Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 54
قادني الغطّاس عبر المتاهة، صعودًا في الأزقّة، وأعلى فأعلى. وما إن بلغنا الجزء الأعلى من القطط حتّى قلتُ فجأة:
«أظنّني بدأتُ أرى شيئًا.»
والحقّ أنّني، وإن كنتُ أرى كلّ شيءٍ رماديًّا شديد الرمادية، صرتُ أُميّز الأشباح. بل حزَرتُ أنّ الغطّاس أدار رأسه نحوي للتوّ.
«تلك مصيبة بيوت الأغنياء، فيها فخاخٌ دائمًا»، علّق. «ماذا حدث؟»
تنهّدتُ وهززتُ رأسي ونحن نمضي.
«حسنٌ، لا أدري. لا أدري أكان الصندوق هو ما انطلق، أم النافذة، أم ماذا. على أيّة حال، خرج نوعٌ من المُستحضَر. شيءٌ شرّير. ولا أدري حتّى أكانت الماسة في الصندوق أم لا. إخفاقٌ تامّ. والآن طردتني الخناجر السوداء. وفراشلوك سيُصفّيني، أقول لك. لكنّي سأُخرج القِسّ مهما كلّف الأمر.»
توقّف الغطّاس وتنحّى ليقف قُبالتي.
«إيه، مهلًا لحظة، ماذا تنوي أن تفعل؟» استفسر بنبرةٍ قلِقة.
قطّبت.
«لقد وعدتَ يا غطّاس. أمّا الباقي فشأني أنا.»
تردّد رفيقي، لكنّه أمسك ذراعي من جديد، وواصلنا السير.
«بعض أولئك الرجال أيديهم ثقيلة»، حذّرني. «سيُدمون أذنيك إن تجاوزتَ الحدّ.»
«لا يهمّني»، أجبت.
سمعتُه يتنهّد. ولمّا دخلنا فناءً ضيّقًا كان بصري لا يزال مشوّشًا، لكنّني صرتُ أرى الألوان، بل صرتُ أقدر على المشي وحدي. رأيتُ شبحًا طويلًا قويًّا يبتعد عن جدار.
«نات؟ من تجلب معك؟»
أنا من أجاب:
«هذه نقابة فراشلوك، أصبتُ راوند؟ وهنا مسجونٌ رفيقي، راوند؟ حسنٌ، جئتُ لآخذه. قال لي فراشلوك إنّ بوسعه أن يخرج.»
رمشتُ عبثًا محاولًا أن أرى ردّة فعل مُحدّثي.
«أه… حقًّا؟» سأل هذا.
هززتُ كتفيّ.
«صحيحٌ وبالدريونسانية. قال: أحسنتَ صنعًا، اذهب وحرّر صديقك ودعني وشأني! هذا كلّ ما قال. أين روغان؟»
«حسنٌ…» تردّد القطّ. «انتظر هنا لحظة، اتّفقنا؟ يا نات، وصلت البضاعة فعلًا. سأُسلّمك إيّاها الآن، تمشي؟»
أومأ الغطّاس، وربّت على كتفي، واختفى مع الآخر عبر باب. وبقيتُ وحدي في الفناء أتجمّد من البرد. أترى ابتلع ذلك القطّ خدعتي؟
انتظرتُ طويلًا، ودُرتُ حول البِرَك، وسعلت، وجلستُ على حافّةٍ حجريّة، ونهضت، ولعبتُ بألواحٍ خشبيّة، أصعد كومةً وأنزل عنها، حتّى انفتح بابٌ أخيرًا. ورأيتُ شبحًا يظهر. اقتربتُ مضيّقًا عينيّ.
«روغان؟»
لا، لم يكن روغان. كان أطول من أن يكون هو. أجابني بصوتٍ هادئ:
«ادخل.»
أطبقتُ فكّيّ وهززتُ رأسي.
«لا، لا. دَعْ روغان يخرج. دَعْ روغان يخرج، وحينها أدخل، أُقسم. لكن دَعْ روغان يخرج.»
لم أرَ اليد قادمة: أمسكت برقبتي ودفعتني إلى الداخل بلا رحمة. لم أجرؤ على الاحتجاج، فلم أكن أرى جيّدًا بما يكفي لأُدافع عن نفسي. خطوتُ بضع خطواتٍ في ممرّ، وأنا نصف مدفوعٍ بيد دليلي، وكان يفتح بابًا حين سمعتُ شهقة.
«يا حاذق!»
انتصبتُ في الحال. أكان ذلك القِسّ، أليس كذلك؟ رأيتُ شكلًا جاثيًا على الأرض وإلى جانبه دلوٌ وفي يديه شيء. خِرقة، ربّما؟ قال الدليل:
«كُفّ عن هذا يا غواك. واخرج.»
«ل-لكن… وماذا عن الحاذق؟» سأل القِسّ وهو ينهض. «ما خطبه؟»
«لا شيء»، طمأنته. «أنا بخير. سأبقى. هذا كلّ شيء. اخرج من هنا يا صاحبي. واعتنِ بالذئب الصغير خير عناية.»
كان روغان قد اقترب منّي.
«ما الذي تقوله بحقّ الأرواح؟» شهق.
تنشّقتُ نفَسًا:
«أقول يا صاحبي، اعتنِ بـ…»
انتابتني نوبة سعالٍ مفاجئة، أعنف من سابقاتها. ولمّا انقضت لم أستطع التنفّس. لم أستطع التنفّس ببساطة. أصدرت حنجرتي صوتًا حادًّا. وأخيرًا اسودّ كلّ شيء، وانهرتُ مختنقًا.
استيقظتُ على سعالٍ عنيفٍ تركني بلا نفَسٍ وعلى وشك الإغماء. كانت عيناي مفتوحتين، والضوء يُعميني، لكن بعد حينٍ صرتُ أرى ما حولي بوضوحٍ تامّ. كنتُ مُمدّدًا على بساطٍ وثيرٍ أحمرَ وذهبيّ. كانت الغرفة دافئة. لا نوافذ فيها، والموقد مشتعل، وإلى الطاولة كان شخصان جالسَين يلعبان الورق. كانا جارفيك الأمهق وإنسانًا نُحاسيًّا بملامح أهل الوادي مثلي، إلّا أنّ شعره كان يشيب.
وضع جارفيك ورقه على الطاولة. كانت عيناه المُحمرّتان تُحدّقان فيّ باهتمام.
«كيف تشعر يا فتى؟»
جمعتُ من القوّة ما يكفي لأفتح فمي وأهمس:
«فظيع.»
كانت حنجرتي تؤلمني كأنّ خنجرًا غُرِز فيها. كشّر الأمهق بشفتيه.
«هذا باد»، أكّد لي. نهض، وأقبل عليّ، وانحنى قريبًا منّي وقد شبّك يديه. ونصف مذهولٍ حدّقتُ في وجهه الأبيض كالثلج. «حسنٌ يا فتى. سيسرّك أن تعلم أنّك فعلتَ تمامًا ما كان فراشلوك يرجو أن تفعله.»
رمشت.
«ماذا؟» تمتمتُ مذهولًا.
«أه… أجل»، تنحنح الأمهق. «كان فراشلوك يشكّ في أنّ كورثر لا يملك الدمعة وأنّه باعها من قبل. والحقّ أنّه لم يكن يهمّه أوجدتَها أم أمسكت بك الخناجر السوداء. المقصود كان السخرية من كورثر بسرقة ولاء أحد صبيانه المتدرّبين. هذا كلّ شيء.»
بادلتُه النظر بتعبير عدم فهمٍ تامّ، وسعلت.
«لكن لماذا؟» شهقت.
منحني الأمهق ابتسامةً محرَجة.
«حسنٌ. هذا جزءٌ من لعبة المقالب الخبيثة التي لا تنتهي بين كورثر وفراشلوك. تارةً يُهدي أحدهما الآخر كؤوسًا من ذهب، وتارةً يتشاجران كالأطفال… لفراشلوك أرضٌ يُدافع عنها، أتفهم. وكورثر لا يلعب دائمًا وفق قواعده، وذلك يُغيظ الكاب.» هزّ كتفيه، وصنع تكشيرةً جديدة. «لو لم يذهب لوين معك لَنسيك فراشلوك في اللحظة التي سمع فيها أنّ الخناجر السوداء أمسكت بك. لكن… ذلك الفتى لوين حفيده، أتفهم؟ فراشلوك يحنو على حفيده. وهو يريد أن يُلقّنه درسًا على مغامرته الصغيرة. لذا… بعد ساعاتٍ قليلة أو أكثر ربّما، سنعرف ماذا سيفعل بك يا فتى. فحاوِل أن تفعل تمامًا ما يُقال لك و… ربّما تخرج من هذا حيًّا.»
ربّت على كتفي ونهض، مضيفًا لرفيقه أكثر ممّا لي:
«فتًى مسكين. ليس سهلًا أن يجرؤ المرء على تحريك إصبعٍ وله جدٌّ كهذا. لكن لا بدّ من القول إنّ ذلك الفتى تخطر له أفكارٌ مجنونة… إن علِمت أمّه بهذا…»
نفخ. كان يتحدّث عن لوين بلا شكّ. وعاد ليجلس إلى الطاولة أمام عينيّ المتّسعتين. كان فراشلوك سيبقر بطني وأنا حيّ. كنتُ على يقينٍ من ذلك. تسارع قلبي، وضاق صدري، وهاجمني السعال من جديد. وعلى الطاولة، كان الأمهق ورفيقه يتحدّثان بهدوءٍ عن لعبة الورق، يملآن الغرفة بدخان السيجار ويصبّان لأنفسهما كؤوسًا سخيّةً من النبيذ.
«سيُمرضني هذا من كثرة سعاله»، تذمّر رجل الوادي بعد حين. رمقني بنفاد صبر، ثمّ نهض فجأةً بكأسٍ ملأى بالنبيذ وجاء بها إليّ. «إيه يا فتى. تفضّل. ستُدفّئك.»
لم أكن أشعر ببردٍ يُذكر في تلك الغرفة، لكنّني قبِلتُ الكأس وأفرغتُها. نظر إليّ رجل الوادي، وبعد لحظاتٍ كشف عن أسنانه كلّها.
«انظر إلى هذا، توقّف عن السعال. أتريد أخرى؟»
أومأتُ صامتًا، غير جارئٍ على الكلام خشية أن أعود إلى السعال. أشار إليّ أن أنهض وأجلس إلى الطاولة. شربتُ كأسًا أخرى. وشيئًا فشيئًا غمرني صفاءٌ غريب.
«إنّه نبيذ أزادا، وهو يشربه كأنّه سانغريا»، نفخ الأمهق. «هيّا، كُفّ، لا تُعطِه المزيد.»
«بَه، كانت عمّتي تُعطيني كأسًا من الرادراسيا حين أمرض»، أكّد رجل الوادي وهو يصبّ لي كأسًا أخرى. «هذا الشراب يشفي كلّ شيء. ثمّ من يدري، لعلّ فراشلوك يكون قد هشّم رأسه بحلول الغد. دَعِ الفتى المسكين يتمتّع. وهو يتمتّع بلا شكّ!» قال ذلك مرحًا وأنا أُنهي الكأس الثالثة.
ضحك وهو يربّت على ظهري بقوّةٍ كادت تُشرقني. وأظنّني كنتُ في الكأس الرابعة حين بدأ عقلي حقًّا ينسى ألم حلقي وصداعي… سقطت جبهتي ثقيلةً على الطاولة. ومن خلال خَدَري العميق سمعتُ الأمهق يقول متسلّيًا:
«لم يبلغ الرابعة. هات الخبز يا صاحبي.»
حتّى إنّهما كانا قد تراهنا، الأمّ الصالحة… وأنا لم أكن أدري بذلك أصلًا. سعلت، وساعدتني أيادٍ على الاستلقاء على البساط، وسرعان ما غرقتُ في نومٍ عميق. عميقٍ إلى حدّ أنّني تأخّرتُ في الاستجابة حين بدأت يدٌ تهزّني، بعد ساعاتٍ ربّما.
«إيه! انهض يا فتى»، قال الأمهق بصوتٍ بدا آتيًا من بعيدٍ بعيد.
هزّني بعنفٍ أشدّ، وأخيرًا رمشتُ وجلست. كانت الغرفة ستكون مظلمةً لولا الفانوس الذي يحمله الأمهق. وتبًّا للجحيم كم كان رأسي يؤلمني… لا، بل كنتُ أتألّم في كلّ موضعٍ من جسدي. دسستُ يديّ في جيبيّ وأطلقتُ أنينًا حين رأيتُهما فارغين. بالطبع. فقد أخذت منّي أبيريل الأسوفلا في النُّزُل.
«أسوفلا»، تلعثمت. «أسوفلا، أسوفلا، أسوفلا…»
«قلتُ انهض»، كرّر الأمهق، وشدّني إلى قدميّ. «هيّا.»
لم أكن أدري إلى أين يأخذني، لكنّ ذلك كان أقلّ همومي حينها. كان همّي الأكبر أن أبقى منتصبًا وأتبع الأمهق دون أن أنهار. أعانني على قطع ممرّ، وتوقّفنا عند باب خروج النقابة. وضع شيئًا في راحة يدي. كان كيسًا صغيرًا.
«مكافأة فراشلوك»، شرح الأمهق. «ستّة سياتوات. يشكرك على الخدمات التي أسديتَها، ويطلب ألّا تُكلّم حفيده مرّةً أخرى إن كنتَ لا تريد أن تموت. أتفهم؟ إن نطقتَ للفتى بكلمة، إن نظرتَ إليه، فأنت ميّت.» شعرتُ بإصبعٍ باردةٍ على حنجرتي. أومأتُ مرّةً واحدة، فربّت على كتفي. «أنت حرّ.»
فتح الباب، فدخلت هبّة ريحٍ محمّلةٍ بالثلج. خرجتُ مدفوعًا بيد الأمهق. وعلى العتبة قال:
«حالفك الحظّ يا فتى. لا أدري أتقبَلُك الخناجر السوداء ثانيةً أم لا، لكن… حسنٌ. أنت حيّ، وذلك هو المهمّ، أليس كذلك؟ لو كنتُ مكانك لَما بقيتُ هنا في الثلج طويلًا. انفض عنك الثلج وامشِ، إيه؟ فتًى طيّب.»
منحني ابتسامة وداع، فتمتمتُ بصوتٍ خافتٍ أجشّ:
«أيو.»
أغلق الباب. وضعتُ النقود في جيبي، وقد أنعشني الثلج والبرد، فمضيتُ قُدُمًا وخرجتُ من الفناء. كان المساء قد حلّ، ومع الثلج المتساقط بالكاد كان المرء يرى. ولم أكن قد بلغتُ بعدُ آخر الزقاق المجاور حين ظهر شبحٌ عبر رقاقات الثلج واندفع نحوي.
«يا حاذق!»
ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، وأنا في غاية السعادة.
«يا قِسّ، أيو. أمعك أسوفلا؟»
أومأ روغان وأسرع يُعطيني بعضه. وضعتُ حفنةً وافرةً في فمي وهو يقول:
«أيّتها الأرواح، ظننتُهم سيقتلونك، أتعلم؟ قضيتُ العصر كلّه أنتظرك هنا. لا تدري كم لعنةً صببتُها عليهم، أنّ أسلافهم سيُكبّلونهم في عالم الأموات، وأنّهم سيُصفَّوْن، ويُنزَفون كالخنازير… ونجح الأمر! حسنٌ، لا فورًا. خرج واحدٌ منهم، معوجّ الأنف، ليُسكتني، لكنّ ذا الوجه الثلجيّ مزج الماء بالنبيذ وقال لي إنّهم سيُطلقون سراحك. فوعدتُهم بأن أرفع اللعنات كلّها، طبيعيّ.»
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
«طبيعيّ.» كان تعبٌ عظيمٌ يحلّ شيئًا فشيئًا محلّ الألم. تنهّدتُ وأضفت: «سعيدٌ برؤيتك يا قِسّ.»
تعانقنا كأخوين، فنفخ:
«إنّك تحترق كمدخنة يا شيور*. يقول لي الغطّاس إنّك انضممتَ إلى عصابة السريع. سأُوصلك إلى مخبئه، اتّفقنا؟»
قطّبت.
«اتّفقنا. لكن قل لي، ألن تنضمّ أنت إلى العصابة؟»
كشّر روغان بشفتيه.
«لا أدري… لم أكن يومًا بارعًا في التعامل مع عصابة.»
«ممف. حماقاتٌ عظميّة»، أجبت. «هيّا، تعال معنا يا صاحبي. السريع ليس رجلًا سيّئًا. وله بيت. وأنت لا بيت لك. والبرد قارس يا صاحبي. هيّا، تعال معنا»، كرّرت.
لم يُجب روغان بصوتٍ مسموع، لكنّه أومأ، ولفرحي. نزلنا الحيّ كلّه. مررنا بـوردة الريح، وإذ تذكّرتُ أنّني لم آكل منذ يومين تقريبًا، فكّرتُ في الذهاب لشراء وجبةٍ خفيفة، لكنّ مجرّد التفكير في أكل شيءٍ قلَب معدتي، ففضّلتُ أن أُركّز جهدي على وضع قدمٍ أمام الأخرى.
منعنا الثلج والريح من الكلام دون رفع الصوت، فلم نكد نتحدّث طوال الطريق، ومضيتُ أمشي غارقًا في التفكير. وفي داخلي كنتُ أُحدّث معلّمي الناكروس وأقول له: آه! لو تعلم كلّ ما أصابني من نكبات يا إلَسّار*! آواني رولغ، وكان يال كمعلّمٍ ثانٍ لي، ولم يكن كورثر شخصًا سيّئًا هو الآخر… وقد خنتُهم جميعًا. مثل ييرّيس. غير أنّه كان محظوظًا، فبخلافي كان في الأخويّة منذ زمنٍ أطول، وكان يعمل لحساب محتالٍ صغيرٍ لا لحساب فراشلوك. لكن مع ذلك، ليس هذا عدلًا يا إلَسّار. كلّ ما أردتُه هو إنقاذ روغان. وقد أنقذتُه. وذلك هو المهمّ. نحن أحياء. وذلك هو المهمّ، صحيح؟ لديّ العصابة، ولديّ رفاقي… لن يطردوني، لأنّه ليس لهم أحدٌ أيضًا، ولأنّهم لا يخطفون، ولا يُهدّدون بالقتل، ولا يسرقون الذخائر. أُريد أن أكون غواكًا حرًّا يا إلَسّار. لا أُريد لأحدٍ أن يُملي عليّ ما أفعل. السريع، على أكثر تقدير، وقليلًا فحسب ولأنّه غواك. لا أحد سواه. من الآن فصاعدًا أجعل من نفسي غواكًا متمرّدًا، أجعل من نفسي رجلًا، وإلى الجحيم بالقطط الكبار. ما رأيك يا إلَسّار؟ ليتني أستطيع أن أُكلّمك حقًّا. وأرجو ألّا تكون قد نسيتني على الأقلّ. كم كنتَ مختلفًا عن الساجِتيّين الذين أعرفهم. وكم أشتاق إليك…
تنشّقتُ نفَسًا. كانت قدماي تتجمّدان في الثلج.
«يا حاذق… أتبكي؟» سأل روغان.
هززتُ رأسي ومسحتُ أنفي بمعطفي وأنا أُنكر:
«إنّه البرد.»
بعد ساعاتٍ قليلةٍ فحسب من وصولنا إلى البيت المتهدّم، ساءت حالي. لم أكن أسعل كثيرًا، لكنّني كنتُ أحترق حُمّى، ولم أفعل شيئًا سوى الاستلقاء مع سائر الغواكات المرضى، بالكاد أعي ما يجري حولي. كان رفاقي يجلبون لي الطعام فأتقيّأه كلّه. وكلّما مضى الوقت أدركتُ أكثر أنّني، بدل أن أتحسّن، كان كلّ شيءٍ يبدو أنّه يزداد سوءًا. مرّت الساعات دون أن أعيها. وبحلول اليوم الثالث أو الرابع صرتُ بالكاد أقدر على الحركة. نزع الغطّاس عن جبيني خِرقةً مليئةً بالثلج الذائب.
«إنّهم يموتون يا سريع»، أعلن بصوتٍ أجشّ. «ثمّة شيءٌ غريبٌ هنا. شيءٌ غريبٌ جدًّا.»
كان السريع جالسًا قرب النار. أضاف جِذعًا وهو يُتمتم:
«الموت ليس غريبًا.»
هزّ الغطّاس رأسه.
«لا، لا يا سريع. ألم تلاحظ؟ كلّ مريضٍ منهم سوكواتا. راغوك تعافى فورًا. أمّا هؤلاء… فلا.»
خفض بصره إلى الأجساد الستّة المحمومة المحتضرة. كنّا أنا ودامبا وروغان وسيرديو وديل والسمّيّة نحترق حُمّى ونموت أمام أعين رفاقنا الأصحّاء الحزينة. نهض السريع على قدميه ببطء.
«أتقصد أنّ للداء علاقةً بالسوكواتا؟ أو… بالأسوفلا؟ لكن… فلماذا لستَ أنت مريضًا إذن؟»
لم يُجب الغطّاس على الفور.
«حسنٌ… مانراس لا يزال بخيرٍ هو أيضًا. لكن ربّما لا يكون كذلك غدًا… عليك أن تفعل شيئًا يا سريع. عليّ أن أفعل شيئًا، ولا أدري ماذا.» قبض قبضته وصفع بها جبينه. وبعد صمتٍ أضاف بصوتٍ مفعمٍ بالسمّ: «لو كنتُ أعرف أين الخيميائي… ذلك الشيطان حكم علينا بالموت، وكان يعلم ذلك، أعلم أنّه كان يعلم. لو وقع في وجهي…» سعل والتقط أنفاسه. «قتلتُهم يا سريع. ما كان ينبغي لي قطّ أن أُخبرهم بأمر الأسوفلا. الذنب كلّه ذنبي. قتلتُهم، تبًّا للجحيم، قتلتُهم!»
انحنى السريع نحوه، ووجهه كالحٌ عابس، وضغط على كتفه ليُهدّئه.
«سأذهب لجلب طبيب.»
«أجل، بالتأكيد، وبماذا ستدفع له؟» تنهّد الغطّاس.
كنتُ في واحدةٍ من لحظات صفائي النادرة، ولمّا سمعتُ السؤال أطلقتُ أنينًا ورفعتُ يدي. أخذها الغطّاس منّي. ولم يُفدني ذلك، فقد كانت نيّتي أن أُخرج كيس السياتوات من جيبي. حرّكتُ يدي الأخرى، وأخيرًا تمكّنتُ من إخراجه.
«أيّتها الأرواح، فلتنسفني»، شهق الغطّاس.
التقط السريع الكيس الصغير وسأل:
«كم فيه؟»
حرّكتُ شفتيّ لأقول «ستّة»، لكنّي لا أظنّهم سمعوني. عدّوها على أيّة حال، وانتصب السريع.
«لا أدري أيكفي هذا لهم جميعًا أم لا، لكنّي ذاهبٌ على أيّة حال. على الأقلّ ليراهم الطبيب و… حسنٌ، عسى أن يشفيهم. ابقَ هنا يا غطّاس واعتنِ بهم.» تردّد. «أنا ذاهب. اصمدوا يا رفاق.»
تنفّستُ بصعوبةٍ ورأيتُ من خلال حُمّاي عينَي الغطّاس المُحمرّتين. على يميني كان ديل مُمدّدًا، وعلى يساري روغان. كان القِسّ واضعًا يديه على صدره ويُحرّك شفتيه كأنّه يُصلّي. وكان الأمير الصغير نائمًا. وكان تنفّسه أزيزًا مثل تنفّسي. وبجهدٍ نطقتُ بصوتٍ أجشّ:
«يا غطّاس. ليس الذنب ذنبك. الذنب ذنب الصقر الأسود. الصقر الأسود ومن اشتروا اللآلئ. هم قَتَلَتُنا. لا أنت.»
كان الغطّاس قد انحنى نحوي ليسمعني بوضوحٍ أكبر. ضمّ يدي في يده مرتعشًا.
«أعلم أنّه في إستِرغات»، همس. «هناك، في الحانات… يسمع المرء أشياء، أتعلم؟ أعلم أنّ فراشلوك ساعده على تغيير هويّته، لكنّ ذلك الإسطرباغ لم يهرب. لو كنتُ أعرف أين هو لَقتلتُه يا صاحبي. لَقتلتُه بكلّ ما فعله بنا. شيءٌ أن تجوع، وأن تُساء معاملتك، وأن تُشتَم… ذلك يؤلم، وكثيرًا أحيانًا، لكنّه يُشفى، أتعلم؟ أمّا أن يضعك أحدهم في منجمٍ ويُغيّرك من الداخل حتّى يُحكَم عليك بالموت…» نظر إلى يده الحرّة وهمس: «لَقتلتُه لو استطعت يا صاحبي. لَقطعتُ حياتي اللعينة لأقطع حلقه. هذا… فظيع، صحيح؟ هذا فظيع. لكنّي أُريد أن أفعله.»
أومأتُ وابتسمتُ ابتسامةً باهتة.
«وأنا أيضًا»، اعترفتُ همسًا.
منحني نات ابتسامةً متألّمةً مائلة، وبعد لحظة صمتٍ ابتعد. ثمّ شعرتُ بجسدٍ صغيرٍ يتحرّك ويتكوّر إلى جانبي. كان الذئب الصغير. كم كان جلده باردًا بالمقارنة! قبّلتُه، وكففتُ عن التركيز على جايبوي لحظةً لأُوقظ مورجاس الصغير. وأظنّني لم أُفلح تمامًا. وسرعان ما سقطتُ من جديدٍ في دوّامةٍ خاوية، عالمٍ لا وجود فيه لأفكارٍ ولا لذكريات، سوى صوتٍ صغيرٍ يقول لي: حتّى أنت يا ناجي، لا تستطيع الفرار من الموت.
* شيور: لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، أقرب إلى «يا صاحبي/يا رجل».
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ معلّمَه أو أستاذه، بمعنى «معلّمي» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion