Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 59
شجّعتني جَلَبةُ الأصوات، فاعتدلتُ ووقفتُ على الطاولة الكبيرة، وملأتُ رئتيّ هواءً وزعقتُ:
آهُوي، آهُوي، آهُوي!
صبايا القطط.
ما أجملهنّ! ما أجملهنّ!
لا-لا-لا، لا-لا-لا. ما أجملهنّ!
صبايا القطط.
وأيُّ شيءٍ يكون سماويًّا
إن لم يكن الخمرَ؟
يييييه!
أطلقتُ عُواءً استولى على القاعة كلّها، ومضيتُ في الغناء، تُصاحبني القهقهاتُ والأصواتُ الراعدةُ ونُباحُ كلبٍ يطارد قطًّا بين الطاولات.
كنّا في قاعة الطعام الكبرى، وهي قاعةٌ تحت الأرض، في وسط مملكة فراشلوك. غصَّ المكان بالناس، وكلّهم رفاقُ بلوى، إذ صاروا منذ غزو الذباب لحيّ القطط يمضون النهار في دفع المتطفّلين أو في الهرب منهم بما استطاعوا. وبفضل شُهرتي في الجارور، صرتُ في ثلاثة أيّامٍ فقط مُنشِدَ هذه الزُّمرة المُخلَّطة المحترف. أجمعوا كلّهم على أنّي لا أُحسن الغناء، لكنّي أُحسن الزعيق، وكأنّ الأمرين واحد، فقد كانوا يسمعون ويضحكون بالقدر نفسه.
لم تُرضِني صحبتي الجديدة كثيرًا. بعضهم كانوا ودودين يعلّمونك أساليب القبض على الخنجر، وواحدٌ منهم علّمني سبَّةً بالأورامية لأزداد علمًا، لكنّ آخرين كانوا فاحشين، بطبيعيّةٍ بالغةٍ لا بدّ أن أعترف بها، ويرسلونك، كأنّهم يُسدون إليك جميلًا، لتنظّف الأرض وتغسل الأطباق وتلمّع الأحذية وتُغيّر الشموع، وكلّ هذا برضًا صامتٍ من الآخرين الذين يمزحون ويتكاسلون وينظرون إليك وأنت تمرّ كما يُنظر إلى قطٍّ أشعثَ آخر. وفي الحصيلة، تمنّيتُ في تلك الأيّام الثلاثة أكثر من مرّةٍ لو أنّ المتبجّح كسر ساقي فلا أُكلَّف كلّ هذا الشغل. لكن، حسنٌ، كنتُ في حالٍ جيّدةٍ فتحمّلتُ عذابي كالرجال.
وكان يضايقني أكثرَ أن أتذكّر أنّ فاريغو، الغزّال الصغير في القرنفل، قد أُطلق سراحه في يوم اللطف ذاته، وأنّي لم أستطع أن أذهب فأنتظره خارج السجن كما وعدتُ نفسي. غواكٌ آخر ضاع. كان القِسّ يقول إنّ الغواكات يضيّعون طريقهم، ثمّ يجدونه، ثمّ يضيّعونه من جديد، ومن يدري ما مصيرهم في الحقيقة.
أنهيتُ الأغنية بصرخةٍ لا تنتهي أضحكت الناس. وما إن سكتُّ حتّى قفزتُ من الطاولة وتناولتُ فخذَ دجاجةٍ ناولني إيّاها قيتيٌّ أسودُ الشعر يُسمّى فيشكا، كان بادِنًا كقابض مسامير. وهكذا تجوّلتُ بين الطاولات أقبَل الهِبات هنا وهناك وأردّ على التلاعب بالكلام كلّما انتقل الاهتمام. ولمّا بلغتُ آخر القاعة، انحنيتُ قرب مانراس وديل ووزّعتُ الطعام.
«كُلوا، يا شيور*. أجائعٌ أنت يا ذئبًا صغيرًا؟ حسنٌ، هاك، خُذ. ما الأمر؟ ألا يعجبك الجزر المسلوق؟ آه، هل البازلّاء إذًا؟ لا؟ مستحيل. أتتصرّف تصرّف قابض المسامير الآن؟ لا تكن قابض مسامير وإلّا لويتُ أذنيك، ولا قليلًا، مفهوم؟ دِمورجِد. ستأكل الجزر إلى آخر قطعةٍ منه، أقول لك. هيّا! لا تتذوّق وتختار، فقد كِدتُ أفقد صوتي لأحصل عليه. أسرِع وكُلْ، وإلّا برَد.»
بدا على الذئب الصغير التقزّز، لكن حين مدَدتُ إليه القصعة تشجيعًا له، بدأ يطيع ويمضغ. وكنّا، أنا ورفاقي والذئب الصغير، ما زلنا نأكل في وسط لَجَب القاعة، حين ظهر روغان من مدخلٍ، فصحتُ وفمي ملآن:
«يا قِسّ، يا رفيق! أنا أدعوك.»
جلس صاحبي ووضع قبّعته على الأرض بحركةٍ مسرحيّة.
«حسنٌ، إن كنتَ تعرضه عليّ هكذا، فلا أستطيع الرفض.» أخذ كِسرةَ خبزٍ وقضم منها قبل أن يضيف: «شريكك ينتظرك في الخارج. طلب منّي أن أقول لك: أسرِع يا أربعمئة.»
فتحتُ عينيّ على وسعهما. اللعنة. كان لو بور قد تجاهلني تجاهلًا تامًّا في الأيّام الثلاثة الماضية. لم يقل لي إلّا إنّ الموعد عند جسر فال قد أُلغي، وإنّه مشغولٌ جدًّا، وإنّ عليّ ألّا أُضايقه. حسنٌ، وكيف كان يتوقّع أن أُضايقه وهو ليس موجودًا أصلًا؟
ابتسمتُ ووقفتُ.
«حسنٌ، أنا ذاهب… يا هذا، أيّها الذئب الصغير، رأيتُك، ابلع هذه الجزرة! التقطها. الآن حالًا.»
هزّ الصغير رأسه نافيًا. انفجر مانراس وديل ضاحكين. كانا يحبّان أن يسخر الذئب الصغير منّي. بَهْ… نفختُ ومدَدتُ سبّابتي مهدِّدًا نحو الذئب الصغير.
«ستندم على هذا…»
«يا حاذق»، تهكّم روغان. «قال: أسرِع يا أربعمئة.»
تنهّدتُ وفقدتُ اهتمامي بالذئب الصغير.
«نعم، نعم. سأذهب. أيو.»
وفي مروري، التقطتُ القبّعة عن الأرض ووضعتُها على رأسي، فخلعها عنّي روغان، وانطلقتُ أضحك نحو النفق المؤدّي إلى الخارج، والقِسّ يتمتم متسلّيًا:
«هذا المهرّج حالةٌ ميئوسٌ منها.»
تسلّلتُ من الباب، وهرولتُ إلى الجزء من البيت الذي لم يكن مدفونًا في الصخر. وأخيرًا خرجتُ إلى زقاق. كانت السماء ما زالت مُلبَّدة، لكنّ البرد قد عاد، والرماد صار أقلّ كثافة، وأشعّة الشمس تتسرّب فتُضيء البلدة بنورٍ ذهبيٍّ غريب.
سِرتُ إلى آخر الزقاق. استدرتُ، فلاقيتُ نظرةً ساخرةً من قطٍّ واقفٍ على عتبة، ثمّ سمعتُ خلفي صيحةً عميقةً عميقة:
«بُوه.»
قلّبتُ عينيّ واستدرتُ بسرعة البرق صائحًا بحدّة:
«بُوه لأمّك!»
ضحكتُ وأنا أرى لو بور يفزع. سمعتُه يُدمدم بشيءٍ قبل أن يقبض على رقبتي بلا مراعاةٍ ويدفعني نحو الشارع الآخر.
«ملاحظةٌ أخرى عن أمّي وأرفسك في مؤخّرتك. هيّا بنا. أحدهم يريد أن يراك.»
أثار هذا فضولي.
«مَن يريد أن يراني؟»
صفعني لو بور على مؤخّرة رقبتي.
«أحدهم.»
«لا تقُل!» عابثتُه. صفعةٌ أخرى. «آخ. حسنٌ، سأسكت.» وبعد ثانيتين سألتُ: «أين كنت؟»
رمقني لو بور بنظرةٍ كنظرة البومة بينما كنّا نُسرع في الشارع.
«هل أنت أمّي أو ما شابه، يا أربعمئة؟»
«إي… أم… لا»، أقررتُ. «لكنّك قلتَ إنّك ستأتي لتراني. وعدتَ. ولم تأتِ.»
«جئتُ اليوم، فماذا تريد أكثر؟ أن أتبنّاك؟» تهكّم الوغد.
كشّرتُ تكشيرةً متفكّرة.
«إيه، حسنٌ، لن تكون فكرةً سيّئة… آخ»، تشكّيتُ وأنا أرفع يدي إلى رأسي. «لماذا تضربني؟»
«لأنّك تستفزّ أعصابي»، أجاب لو بور. «أسرِع.»
تنهّدتُ، ومضينا في طريقنا صامتين. وفي لحظةٍ تجنّبنا شارعًا كانت الشرطة تُفتّشه، وخرجنا أخيرًا من المتاهة. لم نكن بعيدين عن الروح المرِحة حين استفسرتُ:
«ما الذي يبحث عنه الذباب بالضبط؟»
كنتُ قد سألتُ أكثر من شخصٍ، لكن ليس لو بور. رفع كتفيه.
«أدلّة.»
«ضدّ فراشلوك؟»
«هذا شيءٌ من الأمر»، أكّد لو بور. «هم في الأصل يريدون كشف الفضائح وتشويه سمعة الحيّ. لم تقرأ الصحف، أليس كذلك؟ حسنٌ، سواء فهمتَ أو لم تفهم، البرلمان يعتزم إبرام مرسومٍ يسمح لهم بتدمير أكثر من نصف المتاهة، وسيرسلون السكّان الذين بلا مأوى إلى مينشالدرا، ويجعلون مينشالدرا حيًّا رسميًّا من إستِرغات. أراك بدأتَ تفهم»، لاحظ بابتسامةٍ ماكرةٍ إذ رأى الرعب على وجهي.
«يدمّرون نصف المتاهة؟» صرختُ. «لكن… لم يقل لي أحدٌ ذلك. ولماذا يدمّرون نصف المتاهة؟ هناك ناسٌ كثيرون يعيشون فيها…»
انعطف لو بور عند زاويةٍ وأومأ.
«بالضبط: إنّهم يعيشون مزدحمين. البرلمان الحاليّ مملوءٌ بالتقدّميّين. يريدون إحداث تغييراتٍ كبرى، ومنح كلّ نفسٍ حياةً كريمة… ولذلك، في الواقع، يريدون أن يتركوا نصف المتاهة بلا سقف. ما أعظمَ التقدّم يا فتى. والشيء الحسن أنّ الخبر إذ ينتشر الآن، صار فراشلوك يتلقّى الدعم من كلّ جهة. فإن أرادوا حقًّا أن يُدخلوا آلاتهم المدمّرة بالقوّة، فستكون هناك حرب، يا أربعمئة.»
عضضتُ خدّي مفكّرًا قلقًا. مفكّرًا قلقًا إلى حدّ أنّي وجدتُ نفسي متأخّرًا خطواتٍ عدّة، فلمّا أدركتُ ذلك أسرعتُ لأُدرك لو بور الذي كان قد بدأ يصعد الدَّرَج.
«هذا فظيع»، تمتمتُ. «هذه الحكاية عن المرسوب…»
«المرسوم»، صحّح لو بور.
«ذاك.» تردّدتُ وابتلعتُ ريقي. «معلّمٌ كان لي قال إنّ الحروب حماقاتٌ عظميّةٌ ساجِتيّة.»
ابتسم لو بور.
«كلامٌ حكيم. لكن حين يتعلّق الأمر بالدفاع عن بيتك، تتغيّر النظرة، أليس كذلك؟»
تفكّرتُ، ولمّا رفع لو بور لِفاعه إلى أنفه، قلّدتُه وتبعتُه كالظلّ.
كنّا نُشرف على الساحة الرمادية حين قطعتُ الصمت من جديد:
«يا سيّدي.»
«ماذا؟»
ابتسمتُ ورفعتُ كتفيّ.
«لا شيء. أنت صامتٌ جدًّا فقط، هذا كلّ شيء.»
«مم. وعمّ تريدني أن أتكلّم؟ عن الطقس؟» أجاب لو بور. لم أُجب، وبعد سكتةٍ رمقني بنظرةٍ مستطلعة، وأبطأ خطوه، واستفسر: «كيف حال الذئب الصغير؟»
اعتدلتُ.
«حسنٌ، بخير… أتصدّق أنّه لا يحبّ الجزر؟ إنّه دِمورجِد»، قلتُ.
نفخ لو بور كأنّه يضحك، وتوقّف أمام مبنى.
«التنّين الأصفر»، أعلن. وإذ رأى نظرتي المتسائلة أضاف: «أدخلتَه من قبل؟» هززتُ رأسي نافيًا. «حسنٌ، اليوم ستدخله.» تفحّصني بعينٍ مُقدِّرةٍ وقطّب. «ألا تبرد قدماك العاريتان؟»
قوّستُ حاجبيّ، ونظرتُ إلى قدميّ كأنّي أراهما أوّل مرّة، وكشّرتُ تكشيرةً حائرة.
«حسنٌ، لا، ليس كثيرًا. أذُنايَ أبردُ منهما.»
مرّ في عينَي لو بور بريقٌ ساخر.
«حسنٌ، الآن، الأفضل لك أن تسكت وتفعل كلّ ما أقوله لك، وإلّا سخّنتُ لك هاتين الأذنين، صدّقني. ادخل.»
دفع الباب فدخلتُ. كان المكان مملوءًا بناسٍ يأكلون ويتحدّثون بصوتٍ عالٍ ويتكاسلون. كنتُ أظنّ دائمًا أنّ التنّين الأصفر فندقٌ لا حانة. وعلى ما يبدو، كان الاثنين معًا. وبدا الجوّ فيه لطيفًا كجوّ وردة الريح.
لم يجلب دخولنا إلّا نظراتٍ فاضحةً قليلةً جدًّا، وأكثرها نظراتُ معرفةٍ كأنّ… كأنّهم يعرفون لو بور من قبل؛ أو هذا على الأقلّ ما خُيّل إليّ. ولمّا صرنا أمام المِنضدة، قال رفيقي الطويل:
«كأس رادراسيا، يا عزيزتي.»
لم يدعُني. حسنٌ، كان الأفضل ألّا أُدعى أصلًا من أن يُقدَّم إليّ كأسُ رادراسيا سماويّةٍ على سبيل المزاح. فذاك كان سيُسخّن أذنيّ بلا شكّ. سمعتُ لو بور يسأل عن الساعة. كانت الثانية والنصف. وبينما كان يرفع الكأس إلى شفتيه، أسندتُ ظهري إلى المِنضدة الكبيرة واستعرضتُ الرُّوّاد. كان أكثر من وجهٍ مألوفًا، لكنّ وجهًا واحدًا كان أشدَّ ألفةً، وحين أدركتُ السبب، هبط قلبي من الذعر. ولحسن الحظّ لم أكن قد خلعتُ اللِّفاع، وإلّا… قبضتُ على كُمّ لو بور وهمستُ:
«إيه يا سيّدي. يا سيّدي! رأيتُ ذبابة. الإلف المظلم، هناك. إنّه ذبابة. الأسبوع الماضي أخذ منّي خمسة عشر مسمارًا وأشبعني ضربًا. أعرفه في أيّ مكان. أتسمعني؟» أصررتُ، إذ رأيتُ لو بور لا ينظر إليّ.
«أتسكت؟» أجاب من بين أسنانه. «افعل ما أقول.»
أشار إشارةً خفيّة. قطّبتُ. وفجأةً، صفق زبونٌ في الطرف الآخر من الحانة الطاولة وزعق:
«يا كذّاب!»
«الكذّابُ أمُّك!» زمجر رفيقه مغتاظًا.
«دعْ أمّي في حالها، يا إسطرباغ!»
وقفا، وبدأت المشاحنة، ووضع لو بور الكأس الفارغة على المِنضدة.
«تعالَ معي»، حثّني.
لم أفهم الحيلة إلّا حين اختفينا من بابٍ خلفيٍّ للحانة: فانتباه الذبابة كان لا بدّ أن يتركّز على الضجّة، ولن يذكر بالتأكيد شيئًا سوى المُشاجرة. ضحكتُ ضحكةً خفيفةً ونحن نصعد الدَّرَج.
«إذًا كان هذان صديقَيك!»
«ليس بالضبط»، أجاب لو بور.
حيّرني جوابه، ولمّا بلغنا الممرّ في الطابق الأعلى، بدأ يتملّكني خوفٌ غريب. مضيتُ أضع قدمًا أمام قدمٍ، لكن بقلقٍ متزايد. وأخيرًا، حين وصل لو بور إلى رجالٍ ضِخامٍ يحرسون بابًا وأراهم شيئًا ما، سرت فيّ رجفةُ خوف.
«يا أربعمئة»، ناداني لو بور بنفاد صبر.
عاد ليقبض على ذراعي، وأنا، وعينايَ مسمَّرتان على الحرّاس الملتحين، قلتُ هامسًا:
«أنت تأخذني إلى فراشلوك، صحيح؟ لكنّي لم أتكلّم مع لوين. لم أفعل شيئًا خطأً. عليك أن تصدّقني!» صحتُ بينما كان لو بور يدفعني إلى الأمام. «لا تُدخلني هناك. لا أريد أن أدخل هناك!»
قاومتُ. وفي النهاية سئم لو بور. قبض على مِعصميّ كليهما، وضربني بجدار الممرّ، وزمجر في وجهي:
«ما بك بحقّ الجحيم، يا أربعمئة؟»
«لا أريد أن أموت!» أجبتُ.
رفَّ لو بور بعينيه مندهشًا. أنزل اللِّفاع عن وجهي، وأطلق مِعصميّ، وتنهّد.
«فراشلوك لن يقتلك إن فعلتَ ما يطلبه. هل هذا واضح؟»
هززتُ رأسي نافيًا وحاولتُ الفرار. أدركني لو بور، وصفعني، وحدّق فيّ بغضب.
«أنا مَن سيغتاظ ويقتلك إن لم تفعل ما أقوله لك. هل هذا واضحٌ هذه المرّة؟»
نظرتُ في عينيه، وفهمتُ في قرارة نفسي أنّ لو بور لا يقول ذلك إلّا لأُطيعه، لأنّ الأمر، لسببٍ ما، كان مهمًّا جدًّا له. أومأتُ. قطّب لو بور.
«أستفعل ما أقول؟»
«نعم يا سيّدي»، قلتُ.
حدّق فيّ لو بور وخلص إلى القول:
«إذًا ستفعل ما يقوله لك فراشلوك وإلّا لويتُ عنقك بيديّ هاتين. لا تنسَ ذلك يا فتى. اصمت إلّا إذا سألوك سؤالًا.» أومأتُ، فكشّر تكشيرةً قاتمة. «فتًى مطيع. هيّا بنا.»
أفلتني، فتبعتُه إلى ذَينك الرجلين الضخمين اللذين كانا يرقباننا بتمعّن. فتّشونا. أخذوا سكّيني، لكنّهم تركوا لي عشبة السموغ والبُندق. وأخيرًا فتح أحد الضخمين الباب، وأخذ فانوسًا، وطلب منّا أن ننتظر لحظة. انتظرنا. ولمّا عاد، كان قد مضى وقتٌ طويل. قال:
«ادخلا.»
قادنا عبر نفقٍ مظلمٍ صخريّ. كنّا ندخل الصخرة نفسها. كقاعة الطعام الكبرى في المتاهة، لكن أعمق. ألم يقل يابير إنّ الصخرة مملوءةٌ بممرّاتٍ سرّيّة؟ حسنٌ، من الواضح أنّ هذا واحدٌ منها. ويُفترض أنّه يخصّ نقابة فراشلوك.
وبينما كان الضخم يواصل التقدّم، رمقتُ لو بور مرّاتٍ عدّة. أيقدر على ذلك أم لا؟ ظللتُ أسأل نفسي. أيقدر أن يقودني إلى موتي؟ كنتُ أثق به… ما كان يمكن أن أكون مخطئًا. لو بور يحبّني، كنتُ أعلم ذلك. تشاركنا الزنزانة نفسها قمرَين تقريبًا. لم نكن رفيقين لأنّه كان… حسنٌ، كان لو بور، لكنّه كان لي… كالأب الذي لم يكن لي قطّ. والأبُ الصالح لا يُرسل أبناءه إلى الموت، أليس كذلك؟
عبرنا ملتقيَين، ومررنا من بابين، ووصلنا أخيرًا إلى قاعةٍ كبيرة. وللحظةٍ أنساني الانذهال موقفي تمامًا. كان المكان يشبه معبدًا قديمًا جدًّا. اصطفّت في القاعة أعمدةٌ ضخمةٌ منقوشةٌ بإتقان، وأحاطت الدَّرَجاتُ بالوسط، وفي المؤخّرة قام مذبحٌ وكرسيٌّ كبيرٌ فارغ.
«انتهى الاجتماع للتوّ»، أعلمنا الدليل الضخم صاحب الفانوس. «سيكون فراشلوك هنا بعد لحظات.»
وإذ قال ذلك، استدار وعاد من النفق نفسه الذي جاء منه. وبينما تقدّم لو بور وتمشّى في القاعة بهيئة مَن يُعجَب بمكانٍ رآه أكثر من مرّةٍ من قبل، تساءلتُ إن كان قد قال لي الحقيقة فعلًا حين قال إنّه لا يعمل لحساب فراشلوك، وإنّه لا يعمل إلّا لنفسه. لنفسه، هيهات.
وقد رهبتُ فخامة المكان، جلستُ مُسندًا ظهري إلى عمودٍ وأخذتُ أعدّ خطوات لو بور، وكانت ترتدّ في الكهف كضربات سوط. واحد، اثنان… عشرة… ستّون… مئتان وثلاثة… والطُّرفة أنّه عند هذا الرقم بالضبط، رقم لو بور في القرنفل، ظهر فراشلوك من النفق نفسه، يحرسه ثلاثة من حُماته، وبينهم الأمهق، و… يصحبه كورثر وأبيريل.
وحين رأيتُ كابَ الخناجر السوداء يظهر، صعد الدم إلى رأسي، فقفزتُ واقفًا… ثمّ قال لي عقلي إنّ الهرب سيكون حماقةً، فبقيتُ ساكنًا لا أدري ما أفعل.
تردّد صوت الأحذية في المعبد. توقّف فراشلوك قُبيل أن ينزل الدَّرَجات. كانت كِرشُه أشدَّ لفتًا للنظر وهو واقف، لاحظتُ. وعيناه أشدَّ قتلًا.
«صباح الخير، يا سيّد أسافيو»، حيّاه. «شكرًا لإحضارك الفتى. اقترب»، قال.
كان صوته جافًّا آمرًا. لم أثق به. اقتربتُ منه على أيّ حال، مُطأطئًا رأسي أدعو في سرّي كلّ أسلافي. كان ذلك كلّ ما أستطيع. التفت فراشلوك إلى كورثر.
«هو، أليس كذلك؟»
بطَرَف عيني رأيتُ كورثر ينظر إليّ بوجهٍ قليل التعبير. أومأ. وأنا، ويدايَ في جيبيّ، ضغطتُ على البُندق كأنّي أريد أن أفقعه. تنحنح فراشلوك.
«حسنٌ. و… أتظنّه فعلًا قادرًا على دخول القصر؟»
«نظريًّا، نعم. عمليًّا، لا أدري»، أقرّ كورثر. «إنّه سوكواتا. وذلك سيصعّب على السولانس كشفَه. وإن أعددتُه إعدادًا جيّدًا، فقد ينجح.»
«وإن لم ينجح، فالخسارة لن تكون فاجعةً لأحد، أليس كذلك؟» تهكّم فراشلوك.
كشّر كورثر بشفتيه. ابتسم فراشلوك متسلّيًا. ونظر كلاهما إليّ. بقيتُ صامتًا كشجرة. وقطع كابُ القطط الأكبر الصمتَ من جديد.
«كما كنتُ أقول لك يا كورثر، لقد كنتُ أُجري تجاربي على أحد سوكواتيّي الصقر الأسود. حاجزُ الطاقة الذي يحميهم رقيقٌ جدًّا. وأيّ تعويذةٍ هجوميّةٍ ذات قوّةٍ ولو يسيرةٍ ستُفتّته. قد لا تعمل تعاويذ الإدراك في السولانس معهم عملها المعتاد، لكنّ الفِخاخ الهجوميّة تؤثّر فيهم بالقدر نفسه. فكيف تظنّ أنّك ستُمرّر هذا الفتى؟ هل هو مدرَّبٌ إلى هذا الحدّ؟»
قلّب كورثر عينيه.
«ليس كذلك. لن أكذب عليك: هذا الفتى لم يُدرَّب إلّا بالكاد. لكن، على ما في الأمر من غرابة، هو الوحيد المرشَّح للنجاح في سرقة السولانس.»
هنا نخر لو بور نخرةً عالية. لم أكن أعلم أنّه كان خلفي تمامًا، فانتفضتُ، وكنتُ مشدودًا كسنجابٍ أحاطت به الذئاب. أعاد لو بور بشهقة:
«يسرق السولانس؟ تريدون… تريدون الفتى أن يسرق السولانس؟ لكن… أليست تلك ذخيرة القصر؟ أعني… جوهرة إستِرغات، الـ… مم. اعذروني على المقاطعة لكن… أهذا له علاقةٌ بمرسوم الهدم أو… أم لا علاقة له به؟»
هزّ فراشلوك رأسه.
«له علاقةٌ بذلك. من البيّن أنّ دخول أشدّ منطقةٍ حراسةً في الصخرة كلّها وسرقة أقوى ذخيرةٍ إدراكيّةٍ في بروسباتيرّا كلّها له علاقةٌ باستراتيجيّة التخويف عندنا، وعلاقةٌ كبيرة. فليُرسل البرلمان قوّة الأمن كلّها إلى حيّ القطط… لا يهمّ. فقبل أن يشعروا سنكون قد أغرنا على أقبية القصر. لكن لأجل ذلك، علينا أوّلًا أن نُعطّل السولانس.» تلألأت عينا الشيخ بالحماسة، ووضع يدًا على كِرشه، ووهبني ابتسامةً صغيرةً دون أن ينظر إليّ حقًّا، ثمّ استأنف: «يقولون إنّ هذه الذخيرة قطعةُ معدنٍ بسيطة. حُلَيّةٌ فيها قوّةٌ سلفيّةٌ هائلةٌ تحمي القصر من المتسلّلين… وفي الحقيقة، كما شرح لي كورثر شرحًا حسنًا، كلّ الفِخاخ في المكان مربوطةٌ بالسولانس، ولذلك، عمليًّا، يستحيل الدخول دون أن ينطلق نذير… لكنّه ليس مستحيلًا إلى هذا الحدّ»، ابتسم ناظرًا إلى لو بور. «ولذلك قرّرتُ أن أستأجر الفتى. فهو، كما تعلم، سوكواتا. وقد تلقّى بعض التدريب على أيدي الخناجر السوداء أيضًا. سببان جيّدان لاختياره أفضلَ مرشَّحٍ لتنفيذ المهمّة، وكورثر يوافقني في ذلك. وبالطبع، ستنال الأخويّة نصيبًا سخيًّا من الغنيمة، والفتى كذلك، و… أنت، يا سيّد أسافيو، أُوكل إليك مهمّة القيام بدور وصيّ الفتى، لتضمن ألّا يصيبه سوءٌ في أثناء ذلك، وأن يذهب إلى دروسه مع… مُرشِده؟» رمق كورثر بنظرةٍ متسائلة، ولمّا رفع كورثر كتفيه، فعل هو مثله وأضاف مخاطبًا لو بور: «يمكنك أن ترفض، بالطبع. لكنّي لا أنصح بذلك. وإن قبلتَ، فالسياتوات الثمانمئة والأربعون التي يكسبها الفتى ستكون كلّها في تصرّفك.»
سكتَ الجميع، وحدستُ أنّ لو بور كان يومئ موافقةً صامتة. بدا فراشلوك راضيًا والتفت إليّ.
«فهمتَ ذلك يا فتى؟»
أومأتُ. تبًّا للجحيم، نعم، فهمتُ. وكنتُ في الوقت نفسه مشوَّشًا تشويشًا مريعًا.
«حسنٌ، إذًا اشرح»، أصرّ فراشلوك.
ابتلعتُ ريقي وتلجلجتُ:
«عـ… عليّ أن… عليّ أن أسرق ذخيرة.»
«في القصر»، أعانني أبيريل.
«في القصر»، أعدتُ. «واضحٌ وحشيًّا. حقًّا.»
رمقني فراشلوك بنظرةٍ مرتابة. أمّا كورثر، فقد بدا أنّه قرّر أن ينظر إليّ أقلّ ما يمكن. ومع ذلك، هو الذي قوّمني قائلًا:
«باختصارٍ يا فتى: فراشلوك يستأجرك لتذهب فتسرق ذخيرة، فتُعطّلها، فتفتح الطريق، ثمّ ندخل نحن، اللصوص الحقيقيّون، إلى القصر لنسلب الأقبية. أصار الأمر ‹واضحًا وحشيًّا› الآن؟»
«نعم يا سيّدي»، قلتُ مسرعًا.
وبكلّ صراحة، مع أنّي فهمتُ الأمر، لم أكن قد استوعبتُه بعد استيعابًا تامًّا، لأنّ في رأسي أشياء أخرى. لم أكن أصدّق أنّ كورثر سيُعطيني دروسًا لأسرق هذا السولانس. كنتُ قد بدأتُ أتخيّل أنّي سأكون وحدي معه، فيتحوّل شيطانًا، ويشرع في الزمجرة كرولغ، ويُصفّيني بأسنانه…
«أراك غدًا في العاشرة في النُّزُل»، خلص كورثر. «لا تتأخّر.»
لم ينظر إليّ حتّى حين خرج من هناك مع أبيريل. لعلّه يكرهني كراهية الموت. فأنا، في النهاية، دخلتُ مكتبه لأسرقه… فلماذا قبل أن يُعطيني دروسًا؟ من أجل الغنيمة؟ الأفضل لي ألّا أفشل هذه المرّة…
«حسنٌ»، قال فراشلوك حين خمدت خطوات الخنجرَين الأسودين. «تفصيلٌ أخيرٌ فقط يا فتى. ما إن تخرج بالسولانس حتّى تسلّمه إلى الأمهق. فإن عاد دونه، أو أعطيتَه لأيّ أحدٍ آخر، قتلتُ ‹رفاقك›.» حدّقتُ فيه ثانيةً مرتعبًا، ثمّ أطرقتُ من جديد، أُطبق قبضتيّ المملوءتين بالبُندق. نعم، الأفضل لي ألّا أفشل هذه المرّة، قلتُ لنفسي بحرارة. وأضاف فراشلوك: «وينطبق الأمر عليك أيضًا يا بور. الأفضل لك ألّا تُضيّع الفتى، وإلّا فأنت ميت.»
«لا تقلق من ذلك، يا سيّدي»، أجاب لو بور.
أخذني من ذراعي وجرّني. وبقلبٍ متجمّدٍ تبعتُه إلى النفق. أن يُصفّيني فراشلوك أنا، حسنٌ، هذا أفهمه، لكن لماذا رفاقي؟ تحجّرتُ من الرعب.
استعدتُ سكّيني عند الباب، وخرجنا من التنّين الأصفر. عبرنا الساحة الرمادية نحو المتاهة. كان لو بور كمن في جَنازة. وظلّ الرماد يتساقط. كانت المنطقة هادئةً هدوءًا مُستغرَبًا. لم يعد الناس يجرؤون على الخروج من شدّة توتّر الجوّ. وكنّا قد تركنا المكان وراءنا حين لم أُطق صبرًا في غيظي فقطعتُ الصمت.
«يا سيّدي! أأنت غاضب؟»
كنّا في زقاقٍ مقفر. توقّف في مكانه توقّفًا تامًّا، ولمّا نظر إليّ مقطّبًا قلتُ:
«فعلتُ كلّ ما أُمرتُ به. تمامًا كما قلتَ لي.»
رأيتُه يهدأ، فأضفتُ:
«ثمّ إنّك قلتَ إنّ علينا أن ندافع عن بيتنا. وهذا العمل… هو للدفاع عنه، صحيح؟ بسبب المرسوب.»
تنهّد لو بور، ونظر حوله، وهزّ رأسه.
«لستُ غاضبًا منك، ما هذه الفكرة. فعلتَ كلّ شيءٍ صحيحًا. الأمر فقط أنّ… سيّدتي وأنا كنّا نفكّر في مغادرة الصخرة قريبًا. وقد نسف فراشلوك خطّتنا للتوّ. ستلوي تاكا عنقي.»
نظرتُ إليه مذهولًا. رفع لو بور عينيه إلى السماء، ثمّ أنزلهما، وقطّب.
«لماذا تنظر إليّ هكذا، يا أربعمئة؟»
رفعتُ كتفيّ.
«لأنّك وعدتَ الكفَّ الباردة بأن تساعد الذئب الصغير. وأن تساعدني. أتذكر؟»
كشّر لو بور.
«نعم، نعم. أذكر بالطبع. كنتُ أنوي أن أترك لك بعض المال. وعلى أيّ حال، كنّا نفكّر في العودة. كان الأمر… إيه… مؤقّتًا فقط.»
لا أدري إن كنتُ صدّقتُه تمامًا، لكنّي كشّرتُ تكشيرةً متفهّمة.
«بسبب ما يجري الآن في الحيّ، صحيح؟»
«أم… حسنٌ، جزئيًّا، نعم. بَهْ»، تبرّم. «اهتمّ بشؤونك، يا أربعمئة. وعلى أيّ حال، سأبقى معك في الوقت الحاليّ.»
فتحتُ عينيّ على وسعهما.
«ستبقى… معي؟ في قاعة الطعام الكبرى في…؟»
«لا. في بيتٍ آخر. ستأتي مع الذئب الصغير. وستعتني به سيّدتي بينما تتجهّز أنت لهذه المهمّة المجنو…»
«سأعيش معك!» صحتُ غير مصدّق. ثمّ جاءت فكرةٌ أفسدت حماستي. فرفضتُ: «لا أستطيع.»
حدّق فيّ لو بور بغضب.
«بل تستطيع بالطبع.»
«أستطيع»، أقررتُ. «لكن رفاقي… لا أدري إن كنتَ تعرفهم. والقِسّ. هم أصحابي، هم كالإخوة»، أكّدتُ وأنا أدقّ صدري، ولمّا رأيتُ لو بور يتجهّم أكثر أضفتُ: «أحتاج أن أراهم. وسأحتاج إليهم حاجةً جهنّميّةً لأسرق ذاك السو…»
سدّ لو بور فمي فجأةً.
«أبله.» تمتم بشيءٍ من بين أسنانه وتنهّد: «بَهْ. فليأتوا إذًا. البيت كبيرٌ على أيّ حال، وتاكا ستُسَرّ على الأرجح. إنّها تحبّ الأطفال. ولعلّها هكذا تتقبّل فكرة البقاء تقبّلًا أفضل، آمل ذلك…»
فرك عينيه وأنا أقفز صاعدًا نازلًا وأشكره.
«صمتًا»، زعق.
سكتُّ. كشّر تكشيرةً مُتعبةً وعاد يمشي. تبعتُه. وهذه المرّة هو من قطع الصمت.
«قل لي بصدق، يا أربعمئة. أتظنّ نفسك قادرًا على شيءٍ كهذا؟ مسألة القصر»، أوضح هامسًا إذ نظرتُ إليه بلا فهم.
آه. جعلتني فكرةٌ مفاجئةٌ أبتسم غير مصدّق.
«أأنت قلق؟»
«إيه؟ يا لتمنّيك. أنا أسأل فقط إن كنتَ تظنّ أنّك قادر»، أجاب لو بور بجفاء.
ابتسمتُ بكلّ أسناني وأومأتُ.
«حسنٌ، طبيعيّ. تصوّر أنّي قد نشلتُ أشياء في المعهد. وفي البورصة. فالقصـ…» تلقّيتُ صفعةً على رأسي فأتممتُ: «سيكون الأمر بسهولة أيو.»
«مم. حسنٌ، الأفضل أن يُعِدّك كورثر إعدادًا جيّدًا، فأنا أراك من الآن عائدًا إلى القرنفل قبل أن يخرج الوقواق»، علّق لو بور.
كشّرتُ. أُفّ… لم أكن أرغب في لقاء الوقواق مرّةً أخرى. وتجهّم وجهي أكثر حين فكّرتُ أنّ فكّ حبال القنّب أفضلُ مع ذلك من التعفّن تحت الأرض، وهو ما سيحدث بلا شكٍّ لرفاقي إن أخفقتُ يومًا في أمر السولانس. طردتُ مخاوفي، وعضضتُ خدّي، وبعد حينٍ قفزتُ عن دَرَجاتٍ وقلتُ:
«إيه يا سيّدي.»
كان لو بور مستغرقًا في أفكاره، لكنّه قطّب ونفخ.
«أتحترس رجاءً حين تنزل الدَّرَج؟ أتعلم كم قطًّا يموت من سقطاتٍ حمقاء، كلّ سنة؟» هززتُ رأسي نافيًا. «حسنٌ، ولا أنا أعلم. لكن عددٌ لا بأس به»، أكّد. سكتَ وتنهّد بنفاد صبر. «ما الأمر؟»
تردّدتُ، ونظرتُ إليه بحذر، وقلتُ أخيرًا:
«قبل قليل… قلتَ إنّك ستُصفّيني إن لم أفعل ما كان فراشـ… آخ… ما كان ذلك الشيطان يطلبه منّي. حسنٌ، أعني، هل كنتَ ستفعل ذلك حقًّا؟ هل كنتَ ستُصفّيني؟ لأنّ… أنا ظننتُ أنّنا صديقان. في ذلك اليوم قلتُ لك إنّي أحبّك، لكنّك لم تقل شيئًا في المقابل. فلعلّك تفعل كلّ هذا… لأنّ فراشلوك طلب منك و… لأنّي ساعدتُك في القرنفل. لكنّك في الحقيقة لا تحبّني، أليس كذلك؟ أعلم أنّي أحيانًا مصدرُ إزعاج. روغان يقول لي ذلك أحيانًا: مُزعِج، أنت مُزعِج. لكنّي أقول له ذلك أيضًا حين يُثقل عليّ كثيرًا بصلواته، ومع ذلك ما زلنا صاحبين. فلا يمكن أن يكون هذا ما يضايقك. ولا يمكن أن يكون لأنّي أسرق، لأنّك سرقتَ من الموتى، وتلك لِصوصيّةٌ أيضًا، صحيح؟ فلا بدّ إذًا أنّه لأنّي غواك. لهذا، صحيح؟ لأنّه إن كان ذلك، فأنا أفهم. حسنٌ، ليس تمامًا، لكن…»
كنتُ على وشك أن أُكمل، لكن شهقةَ لو بور غير المصدّقة قطعت عليّ. كان الوغد يحدّق فيّ مبهوتًا. تنحنح. هزّ رأسه. وقال أخيرًا:
«أنت لستَ مصدرَ إزعاجٍ يا أربعمئة. أنت أسوأ من ذلك.»
ابتسم ونكش شعري.
«لكنّي أحبّك. أحبّك بالطبع. لكن لا تُخبر أحدًا، فالأصل أنّ الوصيّ يُسيء إلى مَن في وصايته ويتجاهلهم ويغشّهم. هذا هو الأصل العامّ.»
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة، غير مصدّقٍ، مبتهجًا، مدهوشًا. لو بور يحبّني! كنتُ أعلم ذلك في قرارة نفسي، لكن… إنّه يحبّني! رفع لو بور يدًا.
«إيه، إيه، أراك مقبلًا، لا عِناق…»
عانقتُه على أيّ حال، عناقًا قصيرًا، حتّى لا يجد وقتًا ليغضب. وقلتُ:
«سأذهب لأجيء برفاقي!»
انطلقتُ راكضًا، لكنّ لو بور أمسكني من ياقة معطفي فقطع انطلاقي.
«سنذهب معًا. فإن أضعتُك وأصابك شيء، خاطرتُ بحياتي. فلا مغامرات إلى أن يحين اليوم المشهود.»
ضحكتُ من فكرة أنّ لو بور يخاف أن يتركني وحدي، وأومأتُ مطيعًا.
«تمشي، يا سيّدي!»
وبعد ساعاتٍ قليلة، وجدتُ نفسي مُمدّدًا على فِراش قشٍّ مُرتجَلٍ بجانب مانراس وديل والقِسّ والذئب الصغير. كان ضوءُ شمعةٍ خفيفٌ يتسرّب من شقوق باب غرفة لو بور والسيّدة. كانت هناك همساتٌ وأنفاسٌ وتنحنحات…
«أمّي. أمّي.»
كان ديل. كان يتكلّم في نومه أحيانًا. كانت تأتيه كوابيس. وكانت تأتينا كلّنا من وقتٍ إلى آخر، لكنّها كانت تأتي الأمير الصغير كلّ ليلةٍ تقريبًا. كان يحلم بأمّه: يجدها دائمًا مُمدّدةً في السرير، مبتسمة. ثمّ تأتي الظلال، ظلالٌ مرعبةٌ فظيعةٌ على ما كان يقول، فتموت. ثمّ يظهر خادم أبيه، فيربط يديه، ويحمله في عربة، ويرميه في النهر، فيغرق ديل، الشيطان الصغير، النبيل الصغير الملعون… ثمّ يستيقظ يشتدّ به الخَنَق. ولحسن الحظّ، لم يغرق الأمير الصغير في الواقع: فالخادم لم يزد على تهديده وقال له ألّا يضع قدمه في بيت أبيه مرّةً أخرى وإلّا كان الموت. ومن الواضح أنّ التهديد ظلّ يعذّبه بعد سنتين تقريبًا.
تنهّدتُ ووضعتُ يدًا مواسيةً على ديل النائم، لكن بلا فائدة، فقد استيقظ يشتدّ به الخَنَق، فربّتُ على خدّه ربتاتٍ صغيرة.
«أوي، أوي، يا أميرًا صغيرًا، عُد إلى النوم، لا نهر هنا»، همستُ له.
وفي نصف نومه، بدا أنّ الغواك هدأ. عاد إلى النوم، وسرعان ما أُطفئت الشمعة في الغرفة، ومات الهمس معها. تنهّدتُ، وانقلبتُ، وأسندتُ ظهري إلى القِسّ، ونظرتُ إلى السقف الخشبيّ، وإلى الطاولة، والكرسيَّين، والنافذة الكبيرة المفتوحة على الشُّرفة. كانت المصاريع مُغلقة، وكان نسيمٌ دافئٌ يتسرّب من الشقوق. وفي البعيد، كنتُ أسمع أصوات الجيران، وناسًا يمرّون في الزقاق أسفل، وكلابًا تنبح، وقططًا تتشاجر.
وبعد أن انقلبتُ مرّةً أخرى، قلِقًا، نهضتُ وسِرتُ على أربعٍ إلى مصاريع الشُّرفة. وكحال كثيرٍ من مساكن القطط، لم يكن في النوافذ زجاج. كان مسكن لو بور وسيّدته في الطابق الثالث من مبنًى في منتصف الطريق بين شارع العظام والساحة الرمادية. لم يكن فيه شيءٌ خاصّ، كان بيت قطٍّ عاديًّا، وتبًّا للجحيم، كان في نظري رائعًا. راوند، لم يكن الترحيب كاملًا: فقد غضبت تاكا على شيولي* العزيز بسبب تغيّر الخطط. لكنّ لو بور كان يعرفها حقّ المعرفة: فبعد أن رأت الذئب الصغير ومانراس وديل، رقّت ملكة الورق. غسلت آذانهم، وسألتني عن جرح قدمي الذي التحم منذ زمن، و… حسنٌ، قبلتنا. وهذا لن يدوم على الأرجح إلّا بمقدار تدريبي مع كورثر وسرقة السولانس… لكن مع ذلك، سرّني أنّ رفاقي عرفوا لو بور وسيّدته أخيرًا. قال روغان إنّ لو بور يشبه ذبابة، وقال مانراس إنّه يشبه زعيم عصابة، لكنّنا أجمعنا كلّنا على أنّ سيّدته جميلة. جميلةٌ وذات شخصيّةٍ قويّة. والشرط الوحيد الذي فرضته علينا جميعًا لنبقى كان هذا: الطاعة العمياء. أرهبتنا الصيغة، لكن لمّا لم يكن لي حلٌّ غير البقاء، أقنعتُ رفاقي بألّا يتركوني وحدي… سيكون الأمر كأنّ لنا والدين، قلتُ لهم. هما غنيّان، هما شبه حزمةٍ من قابضي المسامير، وتبًّا، هما ألطف مَن ستلقونهم في حياتكم…! أقنعتُ رفيقيّ بسرعةٍ كبيرة. لكن روغان… فتلك حكايةٌ أخرى. لا أدري إن كان ذلك بسبب حُجَجي، أو لأنّه كان مدينًا لي بأكثر من دَين، أو لمجرّد أنّنا صديقان… وعلى أيّ حال، بقي، وهذا ما كان يهمّ حقًّا.
مسحتُ خشب المِصراع العتيق وأسندتُ جبهتي لأتطلّع من شقّ. وراء الشُّرفة الصغيرة كان ضوء شمعةٍ في النافذة المقابلة. غيّرتُ الشقّ فرأيتُ أخيرًا ما كنتُ أبحث عنه. السماء. فوجئتُ حين رأيتُ سحابة الرماد قد ذهبت، وحلّ محلّها محيطٌ من النجوم. وبحذرٍ شديد، ألقيتُ تعويذة صمتٍ، وفتحتُ المِصراع، وخرجتُ إلى الشُّرفة ببطّانية. كانت الليلة دافئةً مع أنّنا في منتصف الشتاء. أغلقتُ الباب خلفي، وتكوّرتُ، وإذ هدهدني النسيمُ والأصواتُ البعيدة، رفعتُ نظري إلى السماء المرصّعة بالنجوم. كانت أفكاري تذهب وتجيء ولا تدعني أستريح. فكّرتُ في إلَسّار*، في الميت الحيّ وفي ابن عمّي كليهما، وفي السولانس، وفي رفاقي، وفي الهوبيت، وفي الأزرق، وفي كاكزايل… لكنّي تذكّرتُ فوق كلّ شيءٍ الكلمات التي قالها لي معلّمي الناكروس قبل أن نفترق. «علّمتُك أن تعتني بنفسك وأن ترى الحقيقة كما هي»، قال. وكلّما أعدتُ هذه الكلمات على نفسي، تجهّمتُ أكثر، ثمّ، بعد وقتٍ طويل، وقفتُ أخيرًا، واستندتُ إلى الدرابزين الخشبيّ، وتمتمتُ:
«اليوم حدث لي شيءٌ فظيع، يا إلَسّار. أعلم أنّك لا تسمعني، لكن… لا بدّ أن أُخبر أحدًا.» بلّلتُ شفتيّ الجافّتين وهمستُ: «ساجِتٌ توعّد بقتل رفاقي إن أخفقتُ. أريد أن أفعل كلّ شيءٍ على وجهه الصحيح. حقًّا. لا أريد أن يصيب رفاقي سوءٌ، ولا لو بور، ولا السيّدة. أعلم أنّ هذا خطأ، لكنّي لا أفعله من أجل القطط. فلتبتلع الأرضُ الصخرةَ، أتعلم؟ لا يهمّني. لا أفعله من أجل القطط»، أعدتُ. «أفعله لأنّي خائف.»
ابتلعتُ ريقي وأضفتُ:
«أنا لستُ جبانًا. أرأيت، طردتَني فذهبتُ أرى العالم. فعلتُها حقًّا. لكنّي بعيدٌ جدًّا عن أن أجيئك بعظم الفيريلومبارد. لعلّي لن أجده أبدًا. ولعلّ هذا ما أردتَه. أن لا أعود وأن أبقى مع الساجِتيّين. حسنٌ، لا بأس. لكنّي لا أدري إن كنتَ تعلم أنّ بعضهم مرعبون. والآن، ما أتمنّاه هو أن يُصفَّى كلّ الساجِتيّين الذين يقتلون الناس. كلّهم. لن أذكر لك أسماء، لكنّك لا تدري كم أتمنّى أن يُصفَّوا. لأنّهم يُخيفونني، يا إلَسّار. ولا أستطيع النوم بسببهم.»
لفَفتُ بطّانيتي حولي بتوتّرٍ وتكوّرتُ من جديد، وأنا ما زلتُ أنظر إلى النجوم. لم أُرد أن أُغمض عينيّ. لم أُرد أن أنام فتأتيني كوابيس كديل. وفي البعيد، دقّت أجراس المعبد منتصف الليل.
* شيور: عبارة نداءٍ مألوفة، بمعنى «يا صاح/يا رجل» تقريبًا.
* شيولي: اسمُ تحبّبٍ، أقرب إلى «يا عزيزي».
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ معلّمَه أو سيّدَه، بمعنى «معلّمي» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion