Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 64
في ساحة الأرواح، كان الجميع يصرخون، ويرمون الحجارة، ويهربون من ضربات الذباب… أمّا أنا فكنتُ أُغنّي.
لا ضفادعَ ولا كِلابْ
تُكدّرُ صفوَ حيِّنا.
تبًّا لقابضي المسامير!
هُتافًا للقطط!
وكرّر عدّةُ أشخاصٍ: «هُتافًا، هُتافًا، هُتافًا!» ومرّت كرةٌ من «دخان البصل»، كما كان يسمّيه مانراس، طائرةً فوق رأسي. لسع الدخان عينيّ، وملأهما دمعًا، وأعماني نصف عمى. سعلت. نزلتُ عن العربة التي كنتُ مُتربّعًا فوقها، وإذ رأيتُ أنّ البقاء هناك يصير أصعب فأصعب على التحمّل، فررتُ مع الآخرين. وما إن بلغتُ موضعًا أيسرَ تنفّسًا، حتّى انضممتُ إلى الجَوقة هادرًا:
«اخرجوا! اخرجوا! اخرجوا!»
لم يمضِ أسبوعٌ بعد على التوقيع على المرسوم، ولا أسبوعان بالكاد على سرقة السولانس، وفي ذلك الصباح كانوا قد هدموا أوّل بيتٍ بالفعل. وإن كان غرض فراشلوك من سرقة القصر هو حقًّا ردع الذباب عن دخول أملاكه، فقد فشل فشلًا تامًّا. صار الذباب الآن في كلّ مكان.
«اخرجوا!» هدرت.
ورمشت. لم أكن أرى شيئًا عبر الدخان. وفجأةً مرّ بي قطٌّ وصاح:
«نحن محاصرون! اهربوا! نحن محاصرون!»
ركضنا. كان الذباب يطوّق الشوارع، يحاول أن يأخذنا على غِرّة. بلغنا أوّل ملتقى طرقٍ في اللحظة التي كانوا فيها مُقبِلين… فاندفعنا. وارتمى بعض الرجال الأكبر سنًّا، وقد بلغ بهم الغيظ مبلغه، على الحرّاس. أمّا أنا، فانسللت، ورميتُ حجرًا لأؤدّي نصيبي، ثمّ صعدتُ درجًا ضيّقًا وأنا مُطارَد، وانعطفتُ إلى زقاق، وعدوتُ كالريح، وأخيرًا وجدتُني في قلب المتاهة، سالمًا معافى.
نزعتُ اللِّفاع عن وجهي، وسعلتُ لأُصفّي حلقي، وكبحتُ نفسي عن فرك عينيّ، وعطستُ عطسةً:
«أتشياو! آخ، الأمّ الصالحة.»
من آثار دخان البصل الجانبيّة أنّه يحشو أنفك حشوًا سخيًّا. مشكلةٌ حقيقيّةٌ لي، لأنّه كان يمنعني من الغناء كما ينبغي، فتكون النتيجة شيئًا سخيفًا كهذا:
لا ضفادغَ ولا غِلابْ
دُغدّرُ صفوَ حيِّنا.
دبًّا لغابضي المسامير!
هُدافًا للغطط!
حسنًا، شيءٌ من هذا القبيل. فكلّما تنفّستُ الدخان، انهار أعظم ما كنتُ أُسهم به في الدفاع عن الحيّ.
سِرتُ من زقاقٍ إلى زقاق، أفرك أنفي بانتظام. كانت الساعة الرابعة بعد الظهر بالفعل، ولم أكن قد أكلتُ شيئًا، وعندي أكثر من خمسمئة سياتو باقية! ها، كنتُ أتذمّر من قابضي المسامير لكن… ألستُ أنا نفسي بورجوازيًّا لعينًا! كنتُ قد أعطيتُ كلّ فردٍ في العصابة عشرة سياتوات ليشتري ثيابًا دافئةً وحِذاءً. وهكذا صار لكلّ غواكات السريع أحذية، إلّا بعض الإسطرباغات الذين بذّروها بطريقةٍ إسطرباغيّة.
رفستُ قارورةً مكسورةً وكدتُ أُواصل طريقي حين نادتني عجوزٌ كانت تنفض شرشفًا في الطابق الأوّل:
«يا غواك! أسمعتَ شيئًا عمّا يجري في الساحة؟»
وككلّ سيّدٍ مهذّب، نزعتُ قبّعتي وقلت:
«حاصرونا يا جدّة! لا شكّ أنّهم جرّوا بعضنا معهم. لكنّ الوطيس ما زال حاميًا بجنون!»
أومأت العجوز.
«فهمت. شكرًا يا فتى، لا تدَعْهم يقبضون عليك!»
«لا تقلقي!» قلتُ بمرح.
وعُدتُ إلى السير. فمنذ أن نشأت مشكلة الهدم، تجدّدت الأخويّة بين قطط الجزء الأسفل: كانوا يُقاتلون من أجل بيوتهم، أكثرهم في سلام، بمجرّد رفضهم الرحيل، وآخرون تلتهب صدورهم بالخطب… وأشدّ مَن عانى كانوا أهل العصابات: كانوا يفرّون من مأوًى إلى مأوى، ويتشتّتون، ويخسرون مالًا كثيرًا، وبعضهم بلغ به الغيظ حدّ استلال الخنجر. كانت فوضى حقيقيّة. وفي المجموع، لا بدّ من القول إنّنا نحن الغواكات لم يكن لنا في هذا كلّه دورٌ كبير، لكن، كلّما صادفنا خطيبًا بارعًا، حسنًا، طاب لنا أن نُمدّ يدًا في الجبهة. بعض الغواكات فضّلوا الهجرة إلى الجزء الأعلى من القطط، لكنّ أكثرنا بقي في المتاهة، لأنّنا، وإن كانت هي بعينها المكان الذي يشنّ فيه الذباب غاراته، كنّا نحسّ أنّنا أقلّ عُرضةً هناك. فهم لم يكونوا يُغيرون علينا، بل على التجّار الأحرار، وبعضهم كنّا نعمل لحسابه، صحيح، لكنّ القبض على رجالٍ يحملون أسلحةً أو أوانيَ كاملةً من الداندِباشِن كان عند الذباب أجزلَ نفعًا من الدخول إلى مركز الشرطة بحُزمةٍ من غواكاتٍ مُهلهَلين مشكوكٍ في جُرمهم. ولم يكن ملجأ الفقراء ليتّسع لهم جميعًا.
عطستُ مرّةً أخرى، وأخيرًا صرتُ أتنفّس على نحوٍ أقرب إلى الطبيعيّ. توقّفتُ في وسط زقاقٍ شديد الانحدار، ودرتُ حول نفسي، وصعدتُ على صخرة، واتّكأتُ على حافة ما كان قاعدةَ نافذةٍ أو باب، وقفزتُ إلى الأسفل، فحللتُ في مأوى السريع. فما دام معنا مال، لكان سخيفًا أن نبقى في الشارع مع كلّ تلك الفوضى ومع البرد. فاستأجرنا من صاحبة النُّزُل، سيّدةٍ كانت عضوًا في عصابة تاجرٍ حرٍّ أو ما شابه. لم يكن المكان فسيحًا بما يكفي لعشرين غواكًا وزيادةً كنّا عليهم، لكن، بصدق، كان لطيفًا جدًّا.
تقدّمتُ إلى داخل الغرفة، أتحاشى رفاقي المُمدّدين. بعضهم مرضى، وآخرون نائمون لأنّهم سهروا الليل كلّه. ابتسمتُ حين رأيتُ الذئب الصغير. كان الصغير نائمًا، مُتلفّعًا بإحكامٍ بالبطّانية التي أعطاني إيّاها رولغ.
«كيف الحال يا سميّي»، نادى السريع من زاوية، وأشار إليّ أن أقترب. كان يأكل سمكًا.
جثمتُ إلى جانبه، محاولًا ألّا أنظر إلى الطعام كثيرًا. أضاف السريع وهو يمضغ:
«اسمع يا شيور*. اصنع لي معروفًا. اذهب وأتِني بعشر ذهبيّات. أحتاجها الليلة.»
تجهّم وجهي فجأةً.
«عشر؟»
كانت تلك ثالث مرّةٍ يطلب منّي فيها مالًا في أسبوعين. سياتوان هنا، وخمسة سياتوات هناك، والآن عشر. أومأ السريع.
«عشر. أحتاجها حقًّا يا سميّي. لا أستطيع أن أشرح. لكن إن لم تأتِ بالعشر قبل السادسة… فسيكون الأمر سيّئًا. أتفهم؟»
هززتُ رأسي نافيًا.
«لا، لا أفهم.»
دفع السريع رأسي، وطقطق بلسانه.
«لا تكن شحيحًا يا سميّي. هيّا، تحرّك.»
نظرتُ إليه مُتضايقًا. كان هو الكاب، لا جدال، لكن…
«عشرٌ كثير»، قلت. «سآتيك بثلاث. اتّفقنا؟»
ترك السريع آخر العظام على الأرض ووقف، وعصاه في يده.
«لا، لم نتّفق»، أجاب. «أقول لك اذهب وأتِني بعشر. إن كنتُ أطلب منك، فلأنّي أحتاجها. أحتاجها فعلًا. وإن لم تُعطِني إيّاها، فسأُسمّيك قابض مسامير.»
انتصبتُ واقفًا، ورفعتُ بصري، وتبادلنا النظر… واصطنعتُ وجهًا مُتحدّيًا.
«أنا لستُ قابض مسامير.»
ابتسم السريع وربّت على كتفي.
«إذن أثبِت ذلك. تحرّك يا رفيق.»
كان السريع قادرًا على أن يكون رجلًا طيّبًا، ودودًا، بل أخويًّا، لكنّي حين قلتُ إنّه نسرٌ جيّاف، فذلك لأنّه كان كذلك. فَهْ. قابض مسامير أنا؟ أمُّك، فكّرت. ووثبتُ خارجًا من المأوى. وعلى الشارع من جديد، أخرجتُ عويدي الأسود، ومضغته، فملأ فمي مذاقٌ لذيذ وأنا أصعد التلّة نحو النُّزُل.
كنتُ أُدلّك ذراعي اليمنى وأنا أتقدّم. وعلى نحوٍ لا يُصدَّق، كنتُ ما زلتُ أُحسّ بوخزٍ خفيف. فقد استغرقني إحياء يدي خمسة أيّامٍ على الأقلّ، واستغرق العددَ نفسه من الأيّام حتّى يعود المورجاس الذي عدّلته السولانس إلى حالته الطبيعيّة أو ما يقاربها. بل الحقّ أنّه لم يمضِ سوى يومان على توقّف فَيض طاقتي عن إيقاظي. وكنتُ أسعدَ من روحٍ مباركة! لأنّي لم أعُد سليمًا كاملًا فحسب، بل لم أكن أتوجّع في أيّ موضع: فدواء الخيميائيّ قد جرّني عبر ألف جحيم، وذُقتُ الموت، والعدم، ثمّ حين خرجتُ من غيبوبتي، كان ذلك تحريرًا. لم أكن متأكّدًا ماذا فعلت السوكواتا بنا بالضبط، لكنّ ذلك الدواء قد شفاه. لا أدري إن كان شفاءً تامًّا، لكنّنا لم نعد بحاجةٍ إلى تسكين ألمنا، لأنّه لم يبقَ ألمٌ أصلًا!
كنتُ أُريد أن أذهب لأجد الغنوم الخيميائيّ لأقول له على الأقلّ: ما ألطفك، شكرًا، لقد شُفيت. لكنّه لا بدّ يعلم ذلك سلفًا. ثمّ إنّي لو صادفتُ كاكزايل في طريقي إلى الغنوم أينما كان… لَحبَسني بلا شكّ. كنتُ أُريد أن أعتذر، طبعًا، لكن دون أن تقع يده عليّ.
خرجتُ من المتاهة وصعدتُ في شوارع الجزء الأعلى من القطط. وفي الطريق، رأيتُ دوريّةً من الذباب وهم يدخلون بيتًا لتفتيشه. والتقت عيناي بنظرة أحدهم المُتشكّكة، وقد بقي في الخارج… ومضغتُ عويدي الأسود، وغضّنتُ أنفي، وأسرعتُ الخطو. فإن كان الذباب في الأحياء الأخرى ملوكًا، فهم هنا في موقع الدفاع بلا مواربة. ولا عجب، فبعض عصابات القطط كانت مسلّحةً تسليحهم نفسه.
«آخ»، أفلتُّ فجأةً. تبًّا، كان السريع ينال ما يشاء دائمًا. لكن لعلّه، هذه المرّة، كان محتاجًا إلى المال حقًّا. فمن تعبير وجهه، كان يبدو أنّ تلك الذهبيّات العشر ستمرّ من بين يديه سريعًا جدًّا. دَينٌ، ربّما. لكنّه، لو لم يكن يعلم أنّ الحاذق سيكون هناك ليُخرجه من الورطة، لَما كان أفلت المال، صحيح؟ إسطرباغ.
وصلتُ إلى شارع العظام، وأدخلتُ العويد في جيبي، وحككتُ رأسي بشراسة، ودلفتُ إلى الزقاق المسدود حيث النُّزُل. لم أكن قد جئتُ إلى هناك منذ أربعة أيّام. وفي المرّة الأخيرة، شربتُ حتّى كأس شايٍ مع رولغ، ودردشنا قليلًا في كلّ شيء. حسنًا، أنا في الغالب مَن كان يدردش. وأحيانًا كنتُ أتساءل كيف بحقّ الجحيم أقدر على الكلام بهذا القدر دون أن أقول شيئًا يُذكر. ولم يكن الأمر كما عند ييرّيس. فهو يتكلّم في وقائع حقيقيّة؛ أمّا أنا فأقول ما يعنّ لي. كان أمرًا مجنونًا. تخطر لي فكرةٌ فأُطلق شيئًا مثل: ‹أتعلم أنّه كلّما تثاءبتَ فقدت سحليّةٌ ذيلها؟›، ثمّ أُتبعها بحكايةٍ مليئةٍ بـ‹أجل، لأنّ كذا وكذا وكذا›، ثمّ ينقطع نفسي، فأشهق وأمضي. أظنّ للدواء يدًا في ذلك، فقد صرتُ الآن سعيدًا، سعيدًا حتّى إنّي كنتُ أُظهر ذلك للرياح الأربع.
مسحتُ أنفي مرّةً أخرى وقرعتُ باب النُّزُل. انتظرتُ، مُتلوّيًا في البرد، حتّى لاحظتُ شيئًا غريبًا جدًّا. كان الباب مفتوحًا فتحةً طفيفةً جدًّا. وبتكشيرة استغرابٍ دفعتُه ودخلت. كانت الطاولة هناك، أمّا الكراسي والمقعد الوثير فقد اختفت. كان الموقد نظيفًا. واللوحة ذات القرية قد تلاشت، وحلّت مكانها حَذوةُ فرس… ما الذي يجري؟ سألتُ نفسي في حَيرة. دفعتُ الباب الأماميّ ومضيتُ أنظر في الممرّ الخلفيّ. كانت الغرفتان فارغتين. صعدتُ راكضًا إلى مكتب كورثر، ووقفتُ هناك عاجزًا عن الكلام. كان فارغًا! كأنّني جئتُ إلى البيت الخطأ! نزلتُ إلى القبو، حيث حُبستُ بعد فشل سرقتي لدمعة الريح. لم أجد سوى جُرَذٍ ميتٍ، وبعض الأشياء المكسورة، ولا أثر لأكياس الثياب. لكنّ الكرسيّ ذا الساقَين المكسورتين كان هناك. لم أكن أُصدّق، ومع ذلك كان الدليل ماثلًا: الخناجر السوداء قد تركوا النُّزُل وأخذوا كلّ شيء.
الأرواح! إلى أين ذهبوا؟
عدتُ إلى الباب الأماميّ وكدتُ أخرج حين دفعت يدٌ سوداءُ البابَ فجأةً. وثبتُ مُرتاعًا واختبأتُ خلف الباب وهو ينفتح. ثمّ ظهر شخصٌ وجهُه أسودُ كالليل، مدبّبُ الأذنين، يرتدي ثيابًا بسيطةً لكن جيّدة. أغلق نصف القزم الباب، وأطلق صيحةً مكتومةً حين رآني، وزفر:
«غراه…! الأمّ الصالحة، لقد أفزعتَ عقلي من رأسي يا شيور!»
ابتسمتُ حتّى أذنيّ.
«أيو أيّها القطّ الأسود. يسرّني أن أراك. وإذ لم أرَك قطّ، حسبتُ أنّ تنّينًا قد ابتلعك…»
ضحك ييرّيس ودفعني دفعةً ودّية.
«كنتُ مشغولًا جدًّا في الأيّام الأخيرة. طلب منّي كورثر أن أتحقّق إن كنّا قد نسينا شيئًا مهمًّا في مكتبه. وأنت، كيف الحال؟» سأل وهو يمضي في الممرّ الخلفيّ.
«بخير!» أجبتُ بمرحٍ وأنا أتبعه. «إذن، هكذا بلا مقدّمات، انتقلتم. لم يُخبرني أحد.»
«ولا أنا كنتُ أعلم حتّى الليلة»، اعترف لي ييرّيس. «جاء آب وقال لي: ستكون حمّالًا الليلة يا فتى. جحيمٌ. حقيقيّ. عندي أوجاعٌ وآلامٌ في كلّ مكان. وهنا وهنا الأسوأ»، قال مُريًا إيّاي ظهره وعنقه. «أنا مسحوق. لم أُخلَق لأحمل أثاثًا يزن طنًّا. لكن، ما دمتُ في المَطهر، كما يقول الشيطان، فعليّ أن أُحنّي ظهري. وتخيّل، جاء ألفون إلى هنا الليلة الماضية ليتحدّث مع الشيطان. حيّاني هكذا، بل مبتسمًا وكلّ شيء، وأنا أموت وذلك البوفيه المصنوع من خشب الماهوغني بين يديّ. لم يرفع إصبعًا ليساعدني. أقول لك، معلّمي متكاسل! جاء من أجل مكافأة القصر ثمّ خرج من الصخرة هذا الصباح خروجًا جهنّميًّا. بالمناسبة، لم أُهنّئك بعد. أخبرني آب بما فعلت. قل لي»، أضاف حين وصلنا إلى المكتب، «أترى شيئًا بين ألواح الأرضيّة؟ يقول كورثر إنّ شيئًا ربّما قد انزلق.»
بحثنا، وواصل ييرّيس:
«عندي ما لا يُصدَّق لأُخبرك به. لا أدري إن كنتَ تذكر تلك الليلة التي لعنتني فيها سلا وأرسلتني إلى الشيطان لأنّي شربتُ دواء الخيميائيّ الأوّل.»
«كانت غاضبة»، أومأتُ مبتسمًا.
«غاضبةً بجنون»، ضحك ييرّيس. «وعن حقّ. حسنًا، الأمر أنّ… لا أدري كيف أقول لك هذا، لكنّه مذهل. أمّا الآن، فقد كادت أمّ سلا تقتلني، لكن… لن تُصدّق هذا.»
وقد أثارت فضولي ابتسامته البيضاء العريضة، فشجّعته:
«أفصِح عمّا عندك يا رفيق.»
نهض ييرّيس، ولوّح بيده، وأخيرًا تمكّن من القول:
«سأصير أبًا.»
تسمّرتُ مذهولًا. ولمّا رأى ييرّيس ردّة فعلي، انفجر ضاحكًا.
«أليس هذا رائعًا؟»
رائعًا؟ أجل، كان كذلك، لكن بصراحة، لم يخطر لي قطّ أنّ رفيقًا قد يصير أبًا! محا فرحُ ييرّيس الخالصُ بلبلتي، فابتسمتُ وفرحتُ بدوري.
«الأمّ الصالحة، هذا عظيم!» قلت. كان ذلك كلّ ما جاء على بالي.
«إنّه أفضل ما كان يمكن أن يحدث»، اعترف ييرّيس بحماسة. «لأنّ أمّ سلا لم تكن لتسمح لها أبدًا، أبدًا، بأن تتزوّجني. وهكذا، بلا مقدّمات، أُرغمت على الموافقة!»
واصل الكلام، يشرح خُططه للمستقبل، ويقول إنّهما بمهامّ الشيطان سيكسبان سياتوات كثيرة، وإنّ الطفل لن يحتاج إلى شيء… كان يتكلّم كرجلٍ راشدٍ جدّيٍّ مسؤول. إلّا أنّه، في الحقيقة، لم يكن قد بلغ السادسة عشرة بعد. ابتسمتُ وأنا أُصغي إليه. ولمّا لم نجد شيئًا في المكتب، خرجنا من النُّزُل وسِرنا في الشوارع كما في الأيّام الخوالي: نصف القزم يتكلّم ويتكلّم، وأنا أُصغي. لم يعُد يستدير ويسير إلى الخلف، أو بالكاد صار يفعل، لكنّه فيما عدا ذلك كان كما كان. وفي لحظةٍ ما، بعد قليلٍ من حديثٍ عابرٍ عمّا يجري في الجزء الأسفل من القطط، سألته:
«هل أخذت سلا الدواء؟»
تجهّم ييرّيس وأومأ.
«صنع لها الخيميائيّ دواءً خاصًّا. كان الأمر صعبًا، لكن في النهاية سار كلّ شيءٍ على خير.»
قوّستُ حاجبيّ.
«تحدّثتَ مع الخيميائيّ؟ إذن تعرف مكانه؟»
تقلّص وجه ييرّيس ورمى نظرةً حوله قبل أن يتنحنح:
«نعم. لكن يُفترض أن يكون سرًّا. فإن عرف آخرون، فقد يحاولون أخذه. وعلى ما يبدو، ثمّة مَن حاول بالفعل.»
ابتلعتُ ريقي. عجبًا، هل حاول أحدٌ اختطاف الخيميائيّ من جديد؟ هززتُ رأسي.
«لن أنمّ على أحد. أين هو؟»
تردّد ييرّيس.
«ولماذا تريد أن تعرف؟ أنت شُفيتَ الآن، صحيح؟»
هززتُ كتفيّ.
«شُفيت. لا أدري، كان الأمر فقط لأقول أيو.»
قلّب ييرّيس عينيه، ولمّا لم يقل شيئًا آخر، لم أُصرّ وسألت:
«وأين النُّزُل الآن؟»
ابتسم ييرّيس.
«في الوقت الحالي، في لا مكان.» وإذ نظرتُ إليه في حَيرة، أضاف: «لكن، إن شئتَ، آخذك إلى الشيطان. أردتَ أن تراه لتطلب منه فِضّة، أليس كذلك؟»
نخرتُ وصحّحت:
«ذهبًا.»
قطّب ييرّيس.
«ديونٌ ثقيلة؟»
أطلقتُ تنهيدةً ونحن ندخل حيّ تارميل، وصحّحتُ من جديد:
«رفاقٌ ثِقال.»
ضحك ييرّيس.
«فهمت. دخلتَ عصابة السريع، أليس كذلك؟ ذاك الرجل…»
«لا، لا، أُوقفك هنا!» قاطعتُه رافعًا يدًا. «أعرف تمامًا كيف هو السريع وكيف هم رفاقي. لكن، لا بأس أيّها القطّ الأسود. لا بأس.»
نظر إليّ ييرّيس بمزيجٍ من التسلّي والقلق. وصمتنا لحظاتٍ. صعدنا الدرج نحو أتويرثو. وأخيرًا قال القطّ الأسود:
«لا يمكنك أن تكون غنيًّا وتُشارك. قابضو المسامير يعرفون ذلك.»
أفلتُّ شهقةً ساخطة.
«أنا لستُ قابض مسامير. إلى الجحيم بقابضي المسامير. يُغيظونني بكنوزهم. وفراشلوك أسوأهم، لأنّه يقول إنّه ليس قابض مسامير، لكنّه كذلك بجنون. أمّا أنا فلا. تمشي؟»
استلّت نبرتي الحاسمة من ييرّيس ابتسامةً مندهشة. أومأ مُتسلّيًا:
«تمشي يا شيور. افعل ما تشاء. ارمِ الذهبيّات على عصابتك. إن كان ذلك يُسعدك.»
تنهّدتُ ولم أُجب. وفي صمت، وعدتُ نفسي أنّي، ما إن أُعطي السريع الذهبيّات العشر، سأقول له: ‹انتهى الأمر، ولا واحدةً بعد، هذا المال للذئب الصغير لا لي›. ولم يكن ذلك كذبًا. فتلك الثمانمئة والأربعون سياتو كانت للكفّ الباردة، وهي في الحقيقة للذئب الصغير. لا لي، ولا للسريع. بل للذئب الصغير.
كان بيت كورثر، على نحوٍ ساخر، قريبًا من محكمة العدل. له حديقةٌ صغيرة ونوافذُ بارزةٌ كبيرةٌ تُزيّنها قضبانٌ بيضاءُ أنيقة. وما إن رأيته حتّى دنا ييرّيس من أذني وهمس:
«قابض مسامير آخر، ها؟ لكنّ هذا على الأقلّ يعيش على ظهور مَن في الأعلى، لا مَن في الأسفل»، قيّد كلامه.
هززتُ كتفيّ، فقادني عبر دربٍ صغيرٍ في الخلف، تُحفّه سياجاتٌ عالية. دخلنا الحديقة دون أن يرانا أحد، وهمس لي القطّ الأسود:
«اقرع ذلك الباب هناك. سيفتحون لك. قُل للشيطان إنّي لم أجد شيئًا في المكتب. عليّ أن أذهب من هنا. سرّني أنّي تحدّثتُ معك يا شيور»، قال بصدق، وربّت على كتفي. «حاوِل أن تكبر قليلًا، تبدو كغنوم.»
قلّبتُ عينيّ.
«انظروا مَن يتكلّم.»
ابتسم نصف القزم ابتسامةً عريضة.
«أيو.»
«أيو يا أبي»، عابثته. «سلّم لي على سيّدتك.»
رفع صديقي حاجبيه ساخرًا عدّة مرّاتٍ ثمّ اختفى خلف السياجات. وبعد أن تأكّدتُ أنّ الحديقة محميّةٌ جيّدًا من أعين المارّة، اقتربتُ من الباب. كان البيت أبيض بالكامل وذا طابقٍ واحد.
قرعتُ الباب، وكان أبيض بالطبع، وتطلّعتُ بفضولٍ عبر النافذة المجاورة. من خلال الستائر، كنتُ أرى غرفة جلوسٍ مريحةً يُضيئها نور المساء. كانت الساعة السادسة قد دقّت للتوّ. ولم أكن قد أكلتُ شيئًا بعد!
أخرجتُ عويدي الأسود وقضمتُ طرفه وأنا أُنصت لوقع خطوات. لم أسمع شيئًا، لكنّي سمعتُ الباب يُفتح. ثمّ ظهرت طفلةٌ صغيرةٌ في فستانٍ أبيضَ جميل، ووقفنا هناك لحظة. نظر كلٌّ منّا في عينَي الآخر. كان لنصف الإلفيّة عينان بُنّيّتان جميلتان. وأخيرًا مدّت ابتسامةٌ عابرةٌ شفتيّ، فأخرجتُ العويد من فمي وقلت:
«أيو يا زينيرا. أبحث عن أبيك.»
كشّرت الفتاة تكشيرةً اعتذاريّة.
«ليس هنا. أعرفك، صحيح؟»
«طبعًا»، أكّدت. «تقابلنا يومًا وأنتِ تُسمّعين درس الجغرافيا.»
ثمّ بدا أنّ زينيرا تذكّرت. ابتسمت.
«صحيح. أنت تعمل لحساب أبي. قلتَ إنّك أنت أيضًا لا تعرف الكثير عن الجغرافيا.»
«آه… أجل»، سعلتُ واستفسرت: «هل نلتِ علامةً جيّدة؟»
أومأت زينيرا.
«ثاني أفضل علامة، بعد علامة صديقتي المُقرّبة.»
وقفنا هناك ينظر كلٌّ منّا إلى الآخر. ثمّ سألت بفضول:
«ما هذا؟»
أشارت إلى عويدي الأسود. شهقتُ غير مُصدّق.
«لا تعرفين ما هو؟»
هزّت زينيرا رأسها نافيةً، ولسببٍ ما، كذبت:
«إنّه عِرق السوس.»
«عِرق السوس!» صاحت. «أُحبّ عِرق السوس. لكن… هذا لا يبدو كالعويدات المعتادة»، لاحظت. «أيمكنني أن أذوقه؟»
كشّرتُ ووضعتُ العويد في فمي، مُتمتمًا:
«الأمّ الصالحة، لا. حلقي يؤلمني. والمرض ينتقل إلى الآخرين إن تناقلتم العويدات.»
«كاذب»، ردّت زينيرا.
وإذ بدت أقلّ ودًّا، أسرعتُ أعترف:
«حسنًا. الجولة الميتة. لكنّ الأمر أنّه ليس عِرق سوسٍ حقًّا. سمّيتُه كذلك لأُسمّيه بشيء. لكنّ هذا جذر الروداريا.» ومن تعبير وجهها فهمتُ أنّها لا تعرف ما هو جذر الروداريا. فشرحت: «أشياء الغواكات. مثل عشبة السموغ، لكن أفضل قليلًا. اسمعي، أتعرفين متى يعود أبوك؟» تابعت.
تقلّصت شفتا زينيرا في استياء. وفي تلك اللحظة بالضبط، سُمع صوت مفتاحٍ في القفل، فاستدارت نصف الإلفيّة بحدّة.
«هذا أبي!» همست.
وبدلًا من أن تدَعني أدخل، صفعت الباب في وجهي. حُرتُ بعض الحَيرة. سمعتُ أصواتًا في الداخل. أتُرى عند كورثر ضيوف؟ اللعنة. لم يكن ذلك في مصلحتي. وكابحًا رغبتي في القرع مرّةً أخرى، استدرتُ و… أطلقتُ أنّةَ رعب.
أمامي، سادًّا عليّ مخرجي عبر الحديقة الصغيرة، كان كلب الجحيم الضبابيّ واقفًا على قوائمه الأربع. نظر إليّ داكيس، وأمال رأسه إلى جانب… ثمّ انقضّ عليّ.
* شيور: لفظُ خطابٍ ودّيّ، يقارب معنى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion