Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 74
كانت غرفة الطعام هادئة. كان سامفين يخربش على ورقةٍ بهيئة الطالب المجدّ؛ وكان ساروفا يلوي فمه ويُحدّق في ورقته كأنّه يحاول أن يكشف سرًّا عظيمًا؛ وكانت ميلي تلعب مع نات وليوايزا على الأرض. وكان يصل من الغرفة صوت «كلاك، كلاك» مقصّ الحلّاق الذي لم يكفّ عن العمل. أمّا السيّدة، فكانت جالسةً في مقعدٍ وثيرٍ صغيرٍ قرب المدفأة، ترقع الثياب وهي تُدندن.
وأمّا أنا، فكنتُ جالسًا في الطرف الآخر من الطاولة أُقطّع البصل للعشاء. كنتُ أبكي كسجينٍ مُدان.
خمسة أيّام. كنتُ في دكّان الحلّاق منذ خمسة أيّامٍ بالفعل، معزولًا عن العالم كما كنتُ في الوادي تقريبًا. مرّتين عانيتُ عقوبة الصمت، ومثلَهما عقوبة الحزام، وكلّ ذلك بسبب لغتي «الوقحة» أو لأنّني لم أُفلح في التزام السكوت. لا شيء موجعٌ جدًّا ولا مُروِّع، لكنّ كلّ عقوبةٍ كانت تملأني حَيرةً، لأنّني لم أكن أعرف قطُّ متى يرى الحلّاق هذه الكلمة أو تلك مقبولةً أو غير محتمَلة. في الليلتين الأولَيَين، ظللتُ أُعيد في رأسي الكلماتِ المحرّمة التي نلتُ من أجلها صفعةً على الرأس أو تحذيرًا… وسرعان ما صارت القائمة بلا نهاية، ومن المنطقيّ أنّني مللتُها.
ومنذ يومين صرتُ المسؤول عن تقطيع الخضار. فقد ضبطني الحلّاق وأنا أُعطي سام* نصائح ضدّ مُضطهِديه في مدرسة الدردار، وحين سأل عمّا ننوي، أكّد سامفين أنّني لم أُرِد إلّا أن أساعده في واجباته. فردّ الحلّاق: حسنًا إذن، من الآن فصاعدًا سيتولّى أشيغ الأعمال المنزليّة التي تقوم بها عادةً، وهكذا يصير لديك وقتٌ أطول للدراسة؛ ولعلّك تنجح حتّى في تحسين درجاتك والانتفاع بالمال الذي دفعناه لتسجيلك.
تلقّى سامفين الجواب بموجةٍ من التوبة، وعلى مدى اليومين التاليَين لم يرفع رأسه عن كتبه. وهكذا صار المهندسُ المعماريُّ العظيم يُشهر القلم كالنّاسخ.
أنهيتُ تقطيع البصلة اللعينة وذهبتُ لأضعها في القِدر. رفعت يالما عينيها عن خياطتها، ونظرت إليّ، وابتسمت، وقالت شيئًا بلغة الوادي. فقهقه ساروفا وسامفين. بدوتُ في حَيرة.
«لا أفتَهِم»، اعترفتُ.
انفجر ساروفا ضاحكًا، واعتذرت يالما بالدريونسانية:
«آه. آسفة، لم أنتبه بأيّ لغةٍ كنتُ أتكلّم. كنتُ أقول إنّك لو أُعطيتَ دورًا في مأساةٍ الآن، لأدّيتَه أداءً رائعًا.»
آه. قالت ذلك لأنّ عينيّ كانتا مليئتين بالدموع وأنفي يسيل، فهمتُ. حاولتُ أن أمسح وجهي. زفرت أمّي مُتسلّية.
«مهلًا. أرجوك لا تملأ القِدر مُخاطًا. خُذ، امتخط بهذا.»
مدّت إليّ منديلًا. لم يكن ناعمًا كالمناديل التي كنتُ أقتنصها من قابضي المسامير، لكنّه لم يكن كخرقة فيكس العجوز المُثقّبة أيضًا. قبلتُه مندهشًا، وكنتُ أمسح وجهي بأفضل ما أستطيع، حين سمعتُ فجأةً في الدكّان صوتًا عرفتُه. لم يكن صوت الحلّاق، ولا صوت زبون. كان صوت طفلٍ يسأل ببراءة: هل الحاذق هنا؟
أخذتُ نَفَسًا عميقًا، ورميتُ المنديل في حماسةٍ واندفعتُ إلى الدكّان. وحين أدخلتُ رأسي من الباب الموارب، ملأني الفرح. كان الواقفان عند مدخل الدكّان هما…
«رفاقي!» هتفتُ.
تقدّمتُ خطوةً، فاندفعا نحوي رغم «اخرجا!» المُدوّية التي أطلقها الحلّاق. ابتسم ديل ابتسامةً عريضة؛ ورمى مانراس:
«هربنا من دار الإحسان! جاءني أدويا وسألني عن اسمي، فقلتُ له نات، لكنّه نظر إليّ بوجهٍ غريبٍ إلى حدّ أنّ…»
«إلى حدّ أنّني قلتُ له: عرفَنا، هيّا نفرّ»، أكمل ديل.
«وهذا ما فعلناه»، خلص الإلف المظلم الصغير. «هيّا! لنعد إلى الشارع. لنبحث عن القِسّ…»
كان يجذبني من كُمّي، وقد قلِق الآن من النظرة على وجه الحلّاق. وزاد قلقه حين رأى أنّني أقاوم. تدخّل الحلّاق فخلّصني من أيدي رفاقي. ثمّ صرتُ أنا من يحاول الذهاب إليهما، لكنّ الحلّاق، بعد أن دفع مانراس وديل نحو المخرج بـ«اخرجا وإلّا نادَيتُ الحرس!»، أمسك بي.
«اتركني!» احتججتُ. «يا رفاق، أنا ذاهبٌ معكم!»
لم يُفلتني الحلّاق، وفهمتُ أنّني إن لم أتّخذ تدابير عاجلة، فسيمضي رفيقاي الصغيران على غير هدى، وإن لم يجدا القِسّ فسيذهبان بالتأكيد إلى مأوى السريع، وفي الطريق سيصطدمان بأدويا وكلابه السبعة. وحينها، من يدري ما الذي سيحدث؟ فاستعملتُ إحدى تلك الحِيَل للإفلات: رفستُ الحلّاق في ساقه، وانتزعتُ نفسي بحدّة، واندفعتُ إلى الباب الذي كان قد أُغلق من تلقاء نفسه. فتحتُه بعُنف. في البداية كنتُ أنوي الخروج، لكنّ شيئًا جعلني أُغيّر رأيي، فصحتُ:
«شيوران*! اذهبا إلى ابن عمّي واشرحا له المشكلة. قولا له إنّني أرسلتكما. لا تذهبا إلى السريع. إنّه…»
لم يُتَح لي وقتٌ لإتمام الجملة. جُذبتُ إلى الخلف، وأُغلق الباب، وانهال عليّ وابلٌ من الضربات. هذه العقوبة، على الأقلّ، فهمتُها: لقد ضربتُ أبي، ولم أحترمه. كان ذلك في سبيل قضيّةٍ نبيلة، لكنّ الحلّاق لم يكن يعلم ذلك. لم يكن يعرف الصقر الأسود: وكان من العبث أن أشرح له مدى خطورته.
كان الحلّاق في مزاجٍ أسود.
«لقد تجاوزتَ الحدّ يا شقيّ»، زمجر في وجهي.
ولم يُفلتني إلّا ليذهب ويُغلق أقفال الدكّان. كان واضحًا أنّه اتّخذ قرارًا مهمًّا، قرارًا يتعلّق بي… لن يبلغ به الأمر أن يقتلني، أليس كذلك؟ شعرتُ بالخطر، وحين رأيتُ أمواس الحلاقة، مرّت بي فكرةٌ مُريعة. لم أمسّها، طبعًا، لكنّ الحلّاق لمح نظرتي، فاستشاط غضبه.
«لا تُفكّر في ذلك حتّى»، نَعَق.
أمسكني من عنقي ودفعني بلا مبالاةٍ إلى المطبخ، ومنه مباشرةً إلى المخزن، وأغلق عليّ الباب. لم ألمح إلّا وجوه إخوتي وأمّي المذعورة قبل أن أجد نفسي في العتمة.
جلستُ، وبعد لحظةِ صمتٍ أطلقتُ بهدوء:
«تبًّا للجحيم.»
وبعد لحظة، لم يعد على الجانب الآخر من الباب إلّا صوت أدوات المائدة وبعض الهمهمات. كانت الأسرة تتعشّى. خُيّل إليّ أنّني سمعتُ تعليقًا عن دراسة سامفين، وحدثت جلبةٌ خفيفة حين وصلت كسيلا بائعة الزهور تعتذر عن التأخّر وتقول إنّ العمل كان كثيرًا في المتجر. ولم يقولوا أكثر من ذلك حتّى سأل سامفين:
«ماذا ستفعل بأشيغ يا أبي؟»
«همف. لا شأنَ لك بذلك يا بُنيّ. هل انتهى الجميع؟ إذن إلى غُرَفكم.» سُمعت همهمة، فأجاب الحلّاق: «ستُراجع درس الأدب غدًا يا سامفين. الآن، إلى غرفتك.»
كانت النبرة صارمةً لا تلين. سُمع صريرُ الكراسيّ، ثمّ صمتٌ ثقيل. دقّت الساعة التاسعة. كان لا يزال ضوءٌ خفيفٌ يتسرّب من شقّ الباب، فالمطبخ إذن ما زال مشغولًا. ألصقتُ أذني بالخشب، وفي الصمت سمعتُ صوتًا كأنّ أحدًا قلَب صفحةَ كتاب. ثمّ قال صوت يالما الرقيق:
«تقلق أكثر من اللازم يا أرول. دعني أخبرك بما يحتاجه هذا الصبيّ. جرعةٌ صالحةٌ من الحزم والحنان. لا يمكنك أن تلومه لأنّه لم يجد من يُعلّمه تلك الأمور.»
«لا؟ أظنّ لا. لكنّ ذلك لا يجعله إنسانًا أفضل»، أجاب الحلّاق. «إنّه صبيٌّ جانحٌ يا عزيزتي. وقد نستيقظ يومًا فنجد أنّه أفرغ خِزانتنا وهرب. وهذا في أحسن الأحوال…»
«صهْ»، أسكتته يالما. «لعلّه يسمعنا الآن.»
ساد صمت. ثمّ قال الحلّاق:
«غدًا سآخذه إلى الدار. أُفضّل أن أدفع زيادةً ويقبلوه الآن.»
سمعتُ تنهيدة.
«قرارٌ حكيم، على ما أظنّ»، أجابت يالما.
لم أسمع شيئًا آخر. لكنّ ذلك كفاني. كفاني لأعرف أنّني في هذه الأيّام الخمسة حاولتُ أن أتصرّف كأفضل غواك… بلا جدوى. كان والداي لا يزالان يريدان حبسي في دار الفتيان. شعرتُ بالغدر، وبأنّني مخدوعٌ مُحتقَر. لأنّني كنتُ أعتقد أنّهما، على الرغم من خلافاتنا، قد بدآ يُحبّانني قليلًا. كنتُ أظنّ أنّ الحلّاق إن قوّمني وأوسعني ضربًا، فذلك لأنّه يريد أن يُعلّمني، لا لأنّه يريد أن يُهيّئني لإرسالي إلى السجن. جحيم، لن يكون هناك أيّ فرقٍ لو أرسلوني إلى القرنفل مباشرةً! كلّ ما عليك أن تفعله لتدخلها هو أن ترمي عربةً بالحجارة، فيُرسلونك إلى هناك بالمجّان. تبًّا للجحيم.
كانت قد جاوزت العاشرة حين انطفأ ضوء المطبخ وبقيتُ في ظلامٍ تامّ. حسنًا. وقتُ القرار: أأبقى أم أرحل؟
أغمضتُ عينيّ وفكّرتُ في معلّمي الناكروس. ما الذي قاله لي؟
«ذلك هو الأهمّ يا مور إلدال. كُن دائمًا الشخص الذي تُحبّ أن تكونه.»
وحسنًا، كيف لا أحتقر نفسي بعد أن أترك مانراس في خطرٍ يُطارده أدويا وسبعةُ كلابٍ وأبٌ شرّير؟ كان إخوتي في أمان. أمّا رفاقي فلا. من تلك النقطة، صار القرار بسيطًا. رفعتُ عينيّ نحو الباب، غير المرئيّ في العتمة. تحسّستُ فوجدتُ القُفل.
لِصًّا، فتح أبوابًا كثيرة.
فهل يقدر أن يفتح بابه هو؟
وبعد أن حزمتُ أمري، شعرتُ بانفجار حماسةٍ مفاجئ، فرميتُ تعويذة نورٍ متناغم، وقلّبتُ كلّ الأشياء. وأخيرًا وجدتُ أداةً قد تُفيدني. هذه المرّة لم أتكبّد عناء الحفاظ على القُفل، لكنّني حرصتُ على أن أكون صامتًا بأقصى ما أستطيع. رميتُ عدّة تعاويذ إسكات، وعملتُ برهةً، و… كلاك. طار مِزلاج القُفل.
وحين صرتُ في غرفة الطعام، قلّبتُ حقيبة سامفين المدرسيّة، ومزّقتُ ورقةً فارغةً من دفتره، ودون أن أتكبّد عناء إخراج ريشةٍ وحبر، غمستُ إصبعي في فحم المدفأة وكتبتُ: آسف. ووقّعتُ باسمي: درائن. وبذلك سيفهمون أنّهم لم يعودوا مضطرّين للقلق على سُمعة الأسرة: كنتُ أتبرّأ من نفسي.
ذهبتُ إلى النافذة الوحيدة في المطبخ. كانت في أعلى الحائط، لأنّها من الجهة الأخرى تُطلّ على زقاقٍ مسدودٍ أعلى في الصخرة. رفعتُ نفسي إليها بعد أن وضعتُ مقعدًا صغيرًا على كرسيّ. كانت الفتحة مُقضَّبة، لكنّني حين نظّفتُ النوافذ في الليلة السابقة لاحظتُ أنّ أحد القضبان قد أكله الصدأ. كان كسرُه لعبةَ أطفال، وقبل منتصف الليل كنتُ أسير بالفعل في شوارع تارميل. ولم أُفرِغ الخِزانة ولم أقتل أحدًا. لأنّني لم أكن نذلًا ولا قاتلًا: كنتُ ببساطةٍ غواكًا حرًّا وخنجرًا أسود، ومعنى ذلك أنّني لا أستطيع أن أبقى محبوسًا. فـ: أيو، أيو، ولكلٍّ خبزُه وأحزانه.
كانت ليلةَ يوم اللطف إلى اليوم المقدّس، ولم يكن البرد شديدًا، وكانت الشوارع لا تزال عامرة. توجّهتُ إلى الجادّة. ولم أصل إلى بيت يال مباشرةً، لأنّني التقيتُ في الطريق غارمون وبعض صبيان الصحف الذين أعرفهم، وإذ رأيتُهم يلعبون الزار في زاويةٍ والصحف تحت آباطهم، وكنتُ أموت شوقًا إلى أن أفعل شيئًا وأُطلق لساني ومزاجي المرِح، اقتربتُ منهم وقلتُ:
«إيه يا غارمون، سعيدٌ برؤيتك!»
طبيعيّ، كانوا يتذكّرون الحاذق، فاستقبلوني بفرح. أمضيتُ معهم ساعةً كاملة، ساعةً أيقظت روحي بعد قمرٍ في الجبال وخمسة أيّامٍ من تمثيل دور الابن المُطيع. لكنّ الجماعة تفرّقت بعد ذلك، بين من كان عليه أن يبيع ما تبقّى من صحفه تحت طائلة العقاب، ومن كان ذاهبًا ليُعيدها إلى مكتب الصحيفة. تبعتُ هؤلاء الأخيرين إلى الجادّة وودّعتُهم.
حسنًا، لم يبقَ عليّ إلّا أن أقطع الساحة وأدخل البيت الذي يسكنه يال. كنتُ قد رأيته مرّتين من قبل في الأسبوعين اللذين تلَيا سرقة السولانس. كنتُ أعرف موضعه تمامًا.
قطعتُ الساحة الضخمة الساكنة مُتجنّبًا أعمدة النور لكي لا أجذب انتباه رجال الأمن، وتوقّفتُ عند باب البيت. كانت جميع النوافذ مُعتِمة. وبعد لحظة تردّد، قرعتُ. عادةً كان هناك بوّاب. لم يأتِ ليفتح الباب. قرعتُ أقوى. لا شيء. رفعتُ عينيّ إلى نافذة يال وحاولتُ أن أتسلّق الجدار الحجريّ…
«إيه، أنت!» نادى صوتٌ من خلفي.
تبًّا للجحيم. تركتُ نفسي أسقط، وحططتُ على الأرض، فرأيتُ ذبابةً تقترب. انقلعتُ. وبعد ثوانٍ قليلة شتمتُ نفسي إسطرباغًا. ما الذي تقدر الذبابةُ أن تفعله بي؟ لم أفعل إلّا أنّني تسلّقتُ جدارًا قليلًا، أليس كذلك؟ نفخت الذبابةُ في صفّارتها، وفورًا تقريبًا ظهرت ذبابةٌ أخرى أمامي. كبحتُ فجأةً في شارعٍ ملاصقٍ للجادّة، واستدرتُ، و… إذ رأيتُ نفسي محصورًا، احتججتُ:
«لم أفعل شيئًا!»
وعلى أملِ أن يُشوّش ذلك تركيزهما، انطلقتُ راكضًا، هذه المرّة نحو الجادّة. ونجحتُ في الإفلات من ذراعَي الذبابة المفتوحتين. و… بام، شعرتُ فجأةً بصدمة. في البداية ظننتُ أنّ الذبابة استخدمت ماغارا، ثمّ فكّرتُ في تميمة أزلاريا وبقيتُ في حَيرةٍ لحظةً قبل أن أُفكّر: لا، إنّها ماغارا. أليست كذلك؟ كلّفني تردّدي غاليًا: أمسك بي الذباب.
«ألا تعرف أنّ الأطفال الطيّبين ينامون في بيوتهم في هذه الساعة؟» سألني أحدهما، الأطول. «أين تسكن؟»
لم أفتح فمي. كان إيقاظ يال في الواحدة صباحًا أمرًا، وإيقاظه وأنا في صحبة الذباب أمرًا آخر. لو كان معي بعض المال لأطلقاني بالتأكيد. لكن لا، لم يكن معي مسمارٌ واحد.
شيءٌ في هيئتي وصمتي جعل آسِرَيّ يُخمّنان حالي. قال الأطول:
«ستُمضي هذه الليلة في السجن إن لم تُجب يا فتى.»
ولم ينتظر جوابي، الذي لم يكن سيأتي على أيّ حال: دفعني نحو الجادّة وجعلني أقطعها كلّها إلى مركز الشرطة المركزيّ. كدتُ أقول له: أعرف الطريق. لكنتُ تركتُ انطباعًا قدّيسيًّا شفيعًا. لكنّ لمسةً من الحذر كفّتني.
فدخلتُ مركز الشرطة، حيث سألوني عن اسمي الأوّل. قلتُ لهم: درائن. وحين سألوني عن اسم عائلتي، قلتُ:
«ليس لي اسم عائلة.»
لم يُلِحّوا. ولم يُفتّشوني حتّى. وضعوني في الزنزانة ونسوني. قلتُ بلا تكلّف:
«أيو.»
وذهبتُ فجلستُ في مكانٍ فارغ. كان هناك خمسة سكارى، ورجلٌ عجوزٌ من الوادي بهيئة متشرّد، وغواكٌ أصغر منّي قليلًا. جلستُ إلى جانب هذين الأخيرين، وأنزلتُ قبّعتي على عينيّ، وتهيّأتُ للنوم. كان السكارى يصرخون فيما بينهم وتفوح منهم رائحةٌ كالشياطين، لكنّني نمتُ في ظروفٍ أسوأ. وبعد حين همس الغواك:
«اسمي دافيك.»
لم أتكبّد عناء رفع القبّعة، فقد كنتُ قد تفقّدتُ الفتى بسرعةٍ من قبل: كان إلفًا أرضيًّا صغيرًا، بأذنَين كبيرتَين على نحوٍ خاصّ، وبهيئة من عاش في الشارع منذ أن صار قادرًا على السير على قدمين. ومع ذلك لم يبدُ أنّ مركز الشرطة مألوفٌ لديه. أجبتُ:
«درائن الحاذق.»
سمعتُه يشهق.
«أعرفك أنا!» همس. «أنتَ من أنقذ السوكواتيين، صحيح؟ من عصابة السريع.»
رفعتُ قبّعتي لحظةً لأنظر إليه، وأطلقتُ «همم» تأكيدٍ بسيطة. في قرارة نفسي كنتُ أشعر بالزهو. أنّ غواكاتٍ لا أعرفهم يعرفونني كان أمرًا مُقلِقًا ومُبهجًا لاعتزازي بنفسي في آنٍ واحد. سألني بحماسة:
«على ماذا اقتنصوك؟»
ابتسمتُ. شيءٌ مثل «تسكّع غواك» كان سيبدو مألوفًا أكثر من اللازم. فأجبتُ:
«لأنّني كنتُ أُطلق لساني أكثر من اللازم. تعرف كم الذباب حسّاس. آنساتٌ رقيقاتُ الآذان. وأنت؟»
بطرف عيني رأيتُ دافيك يعضّ شفته ويُفكّر قبل أن يقول:
«لأنّني عضضتُ شيئًا.»
«حقًّا؟ وماذا عضضت؟» سألتُ ساخرًا.
«سا… ساعة قابض مسامير»، قال.
ابتسمتُ، لأنّه كان واضحًا أنّ الغواك يكذب ليُحسّن صورته. أشرتُ إشارة استحسانٍ وهنّأتُه:
«ليس سيّئًا يا غواك. قابضو المسامير لا يحتاجون إلى حمل ساعة. وهم على أيّ حالٍ لا يعملون، ولا نقصَ في الحبوب في قبوهم. أمّا لو سرقتَ دجاجةً من بيتٍ فقير، فذلك خطأٌ بيّن. لكن ساعةَ قابض مسامير؟ ذلك سليمٌ بجنون. المهمّ في هذه الصنعة أن يكون للمرء مبادئ، تبًّا للجحيم.»
كان دافيك يُومئ لكلّ ما أقول. ولا بدّ من الاعتراف بأنّ ما كنتُ أقوله كان مثيرًا وصحيحًا بجنون. وما أسهل ما كنتُ أجد كلّ الكلمات المحرّمة، وما أشدّ ما كنتُ أستمتع بقولها. أخيرًا، صرتُ أنا نفسي مرّةً أخرى، مور إلدال، لا الغواكَ التائبَ زورًا الذي احتمل، من أجل فرصة التعرّف إلى أسرته، ساعاتٍ من ضجرٍ وحشيّ.
وبعد حين قلتُ له:
«قل لي. أتعرف من هو الصقر الأسود؟»
«الـ… طبيعيّ، الصقر الأسود، نعم، إنّه شيطان منجم السوكواتا»، قال دافيك. «الجميع يعرف الحكاية. صديقٌ لي يقول إنّكم أنتم السوكواتيين مُتحوّلون.»
«لقد شُفينا»، أكّدتُ له. «حسنًا. وماذا تعرف أيضًا عن هذا الشيطان؟»
هزّ الإلف كتفيه.
«لا شيء.»
«وماذا عن الرجل ذي الكلاب السبعة؟ أدويا. أتعرفه؟» استفسرتُ.
سقط سكرانٌ عن مقعده وضحك بصوتٍ عالٍ وهو يسبّ. أومأ دافيك عاقدًا جبينه.
«أعرف ذاك الرجل فعلًا. في اليوم الآخر انقضّت عليّ كلابه. انظر، لا تزال بي علامات.»
رأيتُها، وفهمتُ كذلك بسهولةٍ أكبر هيئته المُزرية. كانت ثيابه ممزّقةً في مواضع كثيرة.
«رعودُ الرعود»، زفرتُ. «وماذا فعل بك أدويا؟»
هزّ الإلف رأسه نفيًا.
«لا شيء. حين رأى وجهي قال: «كلابٌ غبيّة، ليس هو»، ومضى وحسب. ظننتُ أنّني سأُؤكل. صديقٌ لي يقول إنّها فعلتها من قبل، إنّ هذه الشياطين أكلت أطفالًا صغارًا قبلًا. أسنانها ضخمة.»
بقيتُ شارد الذهن مهمومًا. وبعد صمتٍ أضاف دافيك مُتردّدًا:
«سألني عن شيءٍ واحد.»
أدرتُ رأسي بحدّةٍ نحوه.
«ماذا؟»
«إن كنتُ أعرف غواكًا اسمه مانراس.»
تخشّبتُ.
«وماذا قلتَ له؟»
«حسنًا، قلتُ إنّني لا أعرفه. وسألني عن شيءٍ آخر»، اعترف.
«ماذا؟» ضغطتُ عليه.
نظر إليّ دافيك بفضول.
«إن كنتُ أعرف فتًى نُحاسيًّا في العاشرة أو الحادية عشرة اسمه درائن.» شهقتُ، فأضاف: «قلتُ له إنّ في المتاهة غواكاتٍ نُحاسيّين كثيرين لكنّني لا أعرف أحدًا اسمه درائن. أنا لا أُغنّي.»
تساءلتُ في تلك اللحظة إن كان قد غطّاني عن قصدٍ أم لأنّه لم يكن يعلم، قبل أن يراني، أنّني إنسانٌ من الوادي. بَه. بدا دافيك غواكًا صادقًا مستقيمًا، فأهديتُه ابتسامةً عارفة.
«أحسنتَ يا رفيق.»
ومع ذلك، كانت فكرةُ أنّ أدويا يبحث عنّي مُحيِّرة. ما شأني أنا بالصقر الأسود؟ اللهمّ إلّا أنّني قوّضتُ ثروته ومنجم السالبرونيكس، لكنّ ييرّيس وسلا وأبيريل، وحسنًا، حِزمةً طيّبةً من الخناجر السوداء قد ساهموا في ذلك أيضًا.
إلّا إذا… رمشتُ. إلّا إذا كشف أدويا للصقر الأسود أنّني أنا من قتل واروك. في هذه الحالة… تبًّا للجحيم. في هذه الحالة، كنتُ هالكًا.
كورثر، فكّرتُ. يمكنه أن يساعدني. على الرغم من الحِيَل السيّئة التي لعبتُها عليه في الماضي، لن يرضى كابُ الخناجر السوداء أن يرى ساريًا يُصفّيه إسطرباغٌ مثل الصقر الأسود، أليس كذلك؟ إلّا أنّني لا أستطيع الذهاب إلى بيته في وضح النهار. ثمّ إنّ كورثر كان قد طلب منّي ألّا أضع قدمي في بيته الأبيض مرّةً أخرى. لكن إن لم يرَني أحدٌ أدخل، فما شأنه؟
حزمتُ أمري. قمتُ، وسِرتُ إلى القضبان، وتمتمتُ مُتلجلجًا لذبابةٍ عابرة:
«سيّدي. لستُ بخير.»
«إذن تعلّم أن تكون أفضل يا فتى»، أجاب ساخرًا.
عددتُ إلى عشرين. وأعدتُ شكواي. ثمّ أعدتُها. ثمّ أعدتُها مرّةً ومرّة. ثمّ سقطتُ فجأةً على الأرض أتلوّى وأُصدر أصوات اختناق. لم يدُم ذلك إلّا لحظاتٍ حتّى لاحظ الجميع. ثمّ بقيتُ ساكنًا كأنّني فقدتُ الوعي.
لحظةً خشيتُ أن يتركوني هناك حتّى الفجر، فتكون مسرحيّتي الصغيرة بلا جدوى. لكن لا، فتحت ذبابةٌ الباب أخيرًا، فأخرجوني وحملوني بعيدًا. وضعوني على شيءٍ صلب. لعلّه طاولةٌ أو نقّالةٌ خشبيّة. انتظرتُ، وحين لم أسمع شيئًا فتحتُ عينيّ. كانوا قد تركوني وحدي في غرفةٍ في انتظار الطبيب. رائع.
رمقتُ النوافذ. كانت اثنتين. واحدةٌ كبيرةٌ بقضبان. والأخرى صغيرة، لكن بلا قضبان. وبلا زُجاجٍ أيضًا. بقفزةٍ تركتُ النقّالة، وأخذتُ كرسيًّا كان هناك، وصعدتُ عليه، ورفعتُ نفسي إلى الفتحة، ومرحى، وجدتُ نفسي في الخارج، في زقاقٍ بجانب مركز الشرطة. ابتسمتُ فخورًا جدًّا بحركتي، وركضتُ صاعدًا المنحدر نحو أتويرثو. كان ذلك آخر اتّجاهٍ يتوقّعون أن أسلكه، اتّجاه الأحياء الغنيّة.
قطعتُ شارع الحِرفيّين، ومررتُ بالمعبد الكبير، ووصلتُ قرب محكمة العدل. دُرتُ حولها. وقطعتُ الجادّة الإمبراطورية بأقصى ما أستطيع من الهدوء، وبعد لحظةٍ كنتُ أسير في الحديقة الخلفيّة لبيت كورثر.
لم أقرع في الحال. تسلّلتُ حول الرِّواق، من نافذةٍ إلى نافذة، وإذ رأيتُ أنّ الداخل كلّه مُعتِم، كنتُ على وشك أن أعود إلى الباب مُحاوِلًا أن أُقنع نفسي بأنّ كورثر لن يلوي عنقي بسبب زيارتي في غير وقتها، حين سمعتُ فجأةً حَسيس أوراقٍ خلفي، و… ضغطتُ نفسي على الحائط وأحطتُ نفسي بظلالٍ متناغمة.
«كثيفةٌ جدًّا»، قال صوتٌ خفيضٌ فجأةً.
متوتّرًا، مسحتُ الشُّجَيرات والدوالي بعينيّ. من الـ…؟
«التناغمات»، شرح الصوت. «كثيفةٌ جدًّا. وقد استعملتَها متأخّرًا جدًّا. لا يزال أمامك الكثير لتتعلّمه يا ساري.»
فتحتُ عينيّ على وسعهما غير مُصدّق.
«إلَسّار*؟»
جاء الشكل من مكانٍ غير المكان الذي بدا أنّ الصوت أتى منه. ولم يتبدّد شكّي إلّا حين عرفتُ وجه يال في ضوء القمر.
«يا للأمّ الصالحة»، أفلتَت منّي. «ما الـ…؟ أين رفاقي؟»
بدا أنّ السؤال أربكه. لا شكّ أنّه كان يتوقّع انفجارًا: «يال، ما أسعدني برؤيتك!». لكنّ وجوده عند كورثر حيّرني. أشرتُ إشارةً عصبيّة.
«أرسلتُ… أرسلتُ رفاقي إلى بيتك. ألم ترَهما؟» سألتُ.
زفر يالِت وتوقّف إلى جانبي على الرِّواق.
«حسنًا، لم أرَهما. لم أرَهما منذ أن جاءا قبل قمرٍ ليُخبراني أنّك ذهبتَ لرؤية معلّمك في الوادي. عليّ أن أعترف أنّك تركتَنا جميعًا، إيه… مندهشين تمامًا»، تنحنح. «مرّ روغان ليراني حين عُدتَ. أرى أنّك لم تدُم طويلًا في دكّان الحلّاق.»
تنهّدتُ.
«حسنًا…» لم أدرِ ما أقول في هذا الشأن، فبعد صمتٍ شرحتُ: «أريد أن أتحدّث إلى كورثر.»
«همف.» اتّكأ يال على الحائط إلى جانبي وهو يسبر العتمة. «ليس هنا. أوصاني تحديدًا أن أبقى لكي لا تبقى ابنته وحدها. هذه أوّل مرّةٍ يطلب منّي فيها خدمةً كهذه. في الآونة الأخيرة صار الكاب مشغولًا جدًّا.» توقّف ثمّ أضاف: «لندخل.»
كان قد خرج من نافذةٍ تقع خلف زاوية الرِّواق. تسلّلنا إلى الداخل، وأغلقها. همس:
«لا تُحدِث أيّ ضجّة. زينيرا نائمة.»
كنّا قد حططنا في المطبخ. وفي العتمة شبه التامّة، قادني يال إلى مقعدٍ وجلس قُبالتي.
«سمعتُ شذراتٍ عمّا حدث في الوادي»، تمتم. «لكن شذراتٍ فقط. ما الذي حدث حقًّا؟»
ابتسمتُ، وإذ أزحتُ قلقي على رفاقي جانبًا لحظةً، حكيتُ له ما حدث همسًا. كنتُ أستطيع أن أقول ليال كلّ شيء. حتّى حدّثتُه عن مخاوفي وهمومي. فهو، مع أنّه لم يكن إلّا في الثامنة عشرة، كان معلّمي الثاني. والوحيد الذي بقي في متناول يدي. حتّى إنّني أريتُه تميمة أزلاريا.
«أسوأ ما في الأمر»، همستُ له في النهاية، «أنّني لا أعرف إن كانت الصدمة التي شعرتُ بها جاءت من الذبابة أم من القلادة.»
هزّ يال رأسه مُتسلّيًا في عتمة المطبخ.
«حسنًا، أظنّ أنّ الأفضل أن نحسبها جاءت من الاثنين معًا. إذن، هكذا ببساطة، الصقر الأسود يبحث عن مانراس؟»
أومأتُ وقد اكتسى وجهي عبوسًا.
«وهو يبحث عنّي أيضًا.»
ساد صمت. ثمّ شهقةُ استغراب:
«أنت؟ شياطين. ولماذا يفعل ذلك؟»
بقيتُ بلا كلام. آه. صحيح. لم يكن يال يعرف بأمر واروك. اضطربتُ وقلتُ:
«لا أدري. لكنّه يريد أن يُصفّيني. أدويا يسأل الناس عن مكاني.»
فرك يال جبهته، وقد بدا مضطربًا بوضوح.
«لنرَ يا مور إلدال. لماذا عساه الصقر الأسود يريد قتلك؟»
جلستُ مُتخشّبًا في الكرسيّ لا أدري ما أقول. وبعد صمتٍ ألحّ يال ولمسةُ قلقٍ حقيقيّ في صوته:
«لماذا يا ساري؟»
بلعتُ ريقي وكنتُ على وشك أن أقول له الحقيقة حين سمعنا فجأةً صوت طقطقة. وفي الثانية التالية كان يال قد قام وخرج من المطبخ. فاصطدم بشكلٍ أطلق صيحةً صغيرةً من المفاجأة.
«ذاهبةٌ… لآخذ بعض الماء»، اعتذرت زينيرا.
رفعتُ حاجبًا، وإذ كنتُ واثقًا أنّ الفتاة نصف الإلفيّة تعلم أصلًا أنّ عند يالِت ضيفًا، لم أتكبّد عناء الاختباء. أشعلت زينيرا فانوسًا بمنتهى العفويّة وذهبت إلى الحنفيّة لتأخذ كأس ماء، نعم، كانت بيوت أتويرثو حديثةً جدًّا وفيها مغاسل بحنفيّات. كانت في قميص نومها، وحين لاقت عيناها البُنّيّتان عينيّ لثانيةٍ بالكاد، همست:
«مرحبًا.»
ولدهشتي، بدلًا من أن أُجيب بـ«أيو»، أجبتُ:
«مرحبًا.»
رأيتُها ترفع الكأس إلى شفتيها. تساءلتُ إن كانت قد أنصتت إلى حديثنا. كنتُ أتكلّم بصوتٍ خفيض، أليس كذلك؟ نعم، في معظم الوقت، لكن لعلّي رفعتُ صوتي أحيانًا. وإن كانت قد سمعت شيئًا عن ناكروسٍ وساحرِ موتى… كان كورثر يعلم، صحيح، لكنّ ذلك لا يعني أنّه أخبر ابنته. ثمّ، فجأةً، عبر ذهني احتمالٌ مُذهِل. لم تكن له صلةٌ بسحر الموتى، بل بـ… آه، شياطين، فكّرتُ مذعورًا. إن كان كورثر شيطانًا، أفيمكن أن تكون زينيرا شيطانةً أيضًا؟
لم يحدث في حياتي قطُّ، حين كنتُ أفكّر فيها، حين كنتُ أراها، أن خطر ببالي احتمالٌ كهذا. ومع ذلك كان بيّنًا إلى هذا الحدّ! لحظةً نظر كلٌّ منّا إلى الآخر كتمثالين. ثمّ ابتسمت، ووضعت كأسها، وقالت:
«ليلةً طيّبة.»
«ليلةً طيّبة»، قلتُ وصوتي مخنوق.
رمقتني بنظرةٍ فيها فضول، وحين عبرت العتبة استدارت وقالت:
«بالمناسبة. عندي امتحان جغرافيا غدًا. تمنَّ لي الحظّ.»
«آه. طبيعيّ. حظًّا طيّبًا»، أجبتُ مندهشًا. ثمّ، وقد استعدتُ رباطة جأشي، قلتُ على طريقة الغواكات: «سباحةً موفّقةً إلى النهاية يا شيورين*.»
رأيتُها تبتسم، ثمّ عادت إلى غرفتها. وحين سمعتُ الباب يُغلق، أخرجتُ كلّ الهواء من رئتيّ. ضحك يال بصوتٍ عالٍ.
«إن سمعك كورثر تُناديها شيورين فسيرميك خارجًا يا ساري. على أيّ حال. أظنّ أنّ الأفضل أن ترحل. قبل أن يعود كورثر. أمرُ الصقر الأسود هذا… سأتحدّث إليه فيه. لكن بجدّيّةٍ يا مور إلدال، لا أظنّ الأمر بهذا السوء. ابقَ بعيدًا عن المتاهة. وقل لمانراس الأمر ذاته. ولن يحدث لكما شيء، أتسمع؟ لا داعي لأن تخاف.»
عقدتُ جبيني، ومع أنّني خاب أملي لأنّه لم يأخذ الأمر بالجدّيّة التي أردتُها، فإنّ تلميحه إلى أنّني خائفٌ جعلني أكبح نفسي، فأكّدتُ:
«تمشي. لستُ خائفًا. فكّرتُ فقط أنّ كورثر قد… حسنًا. لا يهمّ. أنا ذاهب.»
أومأ يال بقوّة.
«تعالَ إلى بيتي غدًا بعد الظهر. في السادسة. أنا أدعوك. هناك شخصٌ أريدك أن تلقاه. هل ستأتي؟»
«طبيعيّ»، زفرتُ. «ومن الذي عليك أن تُعرّفني به؟»
«حسنًا. صديقة. بعد أن حدّثتُها قليلًا عنك، صارت تريد أن تلقاك. لكن لا تقلق…»
«لستُ قلقًا»، قطعتُ عليه وأنا في تشوّق. «لكن… هذه الصديقة، هل هي السيّدة التي كنتَ ستذهب معها إلى المسرح؟»
كنتُ أرى ابتسامة يال العريضة في العتمة.
«بالضبط.»
ابتسمتُ له بدوري.
«تبًّا للجحيم.»
تنحنح يال.
«نعم. حسنًا. اعتنِ بنفسك يا ساري، اتّفقنا؟»
أومأتُ، وربّتُ على كتفه، وبعد لحظاتٍ كنتُ في الخارج. توجّهتُ إلى المَبيت وأفكاري تتسابق. لماذا لم يُصدّقني يال حين قلتُ له إنّ الصقر الأسود يريد قتلي؟ لأنّه، بديهيًّا، لم يكن يعلم أنّني قتلتُ ابنه. ولماذا شعرتُ بذلك الحرج الشديد حين لقيتُ زينيرا؟ شياطين. لم أستطع أن أُفسّر ذلك.
هززتُ رأسي في حَيرة، وأخذتُ نَفَسًا عميقًا، وأسرعتُ عبر شوارع إستِرغات الأشدّ عَتَمة. وبلغتُ حيّ القطط حين جاءني سؤالٌ آخر مُقلِق: ماذا سأفعل لو ظهر أدويا فجأةً بكلابه السبعة وأطلقها عليّ؟
كان سؤالًا يبثّ الكوابيس في نفس أيّ أحد.
* سام: صيغةٌ مختصرةٌ أليفةٌ من اسم سامفين.
* شيور (ومُثنّاه «شيوران»): لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، أقرب إلى «يا صاحبي/يا رجل».
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ معلّمَه أو أستاذه، بمعنى «المعلّم» تقريبًا.
* شيورين: تصغيرُ «شيور»، نداءٌ ودّيٌّ مازح، بمعنى «يا صاحبتي الصغيرة» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.