Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 57
لأنّ ساقَي الذئب الصغير كانتا قصيرتين جدًّا، لم نسر سريعًا. وحين بلغنا جادّة تارميل، أدركتُ أنّني لا أعرف أين أجد كاكزايل. لو أنّني فكّرتُ في ذلك قبلًا، لسألتُ لو بور… لكنّني لم أفعل. فبقيت أمامي ثلاثة خيارات: إمّا أن أسأل عن كاكزايل في مركز الشرطة، أو أن أعود إلى لو بور، أو… أن أذهب إلى دكّان الحلّاق. رفضتُ الخيار الأوّل فورًا لأنّه بغيضٌ جدًّا، والثاني كسلًا، والثالث توجّسًا. ولحسن الحظّ، كان لديّ خيارٌ رابع.
صعدتُ جادّة تارميل حتّى الجادّة. كانت أجراس الثانية تدقّ حين بدأتُ أتسلّق الدَّرَج الكبير المؤدّي إلى الكابيتول. كانت تلك أوّل مرّةٍ أدخله فيها. كان غرضي الأساسيّ أن أبحث عن يال، إذ خلصتُ إلى أنّ كاكزايل، بلا شكّ، قد سأل عنّي عنده، وأنّ يال يعرف حتمًا أين يُعثر على المجالِد. غير أنّني ما إن دخلتُ البهو الرئيسيّ الهائل حتّى تذكّرتُ الخريطة التي حدّثني عنها السريع قبل أسبوعين، ولمّا رأيتُها هناك بكلّ مهابتها، أسرعتُ أقترب منها، وأنا أجرّ الصغير خلفي نصف جرٍّ، وهو بدوره يجرّ المعلّم.
كانت الخريطة تشغل جدارًا بأكمله. كانت تخطف الأنفاس. تبدأ على ارتفاع مترين تقريبًا وتمتدّ إلى السقف. لزمتني لحظةٌ لأفهم ما تُمثّله. وخاب أملي حين رأيتُ أنّ أسماء المدن مكتوبةٌ بالحروف الأورامية. كان فهمها عسيرًا، لكن، مهلًا لحظة! هناك، تحت كلّ اسم، تظهر نسخةٌ أصغر مترجَمةٌ إلى الدريونسانية. ضيّقتُ عينيّ، وقرأتُ «أوكبوت»، وإذ أخذ الدوار يداهمني من كثرة رفع رأسي، خفضتُه وقلتُ للذئب الصغير:
«هذه الخريطة لا تنفع.»
وذلك أساسًا لأنّ بلدة أوكبوت كانت في الزاوية اليسرى من الخريطة وتتبع بروسباتيرّا، بينما كان يُفترض أنّ تلال العواصف أبعد من ذلك. والخلاصة: لم تكن على الخريطة. نظرتُ إلى الحواف الذهبية بشيءٍ من الخوف، متسائلًا كم تبعد تلال العواصف عن إستِرغات. أدرتُ بصري حولي فالتقت عيناي بعينَي موظّفٍ كان يراقبني. تقدّم نحوي على مهل، ولعلّه ظنّ أنّني سأفرّ من الكابيتول. لكنّني، بدلًا من ذلك، اقتربتُ منه أنا.
«سيّدي، أيو. أبحث عن ابن عمّي. يعمل هنا كاتبًا. اسمه يالِت فيرباديس.» ولمّا رأيتُ أنّ وجه الموظّف لم يستضئ، أوضحتُ: «يشتغل بالأوراق وما شابه. أتعرفه؟»
أخيرًا، أشار محدّثي إلى بضع طاولاتٍ حيث يُستقبَل الناس.
«انتظر هناك، وسيهتمّ بك أحدهم.»
أومأتُ بأدب.
«تمشي.»
كنتُ قد جلستُ للتوّ على مقعدٍ مع الذئب الصغير حين تعرّفتُ على هيئةٍ جعلت شعري يقف. لم يكن كورثر، ولا فراشلوك، ولا الصقر الأسود… كان لوين. كان يرتدي ثياب سيّدٍ صغير ويُصغي بشرودٍ إلى حديث جماعةٍ من الكبار، بينهم امرأةٌ بشريّةٌ في فستانٍ أبيض وأزرق جميل وقبّعةٍ صفراء كبيرة. لم أستطع أن أراها جيّدًا، لكنّني من هيئتها عرفتُ من تكون. أمّ لوين فراشلوك.
«إن نطقتَ بكلمةٍ واحدةٍ للفتى، إن نظرتَ إليه، فأنت ميّت.»
دوّى تحذير الأمهق في رأسي كناقوس إنذار، بإلحاحٍ يكاد يضاهي إلحاح بونغ المنجم حين أجوع. رفعتُ ياقة معطفي قدر ما استطعتُ، وغطّيتُ وجهي بيدي اليسرى، وأمسكتُ الذئب الصغير بيدي الأخرى، وشرعتُ في الانسحاب بأقصى ما أمكن من التكتّم. وعندها بدأ ذلك الذئب الصغير الإسطرباغيّ يشدّني من الجهة الأخرى.
«الذئب الصغير!» هسستُ.
كان الذئب الصغير يبكي. لم يُتَح له وقتٌ ليلتقط المعلّم الذي كان قد أجلسه على المقعد بعنايةٍ بالغة. رمقتُ جماعة قابضي المسامير بنظرةٍ يائسة، وعدنا مسرعَين إلى المقعد. أخذتُ المعلّم وناولتُه للذئب الصغير وهمستُ:
«سنفرّ من هنا كالبرق.»
رفعتُه بين ذراعيّ وهرولتُ نحو المخرج. كدتُ أبلغ العتبة حين ناداني صوتٌ مندهش:
«درائن؟»
وثب قلبي وثبةً، فأسرعتُ الخطى وكبحتُها في آنٍ واحدٍ حين وجدتُ أمامي إلفًا مظلمًا يرتدي زيّ السنونو. كان يُم. تبًّا. لم يكن بوسعي أن أخرج راكضًا الآن من دون أن أُحيّي زميلي السابق في العمل، أليس كذلك؟ وأنا أُجاهد ألّا أُدير رأسي نحو لوين، نحنحتُ:
«أهلًا يا يُم. لم نلتقِ منذ زمن.»
نظر الإلف المظلم إليّ وإلى الذئب الصغير بفضول.
«ثلاثة أسابيع على الأقلّ»، وافق. «لم نرك تعود إلى المكتب. أوجدتَ عملًا آخر؟»
هززتُ رأسي نافيًا.
«مرضتُ مرضًا شديدًا. ثمّ… ظننتُ أنّ المدير لا بدّ أنّه طردني منذ زمن.»
زفر يُم.
«هذا، لا شكّ أنّه فعله. طردك منذ زمنٍ بعيد. أمرٌ مؤسف. لو أرسلتَ ورقةً تقول فيها إنّك مريض، لربّما فكّر مرّتين قبل ذلك.»
«نعم، بالتأكيد»، أجبتُ متشكّكًا. «المدير كان قد كرهني.»
«ممم. بل على العكس»، أكّد يُم. «لا تؤاخذني، لكن ليس كلّ أحدٍ يقبل أن يوظّف فتًى أجنبيًّا خارجًا لتوّه من السجن. الأرباب لا يحبّون المتاعب. كما يقولون: طأطئ رأسك يضعوا على كتفيك كيسًا، ولا تطأطئه يقطعوه»، اقتبس بتعبيرٍ قدَريّ. «حسنًا، عليّ أن أُتابع عملي. متى شئت، مُرّ على الجادّة، أمام المانتيكور، نحو الساعة السابعة. نجتمع دائمًا في ذلك الوقت؛ الشلّة المعتادة، تعرفهم. إن راقت لك دردشة. طاب يومك.»
وهو يبتسم، عبث بشعر الذئب الصغير. أمّا هذا، المرفوع بين ذراعيّ، فكان يُحدّق فيه بعينيه الزرقاوين. أطلقتُ نخرةً وابتسمتُ.
«أيو، وشكرًا على الدعوة»، أجبتُ.
لوّح يُم وهو يرفع يده إلى قبّعته، ثمّ أسرع نحو الدَّرَج الداخليّ للكابيتول. السنونو في خدمتك، تمتمتُ في سرّي. حسنًا، إذا فكّرتُ في الأمر، لم أكن نادمًا على تركي خدمة الرُّسُل: فهي بالكاد كانت تكفيني للأكل، فما كانت لتكفي لإطعام الذئب الصغير، ولما استطعتُ أن أُساعد السريع في الليل. أمّا الآن فكنتُ أعيش عيشة القدّيس الشفيع.
كنتُ على وشك استئناف انسحابي الصامت حين رأيتُ فجأةً يال يظهر في آخر القاعة بعربةٍ محمّلةٍ بالصناديق. كانت سيّدة آل فراشلوك لا تزال تتكلّم… وكان لوين ينظر إليّ. لقد تعرّف عليّ قابض المسامير الصغير. تبًّا للجحيم، وما أهمّية ذلك. استدرتُ وسرتُ بلهفةٍ نحو ابن عمّي. ومع رواح الناس وغدوّهم، لم يرني يال حتّى شددتُ كمّه وقلتُ:
«مرحبًا يا يال.»
توقّف فجأةً ونظر إليّ، وعيناه مستديرتان من المفاجأة.
«أمّهات النور»، نطق أخيرًا. ألقى نظرةً حوله قبل أن يُشير إلى عربته. «سأوزّع هذه وأعود حالًا. لا تبرح مكانك، اتّفقنا؟»
أومأتُ، ولمّا وجدتُ الذئب الصغير نصف نائم، بدلًا من أن أُنزله، مضيتُ وجلستُ في أقرب زاويةٍ من دون أن أتركه. وحين نظرتُ ثانيةً نحو مدخل الكابيتول، لم أرَ لوين ولا أمّه. حسنًا… وإذ صار تنفّسي أهدأ، انتظرتُ عودة يال بحكمة. وبعد ربع ساعةٍ ربّما، عاد فظهر، ولمّا لم يرني للوهلة الأولى، زفر متضجّرًا:
«لا تقل لي إنّه ذهب…»
«أنا هنا»، قلتُ. حاولتُ إيقاظ الذئب الصغير، لكن دون جدوى: لم يكن يريد أن يمشي، كان متعبًا.
رمقني يال من رأسي إلى قدميّ وأنا أنهض. تنفّس بعمق.
«حسنًا. طلبتُ استراحة بضع دقائق. لنخرج. أتعلم أنّ كاكزايل يبحث عنك منذ نصف قمرٍ تقريبًا؟» أضاف ونحن نتّجه إلى المخرج.
«بالضبط»، قلتُ. «أنا أبحث عنه أيضًا.»
قوّس يال حاجبًا، متشكّكًا.
«حقًّا؟»
«حسنًا… فكّرتُ أنّه إن كان يبحث عنّي، فذلك لأنّ الخيميائيّ وجد الدواء، صحيح؟» استنتجتُ.
نظر إليّ يال بتعبيرٍ مذعور، وهزّ رأسه، وخرج من دون جواب. تبعتُه، وقد حيّرني صمته بعض الشيء. كان الرماد لا يزال يتساقط، ورغم أنّ الكنّاسين ينظّفونه مرّاتٍ عدّةً في اليوم، كانت الجادّة رماديّة. كانت العربات تُثير سُحُب الغبار، والساجِتيّون يروحون ويغدون، بعضهم يثرثر، وبعضهم ينزل من الأومنيبوسات أو يمشي بخطًى حثيثةٍ من دون أن يكاد ينظر حوله. ولو نظروا، لرأوا عصابات الغواكات تنسلّ بين الحشد كالشراغيف في نهرٍ هائج. ولرأوا المُقعَدين يتجمّعون قرب المعبد الكبير ليمدّوا أيديهم إلى الرحماء. و، حسنًا، لرأوا عالمي. عالمًا لا يعنيهم أكثر ممّا تعنيهم حفنة رماد.
نفختُ قطعة رمادٍ كبيرةً رفرفت أمام عينيّ، وتبعتُ يال. وبدلًا من النزول على الدَّرَج، سلك معلّمي الممشى العريض المحاذي لواجهة الكابيتول، وجلس على مقعدٍ منعزل. أخرج من جيبه لُقمةً، ورفع بصره إليّ، وقال:
«قل لي كيف استطعتَ أن تفعل هذا يا مور إلدال. قل لي كيف استطعتَ أن تفعل هذا بكورثر.»
لم يكن صوته جافًّا ولا اتّهاميًّا؛ كان يرتعش بخيبة الأمل وعدم التصديق. أشحتُ ببصري وجلستُ مع الذئب الصغير في صمت. لم يُفاجئني أنّه يتحدّث في هذا: كنتُ أعلم أنّه سيفعل. كان ذلك واضحًا وضوح النهار. ومع ذلك… كم كنتُ آمل ألّا يُبعدني يال عنه كما فعل كورثر… ابتلعتُ توتّري قدر استطاعتي.
«كان فراشلوك يحتجز روغان أسيرًا»، شرحتُ. «كان عليّ أن أُنقذه.»
أطلق يال ضحكةً ساخرة.
«تُنقذه، آه، بالتأكيد. اسمع، كلّنا نُخطئ، لكنّ خطأك أنت كان أسطوريًّا يا مور إلدال. كيف تخطر لك فكرة أن تُدخل حفيد زعيم تلك العصابة إلى مكتب كابك أنت؟ حين سمعتُ بالأمر، ذُهلتُ. لم أعرف أين أضع نفسي. وأنا الذي قلتُ لكورثر مرّةً إنّك فتًى واعد… أرواح الرحمة. ثمّ تختفي من دون أن تُكلّف نفسك حتّى عناء المجيء لرؤيتي. انظر إليّ.»
أدرتُ رأسي نحوه ونظرتُ في عينه. شعرتُ بالندم والضيق والارتياح في آنٍ واحد. بالندم، لأنّني خيّبتُ ظنّ معلّمي؛ وبالضيق، لأنّه يُثير موضوعًا لا أريد الكلام فيه؛ وبالارتياح، لأنّ… حسنًا، لأنّني كنتُ سعيدًا بالحديث إلى ابن عمّي، ولو أنّه وبّخني. فالتوبيخ بين الحين والآخر كان مريحًا حتّى. بل حتّى علقةٌ جيّدةٌ قد تكون كذلك. لكن، للأسف، لم يكن يال بارعًا في الوعظ. استأنف بصوتٍ أهدأ:
«هل سألتَ نفسك يومًا ماذا تريد أن تفعل بحياتك يا مور إلدال؟ انظر إليّ»، كرّر. رفعتُ بصري من جديد. وهو، واللُّقمة لا تزال سليمةً في يديه، تابع: «تعيش في الشارع، على ما أظنّ. وعلى الأرجح مع حفنةٍ من الغواكات، ومع هذا الصغير… مع مانراس وديل والقِسّ الذي أنقذتَه كالأبطال. حسنًا يا درائن. قل لي بصدق، إلى أين ستذهب من هنا؟ ما خططك للمستقبل؟ أسألك بجدّية.»
نظرتُ إليه من دون ردٍّ قبل أن أُدرك أنّه ينتظر جوابًا فعلًا. فعضضتُ شفتي، وهززتُ رأسي، وقلتُ:
«أريد أن أفعل ما فعلتَه أنت. أريد أن أذهب إلى المدرسة. أريد أن أتعلّم. أنا… أنا أدّخر المسامير كي… إيه… أستطيع الذهاب إلى المدرسة»، كذبتُ.
لا أدري لماذا قلتُ له تلك الكذبة. أظنّ لأنّني أردتُ أن ينظر إليّ يال بشيءٍ من التقدير أكثر. وعلى الفور بدا لي ذلك سخيفًا، فمرّرتُ يدي على وجهي وصحّحتُ، خجلًا:
«لا. هذا غير صحيح. لا أملك مسمارًا واحدًا.»
نظر إليّ يال بتلك النظرة التي تبدو وكأنّها تُفكّر: «ما الذي يقوله لي هذا الغواك بحقّ السماء؟» أسقطتُ يدي، وغيّرتُ الموضوع بتوتّر.
«أندم كثيرًا على كلّ ما جرى مع كورثر. لم يقبل حتّى أن يراني. طردني في الحال. يقول رولغ إنّ الكاب لو رآني صفّاني. وإن كلّمتُ لوين، صفّاني فراشلوك. من حسن الحظّ أنّ المرء لا يُصفّى مرّتين. لكان عليّ أن أتحوّل إلى ليتش لذلك. الليتشات تموت مرّتين دائمًا. هكذا قال معلّمي…» زفرتُ. «تبًّا. كلّما فكّرتُ في الأمر… أنا خاسرٌ بائسٌ حقًّا. والطريف أنّ الأمور، في هذه الأيّام، ليست بذلك السوء. أكسب قوتي. أكسب ما يكفي للكاروجا. و… إن صحّ أنّ الخيميائيّ وجد دواءً، لأمكنني أن أدّخر بجدٍّ، لأذهب إلى المدرسة. وحينها سأذهب، أُقسم. حتّى رفاقي سيذهبون. ليتعلّموا. و…»
ابتلعتُ ريقي وصمتُّ. لم يقل يال شيئًا؛ كان يمضغ لُقمته. وبعد صمتٍ طويل، ابتلع آخر قضمةٍ وعلّق:
«أراك تحطّ في سجن القرنفل في سلامٍ وفضيلة، يا ساري. حسنًا، عليّ أن أعود إلى مكتبي. كاكزايل يعمل حارس أمنٍ في المعرض الكبير. وهو في النوبة النهاريّة. لن تجد صعوبةً في العثور عليه، على ما أظنّ. أبلغه سلامي.»
نهض ونفض الرماد عن قبّعته قبل أن يُضيف:
«لو كنتُ مكانك، لأصغيتُ إلى الكبار قليلًا أكثر. كاكزايل مثلًا. ووالداك. ربّما لا تكاد تذكرهما، لكن فكّر أنّهما ربّياك ستّ سنواتٍ تقريبًا… إنّهما والداك. إن كان على أحدٍ واجبُ مساعدتك، فهما. وإن كان أحدٌ يريد لك الخير، فهما.»
وأمام تعبير الدهشة على وجهي، ابتسم لي ابتسامةً خفيفةً محرَجة وأشار نحو مدخل الكابيتول.
«عليّ أن أذهب، حقًّا. إن بحثتَ عنّي يومًا، فأنا أسكن هناك تمامًا، في ذلك البيت ذي المصاريع الخضراء. أتراه؟» أشار إلى بناءٍ يقوم في زاويةٍ من الجادّة. «الطابق الثاني. رقم ثلاثة. لكن، إن جئت، فتعالَ وحدك، اتّفقنا؟ لا تأتِ بالعصابة كلّها، أنا أعرفك.»
أومأتُ، وقلبي يغوص.
«طبيعيّ، يا إلَسّار*. شكرًا.»
نظر إليّ معلّمي بتعبيرٍ لم أستطع أن أفكّ لغزه تمامًا. لم أفهم إلّا أنّه لم يكن غاضبًا منّي. وللمفاجأة، مدّ يده وعبث بشعري. فتساقط شلّالٌ من الرماد.
«اعتنِ بنفسك يا ساري»، قال لي برفق.
ابتسمتُ ورحتُ أُتابعه بنظري وهو يبتعد بخطًى سريعةٍ نحو مدخل الكابيتول. ولمّا اختفى، التفتُّ إلى الذئب الصغير النائم، فرفعتُ إصبعًا مغبرًّا بالرماد إلى خدّه ورسمتُ عليه ثلاث نقاطٍ سوداء، ثمّ مثلها على الخدّ الآخر. ضحكتُ بخفوتٍ وهمستُ في أذنه:
«يا غواك القطط، احذر، المعلّم سيلتهمك!»
وأخذتُ الدمية وتظاهرتُ بالتهام الصغير لأوقظه.
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ معلّمَه أو سيّدَه، بمعنى «معلّمي» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion