أنت أيضًا واحدة. انظر إليّ يا فتى». نظرتُ إليه، فتابع بهدوء: «الأمر يتعلّق بالهوبيت. قلتُ لك من قبل إنّهم يحتاجون إلى الدخول إلى مكانٍ شديد الحراسة. في الواقع، يريدون الدخول إلى مكتبةٍ خاصّةٍ في المعهد. وأنت تجول في أروقته منذ أكثر من ستّة أقمار. لذا ستُرافقهم. وفي المقابل، إن أدّيتَ عملك كما يجب، سأغفر لك آثامك الماضية وأُعطيك خمسة سياتوات. اتّفقنا؟»
أومأتُ قبل أن أبدأ حتّى بالتفكير في العرض، الذي لم يكن عرضًا على الإطلاق. لم تُظهر عينا كورثر رضًا، بل ريبةً وانعدام ثقة.
«إن أخفقت»، استأنف، «إن قبضت عليك السلطات، إن أضعتَ الهوبيت أو خذلتهم... طردتُك من الأخويّة. أفهمت؟»
أردتُ أن أُجيب: وماذا لو سرقتُ منك ماسةً يا سيّدي؟ حككتُ رأسي المبلّل وأجبتُ:
«طبيعيّ، تمشي. إذًا عليّ أن أدلّهم، راوند؟»
«إلى حدٍّ ما»، أكّد كورثر. «وستفتح الأبواب إن لزم الأمر. احتفظتُ بالنسخ التي صنعتَها: سأُعطيك إيّاها في الوقت المناسب. ستجد الهوبيت في نُزُلٍ في أتويرثو؛ اسمه الحظّ. اذهب إلى هناك فورًا. يريدون أن يُكلّموك قبل تدبير الرحلة، وبما أنّك الوحيد الذي يتكلّم الكايلدرِك، ستكون الدليل المثاليّ. ما دمتَ لن تلعب علينا إحدى حيلك»، أضاف. لم يكن صوته ساخرًا، كان تحذيرًا، تحذيرًا جدّيًّا: لم يكن في وسعي ببساطةٍ أن أفشل هذه المرّة. إن فشلتُ، فوداعًا للخناجر السوداء.
أضاف كورثر رافعًا صوته:
«يا ابنتي، ليس من اللائق أن تتنصّتي.»
عندها رأيتُ نصف الإلفيّة تُطلّ برأسها ثمّ تخرج، وقد احمرّ وجهها.
«آسفة يا أبي.»
«بَه، بَه، اجلسي وراجعي جغرافيتك»، ردّ كورثر. «إن نلتِ أقلّ من ثمانيةٍ من عشرةٍ هذه المرّة، ملأتُ غرفتك بالخرائط. أمّا أنت يا فتى: تعرف ما عليك فعله. اخرج من هنا.»
أومأتُ وفتحتُ الباب قائلًا:
«أيو يا سيّدي. أيو... أه...»
صمتُّ، أنظر إلى وجه الفتاة، أُحاول أن أتذكّر اسمها. لكن بدل أن أجده، أفلتُّ:
«أنا أيضًا لا أعرف شيئًا عن الجغرافيا.»
لا أدري لماذا قلتُ ذلك. ولحيرتي، ابتسمت لي. هززتُ رأسي أخيرًا ومضيتُ، حاملًا معي صورة الفتاة المبتسمة الرديئة في الجغرافيا. كانت في مثل سنّي. وترتدي فستانًا أبيض جميلًا. وعيناها لم تكونا شرّيرتين كعينَي أبيها، كانتا بنّيّتين...
«زينيرا»، تمتمتُ وأنا أمشي مسرعًا في شوارع القطط، متّجهًا إلى أتويرثو.
كان اسمها زينيرا. تنهّدتُ. فكّرتُ في الهوبيت، وفي لوين، وفي الماسة... وتنهّدتُ ثانيةً. كنتُ أصعد الدرج إلى حيّ أتويرثو حين صادفتُ جريدةً متروكةً على الأرض فالتقطتُها، لا لأقرأها بل لأضعها على رأسي، فقد بدأ المطر. وتحوّل المطر إلى بَرَد. ودوّت بعض الرعود. وحين وصلتُ أخيرًا إلى نُزُل الحظّ، كنتُ غارقًا في الماء. لحسن الحظّ، كنتُ أعرف مكانه: فقد جئتُ إليه من قبل لأُسلّم ماغيغرامًا قبل بضعة أيّام. دفعتُ الباب وهربتُ من المطر. وخلافًا للنُزُل الأخرى، كانت الحانة هنا صغيرةً نوعًا ما، مُهيّأةً لمن يسكنون الغرف في الأعلى فحسب. وعند المدخل مباشرةً كانت المنضدة. لم يكن هناك أحد. خطوتُ بضع خطواتٍ في الممرّ، و... سمعتُ صرخة.
«متشرّد! فيرّيس، هناك متشرّدٌ في الممرّ! لصّ!»
كانت عجوزٌ جالسةً على كرسيٍّ قرب الموقد في غرفة الجلوس تُشير إليّ مذعورة. كان ردّ فعلي الأوّل أن أنظر إليها بعينين مستديرتين. لكن حين رأيتُ قيتيًّا ذا شاربَين يخرج من بابٍ مفتوحٍ وفي يده عصًا، اندفعتُ خارجًا. أمسكني القيتيّ بعصاه وزمجر:
«أعِد ما سرقتَ أيّها الوغد.»
«الأمّ الصالحة، لم أسرق شيئًا يا سيّدي!» أقسمتُ. وإذ عجزتُ عن تخليص نفسي، حاولتُ أن أُمسك العصا المُلاحِقة وأنا أشرح: «إنّها العجوز، إنّها مخبولة... آي! هذا صحيح! أنا فقط... أعني، أُرسلتُ في عمل! بعض الهوبيت... لا تضربني، أرجوك يا سيّدي. لا داعي لذلك.»
كان الرجل قد كفّ عن ضربي ما إن سمع بالهوبيت. ومع ذلك طلب من سيّدةٍ كانت تُراقب المشهد أن تتأكّد من أنّه لا ينقص مالٌ من صندوق النقد خلف المنضدة. ثمّ أطلقني.
«ما اسم هؤلاء الهوبيت؟»
أخذتُ نفسًا.
«شو...»
«أخيرًا!» قاطعني صوتٌ فجأة. في آخر الممرّ، كان هوبيتٌ متأنّقٌ ينزل الدرج. كان يابير. منحني ابتسامةً مشرقة. «كنتُ أنتظرك يا فتى. تأخّرتَ كثيرًا في المجيء». وصفّق بيديه وقال باللكنة الفظيعة نفسها: «من هنا! هيّا، اصعد الدرج. الغرفة رقم خمسة.»
قال شيئًا بلغةٍ أخرى للمرأة خلف المنضدة. فاحمرّ وجهها وقالت شيئًا بارتباكٍ لم أفهمه. عرفتُ أنّهما يتكلّمان بالأوراميّة، فقد سمعتُها من قبل من ميروكي فال وأصدقائه. ثمّ قالت العجوز في غرفة الجلوس:
«أجانب، بالطبع! وإلّا فمن غيرهم يُدخل متشرّدًا إلى بيتٍ كهذا! يا للعار!»
كانت قابضة المسامير المتهالكة ساخطةً بوضوح، ولو كانت تقدر على الحركة لجاءت على الأرجح إلى الممرّ لتنفث سمّها. تمتمتُ بين أسناني:
«عجوزٌ شمطاء.»
أظنّ أنّ ذا الشاربَين سمعني، فقد حدجني بنظرة، لكنّه لم يضربني، إذ لم يجرؤ على ذلك أمام الهوبيت الذي بدا مسرورًا جدًّا بوجودي. أسرعتُ إلى اتّباع تعليمات يابير ومضيتُ صاعدًا الدرج. وجدتُ الغرفة رقم خمسة قبل أن يلحق بي الجوفيّ. كان الباب مفتوحًا، فرأيتُ شوكينوري جالسًا متربّعًا على الأرض، مستندًا إلى سرير وفي يديه كتاب. وإلى جانبه كان داكيس مستلقيًا على ظهره. ابتلعتُ ريقي، ووضعتُ يدًا متوتّرةً على قلادة الحجر الأسود، وخطوتُ خطوةً إلى الأمام بشجاعة. لم يتحرّك الذئب. حسنًا... أخذتُ نفسًا وابتسمتُ.
«أيو.»
هزّ شوكينوري رأسه، ودفعني يابير الذي كان صاعدًا خلفي إلى الداخل قائلًا بمرحٍ بالدريونسانية:
«ادخل يا فتى. لنُقرّر أفضل طريق. سمعتُ أنّك دليلٌ جيّد. أرجو أن يكون ذلك صحيحًا.»
أغلق الباب، فنظرتُ إليه في حيرة. همستُ بالكايلدرِك:
«ظننتُ أنّ العمل يُفترض أن يكون سرّيًّا، صحيح؟»
قلّب يابير عينيه وقهقه، تاركًا قبّعته على طاولةٍ صغيرةٍ بجانب خزانةٍ ضخمة.
«هذا يتوقّف على أيّ عمل»، أجاب باللغة نفسها. «كان غرضي الأساسيّ من المجيء إلى هنا أن أحصل على هذه»، اعترف، وأخرج الحجر الأرجوانيّ من جيبه. قذفه في الهواء والتقطه، وقد بدا لعوبًا. «لكن لي أهدافًا أخرى. أنا بائيرا. وبصفتي بائيرا، قبل أن أُعيد الكرة الأرجوانية إلى المكتبة الكبرى، عليّ واجبٌ أن أُراقب ما حولي وأتعلّم قدر ما أستطيع. ليست هذه أوّل مرّةٍ أُسافر فيها إلى السطح. لكنّ هذه المدينة... أُحجيّةٌ حقيقيّةٌ بالنسبة إليّ. تكاد تُضاهيك أنت»، ختم مبتسمًا لي.
قوّستُ حاجبيّ. كنتُ قد تراجعتُ إلى عمق الغرفة بما يكفي لأرى الذئب والهوبيتَين معًا. كانت عينا داكيس تُراقبانني. لكنّه لم يزمجر ولم ينبح ولم يندفع نحوي. وأخيرًا أمعنتُ النظر في يابير وقلتُ ثانيةً:
«أُحجيّةٌ... ماذا؟»
رمق يابير رفيقه قبل أن يقول:
«أُحجيّة. ألا تعرف الكلمة؟»
هززتُ رأسي. أشار يابير إشارةً مبهمة.
«لنقل: لغز. قل لي، أنت من وادي إيفون-سيل، أليس كذلك؟»
أومأتُ. نظر إليّ يابير بلُطف.
«و... ما لم أكن مخطئًا، في وادي إيفون-سيل لا يتكلّمون الكايلدرِك.»
هززتُ كتفيّ. تنحنح يابير. وضع يديه في جيبيه. وقال:
«سأعترف لك اعترافًا يا فتى. أنا أعرف كلّ شيء. أعرف أنّه كان لك معلّمٌ ناكروس في الوادي، وأنّك عرفتَ ساحر موتى في هذه المدينة نفسها، وأنّ لك يدًا من الموتى الأحياء، و...» ابتسم كأنّه يعتذر عن نكتةٍ سيّئة وهو يُضيف: «وأنّك مدينٌ بسياتوين للسنونو ولا تعرف شيئًا عن الجغرافيا. كلّ ذلك بفضل القلادة التي أعطاك إيّاها شوكينوري. كانت فكرته هو لا فكرتي. ظنّ أنّنا بها نستطيع التجسّس على ذلك الإلفوكان من الخناجر السوداء ونتأكّد من أنّه لا يعبث بنا... حيلةٌ سيّئةٌ جدًّا، أعترف، لكنّ شوكينوري لم يتربَّ كما تربّيتُ أنا، للأسف... أأنت بخيرٍ يا فتى؟»
أكان يسأل بجدّية؟ هؤلاء الجوفيّون كانوا يتجسّسون عليّ منذ أيّامٍ عبر الكرة الأرجوانية، يكذبون عليّ ويقولون لي إنّ هذه القلادة ستحميني من الذئب و... وهو يسألني إن كنتُ بخير؟ اختنقتُ، فرددتُ عليه وجهًا مفعمًا بالسمّ، والتقطتُ مسرعًا الحجر الأسود الصغير، جاسوس حياتي، ورميتُه على الأرض كأنّه يحرقني.
«لا يجوز لكم أن تفعلوا ذلك»، زمجرتُ بالدريونسانية.
عبس يابير عبوسًا آسفًا.
«أعرف ذلك، وأعتذر عنه. غير أنّني سمعتُ أنّك تجسّستَ علينا حين كانت الكرة معك وكان الأوبال معنا.»
ابتلعتُ ذلك، واستوعبتُه، وهززتُ رأسي. لا، لم يكن الأمر سواء.
«لم أُرِد التجسّس عليكم»، احتججتُ.
«ونحن لم نُرِد التجسّس عليك أيضًا»، أكّد يابير. «كان اهتمامنا منصبًّا على كورثر.»
«أعترف أنّها كانت حيلةً سيّئة»، تدخّل شوكينوري واضعًا كتابه. «وأنا آسفٌ لذلك. لحسن الحظّ أنّك صادفتَ البائيرات. كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ.»
نظرتُ إلى كلٍّ منهما بدوره. فـ... لحسن الحظّ؟
«ألن تُبلّغا عنّي بتهمة السحر؟»
قهقه يابير بهدوء، وفيه شيءٌ من التوتّر.
«لا يا فتى...» توقّف ثمّ صحّح: «ليس إن أجبتَ عن أسئلتنا.»
اسأل أمّك!، فكّرتُ في مزاجٍ سيّئ. وبصقتُ على الأرض. لم أستطع منع نفسي. وفي الحال سمعتُ زمجرة داكيس الحلقيّة، فانطلقت كلّ أجراس إنذاري. قفزتُ إلى الوراء مذعورًا، وما إن رأيتُ الذئب يتحرّك حتّى بدأتُ أتسلّق الخزانة. كنتُ قد رصدتُ من قبل المماسك الممكنة، فاستعملتُها كأنّني تسلّقتُ الخزانة ألف مرّةٍ من قبل. رفعتُ نفسي إلى الأعلى بينما يابير يتمتم لنفسه:
«أتصمت أيّها الكلب الجهنّميّ اللعين؟ شوكينوري، قل له أن يصمت.»
لم يتحرّك هذا. بدا مستمتعًا.
«إنّه يُدافع عن شرفك يا يابير. لو أنّ ذلك الفتى بصق عليك في يادِبيا...»
«إنّها ثقافةٌ مختلفة»، ردّ يابير منزعجًا. «داكيس، كفى!»
أمسك الذئب من قفا رقبته وهو يُواصل الزمجرة غير مكترث، جالسًا عند أسفل الخزانة. لم تُفارق عيناه المصفرّتان جهتي. ولم أستطع أنا أيضًا أن أرفع عينيّ عنه. لكنّ عينيّ امتلأتا أيضًا بذئابٍ أخرى تقترب. كانت سبعةً في المجموع. مثل كلاب أدويا. وكان معلّمي الناكروس هناك أيضًا، لكن بعيدًا، بعيدًا جدًّا حتّى لم أستطع سماعه، بعيدًا جدًّا حتّى لم يستطع أن يُنجدني...
ضربتُ جبيني بخشب الخزانة. فعلتُها عمدًا، لأرى إن كانت التناغمات ستختفي فجأة. لم ينفع ذلك. ولا نفعت محاولاتي لفكّها: كان عقلي اللعين يظلّ يخلقها ويُعيد خلقها.
«أخرجه»، طالب يابير.
«مستحيل»، ردّ شوكينوري. «لن أتركك وحدك.»
«آه، أتظنّ أنّ فتًى يستطيع أن يؤذيني؟» سخر يابير.
«بالنظر إلى مقدار خرقك؟ بالتأكيد»، تهكّم الآخر. «إنّه فتًى بشريّ: في مثل حجمك. وقد رأيتَ بعض الشيء كيف يعيش. كما تقول أنت، إنّها ثقافةٌ مختلفة.»
«شوكينوري»، تنهّد يابير بصبر. «الفتى خائفٌ حتّى الموت. أشكرك على قلقك عليّ، لكن... اخرج الآن وخذ معك ذلك الأحمق ذا الأربع.» توقّفت الزمجرة. «أنا جادّ»، أصرّ يابير. «إنّه أمر.»
تنهّد شوكينوري.
«كما تشاء أيّها البائيرا الأعظم*...»
سُمع قرع مخالبَ على الخشب، تلاه صوت بابٍ يُفتح ويُغلق. ثمّ عاد الصمت، لا يقطعه إلّا المطر يقرع النوافذ. ومع ذلك، ظللتُ أسمع الزمجرة. كان جزءٌ منّي يعرف أنّ الصوت ليس حقيقيًّا. وكنتُ غاضبًا لأنّني لم أستطع التخلّص منه كلّه دفعةً واحدة. كلّ ذلك بسبب كلبٍ لعين، أو كلب جحيمٍ أو أيًّا كان ذلك الوحش.
سُمع تنحنح. ثمّ صمتٌ طويلٌ آخر. ثمّ سألتُ، وقد هدأتُ بعض الشيء، دون أن أنظر إلى الأسفل:
«ما البائيرا؟»
سمعتُ صوتًا حادًّا. ألقيتُ نظرةً حولي. كان يابير قد جلس على سرير وأغلق كتاب شوكينوري.
«البائيرا»، قال أخيرًا بصوتٍ رزين، «يطلب معرفة العالم، ويُحبّ الجديد، ويتسامح مع المختلف، ويُحاول أن يفهم ما لا يفهم، ويقبل أنّه لا يستطيع أن يفهم كلّ شيء. وأخيرًا، ينقل ما يتعلّمه إلى تلاميذه. هذا هو البائيرا.»
«أهي أخويّة؟» استفسرتُ بفضول.
«إلى حدٍّ ما»، اعترف.
«وكلّكم هوبيت؟»
من أعلى خزانتي، رأيتُه يبتسم.
«لا. أيّ ساجِتٍ يستطيع أن يكون بائيرا إن شاء.»
عبستُ، وفكّرتُ، وسألتُ بالدريونسانية:
«حتّى الغواك؟»
رفع يابير نظره وعبس عبوسًا محرَجًا.
«ما معنى كلمة ‹غواك› بالضبط؟»
تركني السؤال شاردًا. كيف لي أن أشرح هذا لهذا الأجنبيّ؟ فتحتُ فمي مرّاتٍ عدّة، لكنّني في النهاية لم أُعطِه جوابًا. اكتفيتُ بأن قلتُ:
«الغواك غواك.»
وشعرتُ بشيءٍ من الخجل لأنّ يابير أعطاني شرحًا أكثر تفصيلًا بكثيرٍ لما هو البائيرا. وبعد صمت، قال الهوبيت:
«كان اسم معلّمك نارش-إكبال، أليس كذلك؟»
صرفتُ نظري عن السقف إلى الجوفيّ، مذهولًا. نارش-إكبال؟ هززتُ رأسي.
«لا أدري. كنتُ أُناديه المعلّم دائمًا.»
«مم»، تأمّل يابير. «ليس هناك كثيرٌ من الناكروس ممّن تجاوزوا خمسة قرونٍ وهم من أبناء هذه المنطقة. ذكرتَ أسماء ناكروس، أصدقاء لمعلّمك. لكنّك لم تذكر نارش-إكبال». صمت وتنحنح. «يُمكنك أن تنزل عن تلك الخزانة، أتعلم. لم يعد داكيس هنا. لا تخف من كلب الجحيم ذاك: لم يأكل لحم ساجِتٍ منذ سنينٍ طويلة.»
رمقتُ الباب بحذرٍ وكدتُ أُلقي تعويذة إدراكٍ لأتأكّد من أنّ الذئب ليس هناك... لكنّني كبحتُ نفسي ونزلتُ بحذرٍ إلى الطاولة الصغيرة ثمّ هبطتُ بوثبة، مُعلنًا:
«قال لي كورثر إنّ عليّ أن أعمل لكم. أن أُساعدكم على دخول بيت السحرة.»
«وقبل بضع ساعاتٍ كان الأمر كذلك فعلًا»، أكّد يابير. «لكن، أترى، صادف أن قابلتُ ظهر اليوم سيّدًا تربطه صداقةٌ وثيقةٌ بالساحرة العظمى. تعاطفنا، ووعدني بأن يتوسّط لي كي أستطيع الدخول والاطّلاع على المكتبات... بحيث إنّني، خلافًا لما ظننت، لن أحتاج إلى خرق قوانين هذه المدينة. في الوقت الراهن على الأقلّ.»
أضاف شيئًا بالأوراميّة على سبيل الاقتباس العالِم. كان مرِحًا. نظرتُ إليه كأنّه عرض عليّ رغيف خبزٍ ثمّ سحبه.
«إذًا... أنتم لا تحتاجون إليّ»، قلتُ.
رفع يابير سبّابته.
«على الأقلّ، لا نحتاج إليك للتسلّل إلى المبنى. وهذا أمرٌ يُسعدني. ستُبلّغ كورثر عنّي وتقول له إنّ الاتّفاق الآخر ما زال قائمًا.»
رمقتُه بنظرةٍ فضوليّة. الاتّفاق الآخر؟ يا للهول. كورثر واتّفاقاته العشرون ألفًا... ثمّ عبستُ مُفكّرًا. من نبرة الهوبيت، لم يبدُ أنّه يعرف بأمر الماسة. إلّا إن كان يُخفي ذلك إخفاءً بارعًا... لكن إن كان حقًّا لا يعرف، إن كان حقًّا لم يُنصت إلى حديثي مع فراشلوك عبر الكرة الأرجوانية... حسنًا، أيّتها الأمّ الصالحة، ليت ذلك صحيحًا!
وأمام نظرة الهوبيت المستفهمة، تنبّهتُ وأومأتُ وأجبتُ بالدريونسانية:
«تمشي، سأُخبره، لا تقلق.»
«شكرًا لك». وضع يابير ساقًا على ساقٍ وهو يُضيف: «من جهةٍ أخرى يا فتى، كنتُ أُفكّر في... مسألة سحر الموتى هذه. عند قومي، يُنظر إليه بوصفه سحرًا شاذًّا مُدنِّسًا للمقدّسات. وهنا أيضًا، على ما أرى.» تردّد: «بصفتي بائيرا، أتسامح مع ممارساتك، لكنّني لا أُقرّها. وأحثّك ألّا تُحاول أبدًا أن تتعلّم أكثر ممّا تعرفه الآن. لن يعود ذلك عليك بخير. وإن شئتَ أن تأخذ بنصيحتي»، أضاف بنبرةٍ أخفّ، «فإنّي أعرض عليك شرف العمل وفرصته مع ابن البائيرا الأعظم نفسه. بكلّ تواضع الدنيا. أترى، أُفكّر في كتابة تأريخٍ لرحلتي حين أعود إلى يادِبيا. زرتُ كثيرًا الأجزاء العليا من المدينة. السوق الكبير. حتّى مينشالدرا. لكنّ المناطق السفلى ما زالت لغزًا بالنسبة إليّ. والمرّة الوحيدة التي دخلنا فيها أنا وشوكينوري، ضللنا الطريق. لهذا أودّ أن تعرض عليّ مساعدتك. عملٌ بسيطٌ كدليل. لا شيء أسهل من ذلك. أدركتُ، وأنا أُنصت عبر الكرة الأرجوانية، أنّ المراقبة من بعيدٍ ليست كالمراقبة من قريبٍ البتّة. لذا أودّ أن تدلّني في حيّ القطط وتُريني الأماكن التي يعيش فيها ‹الغواكات› أمثالك. حيث تنامون. وتشرح لي كيف تكسبون رزقكم. لم أدرس قطّ شيئًا كهذا، ويبدو لي أنّه موضوعٌ سيُثير بلا شكّ اهتمام أكثر من طالبٍ في يادِبيا. ما قولك؟»
رمشتُ في دهشة.
«تأريخ؟» كرّرتُ. «ما هذا؟»
«كتاب»، شرح يابير. «وسيكون فيه فصلٌ كاملٌ مخصّصٌ للغواكات. ما رأيك؟»
اللعنة. ما رأيي؟ بف... حسنًا، كان من الصعب أن أقول. سخيفٌ ومُطرٍ في آنٍ واحد، ربّما.
«تمشي»، وافقتُ. «لكن هل ستدفع مقابل ذلك؟»
عبس يابير.
«حسنًا... ربّما قليلًا. لكنّه لن يكون إلّا يومًا واحدًا. يومين على الأكثر. سأُعلمك حين يُناسبني الوقت. أعندك عنوانٌ أستطيع أن أُرسل إليه رسالة؟»
قوّستُ حاجبًا.
«أه... عنوان. حسنًا، طبيعيّ. أه...»
فكّرتُ في السنونو، ثمّ قلتُ لنفسي إنّ المدير ربّما يكون قد طردني أصلًا لكثرة تغيّبي. فكّرتُ في محلّ الحلّاق وقلتُ لنفسي: مستحيل. يال سينتقل، على قول رولغ. ولم أكن سأُعطي عنوان النُّزُل. نفختُ.
«شارع الجرف الشاهق، البيت الخَرِب. هناك أعيش الآن. لا رقم له.»
أومأ يابير مبتسمًا.
«حسنًا. شكرًا لك.»
«عمّ ستتكلّم في هذا الفصل؟» سألتُ فضوليًّا. «لا شيء سيّئًا عنّا، صحيح؟»
«بالطبع لا»، أكّد يابير ناهضًا على قدميه. «سأكتب بموضوعيّة العالِم وعاطفة الشاعر. كما قال كسينولوتيس: امزج الحساب بالموسيقى تقترب من الحقيقة.»
قوّستُ حاجبًا، وبعد صمتٍ متأمّل، أفلتُّ:
«قل لي. إن كانت الكرة الأرجوانية في العالم السفلي، فكيف انتهى بها المطاف بعيدًا إلى هذا الحدّ؟»
«آه»، قال يابير هازًّا رأسه، وقد بدا مندهشًا من تغيير الموضوع. «إنّها قصّةٌ طويلة». نظر إليّ، وإذ رأى تعبيري المنتبه، ابتسم: «أتريد سماعها؟»
«بجنون»، أجبتُ بالدريونسانية. قوّس يابير حاجبًا، فترجمتُ إلى الكايلدرِك: «نعم.»
«مم. حسنًا»، تأمّل الهوبيت. وأخرج من جيبه الحجر الأرجوانيّ والحجر الأسود الصغير الذي كنتُ قد رميتُه على الأرض قبل قليل. نظر إليهما بمزيجٍ من الحنوّ والافتتان وهو يقول: «الكرة الأرجوانية والأوبال الأسود هما في الحقيقة الذخيرة نفسها التي صنعها مارفور هيليث قبل ألف عامٍ تقريبًا. وذات يومٍ، قبل قرونٍ كثيرة، تاب هذا الناكروس عن كونه ملكًا ساحرًا للموتى وعن سلب الأرواح بموتاه الأحياء. تاب ووزّع بعض الأشياء بين أصدقائه. أعطى الكرة الأرجوانية والأوبال الأسود لصديقٍ قديمٍ سلّمهما، عند موته، إلى البائيرا الأعظم قبل أربعة قرون. وقبل بضعة أقمارٍ فقط، كانت الكرة والأوبال ما زالا في المكتبة الكبرى في يادِبيا، سالمَين. لكن للأسف»، تنهّد، «سرق أحدهم الكرة. ومنذ زمنٍ طويلٍ جدًّا يُقال إنّ الأوبال الأبيض الذي ترتبط به الكرة أيضًا يقع في مكانٍ خفيّ، قرب كنز. وهو اعتقادٌ لم يُثبته بعدُ أيّ بائيرا. لكنّ الأمل يحفر الأنفاق. فرّ اللصّ من يادِبيا وتتبّع الرابط. وحيث أخفق غيره من البائيرات، ظنّ أنّه سينتصر. لكنّه في الحقيقة كان طالبًا قليل الخبرة، و... دخل مكانًا شديد الخطورة. كان مرتزقةٌ من يادِبيا يتعقّبونه بالأوبال الأسود. لكنّهم لم يصلوا في الوقت المناسب لإنقاذه». هزّ رأسه بحزن. «غرق الفتى، واختفت الكرة. وحسنًا، كلّفني أبي وسائر العلماء بمهمّة الذهاب للعثور عليها، وأعطوني الأوبال الأسود، وغادرتُ يادِبيا مع شوكينوري وكلب جحيمه. وجدتُ أثر الكرة، وتتبّعتُه، وظللتُ أمشي عبر أنفاقٍ لا تنتهي، حتّى وجدتُها أخيرًا. على السطح، لدهشتي. في مدينةٍ لا تبعد، بحسب بعض أصدقائي راسمي الخرائط، سوى بضعة كيلومتراتٍ عن يادِبيا. تحت السماء. وتحت المطر»، أضاف بتكشيرة.
نظرتُ إليه مسحورًا. كنز... الكرة الأرجوانية تُخفي الطريق إلى كنز! تمامًا كما في الحكايات الخرافيّة. أليس ذلك رائعًا؟ أعادتني كلمات يابير الأخيرة إلى الواقع.
«الأمّ الصالحة! إذًا، هكذا ببساطة، يادِبيا مدفونةٌ داخل الصخرة؟ هذه الصخرة؟» هتفتُ بعدم تصديقٍ بالدريونسانية.
«ها؟ لا، لا، لا يا فتى. أتحدّث عن الأرض»، شرح. «بحسب بعضهم، تقع مدينتي بين إستِرغات وتريبيلّا، على عمق ألفٍ وخمسمئة مترٍ تقريبًا. وهذا أحد أسباب رغبتي في دخول هذا المكان الذي تُسمّونه ‹المعهد›. أنا واثقٌ من وجود ممرٍّ سرّيٍّ إلى العالم السفلي يُختصر به طريق عودتنا. وسأجده». ابتسم ابتسامةً راضية. ثمّ سُمع صوت أجراسٍ غريب، فتغيّر تعبيره. أخرج شيئًا يُشبه ساعة جيبٍ وشخر: «بالغرغول، الرابعة بالفعل، ولي موعدٌ مع هذا السيّد بعد نصف ساعة! يا فتى، شكرًا على مجيئك وقبولك اقتراحي الصغير. لكن ما هذا بحقّ الشيطان...!» تذمّر، مُلقيًا نظرةً منزعجةً نحو النوافذ. «ذلك السقف الذي تُسمّونه السماء مِرَشّةٌ حقيقيّة!»
ابتسمتُ.
«راوندٌ بجنون»، وافقتُ بالدريونسانية. «ربّما تُفضّل الثلج. إنّه لا يُحدث ضجّةً حين يسقط. حسنًا، أيو وشكرًا على القصّة. أُحبّ أن يحكي لي الناس القصص. كان معلّمي يحكي لي قصصًا كثيرة. لكن، قل لي...» كان الهوبيت منشغلًا في الغرفة، يبحث عن معطفه، ووشاحه... قطعتُ كلامي لأُناوله القبّعة عن الطاولة الصغيرة، ثمّ استأنفتُ: «كون أحدٍ لم يرَ هذا الكنز لا يعني أنّه غير موجود، أليس كذلك؟»
وضع يابير قبّعته ومنحني تكشيرةً مسلّية.
«من يدري. للأساطير في الغالب أساسٌ من الحقيقة.»
عضضتُ شفتي مبتسمًا، وألقيتُ بحماسة:
«أُحبّ الكنوز. إن حاولتَ البحث عنه، مددتُ لك يد العون. أستطيع أن أُساعد كثيرًا حين أُريد. يقول ابن عمّي إنّني خبيرٌ في التناغمات و...»
«شكرًا يا فتى»، قاطعني يابير بتنحنح. «لكنّني لا أبحث عن الكنز.»
ورغم تعبيره المسلّي، رأيتُ لمسة توتّرٍ في عينيه. كاذب، فكّرتُ. عبستُ عبوسًا مرتابًا ساخرًا.
«حسنًا، يا للأسف. إن كان هناك كنز، فلماذا لا نذهب لأخذه؟»
قلّب يابير عينيه وفتح لي الباب.
«لأنّ كلّ من بحث عنه حتّى الآن»، أجاب بهدوء، «قد مات. طاب مساؤك يا فتى.»
تنهّدتُ، وبعد أن رمقتُ الهوبيت بنظرةٍ خائبة، خرجتُ إلى الممرّ ونظرتُ يمينًا وشمالًا لأتأكّد من أنّ الذئب ليس هناك. لم أره. نزلتُ الدرج. مررتُ بالسيّدة عند المنضدة، وحين رأيتُ العجوز جالسةً في غرفة الجلوس، ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً وقلتُ:
«أيو أيّتها الشمطاء!»
فتحتُ الباب وركضتُ خارجًا في وابلٍ من الماء واللعنات.
* البائيرا الأعظم: لقبٌ تشريفيّ، ومعناه كبير البائيرات وشيخ علمائهم.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion