Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 67
لم أصرخ. ولم يعنِ ذلك أنّني كنتُ أرجو كثيرًا أن يدَعوني أحيا. لم أستطع أن أرى وجوههم خلف لثامهم وقلنسواتهم المطويّة، لكنّ شيئًا ما أخبرني أنّ هؤلاء الرجال يعرفونني، وأنّهم يقصدونني أنا بعينه. أتُرى كان الأمهق، الذي رآني أتحدّث إلى لوين فراشلوك فجاء ليُنفّذ تهديده؟ لا، بدا الأمر أشبه بـ… فشهقتُ:
«المتبجّح؟»
أكّد صاحبُ السكّين الذي كان يتوعّدني:
«راوند جدًّا. وأنت، أنت ساحر الخنجر الأسود الملعون الذي أفسد متفجّرَنا.»
لم أُنكر. جرّدوني من سلاحي، وأخذوا خبزي وجبني، وفتّشوا جيوبي. كنتُ أبحث عن الذئب الصغير بحثًا مستميتًا، لكنّهم كانوا قد جرّوني إلى الزقاق، وحجب آسِروني وظلال الليل الرؤية عنّي. حسنًا، كان الأفضل ألّا يلحظ أحدٌ الصغير…
دفعوني أمامهم على درب متعرّجٍ بين جدارٍ أعمى لبيتٍ وواجهةِ الجبل الصخرية. لم نخرج من هناك. في ذلك الأصيل، كنتُ قد استنفدتُ قدرًا لا بأس به من ساق طاقتي في إصلاح رأس مانراس؛ ومع ذلك، راكمتُ الطاقة المَوْتية، وجمعتُها بكلّ ما أملك… لكن، تبًّا للجحيم، ما الفائدة؟ ما كنتُ سأفعل إلّا أن أُثبت أنّني ساحرٌ ملعون، وأصعق واحدًا، وأُنبّه الآخرين، فيقطعون حلقي دون مزيدٍ من الكلام. لأنّني، وإن قلتُ لكورثر إنّني لا أدري إن كنتُ أستطيع القتل بتفريغٍ مَوْتيّ، فحسنًا… في قرارة نفسي كنتُ شبه متأكّدٍ أنّني لا أستطيع. لقد مات واروك من جرعةٍ زائدة، لا بسبب صدمتي.
دفعوني إلى الجدار، وعاد صاحب السكّين، المتبجّح على الأرجح، فأمسك بي على الفور.
«نعرف من أين يأتي السريعُ بثروته الغامضة»، همس ونفَسُه ينفُث في وجهي. «يبدو أنّهم أعطوك مبلغًا لا بأس به. إن أردتَ أن تعيش، فستُخبرنا أين تُخبّئ الغنيمة.»
تراجع خطوةً وضربني بركبته في معدتي. انحنيتُ وأفلتتُ منّي صرخةٌ مكتومة.
«اصمت»، أمر.
صررتُ على أسناني. حسنًا، إذن الأمر كلّه عن المال. عن سلبه من العصابة والانتقام منّا ربّما، لكنّه أيضًا عن المال وحده. المشكلة أنّني إن قلتُ لهم الحقيقة، فقد يُصفّونني بعدها ببساطة. رفعني أحد رفاقه، فتلعثمتُ:
«السريع يحتفظ به. لتأخذوه، عليكم أن…»
تلقّيتُ صفعة. بصقتُ سنًّا. سنًّا لبنيّة، لحسن الحظّ. واحدةً من القليل الباقي لي. ثمّ قال المتبجّح:
«اخلعوا حذاءه.»
خلعه أحدهم عنّي، ونفضه، وأطلق ضحكةً صغيرة.
«هيه! أليست هذه ذهبيّات؟»
كانت ستًّا في المجموع. وكان الباقي في قبّعتي. وجدوه، طبعًا، ومزّقوا قبّعتي أشلاءً. ثمّ، ولعلّهم كانوا يرجون المزيد، خلعوا معطفي ومزّقوه هو أيضًا. وإذ لم يجدوا سياتوات أخرى، صرف المتبجّح انتباهه إليّ.
«حسنًا إذن، أين البقيّة؟ ولا حِيَل»، حذّرني.
وبضربةٍ واحدةٍ من سكّينه، قطع كلّ قلائدي. عقد ذلك حلقي بالغصّة أكثر من رؤية معطفي أشلاءً، فلم أقدر على الجواب.
«زخرِفوه»، قال المتبجّح حينها.
لم أفهم ما يعنيه حتّى بدأ أحدهم يشرط ذراعيّ شروطًا سطحيّة. وراح المتبجّح يُصفّر بهدوء.
«أين هو يا فتى، أين هو»، ذكّرني بهدوءٍ جعلني أرتجف.
وأخيرًا استعدتُ صوتي وتأوّهتُ:
«سأقول، سأقول، لكن لا تُصفّوني! لم أقتل أحدًا من عشيرتكم. هذا… يوجع»، أجهشتُ.
نحّى المتبجّح الخنجر وقبض على ذقني ليرفعه. كانت يده في قفّاز. كم كنتُ أشتهي أن أعضّها بكلّ أسناني. كم كنتُ أشتهي أن أطعن ذاك السفّاح الطمّاع الذي حاول أن يفتك بالسريع في القمر الفائت… انقبضت أصابعه على وجنتيّ وهو يهمس:
«لن أقتلك إن أخبرتني أين الكنز وتركتَ عصابة السريع.»
ابتلعتُ ريقي، وأغمضتُ عينيّ، ثمّ فتحتُهما، وهمستُ:
«إنّه في السرداب.»
سادت لحظةُ صمتٍ قصيرة.
«أيّ سرداب؟» ردّ المتبجّح.
«السرداب»، كرّرتُ.
ثمّ صمتٌ آخر، تبعته شهقةُ عدم تصديق.
«الغابة؟ تعني أنّك ذهبتَ إلى السرداب كلّ تلك المسافة لتُخبّئ المال؟ الأمّ الصالحة. كم هناك؟» استفسر.
لم أرَ سببًا للكذب عليه.
«عشرون عجلةً بيضاء.»
أطلق المتبجّح همهمة.
«هذا القدر القليل؟»
هذه المرّة كنتُ أنا مَن شهق غير مصدّق.
«كيف تعني قليلًا؟ هذه أربعمئة ذهـ…»
اصطدم رأسي بالحجر. يا للهول. صفّر المتبجّح:
«أستطيع أن أحسب بنفسي يا أبله. السرداب هائل. أين وضعتَ المال؟ عند الحافة؟»
هززتُ رأسي نافيًا.
«أبعد»، كذبتُ. «لا أخاف الغابة. لن تجدوه أبدًا.»
«حسنًا، طبيعيّ»، ضحك المتبجّح. «بيكل. هيّا، روّضه.»
فزعتُ. كيف يعني يُروّضني؟ لم أفهم إلّا حين وضع أحدهم خِرقةً على أنفي. أأتنفّس أم لا أتنفّس؟ في النهاية، طبيعيّ، كان عليّ أن أتنفّس. احترقت عيناي وحلقي ورئتاي. فاحتجّتُ مذعورًا:
«قلتَ إنّك لن تقتلني.»
«ولم أقتلك يا أبله»، ردّ المتبجّح.
وإذ غشيني دُوارٌ رهيب، انهرتُ. وقبل أن أغوص في الغياب، سمعته يُضيف ساخرًا:
«ليس بعد.»
أفقتُ على قرعِ بونغٍ معدنيٍّ كبونغ المنجم، وشعرتُ كأنّني أخرجتُ رأسي فجأةً من الزبد الماصّ، ناعسًا مستنزَف الطاقة. كان الذئب الصغير نائمًا فوقي، وكانت هناك أصواتٌ تتكلّم، ورأسي يدور. مدوَّخًا مترنّحًا، جلستُ، أُزحزح الصغير برفق، وحاولتُ أن أعرف أين أنا.
وجدتُ نفسي في غرفةٍ مليئةٍ بالمكاتب وبأناسٍ يمرّون بمظهرٍ مشغول. ذباب. كانوا ذبابًا!
رمشتُ مذهولًا. لم أتذكّر كيف وصلتُ إلى هنا. لم أتذكّر شيئًا. لا، بل تذكّرتُ، خطر لي. تذكّرتُ أنّني اشتريتُ برتقالةً من الذئب الصغير، وأنّها لم تكن معه بعد ذلك. لكن ذلك لم يكن مهمًّا. لا بعد أن حللنا في مركز شرطة.
وأعجب ما في الأمر أنّني لم أكن خلف القضبان: تركوني ممدّدًا هناك عند جدار، كأنّهم لا يدرون ما يفعلون بي.
كنتُ من الاضطراب بحيث حاولتُ، لأُصفّي ذهني، أن أُوقظ مورجاس الذئب الصغير. لم يكن محتاجًا إلى ذلك بعد الآن، في العادة، لأنّه بالمورجاس التي كان يمتصّها من المعلّم ومن قلادته لم يكن يفتقر إلى مورجاس مستيقظة، لكن… وفجأةً، تقطّبتُ ونظرتُ إلى أسفل أبحث عن… قلائدي! لم تكن هناك. أتُرى سرقها منّي الذباب؟ لم أستطع التذكّر. لم يكن عقلي يعمل كما ينبغي. قرّرتُ ألّا أُنكّد على نفسي، فهدّأتُها ورفعتُ بصري إلى أصحاب الزيّ الرسميّ. كانوا يمرّون دون أن يروني، وبعضهم يرمقني رمقةً عابرة. لم يكن أحدٌ يُعيرني انتباهًا. حسنًا، فلعلّي أستطيع أن أرحل إذن، ببساطة.
حملتُ الذئب الصغير النائم وخطوتُ بضع خطواتٍ نحو الباب المفتوح. كنتُ حافيًا. كان لي حذاءٌ فيما مضى. أين حذائي؟ ومعطفي، تذكّرتُ. كان لي معطفٌ أيضًا. لكن كان على ذراعيّ الآن ضمادات. لماذا ضمّدوني؟ كان على قميصي دم. لا بدّ أنّني وقعتُ في مكانٍ ما أو…
وكلّما حاولتُ أن أتذكّر، أدركتُ أكثر أنّ جهدي عبث، فكففتُ عن المحاولة. ثمّ لحظتُ ذبابتَين تُراقبانني. واصلتُ سيري، لكن بمِشية سُرطانٍ حَذِرٍ لا يدري إلى أيّ حدٍّ يُباح له أن يتحرّك.
ثمّ اقترب أحد الذباب، قيتيٌّ أحمر الشعر، وسدّ طريقي.
«يا فتى، أُريد أن أسألك بعض الأسئلة. إن لم يكن لديك مانع»، قال مشيرًا إلى كرسيّ.
وكنتُ من الذهول بحيث لم أتفاعل فورًا، فدفعتني برفقٍ إلى المقعد. جلستُ دون أن أُفلت الذئب الصغير، وجلست الذبابة على حرف المكتب الذي كان أمامي تمامًا. نظرت إليّ بوجهٍ ودود.
«أخرجناك من ورطةٍ يا فتى. كان بعض الأوغاد يحملونك في كيس دقيق. لا أدري ما كانوا يريدون أن يفعلوا بك، لكن لا شيء طيّب، أخشى ذلك. وللأسف، أفلتوا قبل أن نضع أيدينا عليهم.»
صمتت. كنتُ أحاول أن أتذكّر… كيس دقيق؟ لم أستطع أن أتذكّر أنّني وُضعتُ يومًا في كيس دقيق. تابعت الذبابة:
«الذين هجموا عليك، أتعرف من كانوا؟ أتحدّثتَ إليهم؟»
تقطّبتُ وهززتُ رأسي نافيًا.
«لم تتحدّث إليهم؟»
هززتُ كتفيّ ونظرتُ إلى الذئب الصغير. كان رأسي ثقيلًا كصخرة… نفخت الذبابة.
«ألعلّك صرتَ أبكمَ كالصغير؟»
ابتلعتُ ريقي وتمتمتُ أخيرًا:
«لا يا سيّدي.»
«حسنٌ إذن»، ابتهج القيتيّ. «قل لي، ماذا حدث؟»
رمشتُ. لماذا تسألني هذه الذبابة عن الشيء الوحيد الذي لا أعرفه؟
«لا أدري يا سيّدي، لا أدري ماذا حدث»، أجبتُ.
كنتُ أعلم أنّني، من حيث المبدأ، كان ينبغي أن أكون متوتّرًا خائفًا من أن تستجوبني ذبابة. لكنّني، والعجيب، شعرتُ بالارتياح. أتُرى لأنّني لم أكن متّهمًا بشيء؟ إلّا إن كان ذلك لأنّ لهذه الذبابة وجهًا لطيفًا حقًّا. أو لعلّه لأنّني تلقّيتُ ضربةً على رأسي فصرتُ أبله. «أبله»، كرّرتُ لنفسي مذعورًا. لقد نادانيَ أحدهم بذلك منذ وقتٍ قريب، أليس كذلك؟ والضربة على الرأس، نعم، هذه أيضًا بدت مألوفة… لقد تلقّى مانراس ضربةً على رأسه حين كان يتصرّف كإسطرباغ.
«إذن، أنت تقول لي إنّك لا تعرف من هجم عليك»، استنتج القيتيّ أحمر الشعر.
هززتُ رأسي مرّةً أخرى وسألتُ:
«أيمكنني الذهاب الآن؟»
لم تبعث تكشيرة الذبابة في نفسي ثقة، فتشدّدتُ هذه المرّة قليلًا. تنهّدتُ.
«هل قبضتم عليّ؟»
«ليس على حدّ علمي. أينبغي لي؟» ردّت الذبابة.
تقطّبتُ وهززتُ رأسي من جديد، كأنّي أقول: «لا أيّها الشرطيّ، أنا بريءٌ كمولودٍ حديث الولادة». زفر القيتيّ وقد بدا متعبًا.
«أنت لا تعرفني، لكنّني أعرف من أنت يا فتى. أنت أخو كاكز الصغير. اسمع، تنتهي نوبتي بعد نصف ساعة، وبعدها تأتي معي. وفي الأثناء، تبقى هنا وتحاول أن تتذكّر أولئك الرجال الذين هجموا عليك. إن كنتَ تعرف من هم، فلا فائدة من التغطية عليهم.»
بتعبيرٍ حائرٍ نظرتُ إلى الذبابة وهي تبتعد. لكن مَن، تبًّا للجحيم، كان ذلك الرجل؟ صحيحٌ أنّ وجهه، الآن بعد أن قال ذلك، بدا مألوفًا. لكنّني لم أستطع أن أضع إصبعي عليه. كم شعرتُ بأنّني تائه!
لحسن الحظّ، كان لي الذئب الصغير. لا أنّ الصغير كان يُعينني كثيرًا على أن أعرف أين أنا، لكنّني معه على الأقلّ لم أكن وحدي. وإذ آنستني هذه الفكرة، غلبني النوم هناك، جالسًا على الكرسيّ، تحت وطأة خمولٍ عميق.
وحين استيقظتُ من جديد، عرفتُ في الحال أنّني لم أعُد في مركز الشرطة. يا لهذه العادة اللعينة التي عند الناس في نقلي من مكانٍ إلى مكان. تثاءبتُ و… التقيتُ عينَي داكيس الخضراوين الكبيرتين. يا للـ…! اعتدلتُ منتفضًا مذعورًا، وكدتُ أتراجع، ثمّ تذكّرتُ أنّني كنتُ قد قرّرتُ أنّ كلب الجحيم صديق. ابتلعتُ ريقي وتمتمتُ:
«أيو.»
ابتسم لي كلب الجحيم. رفعتُ بصري إلى غرفة الجلوس، والأرائك، والطاولة المثقلة بالآلات. كان هناك أناس. يابير وشوكينوري، وكذلك الزرقاء والشقراء والخيميائي وكاكزايل والعملاق الموشَّم و… القيتيّ أحمر الشعر. طبعًا. تلك الذبابة كانت أحد رفيقَي أخي الأكبر المجالِدَين.
ثمانية أشخاصٍ في المجموع. كان ذلك عددًا كبيرًا، لكنّني لم أجد مَن كنتُ أبحث عنه. قمتُ واقفًا، وأجلتُ بصري في الغرفة، ودون أن أسمع كلمةً واحدةً من حديث الكبار، بدأتُ أتلبّط، أنظر تحت خزانةٍ وتحت أريكة، وطوال استكشافاتي كان داكيس يتبعني في فضول. وأخيرًا، ولعلّه رأى قلقي يتزايد، سألني كاكزايل نافخًا:
«ما بك الآن؟»
استدرتُ إلى أخي في هلع.
«الذئب الصغير»، تلعثمتُ. «أين هو؟»
«مَن؟» استفسر كاكزايل في حَيرة.
ثمّ نظرتُ إليه مرتعبًا.
«الذئب الصغير!» كرّرتُ وأنا أضرب ظهر الأريكة. «أخذتم منّي الذئب الصغير! تركتموه!»
لم أكن أُصدّق. أخذوا منّي الذئب الصغير! أقعدني الذعر. وكان القيتيّ أحمر الشعر هو مَن تدخّل:
«أظنّه يتحدّث عن الصغير الذي جاء بعد ذلك، حين تخلّى عنه أولئك الأوغاد وفرّوا. لا تقلق يا فتى. لم يتخلَّ أحدٌ عن صديقك الصغير. سيُوضع في ميتم، وسيبحثون عن عائلته إن كانت له عائلة. لا سببَ للذعر»، أكّد.
لا سببَ للذعر؟ بحقّ الجحيم، بالطبع كان هناك سبب! انطلقتُ إلى الباب. ولم يكن داكيس مَن منعني من بلوغه، بل كاكزايل. أمسكني أخي من ذراعي وهسّ:
«إيّاك أن تهجم عليّ بصدمة سحرك المظلم.»
وسّعتُ عينيّ وأطعتُه: لم أُرسل إليه أيّ صدمة. لكنّني قاومتُ مقاومةً جهنّمية. استعملتُ عدّة أساليبَ علّمني إيّاها ابن عمّي وأخرى علّمنيها رفاقي وقططٌ آخرون. وسرعان ما وجدتُ نفسي ومعصماي مربوطان خلف ظهري.
«على الأقلّ، لا حاجة إلى أن نسأله إن كان بخير»، قهقه الخيميائي من إحدى الأرائك، «كيف كان سيكون الحال لو شرب جرعة طاقة!»
«الأفضل ألّا نُجرّب»، زفر يابير.
نظرتُ إليهما وحاجباي معقودان. مهلًا لحظة… كيف عرف الهوبيت بأمر الخيميائي؟ قبض كاكزايل على رقبتي بيدٍ واحدةٍ وقال:
«هل تسكت؟»
أومأتُ. لم يكن لي خيارٌ أصلًا. أفلتني الملتحي وأضاف بقسوة:
«تأمّل، لو لم يكن دالتو هناك ليلة أمس لينجدك، لكنتَ الآن ميتًا على الأرجح.»
تقطّبتُ ورمقتُ القيتيّ أحمر الشعر. ثمّ لحظتُ النور الداخل من النوافذ. كان النهار قد طلع. إذن كنتُ نائمًا الليل كلّه. ومن يدري أين الذئب الصغير الآن!
نظرتُ إلى أخي متحدّيًا. لكنّني، إذ لقيتُ تعبيره الصارم، تذكّرتُ الصدمة المَوْتية والحيلة الخبيثة التي لعبها عليه لو بور قبل نصف قمر، فرأيتُ من الحصافة أن أُغيّر موقفي. وبما أنّني لم أكن في مِزاجٍ يسمح بأن أقول: «أيو يا أخي، ما أسعدني برؤيتك!»، ولا أن أقول «أنا آسف» من باب أولى، صمتُّ وأخذتُ أتفحّص الضمادات على ذراعيّ. كان بعضها قد انحلّ وأنا أقاوم، وحين رأيتُ الشروط، اضطربتُ. كنتُ أعرف مَن فعل ذلك، أليس كذلك؟ لم يكن الذباب. أولئك يسبّونك، ويُبرّحونك ضربًا، ويضعونك خلف القضبان، لكنّهم لا يُزخرفونك. لم يكونوا يُزخرفون، كرّرتُ لنفسي مبلبَلًا. واعتراني إحساسٌ بالضيق. «زخرِفوه»، قال أحدهم. وقد زخرفوني بالسكّين. نعم، لكن مَن؟ لم أدرِ، وذلك ما أزعجني أكثر من كلّ شيء.
«إيه… أأنت بخير؟» سأل كاكزايل وهو يرقبني، وجبينه مقطّب.
كان الآخرون يتكلّمون، لكنّ أصواتهم كانت تصل إلى أذنيّ مقاطعَ مفكّكة. تمطّيتُ، وهدّأتُ نفسي، وأومأتُ في صمت. نفخ كاكزايل من قلّة كلامي، وابتعد في الغرفة دون كلمة. رمقتُ الباب، وتنهّدتُ، وإذ أجلتُ بصري في مَن كان هناك، رأيتُ عينَي الزرقاء تلمعان. تشدّدتُ، وإدراكًا منّي أنّ أخي يريد منّي شيئًا قبل أن يُطلقني، طفتُ حول الأرائك بينما كان ديسّاري* وايام يتحدّث عن نبتةٍ عجيبةٍ اشتراها منذ سنين في العالم السفلي. كان كاكزايل قد ذهب ليصبّ لنفسه كأس نبيذ. توقّفتُ إلى جانبه وعضضتُ شفتي متوتّرًا. لم أدرِ ماذا أقول له. فتحتُ فمي مرّاتٍ عدّة، وأطبقتُه، وعضضتُ لساني، وحككتُ رأسي بضراوة…
«سيّد مالاكسالرا»، قال يابير فجأةً وهو ينهض واقفًا. «أتسمح لي بأن أسأل أخاك الأصغر سؤالًا؟»
كان يخاطب كاكزايل. وواضحٌ أنّ أخي الأكبر لم يكن يتوقّع طلبًا غريبًا كهذا.
«إيه… طبيعيّ. بالطبع»، أجاب. «هو لك.»
ابتسم الجوفيّ، وحنى رأسه قليلًا، واستدار إليّ.
«صباح الخير يا درائن. اسمع، أوّل أمس أريتَني حجرًا أزرق كنتَ تحمله، وكنتُ حينها منشغلًا بالأوبال الأبيض إلى حدٍّ لم أُعطِ نفسي فيه وقتًا للتفكير فيه، لكن… إن لم يكن لديك مانع، أيمكنني أن أراه مرّةً أخرى؟»
انتزع الطلبُ منّي تكشيرة مفاجأة. هززتُ رأسي نافيًا، وإذ رأيتُ يابير يبدو خائبًا، شرحتُ:
«لم يبقَ معي، لهذا.» ثمّ، في حَرَجٍ، انتقلتُ إلى الكايلدرِك لأسأله بصوتٍ متردّد: «قل، لم تُخبرهم بأمر السرقة، أليس كذلك؟»
انعقد لسان يابير. وضحك شوكينوري من كرسيّه ضحكةً هادئةً وقال بالكايلدرِك:
«أتعلم يا بُنيّ أنّ السيّد وايام والآنستَين زوريا وزالِن يتكلّمون الكايلدرِك كما تتكلّمه أنت؟»
قتلني هذا. لم أدرِ أين أُخفي نفسي. فوقفتُ ساكنًا أُراقب ردّ فعل الخيميائي والتوأمين. بدا الأوّل مستمتعًا بالموقف. سعلت الشقراء سعلةً خفيفة. أمّا الزرقاء فبقيت غير مبالية.
«إذن أنت تقول لي»، تابع يابير بالدريونسانية، «إنّه لم يبقَ معك. أتُرى بعتَه؟»
ابتلعتُ ريقي وقلتُ:
«لا. أضعتُه ليلة أمس. كان معي أمس، أنا متأكّدٌ من ذلك. لكن حين استيقظتُ في مركز الشرطة، وداعًا للقلائد. الخمس كلّها.»
مجرّد التفكير في ذلك جعل مِزاجي يتجهّم. كان حاجبا يابير معقودَين.
«أسرقها الذين هجموا عليك؟»
«لا أدري»، أقررتُ.
فرك يابير رقبته متفكّرًا.
«من أين حصلتَ عليه؟»
«الحجر الأزرق؟» سألتُ، ولمّا أومأ، كدتُ أُجيب: «الذئب الصغير». لكنّني، لسببٍ ما، أمسكتُ لساني. نظرتُ إلى الهوبيت وعيناي ضيّقتان، وأجبتُ: «وما يهمّ من أين حصلتُ عليه؟»
طقّ كاكزايل بلسانه.
«أشيغ، لا تُحدّث الناس بهذه النبرة.»
قلّبتُ عينيّ غير مصدّقٍ أنّه يُلقي عليّ درسًا في الأدب، فأنا أكثر الغواكات تحضّرًا على الصخرة بعد القِسّ، على حدّ قول هذا الأخير. لكنّني صحّحتُ نفسي واخترتُ أن أكذب:
«وجدتُه في شجرة.»
ضحك شوكينوري.
«في شجرة؟» كرّر يابير غير مصدّق.
أومأتُ مبتسمًا، وإذ داهمني الإلهام، قلتُ:
«شجرةٌ كبيرةٌ جدًّا. كان عليها ريشٌ بدل الأزهار، وكان الريش يتساقط، لأنّني وجدتُها في الخريف، فالتقطتُ ريشةً قبل أن تتلف، أتفهم؟ وقلتُ لها: ‹أيّتها الأميرة، يا كنزي، يا زهرة حياتييي الجميلة، جئتُ لأنجدك!› فغنّيتُ لها. أو ‹غنَوْتُ› لها، كما يقول لين. فاستحالت جوهرة. لكن ليلة أمس!» صرختُ، «أخذتها منّي تلك الترولات، وأخذت عظامي أيضًا. لكن لا تقلق، لأنّني سأسحق رؤوسها حين تصير في مخالبي التنّينيّة!»
وما إن صمتُّ حتّى أدركتُ أنّ حماسة الحكواتي قد تملّكتني من فرط سماعي حكايات كاسر الأيدي في ساحة الصوف. وبصراحة، أبليتُ حسنًا، إلّا أنّ… لعلّه لم يكن أنسبَ وقت. فذاك شيءٌ يُفعل مع الرفاق، لا مع الكبار. فسارعتُ، تحت نظرة أخي المذهولة، إلى أن أُضيف:
«في الحقيقة، وجدتُه على الأرض. في شارع.»
وفي هَيَجاني، صفعتُ جبهتي، واستدرتُ إلى الطاولة الصغيرة التي كانت عليها قنينة النبيذ التي صبّ منها كاكزايل لنفسه، وأخذتُ القنينة قائلًا:
«يمكنني، صحيح؟»
كدتُ أشرب من فمّ القنينة، لكنّ كاكزايل انتزعها من يدي وهدر:
«لا، لا يمكنك يا شقيّ. أنت لا تُصدَّق! في النهاية، قد يكون أبي وأمّي على حقّ. دار الفتيان فكرةٌ عظيمة. أفضل أن يُرسلوك إلى هناك من أن تنتهي مطعونًا في المتاهة أو محكومًا عليك بالأشغال الشاقّة.»
نظرتُ إليه مذعورًا مجروحًا مرتبكًا. دار فتيان؟ وما هذه؟ وبعد صمت، نحنح يابير بلياقة.
«سؤالٌ أخير، إن لم يكن في ذلك ثِقَل. لماذا قرّرتَ أن تُسمّي نفسك هيلِمبلرت وأنت لم تكن تعرف بعد أنّك مالاكسالرا؟»
كنتُ ما زلتُ أستوعب حكاية دار الفتيان التي أرادت عائلتي أن تُرسلني إليها، فأجبتُ بتكشيرةٍ متجهّمة:
«ما أدري. أرادوا اسمًا، فأعطيتُهم اسمًا.»
«لكن لماذا هيلِمبلرت؟» ألحّ البائيرا.
هززتُ رأسي في حَيرة.
«ما أدري.»
أثارت نظرة يابير الحادّة توتّري. والزرقاء أكثر. وكان بيّنًا أنّ كاكزايل قد فاض به الأمر معي، والأسوأ أنّه غاضبٌ منّي. بحقّ الأرواح، كم أردتُ أن أخرج من هنا! أردتُ أن أرحل. أردتُ أن أذهب لأجد الذئب الصغير. أردتُ أن أعود إلى رفاقي. كدتُ أنفجر وأصرخ فيهم: أريد أن أذهب! لكنّ كاكزايل لم يكن ليسمعني. فخطرت لي فكرة.
«لماذا تبحث عن الجوهرة؟» قلتُ، ودون أن أُتيح ليابير وقتًا للجواب، أضفتُ: «أُعطيك إيّاها. سنجد قلائدي بالكرة. وإن وجدنا عظامي، أعطيتُك الجوهرة. أُقسم على ذلك. هي لك كلّها. لكن عليك أن تأخذني معك.»
رمش يابير.
«نأخذك معنا؟ إلى يادِبيا؟»
ضحكتُ وقد عاد إليّ مِزاجي الطيّب.
«لا، لا إلى يادِبيا. للبحث عن القلائد. لديك الكرة، وأنا أعرف الطُّرق. أنمضي؟»
«مستحيل»، هسّ كاكزايل.
فترت حماستي، وتنهّدتُ متضايقًا. كانت قد لمعت لي فكرةٌ رائعة، لا لأجد قلادة عظامي بقدر ما أجد قلادة الذئب الصغير، فأتى أخي وأفسدها. إنّه ذبابة، طبعًا! رمقني يابير بتكشيرةٍ اعتذارية. ونهضت زوريا، الزرقاء، من إحدى الأرائك وتدخّلت:
«الفكرة ليست سيّئةً يا كاكز. يابير يريد أن يجد تلك الجوهرة، وأظنّه مستعدًّا تمامًا لأن يستأجرنا مرتزقةً ليحصل عليها، صحيح؟» انعكست المفاجأة على وجه الهوبيت الشابّ، لكنّه أومأ بقوّة، بمظهرٍ يقول: حسنًا، ولمَ لا؟ أضافت زوريا في ارتياح: «سيفيد ذلك الجميع. وفوق ذلك، سنُفلح بهذا في إيجاد أولئك القُطّاع الذين هجموا على أخيك.»
نظر إليها كاكزايل غير مصدّق.
«أأنتِ جادّة؟ لكن… أنتِ مَن طلبتِ منّي أن أترك عملي لأنّ الخطر كان أكبر من الأجر الذي أُقبضه. والآن تريدينني أن أذهب لأُشبع هؤلاء الحقراء ضربًا؟»
ابتسمت المرأة الزرقاء ابتسامةً رقيقة.
«أنت تتحرّق لذلك. ويابير سيدفع أفضل، أليس كذلك؟»
فتح الهوبيت الشابّ فمه، ورمق شوكينوري المتجهّمَ الوجهِ نظرةً اعتذارية، وأكّد:
«بالطبع! سيكون من دواعي سروري أن أستأجركم جميعًا لإيجاد هذه الجوهرة. والفتى معكم. أظنّه يعرف عن هذه المدينة أكثر منّا جميعًا مجتمعين»، رأى.
امتلأتُ زهوًا. كشّر كاكزايل، ونفخ، واستدار إلى الشماليّ الموشَّم والقيتيّ وسأل:
«ساربّاس، دالتو… ما رأيكما يا صاحبيّ؟ إنّه جنونٌ محض، أليس كذلك؟»
ابتسم العملاق وأومأ.
«جنونٌ في مقدار جنون الفرار من تاسّيا، على ما أظنّ، يا صديقي. القبض على سارقي الأطفال أمرٌ حسنٌ جدًّا. تُعجبني الفكرة»، أقرّ بلكنته الشمالية الفظيعة.
ابتسم القيتيّ أحمر الشعر بدوره وأكّد:
«لو رأيتَ كيف رمى أولئك المسوخ أخاك في كيس الدقيق ذاك، لَما تردّدتَ لحظةً واحدة يا كاكز. تعلم أنّك تستطيع أن تعتمد علينا.»
قلّب كاكزايل عينيه، وابتسم، وقد اقتنع أخيرًا، ووضع يديه على خصره في وجه عينيّ المتّسعتين وقال بضراوة:
«هيّا نُشبع هؤلاء الأوغاد ضربًا.»
«هيّا!» أكّد رفيقاه بحماسة.
حدّقتُ في المجالِدين الثلاثة في دهشةٍ وفهمتُ تمامًا ما يستتبعه قرار الذهاب لجلب الجوهرة. أكنتُ أحلم أم أنّ المجالِدين والتوأمين ذاهبون فعلًا ليُبرّحوا…؟ «يُبرّحوا مَن؟» فكّرتُ في حَيرة. مَن، تبًّا للجحيم، هجم عليّ الليلة الماضية؟
مهما اجتهدتُ، لم أستطع أن أتذكّر. لعلّي بدأتُ أُصاب بفجواتٍ في الذاكرة كمعلّمي الناكروس و… وشدّ انتباهي شيءٌ في يدي يابير فبدّد أفكاري. كانت الكرة الأرجوانية. كان يابير قد شغّلها وراح يبحث عن مصدرٍ قويٍّ للمورجاس. اقتربتُ يحدوني الأمل.
«أتستطيع أن تجدها؟»
تقطّب الهوبيت في تركيز.
«لا أدري. أظنّ أنّ لديّ شيئًا ليس بعيدًا كثيرًا.»
«إذن هيّا!» ألححتُ عليهم في هَيَجانٍ زائد. «هيّا!»
أمسكني كاكزايل من ذراعي.
«مهلًا يا أشيغ. أوّلًا ستسمعني. إن فارقتَ أحدًا منّا، إن عدتَ إلى عصابتك تلك، فستندم. ستندم، وكثيرًا. لن ينفع بعد اليوم ‹آسف› ولا الدموع. إن تصرّفتَ كالأحمق هذه المرّة، فسأكفّ عن معاملتك كأخٍ وأُعاملك كلصٍّ صغيرٍ غادر. وإن مضيتَ في طريقك، فوداعًا للعائلة. أفهمت؟»
وقفتُ أنظر إليه في رهبة. كان صوته جادًّا إلى هذا الحدّ! لكنّني لم أتردّد، فلم يكن ثمّة إلّا جوابٌ واحدٌ ممكن، فقلتُ:
«تمشي.»
ظلّ كاكزايل يتفحّصني كأنّه يبحث في وجهي عن أثرِ مكر. لعلّه وجده، ولعلّه لم يجده؛ وعلى أيّ حال، تنهّد وقال:
«حسنًا! أقترح، يا ملكاتي، أن تبدآ مع ضيوفنا البحث عن موضع قلادة العظام تلك، وفي الأثناء نتجهّز نحن الباقون ونعتني بأبيكما بالتبنّي. والليلة، إن لم تكونا قد وجدتماها، نتلاقى في ساحة القمر ونتبادل الأدوار.»
نفخ الخيميائي.
«بَه، تعتنون بي! أنتم يا شباب دائمًا تعتنون بي. أتدري؟ سأذهب إلى يادِبيا مع هؤلاء البائيرات الطيّبين لأرى إن كنتم ستدعونني في سلامٍ فترةً من الزمن…»
«ندعك في سلام؟ في أحلامك!» هتفت الشقراء بنبرةٍ ساخرة. «لن تتخلّص من حارسَيك هكذا. هذا هو ثمن أن تكون أفضلَ خيميائيٍّ في هاريكا.»
وإذ بدأ الجميع يتكلّمون في تشتّت، بعضهم عن الأسلحة، وبعضهم عن العظام، وبعضهم عن الجرعات، استغلّتُ غفلة كاكزايل وارتشفتُ جرعةً من قنينة النبيذ. جرعةً واحدةً فقط، لتمنحني الجَسارة، ولتُدفئني، ولكي أتذكّر. جلستُ على الأرض، وإذ رأيتُ داكيس قد جاء ليرقد إلى جانبي، ربّتُ عليه وهمستُ لنفسي بالكايلدرِك:
«تذكّر، تذكّر. تذكّر أيّها الناجي.»
لكنّني، وأنا أُكِدّ ذهني، كان عقلي يعود دائمًا إلى تهديد كاكزايل. لقد طلب منّي أن أبتعد عن رفاقي، فقلتُ «تمشي»؟ كيف قلتُ له «تمشي»؟ كيف نويتُ أن أُوفي بوعدٍ سخيفٍ كهذا؟ لكن إن لم أُوفِ به، فسأكون بلا عائلة. سيرفضني كاكزايل لأنّني خائن، وسيتبرّأ منّي والداي لأنّني لصٌّ وشقيٌّ وغيرُ مسؤولٍ وأبله… أبله، أبله، خطر لي فجأة. فتحتُ عينيّ على وسعهما وفركتُ رأسي، وقد شعرتُ بألمٍ غريبٍ فجائيّ.
«أستطيع أن أحسب بنفسي يا أبله»، تمتمتُ. «السرداب هائل. السرداب هائل»، كرّرتُ.
هذا ما قاله صاحبُ السكّين. السرداب هائل. وهو لم يكن يعرف أين خُبّئ كنزي. لكن مَن كان هو؟ أخذتُ نفسًا عميقًا. وحينئذٍ تذكّرتُ.
* ديسّاري: لقبُ مخاطبةٍ للخيميائي، بمعنى «المعلّم» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion