Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 60
زمجر داكيس. كان في الهواء شيءٌ يبعث طاقة. طاقةٌ غريبة.
مقطّبًا، التفت شوكينوري فرأى شابّةً بشريّةً زرقاء الشعر تظهر في الفناء. غريب، فكّر. غريبٌ جدًّا.
«تبدو بشريّةً، وهي في الوقت نفسه ليست كذلك»، تمتم بصوته البريجِيّ.
كفّ كلب الجحيم الضبابيّ عن الزمجرة.
«إنها تنظر إليّ. يا رفيق، إنها تنظر إليّ نظرةً غريبة. لا يعجبني هذا.» نفخ داكيس منخريه. «يابير وأفكاره العجيبة… هَفْ. لنخرج من هنا.»
وضع شوكينوري يدًا مهدِّئةً على رأس داكيس الكثيف الوبر، بينما مضى يابير نحو المخلوقة الغريبة وانحنى مبتسمًا. كان لا بدّ من الاعتراف بأنّ يابير، على صغر سنّه، موهوبٌ في الدبلوماسية. فأينما حلّ تصرّف تصرّف النبلاء، سواء بين سحرة المعهد، أو الغواكات، أو أهل الطبقة الرفيعة. بائيرا ذو أناقة. لقد أحسن معلّموه تعليمه. في العلاقات العامّة، بطبيعة الحال. أمّا في الحذر والتعقّل، فكان كارثة.
«نبحث عن رجلٍ يُدعى كاكزايل مالاكسالرا»، كان الهوبيت الطيّب يقول. «وحسب ما قيل لنا، هو أخو طفلٍ نعرفه، درائن هيلِمبلرت، و…»
لم يفهم شوكينوري حقًّا ما كان رفيقه يقوله للبشريّة: كان يتكلّم بالدريونسانية. ومع ذلك أدرك المعنى، ثم إنه كان يعرف على أيّ حال موضوع الحديث: كانا يبحثان عن الفتى منذ يومين. وبينما كان يابير يقول إنّ السبب الرئيس هو رغبته في الاطمئنان على الفتى، كان شوكينوري يشكّ في أنّ اهتمام الفتى بالكنز وجرأته البيّنة قد أوحيا إلى يابير بأفكار… أفكارٍ محفوفةٍ بالخطر. تنهّد شوكينوري. كان يعلم أنّ اهتمام يابير بالكنز محضُ فضول، لكنّ الفضول قد ساق أكثر من بائيرا إلى القبر… وإن كان يابير، في الحقيقة، لعلّه أوّل بائيرا يقترب من الهدف إلى هذا الحدّ. لكنّ كثيرين ظنّوا ذلك قبله. كان الأوبال الأبيض خدّاعًا. ومن يدري إن كان موجودًا حقًّا! لو أنّ البائيرا الأعظم* استطاع أن يتواصل معه من بعيدٍ ويقول له: يا بُنيّ، عُد إلى الديار فورًا…! لعاد يابير. لكنّه، وهو على تلك المسافة البعيدة، صعدت الأساطير إلى رأسه، وأثارته كلّ تلك الأشياء الجديدة… كان عالِمًا سعيدًا. وعلى كلّ حال، كان شوكينوري يفضّل كثيرًا أن يراه جالسًا في هدوءٍ في المكتبة يبحث عن ممرّاتٍ سرّيّةٍ تؤدّي إلى يادِبيا… لا إلى قلب الصخرة. تنهّد. بمئة ألف غرغول…
«عيناها تُثيران توتّري»، نخر داكيس.
جلس على قائمتيه الخلفيّتين كأنّه يحاول أن يهدأ. وواصل يابير كلامه، قائلًا إنّه يودّ أن يعرف إن كانت السيّدة تعرف الرجل، وإنّه يرجو ألّا يكون متطفّلًا… وظلّت البشريّة الزرقاء الشعر جامدة الملامح. وحين صمت يابير أخيرًا، وقد تملّكه الحرج، قالت شيئًا. وصوتها، الرخيم الوادع، أرعش شوكينوري. مدّ الهوبيت عنقه.
«هل قالت إنّها تعرفه؟»
«ربّما»، وافق كلب الجحيم. «لا أدري. وكيف تريدني أن أدري؟ المتعدّد اللغات هنا هو يابير. أيمكننا الذهاب الآن؟»
لم يُجب شوكينوري، لكنّه لم يتحرّك، فتنهّد داكيس طائعًا وانتظر. وأخيرًا شمّ كلب الجحيم الهواء وأعلن ظافرًا:
«إنّه قادم.»
نهض شوكينوري.
«مَن؟ الفتى؟»
«لا، الأخ»، أجاب داكيس. «وأصدقاؤه.»
وبالفعل، بعد ثوانٍ، ظهر رجلٌ ملتحٍ من قوس الفناء، يرافقه عملاقٌ موشومٌ وقيتيٌّ أحمر الشعر. وبينما كان يابير يعرّف بنفسه ثم به، انحنى شوكينوري انحناءةً عميقةً واصطنع ابتسامة. كان يشعر بشيءٍ من الحرج، فآخر مرّةٍ التقيا فيها كان داكيس قد أفزع حضور عُرس، ودفع أخا الملتحي الصغير إلى الصعود على شجرة، أمّا هو… فلم يقدر على التواصل ككائنٍ عاقل. ليته يملك مثل سهولة يابير في تعلّم اللغات!
وكان يابير قد أخرج الآن الجريدة الشهيرة وراح يعرضها على كاكزايل، شارحًا المصيبة: الفتى الذي يتحدّث عنه كان يقيم في ذلك البيت الخرِب حيث وُجد قتيلان، ويُفترض أنّ جرحى كثيرين وُجدوا كذلك، بحسب آثار الدماء. ولم يكن أيٌّ من القتيلين، بفضل بائيرا، هو الفتى، بل لم يكونا حتى من العصابة التي كانت تسكن بين تلك الجدران المتداعية، وهنا شرع يابير يتحدّث عن تأريخه، وبعد لحظاتٍ قاطعه كاكزايل. بدا رجلًا نزيهًا، على ما رأى شوكينوري. وغريبًا أيضًا، وإن لم يكن بغرابة… هي. أدار رأسه. وقطّب. أين…؟
انتفض حين رأى الشابّتين عن يساره، الزرقاء الشعر والذهبيّة الشعر. كان لهما الوجه نفسه. وكلتاهما غريبةٌ إلى أبعد حدّ.
«رائحتهما طاقةٌ أكثر منها لحمًا»، علّق داكيس.
لم يكن شوكينوري ليستطيع الجزم، لكن كان ثمّة بلا شكٍّ شيءٌ مقلقٌ في هاتين الشابّتين. ووجد نفسه في مأزقٍ على الفور حين خاطبته الشقراء. بدت كلماتها ودودة. أوخ، ماذا يفعل؟ انحنى شوكينوري بمنتهى اللياقة.
«لا أتكلّم الدريونسانية، شكرًا»، نطقها بعُسر. «أعني»، قالها بصوتٍ أجشّ بالكايلدرِك. ثم صحّح بالدريونسانية: «آسف.»
تبادلت الشابّتان، المتشابهتان إلى هذا الحدّ إلّا في الشعر، نظرةً مندهشة. أَمِن الغريب إلى هذه الدرجة ألّا يتكلّم أجنبيٌّ الدريونسانية؟ حسنًا…
«قُل لي… أهذه كايلدرِك ما سمعتُه للتوّ؟» نطقتها الشقراء في حيرة.
ذُهل شوكينوري حين أدرك أنّه قد فهم. وكان داكيس مذهولًا مثله.
«لحظةً واحدة»، نبح كلب الجحيم ذهنيًّا. «كلّمتك بالكايلدرِك؟ حسبتُ أنّ تلك اللغة في هذه الديار أشدّ موتًا من بايسكو في فم ترول؟»
«هذا ما ظننتُه أنا أيضًا»، قال شوكينوري متنحنحًا.
«الأمر أنّنا لسنا من بروسباتيرّا»، اعترف فجأةً صوتٌ في رأس شوكينوري.
كانت الفتاة الزرقاء الشعر هي مَن تكلّمت للتوّ. لكنّها لم تفتح فمها. تراجع شوكينوري وداكيس فجأةً كأنّ جيشًا من السرطانات قد عضّهما.
«أتكلّمينني بالفنون البريجِية؟» هتف الهوبيت فاغرًا فاه. حسنًا، لم يكن قد احتاط بخفض صوته كثيرًا، لكن… حتى سحرة المعهد لم يكونوا يقدرون على سماعهما! مَن تكون هاتان البشريّتان بحقّ الجحيم؟
ابتسمت الفتاة الزرقاء الشعر، وأومأت، وتكلّمت بصوتٍ مسموع:
«في البلاد التي جئنا منها، الكايلدرِك أيضًا لغةٌ ميتة. لكنّني وأختي درسنا في أكاديميّةٍ سيلمِستيّةٍ في مجتمعات إيشينغرا. وكنّا نتفاهم بالكايلدرِك مع صديقٍ خيميائيٍّ طيّبٍ قبل أن نتعلّم الدريونسانية.»
التفت إليها يابير مفتونًا.
«البائيرا الأعظم!» تعجّب بالكايلدرِك. «لا أستطيع أن أُعبّر عن سعادتي. أجانبُ مثلنا. وقادمون من أبعدَ بكثير! مجتمعات إيشينغرا. أعرف تلك البلاد. حسنًا، لم أسافر إليها قطّ بالطبع، لكنّ عندنا كتبًا كتبها مستكشفون، وسجلّات مارفور هيليث كنزٌ من المعلومات للتعرّف على بايلاند. بلادٌ جميلة، أليس كذلك؟»
تبادلت الشابّتان ابتسامتين نصفهما تسلٍّ ونصفهما دهشة. ثم نظرت الزرقاء الشعر إلى شوكينوري. شياطين، كم كانت تلك العينان تُقلقانه… سمعها تسأل ذهنيًّا:
«مارفور هيليث؟»
«آه. إنّه ناكروس تائبٌ مشهور»، شرح الهوبيت متنحنحًا.
«أعرف مَن يكون»، أكّدت. «عرفتُه قبل سنوات. كان أستاذًا في أكاديميّتنا.»
رمش شوكينوري. أستاذ؟ مارفور هيليث؟ وأن يفكّر أنّ مارفور هيليث، في نظره هو، كان أقرب إلى شخصيّةٍ أسطوريّةٍ منه إلى ناكروس حقيقيّ! وتحت نظرة شوكينوري المذهولة، أدارت الشابّة الزرقاء الشعر رأسها نحو أختها الشقراء وهي تؤكّد، مجيبةً عن سؤال يابير:
«بلا شكّ. بايلاند بلادٌ جميلة. لكنّنا اضطُررنا للأسف إلى مغادرتها.»
«ماذا حدث؟» سأل يابير في قلق.
هزّت الشقراء كتفيها.
«شربنا جرعة تحوّلٍ عن طريق الخطأ. فحوّلتنا إلى مصدرَي طاقةٍ خالصة. كان الأمر جحيمًا»، قالت. «كان علينا أن نرحل، وإلّا لوضعونا في مختبرٍ للوحوش العجيبة بقيّة حياتنا.»
وفجأةً سُمعت صيحة، فرفع شوكينوري بصره ليرى وجه غنومٍ باسمًا يطلّ من نافذةٍ مفتوحة.
«الماضي ماضٍ، يا ابنتيّ العزيزتين!» قال. «للجميع مصائبُ بين الحين والحين، لكن، لا عليكما، الحياة تمضي!» واتّسعت ابتسامته، «أهلًا بالغرباء. من دواعي سروري أن أتعرّف إلى أناسٍ من أماكنَ أخرى. الأركولديّون أشدّ مللًا من قارورةٍ بلا محلول! لا فكرة لديهم عن كيفيّة عيش مغامرة، أو تجاوز خطر، أو الإحساس بحماستها. تفضّلوا، تفضّلوا! سأُريكم مختبري.»
أغلق النافذة. وبينما كان كاكزايل يفتح باب البيت، ابتسم يابير ابتسامةً عريضة.
«ومَن هذا السيّد الفكِه إلى هذا الحدّ؟» استفسر.
عرّفت به الشقراء متهلّلة:
«عرّابنا. الخيميائيّ.»
وأشارت إليهم بالدخول. عبر داكيس العتبة خلف الهوبيتَين، ولمّا مدّت الشقراء يدها بحماسةٍ طفوليّةٍ لتربّت عليه، هزّ ذيله وقال ذهنيًّا:
«كما يقول جرو ساحر الموتى: أيو، أيو!»
تجهّم شوكينوري. لقد أفلتت من داكيس لؤلؤةٌ بديعة. أَلاحظت التوأمان كلمة «ساحر الموتى»؟ أكانتا تعرفان سلفًا؟ نظر إليهما… وتنهّد. لا، لم تكونا تعرفان. ونعم، لقد لاحظتا. لكن، ما دامت هاتان التوأمان تعرفان مارفور هيليث وقد قبِلتاه أستاذًا، فلعلّهما تكونان أكثر تسامحًا وتفهّمًا من غيرهما. ودون أن يكلّف نفسه عناء خفض صوته بالفنون البريجِية، تمتم بالكايلدرِك:
«يا ثرثار.»
اعترف داكيس بدريونسانيّةٍ تكاد تكون ممتازة:
«إسطرباغ، الجولة الميتة. لا أستطيع إنكار ذلك.»
ابتسم كلب الجحيم كاشفًا عن كلّ أسنانه الحادّة.
* البائيرا الأعظم: لقبٌ تشريفيّ لشيخ البائيرا وكبير علمائهم.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion