Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 62
كنتُ أسير في الجادّة، أُغنّي مبتهجًا، حين انتصب المانتيكور فجأةً وبدأت النوافير تنفث الدم. اندفع نحوي الذباب حاملًا الفِرَش وصاح: «افرُك، افرُك، يا أخرق!» فأطعتُهم مذعورًا. ووصل ديل فهمس في أذني: «يا حاذق، لقد نسيت، كان عليك أن تخطف السولانس، تأخّرتَ، لكن لا تقلق، لا يهمّ، أتظنّ أنّي سأموت؟ هل سأموت؟» أعاد. وجرف نهرٌ من الدم كلّ رفاقي وأغرقهم. آخر ما رأيتُه منهم قبّعة روغان تطفو على بحرٍ أحمر… فصرختُ.
استيقظتُ مذعورًا، فجلستُ منتصبًا وأنا أرتجف. كان حلمًا! كان كلّه حلمًا! تبًّا، ما أسخف هذا الحلم، بصقتُ في سرّي. استرددتُ نفسي وأنا أُجيل بصري حولي بحدّة.
كنتُ مُمدَّدًا على حشيّةٍ من قشٍّ في غرفةٍ صغيرةٍ شبه خالية. كان فيها شبّاكٌ مُقضّبٌ ينسلّ منه ضوء النهار. غير أنّه مُنِع عليّ منعًا صارمًا أن أقترب من الستائر، وخاصّةً أن أُزيحها: لا يجوز لأحدٍ يمرّ في الشارع أن يراني. ربّما لأنّ البيت الذي كنتُ فيه يقع في جزءٍ مرتفعٍ من المدينة… القيثارة، ربّما.
لم أكن أدري متى جِيء بي إلى هنا، ولم أستطع أن أتذكّر شيئًا: بعد أن غادرتُ شقّة القطط ومضيتُ إلى التنّين الأصفر مع لو بور، غلبني النوم من فرط التعب، ولم أستيقظ إلا عند حلول الليل، على يد إلفٍ مظلمٍ مُقنَّعٍ أخذ يهزّني. أحضر لي طعامًا وأعطاني كاروجا، وحين سألتُه أين لو بور وأين أنا، أجاب: «ابقَ هادئًا ولا تُظهِر وجهك في الشبّاك وإلّا قطعتُ عنقك». وأضاف: «تذكّر ما سيفعله الكاب بأصدقائك إن لم تُطِع؛ غدًا سيأتي بعض الناس ليأخذوك».
تلك كانت الكلمات الوحيدة التي سمعتُها منذ صرتُ بين هذه الجدران الأربعة. ولم أرَ أحدًا غيره كذلك. قمتُ ومدَدتُ أطرافي وألصقتُ أذني بالباب. لم يكن ثمّة صوت. ثم شغلتُ نفسي بترديد أسماء العظام بالكايلدرِك: كان معلّمي قد لقّنني أُنشودةً لحفظها. وقفتُ على يديّ وأنا أُغنّي، وسِرتُ على يديّ، وحدّثتُ نفسي، ورفعتُ صوتي تدريجيًّا من غير أن أشعر. وبعد حينٍ انتبهتُ إلى ذلك فصمتُّ فجأةً خائفًا. تبًّا للجحيم. لن يغضب الإلف المظلم، أليس كذلك؟ لم يغضب: ثم إنّه لم يبدُ أنّه في البيت أصلًا. بل إنّ كلّ شيءٍ كان يُشير إلى أنّ أحدًا لا يسكن هذا العقار. ورجوتُ أن لا يكون الجيران قد سمعوا شيئًا.
على أيّ حال، لم يُتَح لي وقتٌ طويلٌ للضجر قبل أن يحلّ الليل. كنتُ أُغنّي بصوتٍ خفيض: «تره-لا-له، قطفتُ هذا الصباح، تره-لا-له، غُصينًا صغيرًا من الياسمين. هذا الصباح قطفتُه لك يا صاحبي، ياسمينةً صغيرة…»، نعم، كنتُ عند هذا الموضع حين سمعتُ وقعَ خطواتٍ خفيفةٍ جدًّا، تلاه صوت مفتاحٍ في القُفل. صمتُّ، وانفتح الباب عن ضوء فانوسٍ مُعتِم.
«هل هذا الفتى؟» همس صوتٌ.
«ومن غيره يكون؟» أجاب صوتٌ آخر، ثم وجّه الضوء إليّ مباشرةً وأكّد: «إنّه هو».
كان كلاهما مُقنَّعًا، لكنّي عرفتُ صوت الثاني: كان جارفيك الأمهق، خادم فراشلوك وأحد روّاد الجارور. قمتُ واقتربتُ.
«أيو. هل حان الوقت؟» سألتُ.
«حان الوقت»، قال الأمهق. ومدّ يده إلى جيبه. «خُذ، الكاروجا. أحضرتُ خبزًا أيضًا».
«الأمّ الصالحة، شكرًا لك»، هلّلتُ.
جرعتُ الكاروجا أوّلًا ثم أكلتُ الرغيف الصغير في لُقيماتٍ قليلة. وبالكاد استطعتُ بلع اللقمة الأخيرة من شدّة توتّري.
«هيّا، لنذهب»، شجّعني الأمهق.
خرجتُ، وبينما تقدّم الغريب في الطريق، أغلق الأمهق الباب. وكفتْ نظرةٌ واحدةٌ في أرجاء البيت لتُخبرني أنّنا لم نكن في حيّ القطط ولا في تارميل: كان هذا أتويرثو على الأقلّ. أو القيثارة. وتأكّدتُ من ذلك حين خرجنا: كنّا إلى جانب سور القلعة تمامًا، فوق الصخرة مباشرةً. لم أُصدّق أنّهم جاءوا بي إلى هناك في عزّ النهار. أفتُرى كان في البيت ممرٌّ سرّيّ؟ كان مجرّد تخيّل ذلك يُثير الحماسة.
لكن للأسف، لم يبدُ أنّ ثمّة طريقًا سرّيًّا إلى القلعة نفسها: كان القصر هناك، ولندخله كان علينا أن نتسوّر الجدار، وهي مهمّةٌ ليست بالغة الصعوبة، فكّرتُ، ما دام قديمًا تغطّيه نباتاتٌ متسلّقة.
توقّف دليلنا عند زاوية شارعٍ مقابل السور، وأشار. لصقنا بجدارٍ ننتظر مرور دوريّة. كان الجوّ باردًا، لكنّي كنتُ من فرط الحماسة والاضطراب لا أكاد أُحسّ به. وحين تلاشى ضوء الفوانيس، نظرتُ إلى السور عبر عتمة الليل. تذكّرتُ أنّ يالِت، حسب ما يقول ييرّيس، قد دخل هناك مرّةً في اختبار انتسابه إلى أخويّة الخناجر السوداء. كان قد نشل مئة سياتو، فحظي بتقديرٍ عظيمٍ من القطّ الأسود على ذلك. فأيّ تقديرٍ سيُوليني ييرّيس حين أخطف جوهرة إستِرغات نفسها وأُساعد في سرقة كنز القصر! هذا، إن سار كلّ شيءٍ على ما يُرام.
وفجأةً أصدر الأمهق صوت طائرٍ ليليٍّ فجًّا نوعًا ما. قلّبتُ عينيّ ساخرًا.
«هل كان يُفترض أن يكون ذاك نُعيبَ بومة؟ أنا أُحسِن أكثر من هذا»، علّقتُ.
تلقّيتُ صفعةً على مؤخّرة عنقي. وبعد ثوانٍ قليلة، قال الأمهق:
«لنذهب».
تحرّكنا نحو السور، فلاحظتُ أنّ حبلًا قد ظهر متدلّيًا من الشُّرَف. أخذه الأمهق وربطني به سريعًا، وهو يهمس في أذني:
«لا تنسَ: حين تعود، تُعطيني السولانس أنا. تعرف ما هو على المحكّ. حظًّا طيّبًا».
جذب الحبل جذبةً حادّة، فارتفعت قدماي عن الأرض. ونصفَ متسلّقٍ ونصفَ مرفوعٍ بالحبل، بلغتُ القمّة أسرع مما ظننتُه ممكنًا. وما إن تخطّيتُ الشُّرَف حتى أمسكتني يدٌ وأجبرتني على الانحناء. ضيّقتُ عينيّ، وعلى ضوء الجوهرة الأزرق الخفيف، عرفتُ رفيقي فابتسمتُ.
«إلَسّار*»، همستُ. «سعيدٌ برؤيتك».
سدّ ابن عمّي فمي متبرّمًا وأشار إليّ أن أتبعه. تبعتُه، وأنا أزداد يقينًا أنّ كلّ شيءٍ سيكون على خير. فأنا لم أكن وحدي في النهاية: كانت ترافقني الخناجر السوداء، أمهر لصوص إستِرغات!
نزلنا إلى سطحٍ ملاصقٍ للسور، ثم انتقلنا إلى سطحٍ آخر أدنى منه، وهبطنا في حديقة. لم أكد أنظر حولي، إذ لم أكن أُحاول إلا أن أُبقي عينيّ على يال، وألّا أُحدث صوتًا، وأن أتحاشى بِرَك الماء… لكنّي مع ذلك لاحظتُ أنوار النوافير، والفُسيفساء المتلألئة في الدروب والدَّرَجات الصاعدة عبر الحدائق. أحواض زهورٍ، هنا، في الشتاء!
كان الأمر كأنّه عالمٌ آخر. وهذا ما بعث فيّ القلق. واسترخيتُ قليلًا حين وصلنا، بعد أن دُرنا حول النوافير المتلألئة، إلى أَجَمةٍ من أشجارٍ عالية. ذكّرتني بجذوع الوادي، ضخمةٌ كثيرة الأغصان. وبعضها كان يوفّر مأوًى جيّدًا لليل. أفترى كان فيها سناجب؟ الأرجح أنّ فيها. لكن، بالطبع، لم أستطع التأكّد لأنّ السناجب لا تخرج ليلًا أبدًا.
انضممنا في العتمة إلى هيئةٍ أخرى. هيئة آب.
«أيو»، همستُ، وأنا أجثم قريبًا منه.
تتبّعتُ اتّجاه نظره، فبقيتُ مأخوذًا. هناك، على مقربةٍ، نصفَ مُحتجِبٍ خلف الشُّجيرات، كان يقوم أحد جوانب القصر. كان واسعًا، غير مرتفعٍ كثيرًا، لكنّه مَهيب. فمن حيّ القطط لا يُرى منه إلا البرج الدائري. أمّا من هنا، فقد رأيتُ النوافذ الزجاجية الفخمة، والسقف الذهبيّ، والحجارة المُزرقّة تلمع تحت ضوء الجوهرة…
«عجبًا، ما أفخمه!» زفرتُ مدهوشًا. «من أيّ شيءٍ صُنِع؟»
أجبرني أبيريل على الانحناء أكثر.
«من الحجر السماوي، مأخوذٌ من أرضك»، أجاب بصوتٍ خفيض.
زفرتُ غير مصدّق. أجاءوا بحجارةٍ من وادي إيفون-سيل ليبنوا القصر؟ رعودٌ!
«لا بدّ أنّ عمره ألف سنةٍ على الأقلّ»، أفلتُّ.
كتم أبيريل ضحكةً ساخرة.
«لا يا بُنيّ. بُني القصر الأوّل قبل أكثر من ألفَي سنة، لكن انهيارًا أرضيًّا دمّره تدميرًا كاملًا قبل قرن، فبَنوا قصرًا جديدًا، أكبر وأفخم، مفخرةً عظيمةً لآل فيدمان».
قوّستُ حاجبيّ.
«آل فيدمان؟ يسكنون هناك؟»
«تمامًا. منذ أن انتُخِب ستيركسيس فيدمان رئيسًا للبرلمان».
«آه، صحيح. هو الذي أنشأه. أعرف ذلك»، قلتُ بنبرة خبير. «بل إنّي عرفتُ واحدًا من آل فيدمان قبل مدّة. شودي فيدمان. رسم لي صورةً».
ضحك أبيريل في سرّه.
«نعم، بالتأكيد».
قطّبتُ.
«ماذا؟ أنا لا أكذب»، احتججتُ. «يال يعرف أنّي لا أكذب. أليس كذلك يا يال…؟»
التفتُّ فصمتُّ حين رأيتُ أنّ ابن عمّي لم يكن خلفي.
«ذهب ليُراقب»، أوضح آب. ثم تقدّم بهدوءٍ أعمق في الشُّجيرات، بعيدًا عن الحرف، وأضاف: «كفى من هذه الدردشة. أحضرتُ أدواتك».
وفي اللحظات التالية، زوّدني الخنجر الأسود بكلّ أنواع العُدد والنصائح والتحذيرات. وأخيرًا، بعد أن كرّرتُ عدّة «نعم، نعم» و«أعرف» و«بالتأكيد»، صمت آب. جلسنا على جِذرٍ كبير، نتجمّد من البرد، ننتظر أن يحين الوقت المناسب. وفي داخلي، كان التوتّر يمتزج بحماسةٍ متزايدة، فقد أدركتُ ذلك اليوم أنّي إن ظفِرتُ، فلن أُنقذ رفاقي فحسب، بل سأنال اعتبار الخناجر السوداء. قليلًا على الأقلّ.
ولبرهةٍ، أنصتُّ إلى وشوشة نسيم الليل يهبّ بين الأغصان العارية. ثم همستُ:
«آب».
«مم»، قال أبيريل شارد الذهن.
أخذتُ نفسًا، وعضضتُ شفتي، وقلتُ:
«قل لي. هل أنت شيطان؟»
لم يُجب أبيريل فورًا، فتلجلجتُ نادمًا على إثارة الموضوع:
«انسَ الأمر».
سمعتُه يشهق مُتسلّيًا.
«يصعب نسيانه»، تنفّس بعد ذلك. «لكن، من أجل الجميع، لننسَه».
بدا ذلك أشبهَ ما يكون بتأكيد. ابتسمتُ، وصفعتُ جبهتي بحركةٍ مسرحيّة، وتظاهرتُ بأنّي أرمي شيئًا بعيدًا، وقلتُ:
«نُسِي».
رأيتُ الشيطان يهزّ رأسه، وربّما كان يبتسم خلف لِثامه. كنتُ أُحبّ أن أسأله إن كان ما قاله لي معلّمي عن طاقة الحياة تلك التي تستيقظ في الشياطين صحيحًا… لكن كان يُفترض بي أنّي «نسيت». تسك. وبعد صمتٍ، استفسر أبيريل:
«ما كان اسم معلّم الوادي هذا؟»
هزَزتُ كتفيّ.
«يقول يابير إنّه ربّما كان يُسمّى نارش-إكبال. أنا لا أعرف اسمه».
رأيتُ أبيريل يُلوي رأسه نحوي بحدّة.
«يابير؟ هل يعلم أنّ…؟»
زويتُ شفتيّ وأومأتُ.
«السبب داكيس، كلب الجحيم»، شرحتُ. «لقد تعرّف على الطاقة المَوْتية في يدي. ثم إنّ هؤلاء بائيرات. يعرفون أشياء كثيرة».
«مم… لا شكّ في ذلك»، تمتم أبيريل. وأسبل قلنسوته إسبالًا أفضل. «قل لي يا فتى، لمحض الفضول. هل فكّرتَ يومًا في التخلّي عن تلك اليد؟» نظرتُ إليه مذهولًا، وهو يتفكّر: «إلّا إن كانت لك أعضاءٌ أخرى…»
«لا»، قطعتُ عليه مصعوقًا. «إنّها يدي. أتخلّى عنها… لكن ما هذا الذي تقوله، تبًّا للجحيم…»
«اخفض صوتك يا بُنيّ»، قاطعني أبيريل.
عضضتُ شفتيّ وعلى وجهي تكشيرةٌ اعتذاريّةٌ لم يكن ليراها بالتأكيد. في تلك اللحظة، قرعت أجراس معبدٍ الثانية عشرة، فتصلّبتُ من جديد، جالسًا على جِذري. وقام أبيريل واقفًا.
«انسَ الأمر. كان مجرّد سؤال. هل معك كلّ ما تحتاجه؟»
قمتُ واقفًا، أُفتّش في جيوبي بارتباك.
«أنا… أظنّ ذلك».
توقّف أبيريل لحظةً.
«هل أنت مستعدّ؟»
أخذتُ نفسًا وأرسلتُ مخاوفي تُطارد السُّحُب قبل أن أُعلن:
«بجنون».
«جيّد. و… أفترض أنّك تتذكّر درس ‹إن غنّيتُ فأنا ميّت›، و‹إن رأوني هربتُ، وإن أمسكوا بي أمسكتُ لساني›»، سرد أبيريل بهدوء.
أطلقتُ همهمةً مُتضايقةً خفيفة.
«أعرف»، قلتُ. «أنا لا أُغنّي إلا الأغاني. لكن، على أيّ حال، لن يرَوني ولن يُمسكوا بي».
وضع أبيريل على كتفي يدًا فيها فخرٌ وتسلٍّ.
«هذه هي الروح يا فتى. لنذهب».
تبعتُه إلى مخبأ يال، وسمعتُهما يتهامسان، ثم أحاط أبيريل نفسه بضبابٍ متناغمٍ رقيقٍ ودفعني إلى الأمام بلطف. اقتربنا من القصر بمِشيةٍ هادئةٍ نوعًا ما. لم يكن ثمّة حرّاسٌ في الخارج. وصلنا إلى جدار القصر الأزرق، فغيّر أبيريل التناغمات. لم أستطع أن أرى النتيجة من موضعي، لكن لو نظر أحدٌ من الخارج إلى الجدار، لما رأى على الأرجح إلا حجر الوادي المُزرقّ.
قادني أبيريل إلى الشبّاك الضيّق الذي طال الحديث عنه، وفيه قضيبٌ رأسيٌّ وآخر أفقيّ. رفعني رجل الخنجر لأستطيع استخدام دم الهيدرا. أخرجتُ قارورة ماءٍ لتنشيط أثره، فبدأ الحديد المطاوع يتحلّل. أذبتُه في أربعة مواضع، وفي دقيقتين على الأكثر، نزعتُ الصليب الحديديّ. لم يكن هنا فخٌّ سحريّ؛ كان شبّاكًا صغيرًا بسيطًا في جناح الخدم. وبحذرٍ، انسللتُ إلى الداخل وحطّتُ في هدوء قطٍّ على طاولةٍ منخفضة. ومن الداخل، أعدتُ الصليب إلى موضعه لكي لا يرى أحدٌ أنّ أحدًا كان هناك. وبعد أن فعلتُ ذلك، أرهفتُ سمعي وضيّقتُ عينيّ في العتمة. كنتُ في مخزن. تمامًا كما توقّع كورثر. جيّد. أخذتُ نفسًا وقلتُ لنفسي: بسرعة.
بسرعة، لكن دون أخطاء، صحّحتُ لنفسي. ثم، وأنا مُعجَبٌ برباطة جأشي، جلستُ على كرسيٍّ ورششتُ أداةً لفتح الأقفال بذلك السائل الأصفر الغريب الذي قال كورثر إنّه سيُعينني على الأقلّ في تحييد كثيرٍ من الأفخاخ. لم أكن أدري من أين حصل عليه، لكن لا بدّ أنّه كلّفه ثروة. وبالطبع، ستُعوّض الغنيمة ذلك. مضيتُ إلى الباب وتحسّستُه. لم أرَ أيّ فخّ. قطّبتُ متردّدًا. تفحّصتُه عن قربٍ أكثر. وأخيرًا، حاولتُ إدارة المقبض. كان مفتوحًا. جيّد.
مباشرةً إلى الخلف، كرّرتُ لنفسي وأنا أفعل ما أُفكّر فيه. إلى اليمين. مباشرةً إلى الدَّرَج الصاعد…
كان كلّ شيءٍ صامتًا. وغمرتني حماسةٌ غريبةٌ وأنا أسير في ممرٍّ طويلٍ عريضٍ مقفر. كانت على الجدران لوحاتٌ ضخمةٌ معلّقة، ومع كلّ خطوةٍ، كان السجّاد الناعم يُداعب قدميّ الخشِنتين. أحسستُ أنّي قطٌّ متسلّلٌ توّج نفسه، لليلةٍ واحدة، ملكًا على هذا المكان. وكانت قوّتي، وأغلى سلاحٍ عندي، هي تخفّيي.
وفجأةً رأيتُ هيئةً تُراقبني، فتجمّدتُ في موضعي. كان تمثالًا. مجرّد تمثال. الأمّ الصالحة.
كانت الفزعة قد أنستني الطريق، فاضطررتُ إلى تلاوته على نفسي من البداية لأُكمل. يسارًا، ثم مباشرةً إلى الأمام… لم يكن في الأبواب التي عبرتُها أفخاخ. وهذا منطقيّ: الأرجح أنّ الأفخاخ لا توضع إلا على الأبواب الأمامية وعلى تلك التي تحرس الأشياء الثمينة، كالكنز والسولانس.
كنتُ أبلغ لتوّي المنطقة التي صارت في عمق الصخرة حين سمعتُ أصواتًا وبحثتُ عن مخبأٍ بيأس. وكنتُ لا أزال أبحث حين رأيتُ ضوء مشعلٍ يظهر في آخر الممرّ. ألقيتُ بنفسي أرضًا وتدحرجتُ تحت مقعدٍ. لم يكن أفضل مخبأٍ بالضبط، لكن… الممرّ لم يكن يوفّر خياراتٍ كثيرة. وبينما اقتربت الأصوات، لفَفتُ نفسي بالظلال المتناغمة. كرّرتُ لنفسي في هَلَع: إن رأوني فقد انتهيتُ. إن رأوني فقد انتهيتُ.
مرّوا سريعًا وتركوا الممرّ في الظلّ من جديد. ولم يصلني جزءٌ من حديثهم إلا بعد ذلك، كأنّه صدى. كانوا يتحدّثون عن مصنعٍ ما انفجر في حيّ القنوات، ويقولون إنّ «أولئك الأشرار» يستحقّون الموت كما في الأيام الخوالي. وفي الآخر، ذكر أحدهم ميروكي فال. أتُراه قال حقًّا «سيتزوّجان في الربيع»؟ أحقًّا سيتزوّج ميروكي فال؟ بقي أن نعرف إن كان ذلك من الإلفيّة الجميلة ليسابيث، لكن… حسنًا، على أيّ حال، كان قابض المسامير لا يزال حيًّا. والشيء الوحيد الذي منعني من الابتهاج بالخبر هو أن أُفكّر أنّه لو كان ميروكي فال هناك وأمسك بي تحت المقعد في تلك اللحظة، لكان نادى الحرس فورًا. فهو، رومانسيًّا كان أو غير رومانسيّ، كان ولن يزال قابض مسامير.
مدَدتُ ساقيّ، وخرجتُ من مخبئي، وأسرعتُ في مهمّتي. كنتُ أتخيّل يال وأبيريل في الخارج وقد بدأ القلق يستبدّ بهما، يتساءلان عن الحماقة التي ارتكبها ساحر الموتى الصغير الآن… حسنًا، لا حماقةَ حتى الآن!
وكاد هذا يكفّ عن الصحّة حين لمستُ مقبض بابٍ لأفتحه. قاوم. مُقفَل. وفيه فخّ، لاحظتُ. أخرجتُ أداةً لفتح الأقفال وتردّدتُ. إلى أيّ حدٍّ جرّب كورثر هذا السائل المُحيِّد؟ وماذا لو لم يعمل؟ وبعد أن لعنتُ نفسي مرّاتٍ على تردّدي، أعدتُ الأداة إلى مكانها، ومدَدتُ يدي المَوْتية، وشرعتُ في تعطيل الفخّ بالطريقة القديمة. كان معقّدًا، شياطين، كان معقّدًا حقًّا. لكنّه كان شبيهًا بأحد الأفخاخ التي عطّلتُها في دروسي. إلا أنّه كان موصولًا بشيء… بشيءٍ قويٍّ يُراقبه. السولانس، بلا شكّ.
ومن غير أن أُعطي نفسي وقتًا لأُغذّي مخاوفي، ركّزتُ وعطّلتُ الفخّ في النهاية دون أن أُخلّ بوصلة السولانس. ثم فتحتُ القُفل عنوةً ودخلتُ ما كان كورثر يُسمّيه «المنطقة المحرّمة». بُهْ، كأنّ بقيّة القصر ليست كذلك أيضًا…
واصلتُ طريقي. فتحتُ بابًا آخر ووصلتُ إلى ما كان كورثر يُسمّيه «القوس»، وهو ممرٌّ نصف دائريٍّ يُحيط بقاعة غرف الكنز. كانت فيه مشاعل مُشتعِلة. أغلقتُ الباب بتعويذةٍ صامتةٍ وأنصتُّ. سمعتُ شخيرًا. ابتسمتُ: لم أُصدّق حظّي. سِرتُ بمحاذاة الجدار الأيمن فرأيتُ إلفًا عملاقًا مسلّحًا جالسًا على كرسيٍّ ونائمًا. تقدّمتُ قليلًا لأتأكّد أنّه لا حرّاس آخرين في الممرّ، ثم أخذتُ قارورةً ثالثة، وأخرجتُ منديلًا، ونضّحتُه بالساترانين. وبعد أن فعلتُ ذلك، دببتُ نحو الشاخر ووضعتُ المنديل بلطف، خائفًا أن أُوقظه. لكنّه لم يستيقظ. وبعد لحظاتٍ قليلة، سحبتُ المنديل، وكنتُ لأُقسِم أنّ الحارس لن يستيقظ ولو صرخ أحدٌ «أيو!» في أذنه. ابتسمتُ له ومضيتُ في طريقي.
كنتُ قد أوشكتُ على الوصول. عدَدتُ الأبواب، ووقعتُ على الباب الذي افترضتُ أنّه لا بدّ أن يكون هو المؤدّي إلى الدَّرَج، ثم إلى البوّابة، وأخيرًا إلى السولانس. لمستُ الباب بيدي، فارتددتُ إلى الخلف في الحال. كان الخشب مشحونًا بالطاقة. لم تكن الأقفال وحدها؛ كان كلّ شيءٍ مغطًّى بنقوش الطاقة. وبالطبع، كانت هذه موصولةً بالسولانس.
عضضتُ شفتيّ. هذا… لم يكن كورثر قد حسب حساب هذا. لكنّه كان قد حذّرني من أنّ مفاجآتٍ قد تنتظرني. «على اللصّ البارع أن يعرف كيف يرتجل»، قال لي. حسنًا، حان وقت الارتجال، لكنّي في الحقيقة لم أعرف كيف أُعطّل فخًّا بهذا الحجم.
تحسّستُ الأقفال وعيناي مُتّسِعتان من اليأس. لم أدرِ ما أفعل. لم أدرِ ما أفعل! على هذا النحو، سيُوقظ صياح الديك الجميع قبل أن أدخل الغرفة أصلًا. وحينها رفاقي…
تجمّدتُ في موضعي. كنتُ قد عثرتُ لتوّي على نقشٍ مألوف. وتعلّقًا بكشفي الصغير، أرغمتُ نفسي على الكفّ عن التردّد وعلى العمل. أدركتُ أنّه سيكون مُحالًا تعطيل تعويذةٍ كهذه: كان عليّ أن أنقُضها، أن أكسرها كسرًا عنيفًا، ولأفعل ذلك… نظرتُ إلى أسفل وأخرجتُ القارورة الصفراء. فإن كانت تستطيع حقًّا تحييد التعاويذ، فستكون نافعةً نفعًا بالغًا.
قرّرتُ في النهاية أن أثق بكورثر، إلا أنّي لم أستخدم مُنتَجه كما قال لي بالضبط. حيّدتُ السِّحر على الباب بأن غمرتُه بالمنديل، وبينما كنتُ أقوم بعمل التنظيف، كنتُ أحلّ عُقدةً ثم عُقَدَ طاقةٍ أخرى. حللتُ كلّ شيءٍ إلا المواضع الموصولة بالسولانس. ثم شرعتُ في تعطيل الوصلات. كانت أربعًا في المجموع، واحدةٌ على كلّ قُفل وواحدةٌ في أعلى الباب. عطّلتُ الأولى منها، أمّا الأخيرة… فلم أستطع الوصول إليها. كانت عاليةً أكثر مما ينبغي. وبتكشيرة، ومن غير أن أتردّد حتى، مضيتُ إلى الحارس النائم، وأسقطتُه عن كرسيّه وقرّبتُ الكرسيّ إلى الباب. وأخيرًا، تركتُ بابًا غير مؤذٍ إلى حدٍّ ما. ولم يبقَ إلا أن أفتح الأقفال عنوةً.
فتحتُ واحدًا عنوةً. وفتحتُ آخر. لكنّ الثالث قاوم، لم يُرِد أن يُفتح، لم يُرِد أن يُطيعني… فقدتُ صبري، وأخرجتُ أداةً جديدةً لفتح الأقفال، وطليتُها بدم الهيدرا طلاءً خفيفًا جدًّا، وتفلتُ عليها، ودسستُها سريعًا في الثقب. أصبتُ. وبعد لحظة، فتحتُ الباب ونزلتُ الدَّرَج إلى قاعة السولانس. كانت قريبةً جدًّا… وكنتُ أُحسّ بطاقةٍ جبّارةٍ في ذلك المكان. طاقةٌ تقول لي: «اخرج من هنا يا دِمورجِد!». لكنّي لم أخرج.
تقدّمتُ إلى البوّابة المُقضّبة بالحديد، آخر عائقٍ بيني وبين السولانس. ولم يكن في ذهني شكٌّ أنّه ذاك الشيء الفضّيّ الهَرَميّ الشكل القائم على قاعدة. كان السحر يتوهّج حول الذخيرة، بل كان يُصدر صوتًا غريبًا كبونغ المنجم، إلا أنّه أكثر خُفوتًا. تبًّا للجحيم. لم يكن كورثر قد فكّر في ذلك. فإن كان السولانس يُصدر ذلك الصوت، فالأمر يُشبه أن تذهب لتسرق هارمونيكا ثم تبدأ بالعزف عليها وأنت تسرقها… لكن مَن يُبالي، ما دام لديّ وقتٌ لأُسلّمه إلى الأمهق. وبعد ذلك، فليُلقِ به فراشلوك في النهر إن شاء.
كسرتُ الباب المُقضّب بدم الهيدرا المبارك ذاك وتقدّمتُ إلى الغرفة. كانت دائرية. في الوسط كان السولانس؛ وحوله، خلف قُضبان، خزائن الكنز. كانت أربعًا في المجموع، وكلّها مليئةٌ بثروةٍ مُتراكمة: ذهبٌ أبيض، وجواهرُ ملوّنة، وماغارات، وأشياءٌ من كلّ نوع. كان يكفي أن ينظر المرء إلى كلّ هذا ليرتعد ويُفكّر: لماذا؟ لماذا يُحبَس كلّ هذا المال؟
«قابض مسامير»، تمتمتُ.
فتحتُ كلّ بوّابات الخزائن بالحذر ذاته الذي فتحتُ به الباب في الأعلى، ومن غير أن أجرؤ على الدخول. لكن كان لا بدّ أن أدخل، لأنّ كورثر أرادني أن أبحث عن الأوبال الأبيض. عظيمٌ حقًّا! وكيف أرادني أن أجده؟ لا شكّ أنّ هناك أوبالاتٍ كثيرة، وألماسًا، و… و… رعودٌ!
أخذتُ نفسًا عميقًا لأُهدّئ نفسي، وبإحساسٍ كأنّي أدخل عالم الأموات، عبرتُ عتبة إحدى الخزائن. «لا تلمس شيئًا»، كان كورثر قد قال. حسنًا، أرأيتَ يا كاب الكبير: من المحال ألّا تلمس شيئًا. كان كلّ شيءٍ مُتراكمًا أكثر من اللازم.
حسنًا، وماذا لو قلتُ له إنّي بحثتُ في كلّ مكانٍ ولم أجده. كان ذلك احتمالًا، أقلّ إرعابًا بكثيرٍ من العودة بلا السولانس. المشكلة أنّي… أنا أيضًا كنتُ أُريد أن أجد ذلك الأوبال، من أجل يابير بالأساس، لأُريه أنّ الأسطورة صحيحة. لكن مهما بحثتُ في المكان، ومهما ألقيتُ من تعاويذ الإدراك وسط كلّ تلك الثروة، لم أجد شيئًا.
إلى أن تعثّرتُ فجأةً بحبلٍ غريب اللون، فانبطحتُ ممدّدًا، وأسقطتُ سجّادةً جِداريّةً كانت تُغطّي مؤخّرة الخزانة التي كنتُ فيها. لكن بدلًا من جدارٍ عارٍ، كشفت عن فُوهة، فوجدتُ نفسي وجهًا لوجه أمام فكَّي وحشٍ هائل. كان هيكلًا عظميًّا، لحسن الحظّ. لكن أيَّ هيكل!
انتصبتُ ومدَدتُ يدًا إلى رأسه مأخوذًا بالعجب. من بين كلّ الكنوز هنا، كان هذا أعجبها. ربّما ظننتُ ذلك لأنّي ساحر موتى، لا أدري، لكن… تبًّا! لم أرَ مخلوقًا كهذا قطّ. كان يُشبه تنّينًا. إلا أنّه لم يكن له ذنَب، أدركتُ ذلك حين دُرتُ حول الوحش دورةً كاملة. ظللتُ ألمسه: كانت عظامه تفيض بالمورجاس. وغمرني الانفعال. بلا شكّ، كان فيريلومبارد. لا بدّ أنّه كذلك! وإن لم يكن، فلا يهمّ، كان معلّمي سيقفز من الفرح حين… حين…
صفعني الواقع كدلوٍ من الماء المُثلَج. لم أكن في الوادي، ولم أكن مع إلَسّار: كنتُ في قصر إستِرغات أسرق السولانس. وكان عليّ أن أُسرع.
تخلّيتُ عن الأوبال الأبيض، وحشوتُ جيوبي بأصغر العظام التي وجدتُها، وزويتُ شفتيّ اعتذارًا للفيريلومبارد، أو… حسنًا، لأيّ مخلوقٍ كان ذاك. وقلتُ بالكايلدرِك:
«آسفٌ يا صديقي. كنتُ لآخذك إلى معلّمي كاملًا، لكنّك كبيرٌ حقًّا. لو كنتَ أصغر، لربّما جعلتُك تسير وما إلى ذلك. لكنّك كبيرٌ أكثر من اللازم».
عانقتُ رأسه، والدموع في عينيّ، وقبّلتُه، وهمستُ:
«أيو».
وأدرتُ ظهري للهيكل ومضيتُ إلى القاعدة. كان السولانس يطنّ كسِربٍ من النحل. وقد بدأ طنينه يُصدّع رأسي. توقّفتُ. كانت القاعدة عالية، وكان عليّ أن أتسلّقها. وبلغتُ حرفًا في النهاية، فشددتُ نفسي إلى أعلى وجلستُ إلى جانب الهَرَم الفضّيّ تمامًا. تأمّلتُه بمزيجٍ من الفتنة والرهبة. حسب نظرية كورثر، لن تتفاعل الذخيرة مع يدي اليمنى. ستبحث عن أثرٍ للجايبو عبر الماغارا التي تُغلّف عظامي… فلا تجد إلا الطاقة المَوْتية. حسنًا، تلك كانت النظرية. في تلك اللحظة، تمنّيتُ لو كنتُ أعرف هل من الخطر لمسه، أصلًا، بجلدي أو بمحض التفل عليه.
لكن لم يكن لديّ وقتٌ للتجريب، ففعلتُ ما أمرني كورثر بفعله: لمستُ السولانس بيدي اليمنى.
وأحسستُ أنّ الجحيم ينهار عليّ.
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ معلّمَه أو سيّدَه، بمعنى «معلّمي» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion