Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 68
«آه… هنا شيءٌ شديدُ الشبه بمورجاس الفيريلومبارد»، تمتم يابير، وتوقّف في وسط الشارع.
كان قد اقتادنا حتّى الآن إلى عدّة دكاكين جزّارين، فلم أصرخ منتصرًا. رحتُ أراقبه بانتباهٍ وهو يرفع سبّابته ويلوّح بها متردّدًا، وعلى وجهه سيماء التركيز.
«نعم. هناك… بالضبط»، خلص.
ما إن أشار حتّى انطلقتُ في ذلك الاتّجاه، يرافقني داكيس، تاركًا الهوبيت والتوأمين خلفي. كنّا في تارميل، وهي منطقةٌ لم يظنّوا أنّ العصابة التي هجمت عليّ قد تتوارى فيها، ومع ذلك أقنعتُهم بأنّهم «ربّما» باعوا الجوهرة سلفًا وألقوا العظام في الجوار. ولم أذكر لهم أنّ الذئب الصغير يحمل قلادةً شديدة الشبه بقلادتي.
لهثتُ، ودرتُ حول نفسي، وتفحّصتُ المارّة، وأخفضتُ بصري باحثًا عن قامةٍ صغيرة. لا بدّ أنّه… ثمّ رفعتُ رأسي فاصفرّ وجهي. كنتُ واقفًا أمام بناءٍ صغيرٍ عليه لوحٌ معدنيّ. تهجّأتُ:
«دار الأطفال المهجورين… تبًّا للجحيم وجحيمِ الجحيم!» بصقتُها.
هرعتُ إلى نافذةٍ من نوافذ الدار وألصقتُ أنفي بالزجاج. رأيتُ بعض الأشكال جالسةً على الأرض. دفعتُ. كان النهار مشمسًا كنهار الأمس، وتبيّن أنّ أحدهم فتح النافذة ونسي أن يدير المقبض ليُغلقها. أطللتُ من الفتحة، ولمّا تسمّرت فيّ نحو عشرين عينًا، أسرعتُ أضع سبّابتي على شفتيّ. لم ينطق الصغار بكلمة. وغطّى عددٌ منهم أفواههم كي لا يضحكوا. لم يكن ثمّة كبارٌ في الغرفة. بحثتُ عن الذئب الصغير. كان الأمر سهلًا: فالفتى الأشقر، إذ عرفني، قام من مكانه وصار يجري نحوي، وفمه مفتوحٌ من الفرح، مستديرٌ كقطعة نصف سياتو. ابتسمتُ من السعادة.
«تعالَ يا ذئبي الصغير، تعالَ!» حثثتُه بصوتٍ خافت.
وما إن بلغ أسفل النافذة حتّى أمسكتُه، وسحبتُه إلى الخارج، وفررتُ. وكان الكلب إلى جانبي يبدو مسرورًا كسروري تقريبًا. توقّفتُ ما إن وصلتُ إلى الهوبيت والتوأمين. وبينما استقبلني الأوّلان بملامح الذهول، ضحكت الشقراء، أمّا الزرقاء فقلبت عينيها وقالت ساخرة:
«إذًا هذه هي قلادة العظام التي كنّا نبحث عنها يا فتى؟»
بادلتُها الابتسام.
«لقد استغفلتَنا»، تشكّى يابير، وهو لا يزال مصعوقًا.
أنزلتُ الذئب الصغير وأسرعتُ أضع وشاحي على رأسه كي لا يُعرَف بشعره الأشقر، وأنا أجيب:
«كان ذلك أوّل الأمر وأهمّه، آسف. لن أترك الذئب الصغير في ذلك الوكر، ولا مقابل ألف تاج. والآن، لنجلب الجوهرة. هذه المرّة بلا حِيَل، أُقسم. أتذكّر أين هجمت عليّ تلك الإسطرباغات. وأعرف أين تسكن.»
لهثت زالِن، الشقراء.
«ماذا؟ لكنّ دالتو قال لنا إنّك لا تعرفهم.»
«نعم، لكنّني أعرفهم»، أكّدتُ. «المشكلة أنّني لم أكن أتذكّر، لأنّهم رجّوني ووضعوا في أنفي شيئًا جعل رأسي يدور كالخُذروف، لكنّني الآن أتذكّر. أتذكّر كلّ شيء. أيمكننا أن نتحرّك؟ في الحقيقة»، شرحتُ وأنا آخذ في هبوط المنحدر، مبتعدًا سريعًا عن الدار، «هؤلاء الرجال أرادوا أن أعطيهم نقودي. لكن، لو أعطيتُها لهم، لصفّوني على أيّ حال. هؤلاء أسوأ ما يكون. نصبوا دكّانهم في الحيّ الأسود، لكنّهم في الحقيقة من القطط. مخابيل حقًّا. حسنًا. هذا كلّ شيء. انتهت الحكاية. فهل صحيحٌ أنّ أخي سيصفّيهم؟» تحمّستُ.
تبادلت التوأمان نظراتٍ ذات معنى. وسألت زالِن بحذر:
«وما الذي تعنيه بالضبط بـ«صفّى»؟»
نفختُ.
«يشقّهم، يبعثهم إلى الأرواح، يقتلهم. هذا ما أعني»، قلتُ بجِدٍّ ثقيل. وأشرتُ إلى شارعٍ نسلكه اختصارًا للطريق، وأضفتُ: «المتبجّح قاتل.»
وبعد صمت، أصررتُ:
«إذًا؟ هل سيقضي عليهم؟»
تنحنحت الشقراء، وكانت الزرقاء هي من أجاب بسكينة:
«سيُقام العدل يا فتى. سيُقام العدل.»
عضضتُ شفتي، ونظرتُ إليها بطرف عيني، وأومأتُ مقتنعًا.
«حسنًا.»
وهكذا، وقد ارتحتُ، اقتدتُ رهطي الصغير إلى حيّ القطط. وعلى الفور تقريبًا وجدتُ المكان الذي هجم عليّ فيه رجال المتبجّح، والدرب الصخريّ، لكنّ يابير لم يستشعر وجود عظام فيريلومبارد هناك. وجدنا عظام عدّة جرذان. ووجدتُ قلادة نجمة الداغلات التي كانت لي. كان ذلك شيئًا على الأقلّ. عقدتُ فيها عقدةً لأُصلحها، وعلّقتُها في رقبة الذئب الصغير، وابتسمتُ بينما الصغير يتفحّص قلادته الثانية بفضول.
«احفظها جيّدًا يا شيور*. أرجو أن تجلب لك حظًّا أوفر مما جلبت لي»، قلتُ. تردّدتُ ثمّ استدرتُ إلى يابير. كان الهوبيت مغمض العينين ليركّز بأقصى ما يستطيع وهو يمسك بالكرة. قاطعتُه في خجل: «يابير؟» فتح الهوبيت عينيه. أملتُ رأسي إلى جانبٍ وسألتُ بالكايلدرِك: «لماذا تبحث عن هذه الجوهرة؟ أهي نفيسةٌ حقًّا؟»
«أوه.» فرك الهوبيت عنقه متفكّرًا. «لستُ واثقًا من ذلك. لا أظنّ الحجر نفسه يساوي كثيرًا، لكن… رمز الطاقة المحفور عليه… إن كان فعلًا ما أظنّه، فقد يكون هذا الحجر بالغ النفاسة حقًّا.» ثمّ، وهو يواجه عينيّ المتفحّصتين، ابتسم وقال: «لا أدري كيف وصل إليك، لكن… إن لم أكن مخطئًا، فهذا الحجر كان يملكه البيت الملكيّ لمدينة هيلِمبلرت الجوفيّة.»
رمشتُ.
«أيّ بيتٍ ملكيّ؟»
«البيت الملكيّ لهيلِمبلرت. الملوك الذين خُلعوا وذُبحوا قبل عامين. وقد ارتاح لذلك كثيرون، لا بدّ من القول»، تنحنح يابير. «هيلِمبلرت أقرب إلى يادِبيا من مسيرة أسبوع… لذا لا أستطيع أن أنكر أنّني، أنا نفسي، رحّبتُ بسقوط أولئك الطُّغاة.» ورمى الكرة في الهواء ثمّ التقفها في الجوّ، مضيفًا: «الحجر نفيسٌ بلا شكّ… لكن لمن يعرف ما هو فقط. أمّا عند صائغٍ في إستِرغات، فلا أظنّك تستطيع بيعه بأكثر من أربعين سياتو. أمّا أنا، في المقابل، فأستطيع أن أعرض عليك ثمنًا أكبر بكثير. إيه…» وارتسم على وجهه القلق: «هل أنت بخير يا فتى؟»
أومأتُ، وقلبي يخفق بسرعة.
«ب-بجنون»، تلجلجتُ.
تنفّستُ بعمق، وأحسستُ بيد الذئب الصغير في يدي إحساسًا شديد الوضوح. فكّرتُ في تلك المرأة التي دفعت للكفّ الباردة ثمن الأوراق مع الذئب الصغير والجوهرة. من كانت؟ لم أكن أدري، والساحرة لم تكن تدري، لكن لعلّها جاءت من العالم السفلي. ولعلّ الذئب الصغير كان يحمل الجوهرة طوال حياته، كما كنتُ أحمل أنا لوح المعدن الصغير الذي جاء من الوادي. وهذا يعني أنّ الذئب الصغير ملك. حسنًا، لا، بل ابن ملوكٍ طُغاةٍ جوفيّين ذُبحوا قبل عامين. يا للأمّ الصالحة. كان ذلك حقًّا… تبًّا للجحيم. كان ذلك حقًّا شيئًا لا يُصدَّق. وبالطبع، لم أكن سأقول لأحدٍ شيئًا. أبدًا. قطعًا.
لكنّ الهوبيت يعرفون، فكّرتُ مرتعشًا. أو ينبغي أن يعرفوا، إن كانوا فعلًا قد تجسّسوا حديثي مع الكفّ الباردة عبر الأوبال الأسود. لعلّهم لم يسمعوني، أو نسوا، أو لم يربطوا بين الأمرين…
وأمام نظرات يابير وشوكينوري المتسائلة، تنحنحتُ واستعدتُ نفسي. لا جدوى من التفكير في الملوك وما شابه ذلك من سُخف. نظرتُ إلى الذئب الصغير، ومسحتُ أنفه، ثمّ رفعتُ رأسي ملوّحًا بيدي بغير تحديد.
«بالتأكيد، الإسطرباغ حمل الجوهرة إلى الحيّ الأسود. هيّا بنا، أعرف طريقًا مختصرًا.»
اقتدتُهم عبر أزقّة الحيّ، متحاشيًا دوريّات الذباب، حتّى بلغنا منحدر النهر الخجول والحدّ الفاصل مع الحيّ الأسود. كانت فكرة الدخول إلى مملكة المتبجّح تُثقلني بالتوجّس، لكنّني كنتُ في رفقةٍ متينةٍ إلى هذا الحدّ، وكان يابير يبدو راغبًا في العثور على الجوهرة إلى هذا الحدّ، فتغلّبتُ على خوفي، وقطعتُ الجسر، وقدتُنا إلى الأمام بين أكواخ الحيّ الأسود.
لم أدخل هناك إلّا مرّاتٍ قليلة. ولماذا يذهب المرء إلى هناك أصلًا؟ كانت فيه حاناتٌ، لكنّ في القطط حاناتٍ أيضًا. وكانت فيه عائلاتٌ كادحةٌ كما في القطط. وكانت فيه عصاباتٌ ولصوصٌ وأوغادٌ، كما في القطط تمامًا. حسنًا، بالمجموع، كان الأمر في جوهره كما في القطط، إلّا أنّ العائلات في حيّي سكنته أجيالًا عدّة، أمّا في الحيّ الأسود فكان الغرباء حديثي الوصول: التاسّيون، وأهل الوادي، والبلاريّون، وأهل المستنقعات، وأجناسٌ بعينها، كالتيرنيان، لم يُقبَلوا يومًا قبولًا تامًّا كساجِتيّين.
وكان يابير قد استأجرني، من حيث الأصل، دليلًا، فتصنّعتُ في البداية أن أتقدّم بثقة… إلّا أنّني، بعد حينٍ من التسكّع في الأزقّة الموحلة المزدحمة بالأشياء، وجدتُ لزامًا عليّ أن أعترف:
«هذه المنطقة كلّها، لا أعرفها هذه المعرفة.»
لم يبدُ على يابير خيبةٌ ولا دهشة. كان أشدّ انصبابًا على الكرة من أن يُلقي إليّ بالًا على أيّ حال. والحقّ أنّ الآخرين لم يبدُ أنّهم سمعوني هم أيضًا. كانت الشقراء تُجيل بصرها حولها، وفي ملامحها صدمةٌ وألمٌ معًا. وكانت الزرقاء تتفحّص وجوه من نمرّ بهم، كأنّها تعرف أعمق أسرارهم، أو هكذا كان يبدو الأمر على الأقلّ حين تنظر إليك بتلك العينين المتلألئتين. أمّا شوكينوري وداكيس، فقد بدا أنّهما منغمسان في حديثٍ ذهنيّ. وأخيرًا تساءلتُ إن كان أحدٌ في الجماعة يُنصت إليّ. فَح. نظرتُ إلى الذئب الصغير، ولمّا رأيته منهكًا من كثرة السير، رفعتُه على كتفيّ، فنلتُ منه ابتسامةً متحمّسة. ثمّ أبطأتُ خطوي وتركتُ يابير يتقدّم. فهو، في النهاية، من يقودنا الآن.
هبطنا المنحدر مرّةً أخرى حتّى بلغنا منطقةً تكاد تكون مستويةً، لكنّها مليئةٌ كذلك بالأكشاك والأسواق الصغيرة وبعض الأبنية الصلبة النادرة. ثمّ توقّف يابير، ودار نصف دورةٍ، فعُدنا من حيث أتينا؛ ثمّ توقّف مرّةً أخرى بعد حينٍ ونفخ.
«شوك*، ساعدني في هذا، أتفعل؟»
وناوله الكرة الأرجوانية. فركّز شوكينوري بدوره. وبعد لحظات، هزّ الهوبيت المحارب رأسه.
«لا أدري. أستطيع أن أفرّق بين مورجاس نبتةٍ ومورجاس عظمٍ، لكن لا بين عظم دجاجةٍ وعظم غاهودال. لستُ…» ورمقني بنظرةٍ ذات معنى، وخلص: «خبيرًا.»
أمال يابير رأسه إلى جانب، ثمّ، في نزوةٍ مفاجئة، استعاد البائيرا الشابّ الكرة وناولني إيّاها.
«خُذها. جرّبها أنت. هي مُفعَّلة. انظر إن كنتَ تجد شيئًا. أنا عجزتُ.»
تركني العرض مصعوقًا ومبتهجًا في الوقت نفسه. أخذتُ الكرة. آخر مرّةٍ حملتُها بين يديّ في النُّزُل، أحسستُ بالرابط الذي يصلها بالأوبال الأسود، ولا شيء غير ذلك. هذه المرّة لم أستشعر حضور رابطٍ واحد، بل حضور روابط أخرى كثيرة. كثيرةٍ جدًّا. من الواضح أنّ هذه الذخيرة يمكن تفعيلها بطرائق مختلفة. طريقةٌ للأوبال الأسود، وأخرى للبحث عن العظام. ابتسمتُ وأنا أحسّ انفجار المورجاس المنبعث من قلادة الذئب الصغير. ركّزتُ وحاولتُ أن أجد منابع أخرى. وجدتُ منبعي، بالطبع، ومنابع رفاقي، لكنّ منابعهم كانت أخفت بكثير. وبينما كنتُ أجول بحثًا عن مؤونةٍ أخرى من المورجاس، اتّسعت ابتسامتي. كان هذا رائعًا إلى هذا الحدّ! لكان معلّمي أحبّ هذا. لكان فكّه سقط في حجره بلا شكّ. كنتُ أستشعر مورجاس عظم دجاجةٍ متروكٍ تحت الوحل، ومورجاس جيفة جرذٍ ميتٍ أبعد قليلًا، ومورجاس… ساجِت؟ ارتعدتُ ونظرتُ في الاتّجاه المناسب، نحو بيتٍ… لا، خلف ذلك البيت. وقد تملّكني فضولٌ غير سليم، فتقدّمتُ إلى الأمام، والذئب الصغير على كتفيّ. ولمّا دُرتُ حول الزاوية، رأيتُ كومةً صغيرةً من الترابٍ تحت البيت تمامًا. وكان أحدٌ قد وضع عليها زهورًا حديثًا. قبرٌ، أدركتُ. وبعد أن جرعتُ فزعي، أفرغتُ نَفَسي، واستدرتُ إلى رفاقي بابتسامةٍ عريضةٍ وصحتُ:
«هذا مذهلٌ إلى أبعد حدّ!»
ضحكتُ، منتشيًا، وأنزلتُ الذئب الصغير، وهرولتُ معه إلى زقاقٍ آخر. كم من المورجاس، وكم من الطعام لمعلّمي! ومضيتُ أستكشف المنطقة، مفتونًا، منجذبًا في وجدٍ عند كلّ كشف. وكان شيخٌ جالسٌ على عتبة بيته يراقبني ذاهبًا وآتيًا بملامح فضولٍ، وأنا ألتقط العظام، وأنبشها، وأتأمّلها، وبعد أن أعرضها على يابير أضعها في جيوبي وأواصل قنصي. كان هذا رائعًا إلى هذا الحدّ!
«وهذا أيضًا، وهذا!» صحتُ، وأنا أُخرج ساقًا ضخمةً منهوشةً لا بدّ أنّها كانت لثورٍ أو ما شابه. «هل رأيتَها يا ذئبي الصغير؟ إنّها تكاد تكون في طولك!»
وأخيرًا تدخّل شوكينوري بتنحنحٍ عالٍ.
«همم، يا فتى.» استدرتُ. كانت الزرقاء تهمس مع يابير، والشقراء تضحك ضحكًا مكتومًا، وشوكينوري ينظر إليّ بملامح ساخرة. واستأنف هذا الأخير كلامه بالكايلدرِك: «لم أتخيّل يومًا أنّ عظمًا قد يكون سبب فرحٍ بهذا القدر، وأنا سعيدٌ بذلك، لكنّي أخشى أنّ يابير لا يبحث عن سيقان الثيران.»
للحظةٍ عُقد لساني. ثمّ ضحكتُ وأومأتُ، وأنا أرمي العظم.
«طبعًا، تمشي، ها أنا ذاهب. سأبحث عنها. أعرف أين هي»، أكّدتُ، وأنا أرفع الكرة.
وانطلقتُ. كان داكيس يهرول إلى جانبي، والآخرون يتبعون، وشعرتُ أنّني ملك الحملة! فحاولتُ أن أركّز وأتأكّد أنّ الكرة تشير فعلًا إلى عظام الفيريلومبارد التي كنتُ أحملها في الأسبوعين الأخيرين. كانت هي، كنتُ واثقًا، فهي العظام الشقيقة لتلك التي يحملها الذئب الصغير.
وجدتُها متروكةً بلا عنايةٍ في الوحل إلى جانب باب مخزنٍ كبير. كنّا الآن في منطقة مخازن. جثمتُ، وجمعتُ العظام واحدةً واحدة، وعددتُها وأومأتُ. كانت كلّها هناك. وهذا يعني أنّ… رفعتُ رأسي ونظرتُ حولي، وقد فزعتُ فجأة. إن كانت العظام هنا، فهذا يعني أنّ المتبجّح كان هنا مع عصابته. تراجعتُ خطوةً وقلتُ:
«هذه هي العظام. لكن لا فكرة لديّ عن مكان الجوهرة. الأفضل أن نخرج من هنا.»
«لكن لا أحد في الجوار»، احتجّ يابير.
هززتُ رأسي وأكّدتُ متوتّرًا:
«بل هناك أحد.» وأشرتُ إلى المخزن الذي وجدتُ العظام عنده. «هناك عظامٌ في الداخل.»
قطّب يابير وجهه.
«حيّة؟»
رمقتُه بنظرةٍ متعجّبة.
«العظام حيّة. لكن لا أستطيع أن أعرف إن كان الساجِتيّون الذين في الداخل أحياء. لنخرج من هنا، اتّفقنا؟» أصررتُ.
كنتُ أزداد توتّرًا لحظةً بعد لحظة. كان المكان مقفرًا صامتًا، والسماء تعتم، وكنّا في أرض العدوّ. قلتُ في إلحاح:
«أنا هارب.»
«انتظر»، قاطعني يابير. «أتظنّ أنّ المتبجّح يسكن هنا بالضبط؟ هذا مخزنٌ لا بيت.»
قلبتُ عينيّ.
«له جدرانٌ وسقف. إذًا هو بيت. لا أقول إنّ المتبجّح يسكن هناك، لكنّي واثقٌ من أنّ…»
وصمتُّ إذ رأيتُ فجأةً شكلًا يتسلّل بين جدارين. ثمّ اختفى وراء بناء. زمجر داكيس. لم أعد أطيق، فرددتُ في صيحةٍ مكتومة:
«أنا هارب!»
أمسكتُ الذئب الصغير وفررتُ بأقصى ما أستطيع. وتجاوزني داكيس سريعًا. عدونا بين المخازن، وظهورنا إلى الصخرة، فوصلتُ في دقائق إلى أوطأ شارعٍ في الحيّ الأسود، قريبًا من المعبد الوحيد في الحيّ ومن جسر ريدا. كانت هذه المنطقة مضاءةً بمصابيح الشوارع سلفًا، والناس يسيرون، ومع أنّني لم أشعر بأمانٍ كبير، فقد ارتخيتُ، واستعدتُ نفسي، وأنزلتُ الذئب الصغير لمّا بلغنا الجسر.
«إلى أين ذهب الآخرون؟» تمتمتُ، وأنا أُلقي نظرةً قلقةً إلى الخلف.
هزّ داكيس ذيله. لم يبدُ عليه قلقٌ كبير. حككتُ رأسي وأنا أتفحّص العتمة المتزايدة. لعلّ كلب الجحيم على حقّ في أنّه لا يقلق، فكّرتُ. فالهوبيت والتوأمان، في النهاية، سيلمِستون، سحرةٌ أقوياء، وكانوا جميعًا، ما خلا يابير، يحملون أسلحة. عضضتُ شفتي وتمتمتُ:
«لستُ خوّافًا، أليس كذلك؟» ثمّ استدرتُ إلى كلب الجحيم ورددتُ: «أليس كذلك؟»
ولم يُجب كلب الجحيم، بالطبع. كم كنتُ أحبّ أن أقدر على سماع أفكاره بالفنون البريجِية. لكنّني، للأسف، لا أعرف شيئًا عن هذه الفنون الذهنية.
هززتُ رأسي وواصلتُ الانتظار، وأنا أزداد توتّرًا لحظةً بعد لحظة. ثمّ رأيتُ شوكينوري يظهر راكضًا. عرف في الحال أين نحن؛ فجرى مستقيمًا إلينا وصاح:
«يا فتى! اركض إلى ساحة القمر وانظر إن كنتَ تجد كاكزايل، وقُل له أن يستدعي الشرطة.»
فتحتُ عينيّ على وسعهما، وأنا أموت من الفضول.
«ما الـ…؟»
«اذهب!» قطع عليّ شوكينوري. «سأنتظرك هنا.»
تركتُ الذئب الصغير في رعايته، وانطلقتُ كالعاصفة، وقطعتُ الجسر الصغير، وهبطتُ ممشى الملاذ عدوًا بأقصى ما أستطيع. لماذا يريد شوكينوري أن يستدعي أخي الشرطة؟ هل جرى أمرٌ سيّئ؟ لم يكن لديّ وقتٌ لأقلق حقًّا. تجاوزتُ الميدان المزدحم، وتفاديتُ العربات وقابضي المسامير المتنزّهين، ووصلتُ أخيرًا إلى ساحة القمر أشهق من التعب، وأدرتُ رأسي في كلّ اتّجاه باحثًا عن المجالِدين. ولحسن حظّي، رأيتُهم بعد قليل واقفين في وسط الساحة. كانوا مسلّحين كما كانوا حين رأيتُهم أوّل مرّةٍ في الجارور. ولم يكن أحدٌ منهم يرتدي زيّ الذباب. وكان الخيميائيّ هناك أيضًا، يأكل كعكةً تبدو شهيّة. كانوا يتحدّثون في هدوء: فقاطعتُهم إذ دخلتُ عليهم كالعاصفة.
«شوكينوري يقول عليكم أن تستدعوا الشرطة!»
للحظةٍ جمد الرجال الأربعة. ثمّ صار كاكزايل متوتّرًا كالبرغوث.
«ماذا حدث؟»
«لا أدري»، أقررتُ. «وجدتُ العظام عند المخازن في الحيّ الأسود. لكنّ شوكينوري قال لي بعدها أن أقول لك أن تستدعي الشرطة.»
نفخ أخي، وقد بلع أسئلته بمشقّةٍ بيّنة، ورمى بلهجةٍ مستعجلة:
«هيّا بنا.»
هرع إلى مركز الشرطة في الساحة، ولمّا دخل دالتو وكاكزايل، أبطأتُ لأبقى في الخارج. انتظرتُ مع ساربّاس والخيميائيّ. قطّب العملاق شفتيه قلقًا.
«هل زوريا وزالِن في ورطة؟» سأل.
رفعتُ كتفيّ.
«لا أدري. الأمر فقط… الأمر فقط أنّني هربتُ قبل قليل مع الذئب الصغير وداكيس، ثمّ جاء شوكينوري بعدها. لكن لا تقل لأخي. أنا لستُ جبانًا»، أكّدتُ له.
ابتسم ساربّاس ابتسامةً خفيفةً وهزّ رأسه بلا جواب. أمّا الخيميائيّ فقلب عينيه وأنهى كعكته قبل أن يقول:
«أنا أصدّقك. لو كنتَ جبانًا لما دخلتَ المنجم لتنقذني كالأبطال. أيّ مغامرةٍ كانت تلك، أليس كذلك؟» قال مبتسمًا بعرض.
كان لكلام الغنوم أثرٌ مواسٍ فيّ على نحوٍ غريب. لأنّه كان على حقّ. أنا، مور إلدال، لم أكن جبانًا: كنتُ غواكًا حذِرًا. لكان معلّمي فخورًا بي: فقد كنتُ، لمرّةٍ واحدة، حذِرًا!
وبعد لحظات، خرج كاكزايل ودالتو من المركز، يتبعهما ثلاثة ذبابٍ، ومن طريقة حديثهما مع أحدهم استنتجتُ أنّه صديق. صعدوا في عربةٍ على عجل، وبفزعي رأيتُ اللحظة التي كانوا سينسونني فيها تمامًا. ثمّ رمقني كاكزايل بنظرةٍ وزمجر.
«اصعد، هيّا، بسرعة.»
صعدتُ بمزيجٍ من الحماسة والرعب. الحماسة لأنّني لم أُترك خارجًا في النهاية؛ والرعب لأنّ آخر مرّةٍ رحلتُ فيها في عربة ذبابٍ مضت مستقيمةً إلى القرنفل. وبدأت الخيول تتحرّك بخببٍ سريعٍ قبل أن أجد لي موضعًا، فانتهى بي الأمر أن فقدتُ توازني ووقعتُ في حجر ساربّاس. ومنعني كاكزايل من القيام.
«هناك، أنت بخير، لا تتحرّك. قُل لي، هل حدث شيءٌ لزوريا وزالِن؟»
«أقول لك إنّي لا أدري»، رددتُ. «لم أرَ شيئًا. جاء شوكينوري حتّى جسر ريدا. وهو ينتظرنا هناك. ولم يشرح لي شيئًا هو أيضًا.»
«وقد كان عليهما أن يتحاشيا المشاكل»، تذمّر كاكزايل.
وزاد ازدحام ممشى الملاذ مزاجه سوءًا. ومضى يزمجر: «إن حدث لهما شيء، فسأفقد صوابي، سأفقده حقًّا يا رجال، يا إلهي، ابتعدوا عن الطريق! شرطة! الأمر عاجل!» أشياء كهذه كان أخي يقولها. ولحسن الحظّ، لأنّنا كنّا في عربة ذباب، أفسحت العربات الطريق، فما هي إلّا قليلٌ حتّى كنّا نقطع جسر ريدا. واستقبلنا شوكينوري قائلًا بالدريونسانية بلكنةٍ فظيعة:
«اتبعوني، أرجوكم!»
قفزتُ إلى الأرض، واستعدتُ الذئب الصغير، وهذه المرّة نسيني المجالِدون والذباب حقًّا نسيانًا تامًّا. ونادى مَن بدا أنّه رئيس الذباب حارسين في الشارع الرئيس طالبًا النجدة، ثمّ غاب المحاربون الثمانية في الحيّ الأسود، تابعين الهوبيت. ولم يبقَ في عربة الشرطة غير الخيميائيّ والسائق. لكنّني كنتُ أموت من الفضول ولم أقدر على الانتظار هناك. فعدوتُ خلف المحاربين، والذئب الصغير بين ذراعيّ. حاولتُ ألّا أتخلّف، لكنّ ذلك لم يكن سهلًا. ولم يكن ثمّة من يبدو أنّه يعبأ بي إلّا داكيس. فقد تبعني كالظلّ في متاهة البيوت والنفايات والسقائف.
ولمّا وصلتُ أمام المخزن الذي وجدتُ العظام عنده، سمعتُ في الداخل صوت رئيس الذباب، ذاك الجهير الساخر.
«آه، لم تكن تعرف أنّ ذلك مخالفٌ للقانون، أليس كذلك؟ آسف يا شابّ، لكنّني لا أشتري هذا الكلام. ودعني أذكّرك بأنّ أحدًا لا يُفترض أن يجهل القانون. أين زعيمكم؟» نبح.
توقّفتُ عند الباب النصف مفتوحٍ ونظرتُ إلى الداخل. كان نورٌ متناغمٌ ساطعٌ يُضيء الداخل كلّه. وكان المكان مليئًا بالأصص المزروعة. أصص داندِباشِن بلا شكّ. وكان صبيٌّ في نحو الخامسة عشرة وصبيٌّ في سنّي راكعين، ويداهما وراء رأسيهما، بينما الذباب يفحصون المكان ورئيس الشرطة يستجوبهما. وكان كاكزايل يهمس في انفعالٍ للزرقاء، وهي تبدو كأنّها تضحك من هواجسه.
وفجأةً صرفت الشقراء عينيها عن تعويذة النور واستدارت إليّ.
«درائن! ادخل، ادخل. قُل لي، أتتعرّف على أحدٍ منهما؟»
لم أتحرّك من موضعي. أفزعتني فكرة الدخول للتعرّف على الجُناة. أنا، غواك، سأنمّ للذباب؟ لكانت تلك ضربةً قاتلةً لكرامتي، ولو كانت العصابة عصابةً معادية. لاقيتُ نظرة المهرّب الشابّ فرأيتُه يفتح عينيه على وسعهما. لقد عرفني. وهذا يعني، بلا شكّ، أنّه من عصابة المتبجّح، وأنّه شارك في المصادمة في شارع الجرف الشاهق، و… لعلّه كان حاضرًا حين «زُخرِفتُ». لكنّني لم أتعرّف عليه، ومع ذلك أسرعتُ أقول:
«لا يا سيّدتي.»
وكنتُ على وشك التراجع، لكنّ دالتو أمسكني من ذراعي وجذبني إلى الداخل.
«لا تتهرّب. هذا أمرٌ مهمّ. أحقًّا لا تتعرّف عليهما؟ أليس أحدهما من تلك العصابة التي هجمت عليك؟»
عضضتُ شفتي وهززتُ رأسي. لماذا كنتُ أكذب؟ كرامةً. لأنّني كنتُ أعرف أنّ لا الصغير ولا الشابّ كانا بين من زخرفوني. لعلّهما رأيا ذلك. لكنّهما لم يفعلاه. وهذا فرقٌ جوهريّ. أنا أردتُ أن أرى المتبجّح ميتًا، لا غواكًا يعمل عنده في سقاية النباتات. ولهذا، حين رأيتُ أنّهم سيرسلونهما إلى الحفرة، أردتُ أن أمدّ لهما يدًا.
«هذان عبدان للمتبجّح، بلا شكّ»، قلتُ. «ليس ذنبهما. أنا واثقٌ من أنّهما لم يعرفا شيئًا عن النباتات. وأنا نفسي لم أكن أعرف أنّ ذلك مخالفٌ للقانون، عرفتُه منذ وقتٍ قريب فقط. هنا في نواحينا لا نعرف كثيرًا عن القوانين»، شرحتُ. «لأنّهم لا يعلّموننا.»
تأمّلني رئيس الذباب بنظرةٍ قاتمةٍ في حين زفر كاكزايل، على بعد خطواتٍ منّي، وهمس:
«هذا كلّ ما كنّا نحتاجه.»
ونظر إليّ المهرّبان الشابّان، وقد امتلآ أملًا. وصاح الأصغر:
«إنّه على حقّ! لم نعرف شيئًا. لم نكن نعرف شيئًا عن أيّ شيء. كنّا محبوسين!»
صفعه رئيس الذباب على مؤخّرة عنقه.
«كفى من هذا الهراء»، زمجر في وجهه. «ولنكون واضحين، الجهل بالقانون لا يُبرّر خَرقه. والآن، هيّا بنا.»
وأجبرهما الذباب على القيام، وبينما كانا يخرجان، سمعتُ رئيس الذباب يقول لكاكزايل بلهجةٍ ساخرة:
«في النهاية، كانت ملكتك العزيزة بخيرٍ تمامًا، أليس كذلك؟ كانت تقنص المهرّبين والسيف في يدها. وأيّ مهرّبين! مخزنٌ كامل، لا أقلّ! لعلّ علينا أن نستخدمها…»
«لا تفكّر في ذلك أصلًا»، أجاب كاكزايل. «نحن جماعة مرتزقة: نُستأجَر جماعةً.»
ابتسم الذبابة متسلّيًا، وربت على كتفه، ومضى ليتولّى ما بين يديه من شؤون. مرّ بي ورمقني بنظرةٍ كأنّها تقول: أنت محظوظٌ هذه المرّة يا شقيّ، لكن إن أوقعتُك… شددتُ الذئب الصغير إليّ أكثر ولحقتُ بالشقراء.
«وماذا عن الجوهرة؟» تساءلتُ.
هزّت الساحرة رأسها في رفق.
«أعتقد فعلًا أنّنا سنجدها أسرع إن سألنا في كلّ متجر مجوهراتٍ في إستِرغات. أمّا هذان البائسان فقالا إنّهما لا يعرفان شيئًا»، لاحظت، وهي تُلقي نظرةً إلى الخارج.
وإذ ضغطت بيدها على كتفي في حركةٍ تكاد تكون أموميّةً كحركة تاكا، دفعتني في رفقٍ نحو المخرج. وهناك، في الشارع، كان كلّ شيءٍ مظلمًا ولم يكن أحد. لم يقترب فضوليٌّ واحدٌ خوفًا من أن يُستجوَب. وبقيادة داكيس، مضينا إلى الشارع الرئيس، تابعين المقبوض عليهما من بعيد، وفي الطريق همست لي زالِن:
«لماذا دافعتَ عنهما؟»
كانت نبرة صوتها تعكس الفضول. رفعتُ كتفيّ، لا أدري ما أقول، فضحكت في ودّ:
«لعلّ «التصفية»، في النهاية، دواءٌ صارمٌ أكثر من اللازم؟»
رفعتُ إليها عينين متعجّبتين.
«ما معنى «صارم»؟»
«مم… جذريّ، عنيف»، شرحت الساحرة في تحفّظ.
أومأتُ متفكّرًا، لكنّني خالفتُها:
«لا، ليس مع المتبجّح. ذاك مثل الصقر الأسود. إن هجم عليّ مرّةً أخرى، فسأسدّده ضربةً يذكّره بها أسلافه.»
سِرنا لحظاتٍ في صمت. وكنتُ قد بدأتُ أفكّر في الجوع الذي ينمو في معدتي حين سألت الشقراء:
«أتكون قادرًا على فعلها حقًّا بدمٍ باردٍ يا فتى؟ أن تأخذ حياة أحدهم. أن تهدم عقلًا. هذا شيءٌ مريع.»
أقامت كلماتها المهموسة شعر جسدي؛ فقطّبتُ في ضيقٍ ثمّ تذكّرتُ أخيرًا كيف رمى المتبجّح الكرة المتفجّرة على السريع. لو أنّها انفجرت في يدي لكان صفّاني. كيف قبل المتبجّح على نفسه أن يفعل شيئًا كهذا؟ كان الأمر مريعًا. نعم، كان مريعًا. وبقلبٍ ثقيل، وبصوتٍ خفيضٍ جدًّا، تلجلجتُ:
«أنا خائف، يا سيّدتي.»
«ماذا تقول؟» سألت الشقراء.
لم تكن قد سمعتني. تنهّدتُ.
«لا شيء. الأمر فقط… أنا جائع، يا سيّدتي.»
رأيتُ نصف ابتسامةٍ على وجه الشقراء، وقد أضاءته سلفًا مصابيح الشارع الرئيس. رفعت يدها إلى الخيميائيّ الذي كان ينتظرنا قرب الشرطيّين، منغمسًا في حديثٍ مع السائق، وأجابت:
«لهذا دواء. هناك حانةٌ قريبةٌ جدًّا، بعد جسر ريدا. يقدّمون طعامًا لا بأس به. وما إن يصل الآخرون حتّى نذهب إليها. ما رأيك؟»
ابتسمتُ وأومأتُ.
«نعم يا سيّدتي. شكرًا جزيلًا. وهل الذئب الصغير مدعوٌّ أيضًا؟»
وهذا، بالطبع، كان يعني أنّها تدعوني أنا أيضًا بالمجّان… أليس كذلك؟ اتّسعت ابتسامة زالِن.
«بالطبع هو مدعوّ.»
ولحق بنا المجالِدون والزرقاء والهوبيت بعد قليل. وقبلوا فورًا فكرة الذهاب إلى الحانة التي اختارتها زالِن، وبينما كانوا جميعًا يتحدّثون في حيويّةٍ في الطريق، تبعتُهم أنا، لا أكاد أُنصت إليهم، وأجرّ الذئب الصغير خلفي. وكان الصغير لا يزال يحمل المعلّم معه، لفرحي الكبير، إذ لكان تصنيع الدمية من جديدٍ استغرق منّي صباحًا كاملًا، خاصّةً البحث عن العظام، إلّا إن…
عضضتُ شفتي، وقد تذكّرتُ فجأةً: كانت الكرة الأرجوانية لا تزال في جيبي، في وسط مخزون عظامي. أخرجتُها في هدوءٍ وأنا أسير خلف الكبار، وتفحّصتُها. لم تكن تُظهر أيّ روابط. كيف تُفعَّل؟ لو كنتُ أعرف كيف… لكن، تبًّا للجحيم، إن كان يابير يعرف كيف، فلا يمكن ألّا يقدر ساحر موتى على ذلك، أليس كذلك؟
وهكذا، وقد تشجّعتُ، ركّزتُ، وتحسّستُ النقش المتشابك، ولمستُ الروابط لمسًا عشوائيًّا نوعًا ما. وفجأةً سمعتُ شهقةً واستدار شوكينوري. كان قد وضع يدًا على عنقه (حيث يحفظ الأوبال الأسود، ربما؟) ومدّ يده الأخرى إليّ.
«أعِد لي ذلك يا فتى.»
كنّا سلفًا أمام الحانة تقريبًا، وهي بناءٌ جميلٌ مضيءٌ من أبنية قابضي المسامير. توقّفتُ ونظرتُ إلى يد الهوبيت في ضيق. ولم أستطع إلّا أن أتصنّع البراءة.
«أُعيد ماذا؟» سألتُ.
استدار يابير بدوره وتنحنح إذ فهم المشكلة.
«إنّها ليست لك يا فتى. هذه الكرة ملكٌ لمكتبة يادِبيا الكبرى.»
تعكّر وجهي. لم يكن ذلك عدلًا. فالكرة الأرجوانية صنعها ناكروس، ساحر موتى، ومن المنطقيّ أن تكون لساحر موتى آخر، أليس كذلك؟ ولعلّ شوكينوري رأى في ملامحي أنّني أبحث عن حجج، فأصرّ ومدّ يده. فهسّ أخي:
«أشيغ. أعِد ذلك.»
نظرتُ في عينَي الرجل الملتحي، ولمّا رأيتُه يقترب، أعدتُ الحجر الأرجوانيّ إلى شوكينوري. وانكسر قلبي. واغرورقت عيناي بالدمع، لكنّني جرعتُه، وشددتُ على أسناني، و… لم أطق، فأخذتُ الذئب الصغير ومضيتُ.
لم يلحقوا بي في الحال، فخطر لي لحظةً أنّهم فعلًا لا يعبأون بما أصنع بحياتي. لقد ساعدتُهم في البحث عن العظام، ولم أعد أستطيع أن أساعدهم في شيء. فنسوني. كالعادة، أليس كذلك؟ لكن، بينما كنتُ أصعد تلّة الميدان سلفًا نحو شارع الجرف الشاهق، أدركني كاكزايل.
«درائن.»
كانت أوّل مرّةٍ يناديني فيها باسمي الحقيقيّ. حسنًا، بالأحرى بالاسم الذي يناديني به الجميع إلّا هو وسامفين. أنزلتُ الذئب الصغير، واستدرتُ، ورحتُ أراقب أخي مقترِبًا من الظلال. وأتاح لي ضوءُ مصباحٍ بعيدٍ أن أرى وجهه، لكنّني لم أستطع أن أستبين الكثير عن حاله النفسيّ.
«قلتُ لك: إن عدتَ إلى تلك العصابة، فوداعًا للعائلة. أتذكر؟» سأل.
أومأتُ آليًّا. كنتُ أسمع همهمة النهر الخجول ينحدر على الصخرة، والأصوات البعيدة على ممشى الملاذ. ونسمة الشتاء التي أرعشتني. وجرسًا. وضحكةً مكتومة… وتنهيدة. تنهيدة أخي.
«في الحقيقة، لنفعلها هكذا»، قال بعد ذلك. «يمكنك أن تذهب الآن. سأمنحك يومًا واحدًا. يومًا واحدًا لتقرّر. إن لم تأتِ لتراني قبل مساء الغد، فإنّ والدينا، وسكيلروغ… وأنا، لن نبذل بعدها جهدًا من أجلك. سيعطي أبي وصفك للشرطة، كما يأمر القانون، وسيقول لهم أن يقبضوا عليك إن رأوك، لكنّك لن تذهب إلى دكّان الحلّاق ولا إلى مدرسة: بل ستذهب إلى دار الإحسان. كأيّ غواكٍ متشرّد.» ثمّ توقّف وأضاف: «وإن جئتَ غدًا، إن أثقتَ بي، فسأعاملك كأخ، وسأفعل كلّ ما في يدي، وكذلك أبي وأمّي.»
هززتُ رأسي واحتججتُ:
«قلتَ إنّهم سيرسلونني إلى دار الفتيان. هذه ليست معاملتي كالآخرين. لا أريد أن أُحبَس. أنا لستُ مجنونًا. أنا لستُ قاتلًا.»
وصمتُّ إذ جثم كاكزايل أمامي وأكّد:
«ولا أحد يظنّك مجنونًا يا أشيغ. الأمر فقط… لا يزال أمامك كثيرٌ لتتعلّمه، ووالدانا لا يستطيعان أن يمنحاك كلّ الوقت الذي تحتاجه. إنّهما يعملان. وعليهما أن يُطعما العائلة. لهذا يظنّان أنّ الأفضل لك أن تتعلّم الأخلاق الحسنة في دارٍ خاصّة. لبضعة أقمارٍ فقط ربّما، لا أكثر، إلى أن يرى المعلّمون أنّك تركتَ العادات السيّئة. ثِق بي يا فتى. والدانا لا يريدان إلّا الأفضل لأبنائهما. لكلّ أبنائهما. وأنت منهم. وإن لم يقدرا على أن يمنحاك مستقبلًا، فلن يكون ذلك ذنبهما. أتفهمني؟»
جرعتُ ريقي وأومأتُ من جديد. فتنحنح كاكزايل.
«أحسّ أنّني إن تركتُك تذهب الآن فلن تعود… لكنّني قرّرتُ أن أثق بك. لم تعد طفلًا صغيرًا. أرجو أن تُحسن الاختيار. وأيّما اخترتَ… لا يمكنك أن ترتدّ عن الطريق الذي تسلكه.» توقّف واستقام، وأضاف: «فكّر جيّدًا يا أشيغ. فكّر جيّدًا. تعلم أنّني سيّئٌ جدًّا في الخطب، لذا… لا أقول لك إلّا إنّني سأحزن حزنًا شديدًا إن لم تأتِ لتراني غدًا.»
ربت على كتفي، وابتسم لي، ثمّ، بلا مزيدٍ من الكلام، أدار لي ظهره ومضى. وبقيتُ أنا صامتًا كالجدار. لكن في داخلي كانت تُخاض معركة ألف شيطان. رفاقي في مواجهة عائلتي. حاضري في مواجهة مستقبلي. أيّ مأزقٍ مريعٍ هذا، أليس كذلك؟ لكنّ الأمر كان هذا بالضبط.
مضيتُ صاعدًا التلّة، وتبعني الذئب الصغير. كنتُ أجرجر قدميّ كأنّني أسحب سلسلةً ثقيلة. وأخيرًا وصلتُ إلى شارع الجرف الشاهق، وتكوّمتُ عند قاعدة السور الحجريّ المطلّ على الوادي السحيق. ودون أن أفكّر في الأمر أصلًا، أمسكتُ الذئب الصغير، فجلس هو، وكان على خلافي هادئًا جدًّا، إلى جانبي في طاعة. ثمّ غرزتُ رأسي بين ذراعيّ وأغمضتُ عينيّ، ورأسي يحترق. كم كان كاكزايل طيّبًا! وكذلك سامفين. ثمّ سكيلروغ، معلّم المدرسة. وبالقياس، لا بدّ أنّ والديّ كانا كذلك أيضًا. والآخرين. كانت عائلتي كلّها أناسًا طيّبين. وكانوا يريدونني أن أتعلّم، كانوا يعرضون عليّ مستقبلًا! وكلّما فكّرتُ في ذلك أكثر، تدحرجت الدموع على وجنتيّ أكثر. لأنّ أصدقائي كانوا أناسًا طيّبين أيضًا. وكانوا كلّ العائلة التي كانت لي حتّى تلك اللحظة، إن لم نعدّ يال ورولغ. كانوا إخوتي. مانراس وديل، والقِسّ، والغطّاس… مجرّد التفكير في تركهم إلى الأبد كان يمزّقني من الداخل. تمشي، قال كاكزايل إنّه سيحزن إن لم أحضر في الغد إلى بيته، لكنّني، في هذه اللحظة، كنتُ أشعر بأسوأ من ذلك بكثير! لأنّني لم أكن أدري ما أفعل، لأنّني مهما فعلتُ، فسعادتي ذاهبةٌ إلى الجحيم.
وقلق الذئب الصغير عليّ وحاول أن يستدرجني إلى اللعب بالمعلّم، لكن بلا جدوى. لم أرفع رأسي مرّةً واحدة. وفجأةً أحسستُ أنفًا باردًا ونَفَس كلب، ودون أن أنظر حتّى إلى داكيس، ركعتُ وطوّقتُ عنقه بذراعيّ، وواصلتُ البكاء.
«كُفّ عن البكاء يا مور إلدال. لا نفع في ذلك.»
ترددّ في رأسي صوت معلّمي الناكروس. كان من الوضوح إلى حدٍّ جعلني أظنّ لحظةً أنّ كلب الجحيم الضبابيّ كلّمني. لكن لا، كانت التناغمات. كان رأسي الملعون يخدعني من جديد.
«أنا تائهٌ يا داكيس»، نشجتُ. «لماذا يريدنا الناس دائمًا أن نختار بين شيئين؟ لماذا لا نستطيع أن نعيش بلا اختيار؟ أنا أكره الاختيار»، تلجلجتُ.
كنتُ تائهًا. أردتُ أن أذهب بعيدًا، أن أترك هذه الفوضى كلّها وأذهب إلى… أذهب إلى… وخطرت لي فكرةٌ فكدتُ أهدأ في الحال. أثارت الفكرة حماستي. أبهرتني. لم أقدر على الوصول إلى خلاصة، فلِمَ لا أطلب مشورة؟ ولم أكن أعرف إلّا شخصًا واحدًا يستطيع أن يمنحني المشورة الكاملة.
ابتعدتُ عن كلب الجحيم ومسحتُ عينيّ مبتسمًا. لقد وجدتُ الحلّ. رمقتُ المعلّم الذي كان الذئب الصغير يلعب به، وأفرغتُ نَفَسي في ارتياح.
«أنا ذاهبٌ إلى البيت.»
* شيور: نداءٌ ودّيٌّ دارج، بمعنى «يا صاحبي/يا رجل».
* شوك: صيغةٌ مختصرةٌ أليفةٌ من اسم شوكينوري.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion