Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 66
«على العشب يا سكالوفتارد، وإلّا سقطتَ على رأسك!» صاح الغطّاس بمانراس.
أخذ الإلف المظلم الصغير مسافةً للجري، ثم نطّ، واستند إلى الحائط بحذائه، وقلَب شقلبةً، وحطّ ورُكبتاه منثنيتان… ففقد توازنه وانبطح في الوحل.
ضحكتُ بصوتٍ عالٍ، لكنّي هنّأته:
«أحسنت! بدأتَ تُتقنها يا شيور*!»
ثم جريتُ، لكنّي لم أتكبّد المرور على العشب. نطّتُ كالقطّ، وتعلّقتُ بالعارضة المهجورة، وشددتُ نفسي إلى الأعلى، وجلستُ على الحائط المتصدّع المُطلّ على صخور النهر الخجول الشديدة الانحدار.
من هناك يُرى منحدر القطط كلّه، وبيوت الحيّ الأسود، وفوضى المتاهة البديعة. ومع أنّنا كنّا لا نزال في يوم الشباب الثاني من قمر الظلمة، كان يومًا جميلًا: السماء زرقاء، ونسيمٌ دافئٌ يهبّ من الجنوب، وكاد المرء يحسب الربيع قد حلّ.
قفز الغطّاس بدوره، ومع أنّ قفزته لم تكن بأناقة قفزتي، فقد وصل إلى أعلى الحائط وجلس ينظر إلى رفاقنا بابتسامةٍ صغيرة.
«هيّا، اخلع قبّعتك واقفز يا قِسّ!» قال.
ومُتسلّيًا، رأيتُ روغان في الأسفل يصنع إشارة رفضٍ ويردّ:
«إلى اللقاء يا أصحاب، سأذهب لأخدم الشفيع!»
«الشفيع؟» كرّر الغطّاس في حَيرة، مُلتفتًا إليّ.
«يذهب ليُصلّي في الجادّة»، شرحتُ. «يقول إنّه إن لم يفعلها كلّ يوم فقد مهارته. هو قِسٌّ في قلبه.»
نفخنا ضاحكين وروغان يهرول مبتعدًا. وواصلنا تشجيع رفاقنا. وكما هي مسؤوليّته دائمًا، جلس ديل على الصخور مع بوسّو والفأر الصغير والذئب الصغير. أمّا الآخرون فاجتهدوا ليلحقوا بنا، ومانراس، بوصفه تابعي المُخلص، اجتهد أكثر من أيّ أحد. وأُثيبَ على جهده: وصل أخيرًا إلى العارضة، فساعدتُه ليجلس على الحائط مُفرِّجًا ساقيه على جانبيه. كنّا قد صرنا عددًا لا بأس به فوق الحائط حين سمعتُ جرسًا يرنّ.
«يا للهول!» صرختُ. «الثالثة والنصف. عليّ الانطلاق.»
«إلى أين؟» سأل الإلف المظلم الصغير.
«إلى المدرسة، لأرى فتاة»، قلتُ، وابتسمتُ لتعبيرات وجوه رفاقي المختلفة. «آه، اهدأوا، أنا أعرفها بالكاد. سأُملي عليها رسالةً لأخي، الذبابة. عليّ أن أقول له شيئًا، تعلمون، لكنّ الأمر أفضل كتابةً.»
هذا فهموه تمامًا. فأن يكون لك أخٌ ذبابة ليس أمرًا هيّنًا. تهيّأتُ وقفزت. حططتُ متدحرجًا على العشب، ونهضتُ واقفًا في لحظة، و… حين رأيتُ مانراس يتبعني ويسقط على رأسه، تجمّدتُ. ثم هرعتُ إليه.
«مانراس، مانراس!» صرخنا جميعًا.
لم يتحرّك في الحال، ولوهلةٍ خشينا الأسوأ. ثم جلس الإلف الصغير يفرك رأسه. وما إن رأيتُه حيًّا معافى، صفعتُه.
«أنت إسطرباغ كامل!» زمجرتُ. «أنا أقدر على ذلك، أمّا أنت فلا!»
كان مانراس قد نجح في ألّا يصرخ من الألم، لكنّ عينيه امتلأتا بالدمع عند تأنيبي. وأجفل حين رآني أُقدّم يدي مرّةً أخرى، لكنّي هذه المرّة لم أضربه، بل وضعتُ يدي قريبًا من يده، على رأسه، وركّزت. كان قد كسر شيئًا. إسطرباغ ألف مرّة. أجلستُه هناك، وقلتُ «لا تتحرّك» بلهجةٍ جافّة، وحقنتُه بالمورجاس لأُسرّع التعافي، لا في العظام وحدها بل في البقيّة أيضًا. ولمّا انتهيت، قلت:
«سيطلع لك نتوءٌ من الكِبَر بحيث تتذكّره زمنًا طويلًا يا شيور. في المرّة القادمة، حاول أن تُفكّر قليلًا قبل أن تتصرّف.»
كم مرّةً قال لي معلّمي الناكروس الشيء نفسه في الوادي! لكنّ هذا، بالطبع، لم أقله لمانراس. فركتُ عينيّ. هذا النوع من التعاويذ كان مُضنيًا.
«هل استعملتَ السحر؟» سأل صوتٌ فجأةً.
رفعتُ رأسي فلاحظتُ أنّ رفاقي قد شكّلوا حلقةً وهم ينظرون إليّ بفضول. لم أكن متأكّدًا مَن طرح السؤال.
«هل أنت ساحرٌ حقًّا؟» سأل بوسّو الصغير.
هززتُ كتفيّ في حرجٍ خفيف، ونهضت.
«قليلًا. أعرف بعض الأمور، لكنّي لا أُقيم الموتى»، أكّدتُ وأنا أفرك رقبتي. وأضفت: «ديل، هل تأخذه إلى المأوى؟ حسنًا، طيّب. ليبقَ في مكانه ويأخذ بعض الرادراسيا»، قلتُ بنبرة مُعالجٍ خبير. «حسنًا، عليّ أن أذهب يا رفاق. أيو. أيو يا إسطرباغ»، حيّيتُ مانراس، وربّتُ عليه ربتةً خفيفة. أجابني الإلف الصغير بتكشيرةٍ نادمة.
التقطتُ قبّعتي الضائعة بين القبّعات الأخرى، ولبستُها ومضيت. ولم أكن قد بلغتُ قمّة التلّة حتى سمعتُ أحدًا ينادي: «الذئب الصغير!». توقّفتُ فرأيتُ الغطّاس يجري نحوي. كان أكثر بهجةً بكثيرٍ من اليوم السابق. فمنذ أن دفع للّصوص الذهبيّات العشر هدأ، وأطعمناه الرادراسيا بقيّة اليوم، ثم أعطيناه عيدان الروداريا، ووعد الغطّاس، كسائر السوكواتيين في الزمرة، بأن يكفّ عن تناول الكاروجا مرّةً وإلى الأبد. إلّا أنّ أحدًا منّا لم يُصدّقه حقًّا.
وعلى مبعدةٍ كبيرةٍ أمام الغطّاس، جاء الذئب الصغير. نظرتُ إلى الصغير مندهشًا وهو يجري نحوي على ساقيه القصيرتين.
«إلى أين أنت ذاهب يا ذئب صغير!» ضحكتُ.
سقط الذئب الصغير، ونهض مُغطّى بالوحل، ووصل إليّ أخيرًا في اللحظة نفسها التي التحق فيها الغطّاس بنا.
«تُريدني أن أرعاه؟» عرض. «بما أنّك ذاهبٌ لرؤية تلك الفتاة…»
ابتسمتُ وكدتُ أوافق، لكن خطرت لي فكرةٌ أخرى.
«لنذهب معًا! مسألة الرسالة لن تطول. وهكذا أُعرّفك بها. ثم أدعوك إلى الحمّامات الذهبية. إنّها في ريسكيل. هل ذهبتَ إليها يومًا؟ لا، حسنًا، ولا أنا. قال ابن عمّي إنّه ذهب مرّةً وكانت جيّدةً بجنون. وفوق ذلك، قالت تاكا إنّه عليّ أن أغتسل بانتظام. ما تقول يا رفيق، هه، ما تقول؟ أنا أدعوك»، قلتُ وأنا أنطّ صعودًا وهبوطًا.
تردّد الغطّاس، ثم ابتسم ابتسامةً عريضة.
«تمشي.»
«حسنًا، فلننطلق إذًا!» صرختُ مُبتهجًا.
انطلقنا، والذئب الصغير يتبعنا. كانت قدمي المجروحة قد شُفيت تمامًا تقريبًا ولم تعد تؤلمني. سأل الغطّاس:
«هل هي جميلة؟ الفتاة، أعني.»
ضحكتُ.
«طبيعيّ، هي كذلك!»
كشّر لي الغطّاس تكشيرةً ساخرة.
«وقلتَ لها؟»
فتحتُ عينيّ على وسعهما في حَيرة.
«بف… لا، لم أقل. لا يقول المرء أشياءَ كهذه بصوتٍ عالٍ.»
فجأةً ضحك الغطّاس بصوتٍ عالٍ، فنظرتُ إليه مُستغربًا وفركتُ خدّي. وصفعني وهو لا يزال يضحك، وصرخ:
«لا يقول المرء أشياءَ كهذه بصوتٍ عالٍ، يقول! بلى، بالطبع يمكنك أن تقولها يا إسطرباغ. كيف تتوقّع أن تعرف الفتاة أنّك تراها جميلةً إن لم تقل لها؟ تدقّ رؤوسنا بأغانيك كلّ يوم ولا تعرف هذا؟»
بقيتُ مُفكّرًا، وأعطيتُ يدي للذئب الصغير، وبعد صمتٍ سألت:
«هل لك سيّدة؟»
نفخ الغطّاس مُتسلّيًا.
«ليس لي. لكنّي أعرف في هذه الأمور. هؤلاء الذين أعمل معهم… أو كنتُ أعمل معهم»، صحّح مُكشّرًا، «كانوا لا يكفّون عن الحديث عن النساء. فأنا أعرف كثيرًا في ذلك.»
وإذ نظرتُ إليه بفضول، بدأ يشرح لي أمورًا عن المواعدة والابتسامات و«الفروسيّة» والزهور. ولمّا وصلنا إلى الدَّرَج الكبير الصاعد إلى حديقة الحجارة وأتويرثو، كان يشرح أمورًا عن وقفاتٍ رجوليّةٍ تجعل النساء يتنهّدن. أمّا أنا، فبدلًا من أن تجعلني أتنهّد، أضحكتني من عدم التصديق.
وإذ دخلنا أتويرثو، مررنا تحت أعين ذبابتين مُترصّدتين. سِرنا نحو المعبد الملاصق لمدرسة الدردار، غير البعيد في الحقيقة عن بيت فراشلوك، ومجرّد التفكير في ذلك كان يجعلني متوتّرًا. كان لهذا المعبد ساعةٌ تكاد تكبر ساعة المعبد الكبير. كانت تشير إلى الرابعة والربع. ستخرج زينيرا بعد قليل، فقرّرنا أن ننتظر في آخر الشارع حيث البوّابة الرئيسة للمدرسة. كنّا كلانا نعلك عيداننا السوداء بلذّة، مُستندَين إلى بوّابة المعبد، حين رنّت الأجراس عند الرابعة والنصف. فرفعتُ رأسي، وخزّنتُ عودي، ومددتُ عنقي نحو البوّابة، غير صابر.
ما هي إلّا لحظاتٌ حتى ظهر أوّل الطلبة. كانوا يخرجون راكضين صائحين، أحرارًا أخيرًا. وصلت زينيرا أسرع مما توقّعت، ورأتني أسرع مما حسبتُ أنّها ستراني. أشارت إليّ وجذبت رفيقًا لها من ذراعه قبل أن تمشي نحوي، وحقيبتها على ظهرها، ترتدي فستانًا أزرق جميلًا. ابتسمتُ. لم تكن قد نسِيت موعدنا.
«هل هي تلك؟» سأل الغطّاس.
أومأت. وكنتُ على وشك التقدّم حين تعرّفتُ فجأةً على رفيق زينيرا، فأطلقتُ نفسًا مُحتضِرًا. فهذا إذًا هو «أفضل صديق» الذي تفوّق عليها في الجغرافيا…
«آه، لا، أيّتها الأمّ الصالحة…» تشكّيت. وأدرتُ ظهري لقابضَي المسامير. «الأمّ الصالحة، الأمّ الصالحة، الأمّ الصالحة، يا غطّاس!»
«ما الذي يحدث؟» لهث هذا مذعورًا.
«ما الذي يحدث! الذي يحدث هو أنّ القادم معها هو حفيد فراشلوك»، أفلتتُها من بين أسناني.
كشّر الغطّاس تكشيرةً مذهولة. وبرقت عيناه.
«هل بينك وبينه عداء؟»
هززتُ كتفيّ، وفكّرت، وقلتُ لنفسي: في الحقيقة، لا. كان فراشلوك قد طلب منّي ألّا أُكلّم حفيده وإلّا كان الموت، لكنّ ذلك كان قبل سرقة السولانس…
«مرحبًا؟» جاء صوتٌ من خلفي، تعلوه الدهشة. «جئتَ من أجل الرسالة، صحيح؟»
أخذتُ نفسًا عميقًا واستدرت. كانت زينيرا تبدو كأنّها تفكّر: «هذا الفتى، يا له من غريب». أمّا لوين فنظر إليّ بابتسامةٍ عريضة. وصرخ:
«درائن! حسبتُ أنّنا لن نلتقي أبدًا مرّةً أخرى. رأيتُك في الكابيتول يومًا. لم أستطع أن آتي لأُسلّم عليك لأنّي كنتُ مع أمّي، لكن… حسنًا، يسرّني أن أراك من جديد.»
ظلّ قابض المسامير الصغير يكشف لي عن أسنانٍ مبتسمة. تنهّدتُ لأُهدّئ نفسي.
«أيو يا لوين. أيو يا زينيرا. آه… إن لم يكن لديكما مانع، فلنُنجز الأمر بسرعة.»
رفعت زينيرا حاجبًا وأومأت. وأشارت إلى درجات المعبد.
«لنجلس هناك. سنكون أكثر راحة.»
«تمشي»، وافقت.
ولسببٍ ما، رفعتُ وشاحي وغطّيتُ وجهي. وقبل أن أتمكّن من الانصراف، أمسكني الغطّاس وهمس في أذني:
«قُل لها، لنرَ أيّ وجهٍ ستصنع.»
رمشتُ. أقول لها… أقول لها ماذا؟ آه، أدركتُ حينها. وشعرتُ بوجهي يتوهّج، فلم أُجب وتبعتُ زينيرا ولوين إلى الدرجات. كانت نصف الإلفيّة قد بدأت تُخرج ورقة.
«مَن صاحبك؟» سألت.
تقدّم الغطّاس مُعرّفًا بنفسه بحماسة:
«أنا نات!»
كان من الشوق بحيث بدا أنّه سيُضيف شيئًا، لكنّه صمت. ابتسمت له زينيرا، ووقعت عيناها البنّيّتان على الذئب الصغير المتعلّق ببنطالي.
«وهذا؟»
«الذئب الصغير»، عرّفتُه، وأنا أُشعّث شعره الأشقر. «جرو الذئب في الزمرة.»
«إنّه محبوب»، ابتسمت زينيرا. وأخرجت المحبرة والريشة، ونظرت إليّ نظرةً مُستفهمة. «ماذا أكتب؟»
عضضتُ شفتي. كنتُ قد فكّرتُ في الأمر، لكن… بحضور لوين والغطّاس بدأ يعتريني بعض التوتّر. ومع ذلك لم أجرؤ على أن أطلب منهما أن يغربا عن وجهي.
«حسنًا»، قلتُ أخيرًا. «اكتبي: أيو يا أخي الكبير. شكرًا على الدواء. الآن، الريح في أشرعتي و… قولي إنّي آسف.»
كتمت زينيرا نصف ابتسامةٍ وهي تكتب. ثم قطّبت ورفعت بصرها.
«إنّك آسف؟»
«نعم. قولي إنّي آسفٌ جدًّا. هذا، وأضيفي كلمة جدًّا. إنّها مهمّة.»
أومأت زينيرا، وكتبت، وأوقفت ريشتها مُعلّقة.
«وهذا كلّ شيء؟»
«نعم»، أكّدتُ في توتّر. لا، لم يكن ذلك كلّ شيء، كنتُ أُحبّ أن أقول أكثر بكثير، لكنّي أردتُ أن أُنهي الأمر سريعًا.
بدت زينيرا خائبة.
«حسنًا، بماذا أُوقّع؟»
«آه.» قطّبتُ وقلتُ أخيرًا: «أشيغ. وقّعي: أشيغ.» وأضفتُ بلا تكلّف: «ويمكنك أن تُضيفي أيضًا: كتبتها شيورين* جميلة.»
فتحت زينيرا عينيها على وسعهما، ونظرتُ إليها كأنّي أقول: «ما الأمر؟ هل قلتُ شيئًا غريبًا؟» لكنّي في قرارة نفسي لم أعرف أين أضع نفسي. أمّا الغطّاس، ذاك الإسطرباغ، فقهقه قليلًا… ثم جاءت ضجّة أصواتٍ لتنجدني.
التفتنا أربعتنا بفضول، فرأيتُ جماعةً من الطلبة يخرجون من بوّابة المدرسة يجرّون طالبًا معهم، يدفعونه ويهزّونه. وقبل أن يدفعوه إلى زقاقٍ مسدودٍ قريبٍ من المعبد، أتيح لي أن أرى وجهًا مألوفًا جدًّا. وجه سامفين. أخي ذو الثلاثة عشر عامًا الذي يدرس في هذه المدرسة عينها. والأسوأ أنّ سامفين كان هو نفسه مَن يتنمّر عليه الآخرون.
«رعودٌ وصواعق!» تمتمت.
لم أُصدّق عينيّ. هرعتُ إلى هناك لأتحقّق، وتلوّيتُ بين الطلبة الصاخبين. كانت الإهانات تتنزّل كالمطر: قزم، نُحاسيّ، أبله، فاشل، مسكين! وكان بعضهم يسرد سلسلة السباب كلازمةٍ، كأنّهم اعتادوا فعلها. أمّا سامفين، وكان هو بالفعل، فكان يتحمّل الوابل ووجهه لا يُقرأ. لم يفعل شيئًا على الإطلاق. مزّق المنظر قلبي، وأثار سخطي، و… أغضبني غضبًا شديدًا شديدًا.
لم يطُل الهجوم الكلاميّ، لكنّه طال بما يكفي ليمنحني وقتًا أنقضّ فيه على مَن بدا أكثرهم إساءةً وأحقرهم: إلفٌ مظلمٌ يرتدي زيّ قابض مساميرَ كامل. أثار تدخّلي على الفور صيحات الذهول.
لكمتُ الإلف المظلم في وجهه، وتركتُه ينزف من أنفه، وحططتُ إلى جانب أخي، وسحبتُ سكّيني، وزمجرت:
«تجرؤون على إهانة أخي مرّةً أخرى فأشرّح أفواهكم القذرة بالسكاكين، أيّها الدِمورجِد!»
كان الطلبة قد فرّوا وهم يصرخون في خوف:
«معه سكّين! معه سكّين!»
ولم يتأخّر الإلف المظلم النازف في اللحاق بهم حين رآني أرقبه: نهض وأطلق ساقيه للريح مُتعثّرًا. وفي ثوانٍ خلا الزقاق المسدود من الطلبة. أطلقتُ نفخةً مُحتقِرة.
«جبناء.»
التفتُ إلى أخي. كان يُحدّق فيّ وفمه مفتوح. تنحنحتُ، وأنزلتُ وشاحي لأكشف وجهي، ومنحتُه نصف ابتسامة.
«أيو. كان عليك أن تقول لي إنّهم يُضايقونك. مع القطط الأمر مختلف، أمّا مع هؤلاء فتسحب شفرتك فيفرّون جميعًا!» ضحكت.
«يا حاذق!» صرخ الغطّاس. دخل رفيقي الزقاق المسدود بأقصى سرعة، والذئب الصغير في ذراعيه. «الذباب قادم. أطلق ساقيك!»
أومأتُ وأعدتُ وشاحي إلى مكانه.
«طيّب. اسمع. اصنع لي خدمةً يا أخي. أعطِ هذه الذهبيّة لنصف الإلفيّة التي هناك، وخذ الرسالة التي كتبتها لي وسلّمها إلى كاكزايل. تلك دَينٌ لي عليك. أيو!»
وانطلقتُ راكضًا دون أن أسمع كلمةً واحدةً من فم سامفين. لعلّه كان مصدومًا قليلًا. وكنتُ كذلك، لكن لأسبابٍ أخرى. في الحقيقة، فكّرت، كان أسهل أن أطلب خدمة الرسالة من سامفين لا من زينيرا، طبيعيّ، لكن لكلّ شيءٍ سبب، وسامفين… حسنًا، سامفين لم يكن زينيرا. لم يكن شيورين جميلة.
كنّا قد وصلنا إلى شارعٍ مزدحمٍ في تارميل حين انفجرتُ ضاحكًا وأنزلتُ وشاحي.
«شيورين جميلة!» نطقتُها بفخر. «هيه يا رفيق، أبليتُ حسنًا، هه؟»
قلّب الغطّاس عينيه وأنزل الذئب الصغير، نافخًا.
«ليس سيّئًا»، اعترف. ثم أجال بصره حوله وأضاف: «لكنّ البقيّة… كانت مُجازفة. القطط قطط، وأتويرثو أتويرثو. أنا واثقٌ أنّ الذباب ما زال يبحث عنّا. الأفضل أن نتفرّق.»
تنهّدت.
«أجل، لكن ماذا عن الحمّامات؟»
هزّ الغطّاس رأسه غير مُصدّق.
«أفِق يا شيور. وبالمناسبة، ألم تقل إنّ ذلك المال للذئب الصغير؟ لا تُبدّده في عادات قابضي المسامير. إلى اللقاء»، قال.
بقيتُ واقفًا عند قاعدة عمود مصباح، مُستغربًا، ونات يتلاشى في الزحام. يا للهول، هل كنتُ أحلم أم أنّه نعتني توًّا بقابض مسامير على نحوٍ غير مباشر؟ مممف. تلفّتُ باحثًا عن الذئب الصغير، فرأيتُه يحتضن عمود المصباح، يلفّ حوله ويلعقه كأنّه عظمٌ هائل، فجذبتُه من قفا رقبته.
«لنمضِ.»
استدللتُ على الطريق، وعبرتُ الشارع، ونزلتُ فيه، وفجأةً رأيتُ سامفين يمدّ عنقه ويتلفّت كأنّه يبحث عن شيء. رفعتُ حاجبًا، وبعد أن تأكّدتُ من ألّا ذبابةَ في الأفق، اقتربتُ جارًّا الذئب الصغير.
«هل تبحث عنّي يا أخي؟» سألت.
استدار سامفين فجأةً وأفرغ كلّ الهواء من رئتيه.
«أشيغ! كيف فعلتَ شيئًا كهذا؟»
رمشت.
«آه… عن أيّ شيءٍ تتحدّث؟»
قلّب سامفين عينيه، وبدلًا من أن يُجيب سأل:
«أيمكننا أن نتكلّم؟ أعني… دون أن تنطلق راكضًا بعد ثانيتين.»
نفختُ حين سمعتُ ذلك، لكنّ فكرة الحديث مع سامفين حمّستني. فقد استلطفتُه من أوّل لحظة. فوافقت:
«تمشي. لنتكلّم. عن أيّ شيءٍ تريد أن تتكلّم؟ انتظر، دعني أدعوك إلى شراب، ونجلس كالسادة. ما رأيك؟»
نظر إليّ سامفين نظرةً فضوليّة، لكنّه أومأ.
«حسنًا. لكن ليس في القطط.»
ضحكت.
«قطعًا لا. سنذهب إلى حيث تشاء.»
ثم تردّد سامفين وأشار إلى جهة.
«من هنا.»
وإذ انطلقنا، أدركتُ أنّ سامفين لا يدري إلى أين يذهب. وأخيرًا اختار حانةً عشواءً وقال لي:
«لم أدخل هنا قبل اليوم.»
«إذًا هذا سببٌ إضافيٌّ للدخول»، ابتسمت.
ودخلنا. كان الداخل هادئًا نوعًا ما، فلم يكن وقت العابثين قد حان بعد. اقتربنا من المِنضدة، فزعقتُ:
«كأسَي رادراسيا سماويّة، يا سيّد صاحب الحانة!»
أخطأتُ خطأً فادحًا على هواي: كانت امرأة. نظرت إليّ بوجهٍ صقريّ وردّت:
«اخرجا يا أوباش!»
حاول سامفين أن يُصلح الأمر، لكنّه كان مستحيلًا. وبعد ثوانٍ كنّا في الخارج. كشّرتُ لأخي تكشيرةً لا تفهم شيئًا.
«كان لها شاربٌ وكلّ شيء، كيف كان لي أن أُخمّن!»
لم يستطع سامفين إلّا أن يضحك من قلبه. وأخيرًا دخلنا حانةً أخرى قريبةً من جادّة تارميل، فقال أخي:
«هذه المرّة دعني أطلب أنا.»
نظرتُ إليه كأنّي أقول: «نعم، نعم، أتركها لك». أعطيتُه قطعتَي عشرة مسامير، وتصنّعتُ الغباء كالذئب الصغير، وذهبتُ لأجلس إلى طاولة. وصل أخي بعد قليلٍ بكأسين. تفحّصتُ كأسي بفضول. كان لونه برتقاليًّا.
«ما هذا؟» سألتُ وأخي يُعيد إليّ المسامير الثمانية التي بقيت معه.
«آه… عصير برتقال»، أجاب سامفين. «ألا يعجبك؟»
ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً وأومأت.
«طبيعيّ يعجبني. هاك يا ذئب صغير، ذُقه. لا تُفزَع، ليس جزرًا. رعودٌ! لك ثأرٌ مع كلّ ما هو برتقاليّ يا غواك. هيّا، ألعقِ الشراب.»
جعلتُه يأخذ رشفة، ثم لمّا رأيتُه لا يتمنّع، شربتُ الباقي. أحسنتُ به إلى نفسي أيّما إحسان. قلت:
«حسنًا، ماذا إذًا؟ هل يُضايقك هؤلاء الإسطرباغات كثيرًا؟»
لم يكن سامفين قد لمس كأسه بعد. اكفهرّ وجهه عند السؤال.
«لا تشغل بالك. بَه. إنّها الدردار»، شرح تحت نظري المُتفحّص. «في مدرسة الممرّ كان كلّ شيءٍ على ما يُرام. لا أدري لماذا رسخ في رأس أمّي أنّ عليّ أن أدرس وأصير مهندسًا معماريًّا.»
صفّرتُ مُعجبًا.
«مهندس معماريّ!» توقّفتُ. «وما ذاك؟»
ابتسم سامفين.
«حسنًا… المهندس المعماريّ يرسم المخطّطات ويُجري الحسابات ويضع التصاميم وأشياءَ من هذا القبيل، ثم يبني العمّال المبانيَ التي يقولها.»
«تبًّا للجحيم. وأنت لا تريد؟» سألت.
أخذ سامفين رشفةً وهزّ رأسه.
«حتى لو أردت، لا أستطيع. درجاتي مُزرية. ما أريده حقًّا هو أن أصير فسيفسائيًّا. أي خزّافًا.»
كان يبتسم، كأنّه وجد في مُشاطرتي حلمه شيئًا مُضحكًا. نظرتُ إليه بفضول.
«وماذا يفعل الخزّاف؟»
«آه… حسنًا، يصنع الأطباق والمزهريّات والبلاط، أشياءَ جميلةً ونافعة.» أشار أخي إشارةً مُبهمة. «أترى الفسيفساء التي في المعرض الكبير؟ ذاك هو نوع الأشياء التي أريد صناعتها.»
ابتسمتُ، مُتخيّلًا سامفين يزخرف إستِرغات كلّها بحجارةٍ ملوّنة.
«وهل تصنع أشياءَ كهذه في حيّ القطط أيضًا؟» سألتُ متحمّسًا. «ستكون رائعةً في حيّي. بعض الناس يرسمون صورًا لتلوينه، لكنّ آخرين يأتون دائمًا فيُخرّبونها. قبل أيّام، صديقٌ لي، بل في الحقيقة الذي رأيتَه قبل قليل، الغطّاس، تعرفه، رسم حزمةً كاملةً من القطط على حائطٍ في ساحة الأرواح، وأنا أضفتُ «الذبابُ خارجًا»، تعرف، بسبب كلّ ما يجري هناك في هذه الأيّام. أعرف تلك اللافتات عن ظهر قلبٍ من كثرة رسمها. أرسمها بيدي اليسرى لأنّ يدي اليمنى ما زالت تتشنّج، لكن ليس كما قبل؛ قبلًا كان الأمر وحشيًّا. حسنًا، كما كنتُ أقول، بشأن الرسم على الحائط، في اليوم التالي جاءت ذبابةٌ ومحته كلّه بمادّةٍ شيطانيّة. بعد كلّ العناء الذي تكبّده الغطّاس في رسمه! كان جميلًا حقًّا! وذاك الإسطرباغ، في دقائق، بَفْ، أيو إلى الأبد يا قطط. حسنًا، لكن إن كانت فُسَي… فُسَيفِساءَ صنعها خزّاف، فلن يجرؤوا على إزالتها، أليس كذلك؟ وأقلّ من ذلك إن استعملتَ ذاك الحجر الأزرق المشهور من الوادي الذي استعملوه في القصر. سيكون ذلك في غاية الأناقة. وهكذا، ربّما لن يهدموا البيوت أصلًا!»
ضحكتُ، ومددتُ يدي، وأخذتُ كأس أخي، ورشفتُ منه، وأعدتُه إليه، مُضيفًا:
«ألا ترى ذلك، هه؟»
لم يفعل سامفين إلّا أن هزّ رأسه، نصفُه تسلٍّ ونصفُه دهشة.
«حسنًا… لا أدري. قل، أيمكنني أن أسألك سؤالًا؟»
أثارت نبرته الجدّيّة اهتمامي، فهدأت.
«طبيعيّ»، قلت.
تردّد سامفين وبدا أنّه يُفكّر قبل أن يقول:
«ذلك اليوم، أولئك الذين أمسكوا بي وبهيشيوا… في البيت الخَرِب… هل كانوا أصحابك؟ أعني… مات أناسٌ، تعلم؟ هل ما زلتَ مع تلك العصابة؟»
أومأت.
«طبيعيّ! هم رفاقي، أصحابي حتى العظم»، أكّدتُ وأنا أضرب صدري. «غواكات شرفاء. السريع لا يُدخل إلّا الغواكات الشرفاء.»
رفع سامفين حاجبًا مرتجفًا.
«آه… أيعني ذلك أنّكم لستم مُجرمين؟»
ضحكتُ في سرّي.
«يعني أنّنا قططٌ نصون كلمتنا! الكاب يقول إنّ هذا مهمّ. وإنّه ما يُفرّقنا عن المتبجّح، مثلًا. ذاك الفتى إسطرباغ، إسطرباغ من الطبقة الأولى حقًّا. ومن المؤسف أنّ أصغرَ رفيقَيه ماتا وأنّه لم يكن هو مَن صُفّي… تلك الليلة، تعرف، كنتَ هناك مع هيشيوا. بل سمعتُ أنّ أحدهما صفّاه المتبجّح لأنّه حاول الهرب بدلًا من أن يُقاتل معنا، ذاك الشيطان اللعين. والآن حذّرنا أنّه إن أمسكنا في نطاقه فلن يسأل أسئلة: سيسحب سكّينه ويُدمينا. لكنّنا لا نخاف. أمّا هو، فلا يجرؤ على دخول المتاهة»، قلتُ منتصرًا وأنا أدقّ الطاولة.
رأيتُ سامفين يبلع لُعابه. كان يُجيل بصره في الحانة في توتّر، كأنّه يخشى أن يسمعني أحد. وما الضرر إن سمعوني؟ الكلام غير محرّم، وفوق ذلك لم يكن ثمّة ذباب. ولو كان، لهربتُ وانتهى الأمر.
«حسنًا…» همس أخي أخيرًا. «وأنا… حسنًا. كنتُ أتساءل… لا يهمّ. أمّي تقول إنّك… لِص.» نطق الكلمة بصوتٍ خفيضٍ إلى حدّ أنّي لم أستطع إلّا أن أُخمّنها من شفتيه. وتنحنح. «هل هذا صحيح؟»
لم أدرِ ماذا أقول. هززتُ كتفيّ، كأنّي أقول: وإن كنتُ كذلك؟ كان يمكنني أيضًا أن أقول له إنّي في الآونة الأخيرة لم أعد بحاجةٍ إلى السرقة، لكنّ ذلك كان سيكون إقرارًا لا بأنّي أسرق فحسب، بل بأنّي لم أقنع بالسرقات الصغيرة.
«بَه»، قلتُ أخيرًا. «كيف حال الأسرة؟ كيف حال المعلّم؟ والزجّاج، سكريندوار؟ هل تعافى جيّدًا؟»
عضّ سامفين شفتيه عند التحوّل المفاجئ في الموضوع. ودون أن يفقد تعبيره الجدّيّ، أكّد:
«هو بخير. في النهاية لم يكن الأمر جللًا. الجميع بخير.»
أنهى العصير ونهض، وأخذ حقيبته المدرسيّة.
«عليّ أن أذهب. من الساعة السادسة يجب أن أُساعد في الدكّان. سأُعطي الرسالة لكاكزايل. إن أردتَ أن أقول له شيئًا آخر…»
هززتُ رأسي. تردّد سامفين.
«بالمناسبة يا أشيغ. شكرًا على ما فعلتَ قبل قليل، على محاولتك الدفاع عنّي. عادةً يجب أن يكون الأمر بالعكس»، ابتسم، ثم التوت ابتسامته إلى تكشيرةٍ قاتمة. «أريدك أن تفهم. سحب السكّين ليس صوابًا. لا ينبغي أن تفعله. هو يصلح للمتنمّرين. أعرف أنّك أردتَ الخير، لكن… الآن سينظرون إليّ جميعًا نظرةً أغربَ. الأمور لا تُحلّ هكذا.»
نظرتُ إليه نظرةً لا تفهم.
«وكيف يُفترض أن تُحلّ إذًا؟ بالسكوت؟ ذاك حين لا تستطيع فعل شيءٍ آخر. أمّا في وجه الجبناء، فأفضل شيءٍ أن تُخيفهم»، أكّدت. «سياتو على أنّهم لن يُضايقوك بعد اليوم، تُقامِر؟»
قلّب سامفين عينيه.
«لا أملك قطعة خمسة مسامير، فأنا بعيدٌ جدًّا عن أن أُقامر بسياتو»، ردّ.
«حسنًا»، تأمّلت، «حسنًا، إن فزتُ، تأتي معي بعد الدرس ساعاتٍ قليلة، إلى حيث أشاء. وإن خسرتُ، أعطيك خمس ذهبيّات.»
اتّسعت عينا سامفين من الذهول، ورأيتُه يهمس: «خمس؟» ومع كلّ ذلك، بدا أنّه على وشك أن يقول لا، لكنّه أجاب بحزم:
«إن خسرتَ، تُلقي السكّين بعيدًا.»
نظرتُ إليه بعينين ضيّقتين، بذلك الوجه الذي كان لو بور يصنعه حين يريد أن يُبهر. ثم ابتسمتُ ونهضتُ مادًّا يدي.
«تمشي.»
تردّد سامفين، وصافحني، وأخبر:
«غدًا أخرج من المدرسة في الخامسة والنصف. حين يُحاصرني مارغ وأصحابه، لن تتدخّل، أليس كذلك؟ انتظر حتى يذهبوا ولا تظهر.»
كشّرتُ لكنّي وافقت:
«لا بأس. لكنّهم لن يُحاصروك.»
«هذا ما سنراه»، نفخ سامفين. «إلى الغد.»
«أيو!» أجبتُ مبتسمًا.
وإذ خرج أخي من الحانة في اتّجاه دكّان الحلّاق، جلستُ، وألقيتُ نظرةً على الذئب الصغير الذي كان يلعب مع المعلّم، وهمستُ:
«على أيّ حال، إن حاصروه فأنا أعرف مسبقًا على مَن سأُلقي سكّيني!»
لمحتُ نظرةً متوجّسةً من إلفٍ جالسٍ قريبًا، فشعرتُ أنّ الوقت قد حان للمغادرة. فخرجنا أنا والذئب الصغير من الحانة، واشتريتُ رغيفًا كبيرًا وجُبنةً وبرتقالة. أعطيتُ البرتقالة للذئب الصغير ليحملها وقلتُ له: «اعتنِ بها جيّدًا يا ذئب صغير، إنّها ليست لك، إنّها لمانراس». وفهمني ذاك الشيطان الصغير فهمًا تامًّا: كان الصبيّ الأشقر أبكمَ وصغيرًا، لكنّه لم يكن أحمق.
كانت الساعة السادسة والنصف حين وصلنا إلى القطط، وكانت السماء قد أظلمت كثيرًا. وغارقًا في أفكاري، استعرضتُ ما جرى بعد ظهر ذلك اليوم. زينيرا، لوين، مقامرتي مع سامفين، عصير البرتقال… وتساءلتُ بشيءٍ من القلق: وإلى أين آخذ سامفين إن فزتُ بالمقامرة؟ ليرى أصحابي؟ لا، كنتُ أعرف مسبقًا أنّ ذلك لن يُرضيه. إلى الحمّامات الذهبية ربّما! لكن، كما قال الغطّاس، تلك مجرّد هوايةٍ لقابضي المسامير. فخطرت لي فكرة. ماذا لو أريتُه القصر؟ بما أنّه يُحبّ الحجارة الجميلة، فسيُحبّ القصر!
وهكذا كنتُ أُخطّط لأجرّ سامفين إلى أكبر ورطةٍ في حياته حين، فجأةً، وأنا أدور عند ناصيةٍ وأدخل زقاقًا قريبًا من المتاهة، مررتُ بأشخاصٍ بحجم البالغين، مُبرقعين بأغطية الرأس، وبلا سابق إنذار، لكمني أحدهم، وجرّني إلى حائط، إلى زاوية، ودون أن يُبعد سكّينه عن حَلقي، هسّ في وجهي بصوتٍ باردٍ:
«إن صرختَ، فأنت ميت.»
* شيور: عبارة مخاطبةٍ مألوفة، بمعنى «يا صاحبي» أو «يا رجل» تقريبًا.
* شيورين: صيغةٌ ودّيّةٌ مصغّرةٌ من «شيور» تُقال للفتاة، بمعنى «يا صاحبتي الصغيرة» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion