Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 56
«ذاك، ذاك»، قال السريع. «إنّه ثملٌ حتّى الثمالة.»
وفي الواقع، كان المارُّ الذي خرج للتوّ من الحانة يمشي متعرّجًا، سكرانًا تمامًا.
«دورك يا حاذق»، غمغم الغطّاس.
أومأت.
«أنا ذاهب.»
بعد أن ألقيتُ نظرةً على الشارع المهجور وعلى ضوء مصابيح الطريق، هرولتُ خارجًا من الرواق، ودنوتُ من السكران، وعملًا بنصيحة السريع، دفعتُه، وأطحتُ به عن قدميه، وقذفتُه أرضًا. هوت ضحيّتي إلى الأرض بصرخةٍ مكتومة. دسستُ يديّ في جيوبه وانتزعتُ بسرعةٍ كلّ ما استطعت، ثمّ استدرتُ وفررتُ تطاردني صرخات السكران اللزجة. وأخيرًا بلغتُ آخر الشارع والتحقتُ برفاقي.
«تمّ الأمر!» أعلنتُ مبتهجًا.
«تبًّا، إنّك بارعٌ في هذا يا سميّي»، هنّأني السريع وهو يحتفظ بما جمعتُه. «كنتُ أعرف أنّ هذا ابن قابض مسامير. فيه ثلاث ذهبيّاتٍ على الأقلّ، حتّى بعد أن مرّ بالحانة. أمّا ما لا أصدّقه فهو أنّ أحدًا لم ينتِفه قبلنا…»
سمعنا صفيرًا. فانتصبنا. كانت إشارة إنذار مانراس. ومعناها: الذباب قادم.
«لنفرَّ من هنا»، غمغم السريع.
رحلنا، وتقدّمنا الكاب لأنّه كان يحمل الغنيمة. وفي المجمل، كنّا قد راكمنا عدّة سرقاتٍ تلك الليلة. وسيكون بوسعنا شراء الكاروجا بلا أيّ مشكلة. والحقّ أنّنا، منذ المرض، لم نعد نجرؤ على مضغ الأسوفلا، خشية أن تكون سامّةً لنا نحن أيضًا.
مشيتُ بخطًى حثيثةٍ مع الغطّاس، والتحقنا بمانراس، ومن غير أن يرانا أحدٌ أو يعرفنا، اختفينا من حيّ تارميل ولذنا بحيّ القطط. وهناك لحقنا بالكاب في الساحة الرمادية وعدنا معًا. كنّا ننزل درج المتاهة المفضي مباشرةً إلى شارع الجرف الشاهق حين أمسك الغطّاس بذراعي وقال:
«يا حاذق. أتذكر أنّك قلتَ إنّك مدينٌ لي بمعروف؟»
زفرت.
«طبيعيّ، أذكر.»
لم أذكّره بأنّني قلتُ له إنّني مدينٌ له باثنين إن شاء؛ وعلى أيّ حال، لو طلب منّي معروفَين لأدّيتُهما على الأرجح طائعًا.
«تعالَ إذًا وسأشرح لك في الطريق. أمّا أنت فاذهب مع السريع يا شيور*»، أضاف مخاطبًا مانراس، إذ رآه يقترب بفضول.
«انتظر»، قلت. وأخرجتُ من جيبي عظمَين كنتُ قد وجدتُهما، وقد نهشتهما الكلاب قليلًا، لكنّهما لا يزالان صلبَين. «أعطهما للذئب الصغير. لا يزال المعلّم بلا ذراعَين. سأركّبهما عليه حين أعود. بهذين ستكون دميته كاملة.»
«كاملةً في بشاعتها المقبريّة»، سخر الغطّاس.
أعطيتُ العظمَين لمانراس، وودّعنا السريع ثمّ استدرنا وصعدنا الدرج من جديد. كانت الدرجات مغطّاةً بالرماد. فمنذ ثلاثة أيّامٍ استقرّت فوق الصخرة سحابةٌ سوداء كثيفةٌ ككثافة تلك التي جاءت في آخر الصيف، وظلّت تقذف الرماد. كانت ثيابنا ووجوهنا كلّها رماديّة. قال بعضهم إنّ أهل بلار في الجنوب يهاجموننا بأسلحةٍ جديدةٍ محمّلةٍ بالمرض. وقال آخرون إنّ براكين أوشيماكا تستيقظ من جديد، وهي فألٌ حسنٌ عند قومٍ وفألُ سوءٍ عند آخرين… حسنًا، فألَ خيرٍ كان أم فألَ شرّ، فقد سرّني أنّنا لم نعد بحاجةٍ إلى تجديد مؤونتنا من الحطب: فالرماد كان يُدفئ الهواء على نحوٍ ما، ومع أنّ الشتاء قد بدأ رسميًّا، لم يكن الجوّ باردًا ولم يكن للثلج أثر.
دخلنا زقاقًا، وأخيرًا كسرتُ الصمت:
«ما الأمر يا رفيق؟ أأنت في ورطة؟»
كان كلّ شيءٍ مظلمًا حتّى إنّني بالكاد كنتُ أرى الغطّاس.
«قطعًا لا. أنت من في ورطة»، أجاب.
قوّستُ حاجبيّ، ولمّا لم يشرح، قلتُ محتارًا:
«أنا؟»
تلمّس الغطّاس طريقه، وأمسك بذراعي، وقال:
«أنت يا حاذق. إنّهم يبحثون عنك.»
اتّسعت عيناي.
«يا للأمّ الصالحة، من؟ الذباب؟»
«ممف. لا أدري. ولمَ يبحث عنك الذباب؟»
ضحكتُ غير مصدّق.
«أتسألني حقًّا لماذا؟»
لأنّني لِصٌّ وسارقٌ ومتسوّلٌ محترف، ربّما؟ لكنّهم لم يكونوا يعرفون ذلك، أليس كذلك؟ قطّبتُ واعترفت:
«لا أدري.»
«ثمّة رجلٌ يعرض مكافأةَ عشر ذهبيّاتٍ مقابلك»، أعلن الغطّاس فجأة.
ذُهلتُ وبُهتّ. جذبني من كمّي، وجلسنا على درجةٍ من سُلّمٍ صغير.
«عشر ذهبيّات»، غمغمتُ مبهوتًا. «لكن… من هذا الرجل؟»
«ظهر في الجارور نحو الساعة السادسة بعد الظهر، حين كان الأمهق هناك»، شرح الغطّاس. «قال إنّه ليس ذبابة، لكنّ أحدهم تبعه وهو يخرج من المتاهة، واحزر ماذا، كان يكذب كأشدّ الأوباش: إنّه ذبابة. وقال إنّه أخوك!» أضاف بضحكةٍ مكتومة.
تجهّمت. تبًّا للجحيم. لا بدّ أنّه كاكزايل. لكن لماذا يبحث عنّي أخي الأكبر؟ أله صلةٌ بـ…؟ احتمالٌ مفاجئ أقامني على قدميّ.
«لقد وجد العلاج!» لهثت. «يا غطّاس، ذلك الرجل… أراهن أنّه أخي حقًّا. إنّه كاكزايل. وهو يعرف أين الخيميائيّ. وإن كان يبحث عنّي… فهذا يعني أنّ الغنوم قد وجد العلاج!»
تبع كلماتي صمت. ثمّ أصدر الغطّاس صوتًا مخنوقًا.
«لا أصدّق! أخوك ذبابة؟»
شحب وجهي.
«هو كذلك»، أكّدت. «لكنّه ليس رجلًا سيّئًا. غريبٌ قليلًا، لا أكثر. اسمع، أقال أين يُذهَب لأخذ المكافأة؟ من يدري، لعلّه يعطيني إيّاها»، مازحت. لكنّني في قرارة نفسي تساءلتُ إن كان إعطاؤه إيّاها لي أمرًا بعيدًا إلى هذا الحدّ.
سمعتُ صديقي يتنهّد وينهض.
«لقد أفسدتَ خطّتي، حقًّا أفسدتها»، اعترف. «ثمّة رجلٌ آخر عرض عليّ خمس ذهبيّاتٍ لأجدك وأذهب لرؤيته. رجلٌ صديقٌ لك، على ما يبدو. اسمه دالن أسافيو. تعرفه، صحيح؟»
«بجنون»، قلتُ مستمتعًا. كيف لا أعرف لو بور وأنا أعرفه أكثر من أخي الأكبر؟
تابع الغطّاس:
«حسنًا. سمع إذًا قصّة الذبابة، وهو يريد مساعدتك. لكن، بديهيّ، إن سمع أنّك لستَ في خطر، فلن يعطيني مسمارًا واحدًا. لا يهمّ»، طمأنني. «على أيّ حال، يسرّني أنّ الذباب لا يبحث عنك. أمّا ما كنتُ سأطلبه منك فشيءٌ آخر لا علاقة له بهذا. هيّا بنا.»
واصلنا التنقّل عبر المتاهة، وانتظرتُ بفضولٍ أن يقول رفيقي ما يريدني أن أفعله له.
«أعرف أين يسكن الصقر الأسود»، همس أخيرًا. «طريق العجلة. ريسكيل. في بيت قمار.»
بلغنا ساحة الأرواح، وأضاء ضوءُ مصباحٍ بعيدٍ وجهينا برفق. ابتسم الغطّاس لتعبير الوجَل على وجهي.
«ما رأيك؟» سأل.
ماذا يعني بـ«ما رأيك»؟ لقد أخبرني للتوّ أين يوجد الذي مسَخنا وحبسنا في منجمٍ قمرَين، ثمّ يسألني ما رأيي؟ تحرّكتُ في مكاني قلقًا. كان المكان مهجورًا، إلّا من رجلٍ واحدٍ غارقٍ في النوم فوق عربة.
«أتريد أن تذهب لقتله؟» غمغمت.
«أريد، نعم»، أكّد الغطّاس. «لكنّني إن دخلتُ ذلك الوكر، فلن أخرج منه حيًّا، أنا واثقٌ من ذلك. لستُ مجنونًا. لن أقتل نفسي. لكنّني أريده أن يعرف أنّني أكرهه حتّى الموت. لذا… اشتريتُ بعض الطلاء الأحمر. لأستعمله على جدار ذلك البيت. وأريدك أن تكتب: ‹ستذهب إلى الجحيم يا صقرًا أسود›. كنتُ لأفعلها بنفسي، لكنّني لا أعرف الكتابة. ما قولك؟»
راقتني الفكرة على الفور. ابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
«رائع! سأضيف بعض العلامات التي أعرفها، وسيخرج الأمر في الصحف وكلّ شيء… و… آه، تبًّا للجحيم، إنّها فكرةٌ عظيمة!» تحمّستُ وأنا أثب واقفًا. «مهلًا. ماذا لو أضفنا توقيعًا؟ توقيعَ غواك. لكن توقيعًا لا يستطيع فهمه، طبعًا. مثل… مـ… مـ…»
«سأتولّى أنا ذلك»، حسم الغطّاس. وإذ شجّعه حماسي، قال: «هيّا بنا.»
ذهبنا لنستخرج الطلاء من تجويف، وشققنا طريقنا عبر إستِرغات سالكَين أحلك الشوارع. وحين بلغنا طريق العجلة كانت الساعة الرابعة من الليل قد دقّت، ومع أنّ الضجيج كان لا يزال في بعض الحانات، كان الشارع مهجورًا. انسللنا تحت رواقٍ بعيدًا عن الضوء. وطوال الطريق لم نكد نتبادل كلمة: فأنا لم أتوقّف عن استحضار كلّ العلامات التي عليّ رسمها في ذهني. وكنتُ لا أزال أجد صعوبةً في بعضها، وبصراحة، قلتُ ذلك للغطّاس همسًا في مخبئنا. فهزّ كتفيه.
«ما همّ، ما دام أيّ أحدٍ يستطيع أن يفهم أنّنا نلعنه.» أشار إلى بيت، ثمّ تراجع من جديد، وقال: «ذاك هو. على حدّ علمي. علينا أن نكون سريعَين. إن رآنا أحد، تركنا الطلاء وركضنا. أمستعدّ؟»
أومأت. انتظرنا مرور الحارس، وحين ابتعد، اندفعنا بعلبة الطلاء. كانت فُرَشنا عصيًّا بسيطةً رُبطت في أطرافها خِرَق. غمستُ فرشاتي في الدلو وشرعتُ أكتب الرسالة، بحروفٍ ضخمة، على واجهة بيت القمار. فعلتُ ذلك كلّه بسرعةٍ حتّى كدتُ أحسب نفسي كاتبًا محترفًا. أضفتُ بضع علاماتٍ كايلدرِكيّةٍ عشوائية، فهمس الغطّاس:
«ما هذا؟»
«سِحر»، أجبتُ كاتمًا ضحكة.
رأيتُ أنّ رفيقي أضاف بفرشاته المرتجلة رسمًا موفّقًا إلى حدٍّ بعيد لجمجمةٍ وعظمَين متقاطعَين. صفرتُ من بين أسناني.
«مُبهر يا نات.»
«وعلاماتك كذلك»، أقرّ.
تبادلنا ابتسامةً ذات معنى، ولمّا رأينا أنّ مزيدًا من الزخرفة لا يعوّض خطر أن نُضبَط، ألقينا القِدر والفُرَش وركضنا صاعدَين التلّ. وكنّا نكاد نبلغ آخر الشارع حين سمعنا صيحةً خلفنا و:
«هيه، أنتما هناك!»
أسرعنا وانعطفنا إلى شارع الورد. وكنّا في منتصف الشارع تقريبًا حين رأيتُ هيئاتٍ بالزيّ الرسميّ تظهر في آخره، فأمسكتُ بالغطّاس وقُدتُنا إلى زقاقٍ مسدود ولففتُنا بالظلال المتناغمة. فكّرتُ في اللياذ بـالوادعة، لكنّني قلتُ لنفسي إنّ شيئًا أن تُدلّل الفتياتُ غواكًا، وشيئًا آخر أن يُخفينه عن السلطات. الأفضل أن نخرج من هناك دون أن نطلب عون أحد.
رأينا الدوريّة تمرّ، وبلا تردّدٍ غادرنا الزقاق المسدود وتابعنا مغامرتنا، لكنّني هذه المرّة كنتُ أنا من يقود، من زاويةٍ إلى زاوية، ومن مخبأٍ إلى مخبأ. حتّى إنّني بدوتُ خنجرًا أسود حقيقيًّا! تفادينا كلّ الحرّاس، ووصلنا أخيرًا إلى نهر إستِرغات. وهناك غسلنا أيدينا وفحصنا أنفسنا تحسّبًا لرذاذ الطلاء. ولمّا اطمأنّنا إذ لم نرَ أيّ بقعة، عدنا أدراجنا إلى البيت نعلّق على ضربتنا ونضحك بملء أفواهنا. ظلّ الرماد يتساقط، لكنّه لم يكن كالثلج، وكان نسيمٌ خفيفٌ يكفي لمحو آثارنا. لكنّه لن يقدر على محو لعنتنا المحمومة المرسومة بالأحمر. فليعلم ذلك الجرذ، الصقر الأسود، أنّنا نحن، غواكات المنجم، ما زلنا من هذا العالم!
في المخبأ، نمتُ كالدبّ اللبريني. حتّى إنّني حين استيقظتُ لاحظتُ أنّ معظم رفاقي كانوا قد غادروا، ومنهم صحبتي. ذهبوا للتسوّل عند المعبد على الأرجح. لا بدّ أنّ الظهيرة كانت قد أوشكت.
«يا للهول»، تثاءبتُ وأنا أعتدل جالسًا. لا شكّ أنّ إتمام الانتقام يقلب المواعيد رأسًا على عقب. لاحظتُ الكرة الصغيرة التي وُضعت في جيبي وابتلعتُ الكاروجا قبل أن أطلق: «أيو أيّها الذئب الصغير!»
رفع الصغير الأخرس نظره عن دميته، فدنوتُ منه زاحفًا على أربع، سائلًا:
«كيف حال المعلّم؟ أين العظمان اللذان أحضرهما لك مانراس؟»
أراني الذئب الصغير إيّاهما، وقضيتُ وقتًا طويلًا في تعليقهما على الناكروس المصغّر، أضفر السيقان لأتّخذ منها خيطًا. راقب الذئب الصغير عملي بانتباهٍ شديد، وحين ناولتُه الدمية مكتملةً، تهلّل وجهه سعادةً، وراح يمشّيها في أرجاء المخبأ.
«هيه! لا تكسرها، اتّفقنا؟ إنّها هشّة»، حذّرته. «حسنًا، وإصلاحها سهلٌ أيضًا. فالعظام لا تنقص. لكنّ هذا ليس سببًا لكسر المعلّم، أليس كذلك يا شيور؟ هيّا، اليوم سنذهب لرؤية شخصٍ تعرفه سلفًا. صاحب السرير والمِدفأة الساخنة، أتذكر؟ هيّا، لنتحرّك يا غواك!» شجّعته.
أخذتُه من يده، وحيّيتُ الغواكات الذين بقوا هناك، ومضيتُ في اتّجاه الروح المرِحة. وبدل أن أعبر المتاهة، قرّرتُ أن ألتفّ حولها صاعدًا درب النهر الخجول. بلغنا الزقاق المسدود المؤدّي إلى الحانة، وصعدنا الدرج الخشبيّ، وطرقتُ باب لو بور.
لم يأتِ أحدٌ ليفتح. وبعد حين، جلستُ مع الذئب الصغير على درجةٍ وتنهّدت. قد أنتظره اليوم كلّه عبثًا. بل ربّما غيّر مسكنه. وكنّا أنا والذئب الصغير في خضمّ مباراةٍ في الوجوه والتكشيرات، وكلّما كانت أوقحَ كانت أفضل، حين انفتح باب الحانة الخلفيّ و… ظهر لو بور. ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً ونهضت.
«أيو يا سيّدي!»
«يا فتى»، حيّاني لو بور بتكشيرةٍ نصفُها ابتسامةٌ ونصفها توتّر. ألقى نظرةً نحو مدخل الزقاق المسدود، فالتقت عيناه بعينَي قطٍّ أشعثَ كان يجرّ قدميه مارًّا، ثمّ التفت إليّ. «وماذا عن الفتى الآخر الذي أرسلتُه ليأتي بك؟ وعدتُه بخمسة سياتوات.»
«آه، حسنًا، ادفعها، وسأوصلها إليه عنك، فهو رفيقٌ لي»، طمأنته. «حسنًا، قال إنّك لن تعطيه إيّاها، لأنّك ظننتَ أنّ الذبابة التي تبحث عنّي تنفّذ أوامر، لكنّ الأمر في الحقيقة ليس كذلك؛ إنّه أخي فعلًا. إن شئتَ شرحتُ لك.»
نظر إليّ لو بور بتلك النظرة البوميّة التي كانت تخيفني قليلًا. وقال وهو يمرّ بجانبي:
«لندخل.»
دخلنا، وبدأتُ أحكي له بنبرةٍ حيّة:
«انظر، المسألة أنّني لم أكن أعرف أنّ لي عائلةً من قبل. لكن حين خرجتُ من القرنفل، اكتشفتُ أنّ لي واحدة. لقد أضاعوني في الوادي…»
«تخلّوا عنك لأنّك وجعُ رأس، تقصد»، سخر لو بور وهو يضع كأسَين على الطاولة ويُخرج زجاجة. «اجلس.»
«حسنًا، هم يقولون إنّه كان حادثًا»، أكّدتُ وأنا آخذ مقعدًا. قبلتُ الشراب الذي ناولني إيّاه وتابعت: «وكاكزايل، أخي الأكبر، حسنًا، كان مجالِدًا في تاسّيا. إنّه محاربٌ حقيقيّ. لهذا أخذوه ذبابةً، على ما أظنّ… أهذا نبيذٌ أزرق؟»
«رادراسيا سماويّة»، أعلن لو بور رافعًا كأسه. «أجود صنف. تابع.»
ارتشفتُ رشفةً من السائل الأزرق الصافي وكدتُ أبصقها. بلعتُ وأحسستُ فمي كأنّه يحترق.
«يا للأمّ الصالحة!» سعلت. «لقد قتلتني يا بور، أقصد يا سيّدي، آسف. بالمناسبة، أأعاد لك فراشلوك الثمانمئة والأربعين؟»
لمعت عينا لو بور.
«وكأنّه سيعيدها لي يا أربعمئة. أنت لا تعرف فراشلوك حقّ المعرفة. لم يصدّقني حين قلتُ له إنّ الكفّ الباردة أعطاني إيّاها… يكفيني أنّه لم يحسبني أحد شركاء غوبور. لقد خرجتُ من تلك الورطة بخيرٍ نسبيّ… ثمّ إنّني بذلك عرفتُ، مصادفةً إلى حدٍّ ما، أنّك… أو بالأحرى أنّك كنتَ خنجرًا أسود.»
تحت عينه الراصدة، هززتُ كتفيّ وأومأت.
«راوند.»
«مم. ولم تخبرني أيضًا أنّك كنتَ من الأطفال الذين خطفهم الصقر الأسود»، أضاف لو بور بهدوء.
نظرتُ إليه، لكنّني لم أستطع أن أستشفّ أفكاره. كرّرت:
«راوند.»
«و… أفهم أنّ هؤلاء الأطفال مدمنون على الكاروجا إدمانًا شديدًا»، أكمل لو بور.
وبينما كان يرتشف من شرابه، لم تفارقني عيناه. تجهّمتُ وأومأتُ صامتًا مؤكّدًا. وبشيءٍ من التوتّر، أشحتُ بنظري وصببتُ انتباهي على الذئب الصغير. كان الصغير قد حشر نصفه تحت السرير مع المعلّم. رأيتُه يرفع ساقَيه العظميّتين ليمشّيه على يديه، فضحكتُ في سرّي. ما كان معلّمي الناكروس ليقدر على التهريج هكذا، هذا مؤكّد، لا لأنّه لا يريد بل لأنّه يفتقر إلى الرشاقة.
كسر لو بور الصمت.
«إن كنتَ خنجرًا أسود، فلا بدّ أنّك تعرف كيف تصنع التناغمات.»
أومأتُ، ملتفتًا إليه بزهو.
«طبيعيّ أنّني أعرف. أنا خبير.»
«إذًا فلعلّنا نستطيع أن نعقد صفقة»، تأمّل لو بور. نظر إلى كأسي وقطّب. «لا تقل لي إنّك لا تحبّ الرادراسيا السماويّة.»
كشّرتُ تكشيرةً اعتذاريّة.
«إنّها تحرق حرقًا وحشيًّا. أفضّل الرادراسيا العاديّة.»
«غواكات»، سخر لو بور. «ألا تعرف أنّ رفض شراب المضيف إساءةٌ لا تُغتفر؟» رسمتُ على وجهي تعبيرًا يقول: لا، لم أكن أعرف ذلك، فتنهّد ومدّ يده. «أعطني إيّاها.» شربها جرعةً واحدة، ودون أن تبدو عليه أدنى علامةٍ من الثمالة، استأنف: «إذًا، أنت تقول إنّ الذباب ليس من يلاحقك، بل عائلتك. قل لي يا أربعمئة. أتعرف أنّ كثيرًا من الآباء لا يدفعون عشر ذهبيّاتٍ لاستعادة ابن؟ في الحيّ الأسود، الأرجح أن تجد من يبيع ذرّيّته بهذا الثمن وأقلّ.»
أخرسني ذلك. في الليلة السابقة لم أكن قد نظرتُ إلى المسألة من تلك الزاوية. وأخيرًا هززتُ رأسي نافيًا.
«ليس الحلّاق من يدفع، بل أخي الأكبر. هو من يعرف مكان الخيميائيّ الذي يبحث عن علاجٍ للسوكواتا. لا أدري إن كنتَ تعرف القصّة كلّها…»
«أعرف ما يكفي»، أكّد لو بور متأمّلًا. «ممف. أن يكون لك أخٌ في الشرطة… أشفق عليك يا أربعمئة، يا له من حظٍّ عاثر!»
ضحك ساخرًا، فهززتُ كتفيّ في ضيق. أرجحتُ قدميّ على مهل، وبعد صمتٍ قلت:
«قبل قليل، قلتَ شيئًا عن صفقة.»
أومأ لو بور وانحنى فوق الطاولة معترفًا:
«كنتُ أفكّر في أن أجعلك شريكًا. لكن مع ذلك الأخ الذي لك… ستكون مصيبةً نوعًا ما إن لم تستطع أن تُطبق فمك.»
نظرتُ إليه مستنكِرًا ومتحمّسًا في آنٍ واحد.
«أستطيع أن أُمسك لساني يا بور. أقلتَ شريكًا؟» تحمّست.
ضرب لو بور الطاولة فجأةً وهسّ:
«لا بور، تبًّا لك…»
شحبتُ إذ رأيتُ بريقًا قاتلًا في عينيه.
«آسف يا سيّدي. سيّدي، سيّدي، سيّدي»، كرّرتُ بجدٍّ كأنّني أحفرها في ذهني. عضضتُ شفتي وابتسمتُ من جديدٍ وأنا أكرّر: «شريك؟»
نظر إليّ لو بور. والعجيب أنّ الرادراسيا لم تكن تؤثّر فيه كثيرًا. أشار إليّ أن أقترب. فأطعت.
«أوّلًا»، قال، «اذهب لرؤية أخيك الذبابة ذاك واحسم تلك المسألة التي عليك أن تعالجها.» أومأت. «حسن. إن حدّثته عنّي، ولو باسم السيّد أسافيو، فسأركلك في مؤخّرتك حتّى لا تعود تُحسّ بها.»
قلّبتُ عينيّ وأومأتُ من جديد. وفجأةً أمسكني لو بور من ياقة معطفي وهسهس من بين أسنانه:
«أنا جادٌّ يا فتى.»
لم أشكّ في ذلك. نفد صبري.
«أعرف يا سيّدي. لستُ واشيًا.»
«لا؟ ولمَ لا تُبلغ عنّي أخاك أنت، يا أربعمئة؟» ردّ لو بور دون أن يُفلتني. «أبسبب أنّك ساعدتني على الهرب؟ أهذا ما يمنعك من الوشاية؟»
نظرتُ إليه محتارًا وجريحًا.
«لا»، احتججتُ بصدقٍ تامّ. «ليس ذلك. لن أخونك أبدًا يا بور. أقصد، يا سيّدي. حقًّا. أقسم.»
نظر لو بور في عينيّ وأفلتني.
«ولماذا إذًا؟» تنهّد.
تلوّيتُ في مكاني، لا أدري ماذا أقول. وأخيرًا، إذ لم يقل لو بور شيئًا، ورغم الخجل الذي شعرتُ به وأنا أقولها، تلعثمت:
«لـ… لأنّك كنتَ طيّبًا معي و… لأنّني أحبّك.»
قوّس لو بور حاجبيه. تأمّل جوابي لحظة. ثمّ ابتسم، وعلى وجهه سخرية.
«كم يدفعون لك لتُقبّل مؤخّرتي يا أربعمئة؟»
لولا أنّ بشرتي داكنةٌ بطبعها لاحمررتُ كالطماطم. زفرت.
«اذهب فانفجر.»
ضحك لو بور، وأخذني من كتفيّ بذراعٍ قويّة، وهزّني هاتفًا:
«الأربعمئة يحبّني! هذه المرّة سأصدّقك. اسمع، اذهب وقابل ذلك الأخ، وغدًا في منتصف الليل تعالَ إلى جسر فال، الضفّة الجنوبيّة، بلا تخلّف. تعرف أين هو، أليس كذلك؟»
«طبيعيّ»، همست. كان قرب حديقة المساء، في حيّ تارميل. نظرتُ إليه محتارًا. «ماذا سنفعل عند جسر فال؟»
«مم-مم»، رفض لو بور أن يجيب. «لا أسئلة.»
قفزتُ صعودًا وهبوطًا متحمّسًا.
«سننسف الجسر!»
قلّب لو بور عينيه.
«قلتُ لا أسئلة. وما دمتَ تحبّني إلى هذا الحدّ، فاحرص ألّا يتغيّر ذلك، اتّفقنا؟ ننسف الجسر»، كرّر غير مصدّق. «عندك أفكارٌ ثوريّةٌ مجنونة يا أربعمئة. والآن، اخرج من هنا وافعل ما عليك فعله. إن طرأ شيءٌ غير متوقّع، فأخبرني. وإن لم تستطع أن تُخبرني أو تأخّرت، فلن ننتظرك. وستخسر حصّتك بالطبع.»
«حصّتي»، كرّرتُ بفصاحة.
«ذهبيّتان»، أوضح لو بور. «دون جهدٍ كبيرٍ منك… إن صحّ أنّك تستطيع صنع التناغمات.»
ابتسمت. كان الأمر يزداد غموضًا شيئًا فشيئًا.
«سأكون هناك»، وعدت. «في منتصف الليل. حسنًا. أستأتي السيّدة أيضًا؟»
«تاكا؟ طبعًا لا»، نخر لو بور.
«آه»، قلتُ بشيءٍ من خيبة الأمل. «الأمر فقط أنّك قلتَ ‹لن ننتظرك›، فظننت…»
«لا»، قاطعني لو بور. «لن تكون هناك. ربّما إن جئتَ غدًا وأدّيتَ كلّ شيءٍ كما ينبغي، أمكنك أن تراها. يبدو أنّها أعجبتك هي الأخرى، بالمناسبة»، سخر.
كشّرتُ تكشيرةً هزليّة.
«نعم، لكن دون الصابون»، اعترفت. «حسنًا. أيو يا سيّدي. أيّها الذئب الصغير!» ناديت. «هيّا بنا لنرى الأخ الملتحي. كفّ عن تحريك المعلّم المسكين هنا وهناك. ماذا، أوسّختَه سلفًا؟ أعني، حين تُخرج أصابعك من أنفك، تمسحها هكذا، على المعطف، أفهمت؟ لا على المعلّم. هذا مقرف. لو علِم، يا للأمّ الصالحة، لو علِم… لمسخك بزّاقة! هيّا أيّها الذئب الصغير، أسرع.»
اقتدتُه إلى الخارج، وأغلقتُ الباب خلفي، وانطلقنا في اتّجاه تارميل.
* شيور: نداءٌ ودّيٌّ دارج، بمعنى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion