Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 77
ما لم يكن قد خطر لي أنّ خطّة التخلّص من الصقر الأسود وأدويا ستقوم عليّ في جزءٍ منها. كانت الفكرة بسيطة: أدخل الزقاق المسدود، وأتظاهر بالاستسلام، وأحاول أن أعرف كم رجلًا هناك، ثمّ أفرّ. وسيكمن حلفائي الجدد لمُطارديّ وينقضّون عليهم، إن تبعوني، ثمّ ندخل ونقتل الصقر الأسود إن لم يتنزّل ليخرج.
وعلى ما يبدو، حظيت المُطاردة بموافقة فراشلوك. فلم يكن الصقر الأسود في عينيه أكثر من حُطامٍ مُزعِج، بل إنّ عرضي أعجبه، على قول الأمهق. فما كان لي، إذن، أن أجد حليفًا أفضل منه.
انطلقنا ستّة. تقدّم الأمهق والمُبارِز في المقدّمة، مُتلفّعَين بعباءتيهما. وسِرتُ أنا في الوسط، ومعي الغطّاس، وعويد الروداريا بين أسناني. لم أشعر بأيّ حماسة، لكنّني شعرتُ برغبةٍ في الانتقام. فالصقر الأسود استغلّ أطفالًا، وأحدث فيهم التحوّل، وحكم عليهم بموتٍ شبه مؤكّد. كان شيطانًا، قاتلًا، ويستحقّ الموت. وأدويا كذلك يستحقّه، لأنّه أرهب مانراس في صغره، ولأنّه هدّد بقتل عائلتي.
وعملًا بنصيحة الأمهق، ظللتُ أُردّد ذلك في نفسي ونحن نمضي عبر الأزقّة المعتمة إلى مخبأ الأوجيساري القديم. كانت الساعة تقارب الخامسة صباحًا، وكان يفصلنا عن الفجر نحو ثلاث ساعات. والقطط القليلون الذين مررنا بهم في الطريق تنحّوا بالفطرة، وكادوا يكونون غير مرئيّين في الظلال.
وصلنا إلى الوكر، فتوقّف الأمهق. وابتعد اثنان من الأتباع إلى الزقاق الذي يلي المسدود. وبعد لحظة، همس لي الأمهق:
«تقدّم يا مُنشِد.»
دفعني الغطّاس دفعةً رقيقةً ليُشجّعني. تنفّستُ بعمق. وبلا سلاح، بلا حتّى حجر، هبطتُ الزقاق، وتوقّفتُ لحظةً عند الصخرة التي كانت وراء الناصية تمامًا، وأطلَلتُ على الزقاق المسدود… ولم أرَ شيئًا.
خرجتُ إلى العراء، وإذ ابتلعتُ توتّري، تمتمت:
«هيّا يا مور إلدال. أنت الناجي. هيّا يا مور إلدال. شجاعةً وإقدامًا.»
مضيتُ في الزقاق المسدود إلى الباب الذي أدخلنا منه أنا وسلا الخيميائيَّ في الصيف الماضي. وكنتُ على وشك أن أطرق حين خرج كلبان ينبحان من الكوخ الخلفيّ. وفُتح البابُ في الحال. لا باب الخيميائيّ، بل الباب الذي يُفضي إلى المنجم المنهار. جريتُ أنجو بحياتي. لكنّ الأمهق، بالطبع، لم يُفكّر في أنّني لا أستطيع أن أجري بسرعة كلب. أو لعلّه لم يظنّ أنّني سأتوغّل في الزقاق المسدود إلى هذا الحدّ. وعلى أيّ حال، أدركت أسنانُ الكلبين ربلتَي ساقيّ سريعًا. سقطتُ، وصرختُ، وتغبّش ذهني من الذعر، وفجأةً أحسستُ بأذرعٍ تخطفني. جذبوني إلى الداخل.
هبطتُ على الأرض الحجرية في غرفةٍ يُضيئها فانوس. كانت كلاب أدويا السبعة كلّها في الداخل الآن، وقد أحاطت بي مكشوفةَ الأنياب يقطر منها اللُعاب، لكنّها لم تمسّني. غير أنّني لم أكد ألاحظ. وسواء كان ذلك من هول الصدمة أو من ظاهرةٍ لا تُفسَّر، فقد خلا ذهني، ولم يجرِ فيه سوى صورٍ متناغمة. صرتُ الآن أرى نهرًا. وأحدهم يرميني فيه، و… وأنا أغرق. كنتُ أغرق كما غرق ديل في كابوسه.
«أيّها الجُرَذ القذر»، قال صوت. «قتلتَ ابني. ابني الوحيد الذي أحببتُه. أيّها الغواك الحقير. سأقتلكم جميعًا. جميعكم أيّها المتحوّلون. سأقتلكم جميعًا…»
أحسستُ بيدٍ تقبض على عنقي. بالطبع، لهذا لم أكن أستطيع أن أتنفّس. لم يكن السببُ النهر. كان الإلف المظلم يعصر ويعصر…
كان أوّل ما هجس لي أن أُرسل إليه صدمةً مَوْتية. ففعلت. لكنّها كانت من الوهن بحيث لم يكد الإلف المظلم يترنّح. فقلتُ لنفسي: ركّز.
ركّزت، وبدلًا من أن آخذ المورجاس من عظامي، أخذتُه من عظم الفيريلومبارد المعلّق في قلادة، ومن الغريب أنّني أخذتُه من تميمة أزلاريا أيضًا. كانت الطاقة من الكثافة بحيث بلغتُ في ثوانٍ أكبر قدرٍ من المورجاس حمله جسدي في حياته. وعلى حدّ الغَيبوبة، رفعتُ يدي المَوْتية، ووضعتُها على عنق مُهاجمي، وأطلقتُ التفريغ.
تركني ذلك الإفراغُ للطاقة نصفَ غائب. انهار الصقر الأسود، لكنّ أدويا صرخ في الحال، فانقضّت الكلاب عليّ. وأنا، وأنا أُصارع لأستردّ أنفاسي، غطّيتُ وجهي بذراعيّ وصرختُ بأعلى ما في صدري. فلم أكد أسمع الصرخات الأخرى، ولم أكد ألاحظ حتّى أنّ الكلاب كفّت عن نهشي. لمستني يد. فرميتُ ما تبقّى من طاقتي المَوْتية، فأطلق أحدهم نأمةً مبحوحةً من المفاجأة.
«ما الـ…!» شهق أحدهم. «الغواك ألقى عليّ تعويذة.»
«يا حاذق!» صرخ صوتٌ آخر.
كان صوتًا مألوفًا، وحين أعانني الغطّاس على القيام وحاول أن يُنزل يديّ عن وجهي، لم أُقاوم. كففتُ عن الصراخ، وإذ كنتُ غارقًا في الألم، نظرتُ إلى المشهد ببلاهة. كانت حولي مجزرة. مات أدويا وكلابه. ومات شخصان آخران. والصقر الأسود…
«لا يزال يتنفّس»، أخبر الأمهق وهو ينحني على الإلف المظلم. رفع إليّ عينيه الحمراوين وقطّب: «كنتُ أنوي أن أترك لك شرف إنهائه، لكن… يُخيّل إليّ أنّ ذلك لن يكون ممكنًا. سأتولّى الأمر.»
«لا، دعني أفعلها أنا»، قاطع الغطّاس. ارتجف صوتُه. وأعاد: «دعني أفعلها.»
تركَ له الأمهقُ الشرف، وبين عالَمَي الموت والحياة، رأيتُ رفيقي يبتعد عنّي، ويأخذ خنجرًا، ويغمده في عنق المجنون. تدفّق الدم. لكن بدلًا من أن أُغمى عليّ، لم أُبدِ هذه المرّة أيّ ردّ فعل. لم أحسّ إلّا بدموعٍ تسيل على وجنتيّ. دموع رعب. قال الأمهق:
«أوجدتَ شيئًا ذا قيمة يا مُبارِز؟ حسنٌ. أسرِعوا وضعوه في جيوبكم يا أصحاب. لا نتلبّث هنا.»
لا بدّ أنّني كنتُ في حالٍ مُريعةٍ حقًّا، فلم يسألوني حتّى إن كنتُ أقدر على الوقوف. حملني المُبارِز، وأسرعنا خارجين من هناك. وتشابك في ذهني طريقُ العودة وما تلاه. ظللتُ أُردّد في نفسي: انسَ، انسَ، انسَ… المشهد كلّه بأجساده الميّتة، أردتُ أن أنساه كلّه! والكلاب. أردتُ أن أنسى لمعة الانتقام في عينَي الغطّاس وهو يغمد الخنجر في الصقر الأسود. وأردتُ أن أنسى الخوف. وأردتُ أن أنسى أنّني أنا مَن حكم عليهم بالموت. كانت عائلتي في أمان، راوند… لكنّني كنتُ أخوف من أيّ وقتٍ مضى. الأمر أنّني لم أُرِد أن أنضمّ إلى عصابة فراشلوك. لم أُرِد أن أُخالط قتلة. ولو كانوا قتلةَ قتلة. أردتُهم جميعًا، جميعهم، أن ينسوني ويدعوني في سلام.
وهكذا، وقد عذّبتني أفكاري كما عذّبتني العضّات، لم أبذل جهدًا لأخرج من صدمتي الذهنية. بل بذلتُ الجهد المعاكس. لم أُرِد أن أعود إلى الواقع. صارت الأصواتُ مجرّد ضجيجٍ بلا معنى، واختلطت الصور بتلك التي يستحضرها ذهني… وكان ذلك أفضل. ومن الواقع، لم يُعِنّي على الطمأنينة قليلًا إلّا ملمسُ الذراعين اللتين تُطبقان عليّ، ولمّا لم يكن يهمّني لمن هما، تعلّقتُ بهما بقوّةٍ أنا أيضًا.
وإلى جانب ذلك المصدر للسلوى، كان هناك مصدرٌ أغرب: كان يتدفّق من قلادة أزلاريا مورجاسٌ مُجدِّدٌ ينتشر في جسدي، إلى الجروح. أكان ذلك حقيقيًّا؟ لم أدرِ. الأمر أنّني في تلك اللحظة فكّرتُ براحةٍ لا حدّ لها: إلَسّار* معي.
في الأيّام الثلاثة التالية لم أفتح فمي بكلمة. تُركتُ في يدي العجوز فييرونيل، الذي كان شيئًا كطبيب الزمرة، فحكى لي الشيخُ حكاياتٍ قديمة، وأراني مرّةً أخرى صورة زوجته المرحومة في قلادته، و، حسنٌ، أمضى في تمريضي ومحادثتي وقتًا طويلًا حتّى إنّني، إن كنتُ في الأيّام الخالية في الجارور أُناديه «يا جدّي»، فقد صرتُ الآن، وإن لم أُناديه بشيءٍ قطّ، أُسمّيه كذلك في نفسي. كان رجلًا طيّبًا، ولفرحي، كان صديق العجوز بايل صاحب الشوكولاتة. فما مرّ يومٌ دون أن يأتي الأعمى بشيءٍ من الحلوى. وبالجملة، شعرتُ بأقصى ما يمكن من التدليل والراحة والسكينة. ولمّا لم أُرِد أن أُغيّر شيئًا، أبيتُ أن أنطق بكلمة، وبقيتُ في صمتٍ عميقٍ كصمت الذئب الصغير.
جاء أحدٌ من عصابة فراشلوك مرّاتٍ عدّةً ليسأل عن صحّتي. أي إنّ أكثر ما كان يُضايقهم هو صمتي. فقد كان عليّ أن أُجيب أسئلتهم، في النهاية. وحاول أحد الرجال، وقد ظنّ أنّني لا أفعل غير الاستهزاء بهم، أن يُجبرني على الكلام بالقوّة، فلم يُفلح، وغضب العجوز فييرونيل وكلبُه غضبًا شديدًا حتّى لم يجرؤ أحدٌ على مسّي مرّةً أخرى.
في اليوم الرابع بدأتُ أتحسّن، وإن كنتُ قد أمضيتُ ليلةً مفعمةً بالكوابيس. جلستُ في السرير، وإذ رأيتُ العجوز فييرونيل مشغولًا بإدخال خيطٍ في إبرة، نظرتُ إليه لحظةً فرأيتُ يده كيف ترتجف. تسلّلتُ من تحت الأغطية، وذهبتُ إليه، وأخذتُ يديه المرتجفتين، وأعنتُه على إدخال خيط الخِياطة في ثقب الإبرة.
«آه، شكرًا لك يا بُنيّ»، ابتسم العجوز فييرونيل. «يداي لم تعودا كما كانتا. قل لي، هل خِطتَ يومًا؟» هززتُ رأسي نفيًا. «قطّ؟ حسنٌ، اجلس وراقب. تعلُّمُ رفء ثيابك بنفسك أمرٌ لا بدّ منه. راقب.»
راقبت. وبعد دقائق، أردتُ أن أُجرّب. فسمح لي الشيخُ، بالطبع، فأخذتُ عمله بتركيزٍ شديد. وأتممتُ رفء معطفي الذي مزّقته الكلاب. ثمّ إذ رأيتُ كم كانت الغرفة الصغيرة التي يسكنها الشيخ مُغبَرّة، كنستُها ونزعتُ خيوط العنكبوت عن السقف، وأصلحتُ كرسيًّا كما علّمني روكس، وصيفُ ميروكي فال، أن أفعل، ولمّعتُ حذاءه. وكان العجوز فييرونيل يبتسم لمّا رآني مشغولًا هكذا.
«يبدو أنّ جنّيّة بيتٍ دخلت بيتي»، علّق. «هيّا، كفى يا فتى، وإلّا انفتحت جروحك.»
وبالفعل، كان أحد الجروح الأعمق في ذراعي قد انفتح، فوبّخني العجوز فييرونيل توبيخًا لطيفًا قبل أن يُعيد وضع مراهمه.
«لا أُصدّق، مرّت ثلاثة أيّامٍ منذ آخر مرّةٍ ذهبتُ فيها إلى الجارور»، قال جدّي. «لعلّي أتمشّى إلى هناك الآن. أتريد أن تأتي؟»
أومأت، فخرجنا معًا من البيت نمشي على مهل، ويتبعنا كستناء، كلبُ جدّي. أحسن أهلُ الجارور استقبالنا، لكنّني لاحظتُ أنّهم، لمّا لم أكن أُحدث أيّ ضجّة، كفّوا سريعًا عن الالتفات إليّ. كان مُضحكًا أن أرى كيف يمكن لأخرسَ أن يمرّ دون أن يلحظه أحد.
أكلتُ ما تركه لي جدّي من فضلات الطعام، وأمضيتُ عصرًا طيّبًا أُداعب كستناء، وأمضغ عشبة السموغ، وأُعين شام على تنظيف الكؤوس. وكان جزاء عوني لُقمةً سخيّة. فدفعني ذلك إلى الظنّ أنّه ليس صحيحًا أنّ حضوري يمرّ دون أن يُلحَظ. وأكّد ذلك سؤالُ صاحب الحانة.
«فماذا يا مُنشِد؟ ألن تُنشدنا مرّةً أخرى أبدًا؟ لكانت خسارة، أتدري؟»
خمدت الأحاديث في الحال، وأيّد كثيرٌ من الحاضرين كلامه قائلين: «نعم، أنشِدنا، أنشِدنا مرّةً أخرى!». استدرتُ على مهلٍ مذهولًا، ونظرتُ في وجوه القطط. الأشقياء، اللصوص، التجّار… كانوا كلّهم من روّاد الجارور الكبار. كنتُ أعرفهم جميعًا. بعضهم أعطاني مسمارًا لخدمةٍ ما أو لأغنيةٍ بعينها؛ وبعضهم كان يتسلّى بمشاغبتي ليسمع ردودي الغواكيّة المُتبّلة؛ وبعضهم، أقلّهم أُنسًا، كان يقول: «اغرب عن وجهي يا غواك» حين أذهب لأحكي لهم الأكاذيب أو حين أُضايقهم. أصرّ شام:
«ألن تُنشدنا؟»
رفعتُ نظري إلى الإلف المظلم الطويل وهززتُ رأسي نفيًا.
«لا؟»
هززتُ رأسي مرّةً أخرى. ورغم خيبة الجميع، لم أُغيّر رأيي. تنهّد صاحب الحانة وربّت على وجنتي.
«حسنٌ يا فتى. لكن أعِنّي إذن على المِنضدة.»
أعنتُه. أحسستُ أنّ عليّ أن أُبلّغهم بطريقةٍ ما أنّني إن لم أُنشِد فليس لأنّني غاضبٌ عليهم، بل لأنّني… لا أريد، وكفى.
وحين أعلن لوتّو الرابعة بعد الظهر، خرجنا من الحانة، أنا والعجوز فييرونيل وكستناء، ونزلنا نتمشّى إلى النهر الخجول. كنتُ آخذ جدّي من مِرفقه ليتوكّأ عليّ. ولمّا وصلنا إلى النهر الذي يتدفّق منحدرًا إلى نهر إستِرغات، جلسنا على صخرةٍ وأجَلنا النظر في المشاهد: مينشالدرا، ومياه النهر اللامعة، والحقول البعيدة، وأشجار السرداب. كانت إستِرغات مدينةً هائلة، لكنّنا من الصخرة كنّا نرى الأملاك الواسعة التي تحكمها. وفي ذلك اليوم، كان يمكن للمرء أن يرى حتّى بيوت أزادا البيضاء، في أسفل مجرى النهر.
كان جدّي صامتًا. خلعتُ حذائي، وبلّلتُ قدميّ في ماء النهر الخجول الدافئ، ثمّ، وأنا أحترس من أن تُدميَني صخرةٌ حادّة، عدتُ إلى الشيخ وبدأتُ أُداعب كستناء بطرف قدمي.
كنّا هكذا في هدوءٍ حين سمعتُ فجأةً:
«يا حاذق!»
استدرتُ فرأيتُ رفاقي يجرون هابطين المنحدر. وكان يتبعهم روغان حاملًا الذئب الصغير، وكان آخرون من الزمرة يقتربون أيضًا، منهم سيرديو والسريع.
ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً وعدتُ إلى الدرب. حيّيتُ رفاقي بربتاتٍ ودّيّة، وقبّلتُ الذئب الصغير، وظللتُ أبتسم طوال الوقت. نظر إليّ القِسّ بمزيجٍ من الفضول والارتياح والحرج. قال:
«إذن، ما يقوله الغطّاس صحيح… لم تعد تتكلّم.»
كاد الكلامُ يبدو سؤالًا. قطّبتُ له تقطيبةً مبتسمةً كأنّي أُجيب: «لا يهمّ».
«حسنٌ، يا للخسارة»، قاطع السريع مقتربًا. «وأنت الذي يُحبّ التفاخر إلى هذا الحدّ. أنت تبني لنفسك سُمعة غواكٍ عظيم يا سميّي.»
اضطربت. شياطين. إذن هم يعرفون. طبعًا يعرفون. وكيف لا يعرفون؟ فقد جاءني أدويا وهدّد عائلتي، وفي اليوم التالي وُجد ميّتًا، هو وكلابه والصقر الأسود ورجلان من أتباعه. ثمّ إنّني موقنٌ أنّ الغطّاس حكى لهم ما حدث.
«صار أخرسَ كالذئب الصغير»، قال سيرديو بتعبيرٍ ساخر. «وذلك لأنّك جبان يا حاذق. لا شكّ أنّك عوعيتَ كالذئب حين صفّاه الغطّاس. وصار مُخّك من الميوعة بحيث يجب على ذاك العجوز المُنتِن أن يُصلحك، أصبتُ راوند؟»
نظرتُ إليه وعيناي مفتوحتان على وسعهما. قال بلا توقّف:
«جبان-إسطرباغ-أبله-وغد.»
بلغ سخطي ذُروته، فرميتُ نفسي عليه. وبينما ظلّ يكيل لي السباب وأنا وهو نتدحرج على التراب والصخور، زمجرت:
«إسطرباغ أمُّك!»
وكان أصحابي حولنا يصرخون: «دحرِجه، دحرِجه!»، لكنّ سيرديو دفعني جانبًا ثمّ قال:
«فزت! يا سريع، عشرون مسمارًا لي!»
نهض قائمًا أمام عينيّ المذهولتين. لم نكن قد أنهينا العِراك. احتججت:
«تبًّا للجحيم، ماذا تعني بأنّك فزت؟ لم أستسلم.»
ضحك سيرديو ودفعني دفعة.
«لا يا إسطرباغ. فزتُ على السريع. قال: عشرون مسمارًا لمن يُوقظ لسان الحاذق»، شرح. «فقلتُ لنفسي: «تبًّا، سأقبل الرهان». فأنا معلّمٌ في إفقاد الحاذق صوابه، في النهاية.»
«كانت كلّ فرص الفوز لك»، تمتم الكاب مُتسلّيًا، وأضاف: «سأُعطيك العشرين لاحقًا. لا أملك عشرين مسمارًا الآن. إلّا إن كانت مع الحاذق تلك الذهبيّات الخمس التي وعد بها.»
قلّبتُ عينيّ. لم أستطع إلّا أن أشعر ببعض الغدر (فقد جرّوني من صمتي المقدّس، تبًّا للجحيم)، لكن في الوقت نفسه… سُرِرتُ أيضًا بأنّهم فعلوا.
«حسنٌ، الآن ليست معي، طبيعيّ»، قلت. «ألا ترى في أيّ حالٍ تركتني الكلاب؟ كادت تأكلني حيًّا. لكن، ما إن أستطيع، سأجد المال. بالمناسبة، هل رأيتم ساروفا؟»
نحنح روغان.
«لا. ذهب مباشرةً إلى الحلّاق. عرفتُ ذلك لأنّ سامفين جاء في اليوم التالي يسأل عنك.»
«أوه»، تمتمتُ متفاجئًا. رفعتُ قبّعتي عن الأرض. «وماذا قلتَ له؟»
نفخ القِسّ.
«حسنٌ، قلتُ إنّني لا أدري أين أنت. وعلى ما يبدو، كان ساروفا أخرسَ مثلك تقريبًا. لم يُخبرهم بشيء، ومع ذلك يبدو أنّ الحلّاق أنزل به توبيخًا شديدًا. آه، وأيضًا، سمعتُ أنّه حرّم عليهم أن يضعوا قدمًا في القطط مرّةً أخرى أبدًا.»
«ولا أظنّهم سيعودون أبدًا!» ضحك السريع. «لقد أفزعهم أن يروا كلّ هؤلاء الغواكات. حسنٌ، أنا عائدٌ إلى أعلى التلّة، فالشمس تميل بسرعة.»
وفي الحقيقة، كان الليل قد بدأ يهبط، وكان ضوءٌ برتقاليٌّ يغمر حيّ القطط كلّه. وأمام نظرة روغان المستفهمة، قلت:
«تقدّموا. سألحق بكم في الحال.»
ابتعدت، عائدًا إلى الصخرة وإلى العجوز فييرونيل.
«يا جدّي، يا جدّي! أتريد أن أُوصلك إلى البيت؟»
ابتسم الشيخ.
«آه… حسنٌ، أعرف الطريق يا فتى. أمشي هنا كلّ يومٍ تقريبًا. يمكنك أن تذهب مع أصحابك. شيءٌ واحدٌ فقط… تذكّر، حين يأتون لأخذك، سيكون عليك أن تذهب معهم.»
فهمتُ أنّه بـ«هم» لم يكن يعني أصحابي بل رجال فراشلوك. تعكّر وجهي، لكنّني أومأت.
«نعم يا جدّي. أعرف. لم أنسَ.»
رفع العجوز فييرونيل سبّابته وقال:
«انتظر.»
أدخل يده في جيبٍ وأخرج قلادة.
«وجدتُها منذ حينٍ في سوق، فوقعت في عيني. في فيليريا نُسمّيها قلادة الموسيقى. لا أدري إن كانت لا تزال تُلبَس، لكنّني أعرف أنّها كانت في الأيّام الخالية عند كلّ الفِرَق ذات الشأن. إنّها لك يا مُنشِد. أعرف أنّك تحبّ القلائد.»
متأثّرًا، وضعتُ قلادة الموسيقى حول عنقي وتفحّصتُها بفضول: كانت حبلًا جلديًّا بسيطًا معلّقًا به قلادةٌ على شكل مزمارٍ ذي قصباتٍ عدّة. نفختُ في إحدى القصبات الصغيرة. فخرج منها صوتُ نفخٍ ساذج. وكان واضحًا أنّها قلادةُ زينةٍ أكثر منها آلةَ موسيقى. ابتسمت.
«شكرًا يا جدّي.»
كان العجوز فييرونيل قد نهض عن الصخرة. هزّ رأسه هزّةً لطيفةً وهو يبتسم.
«على الرحب يا مُنشِد. لا تنسَ حذاءك. ومُرّ عليّ إن انفتحت جروحك.»
«سأفعل. أيو!» قلت.
وبينما كان يبتعد نحو قلب المتاهة، وكستناء معه، استرجعتُ حذائي، وأسرعتُ صاعدًا التلّة، ولحقتُ برفاقي وروغان والذئب الصغير. وسرعان ما صرنا نتكلّم، وبلا، بلا، بلا، الجدّ لطيفٌ جدًّا و، اسمعوا، هل رأيتم قلادة الموسيقى؟ أريد واحدةً أنا أيضًا! أعِرْنيها. لن أُعيرك، ستكسرها. لا، لن أكسرها. حسنٌ إذن، لكن لثانيةٍ واحدةٍ فقط… وهكذا وصلنا إلى المخبأ والظلام قد حلّ، وجلسنا حول النار، وبين أصحابي، غرقتُ في نومٍ هادئ، في مأمنٍ من الكوابيس.
ظننتُ أنّ رجال فراشلوك سينتظرون اليوم التالي ليستجوبوني. كنتُ مخطئًا. جاء الغطّاس يُوقظني في ساعةٍ ملعونة، وهزّني ليُخرجني من نومي الهادئ، فتمتمت:
«اذهب فانفجر.»
«انهض»، أصرّ الغطّاس. «فراشلوك يريد أن يتكلّم معك الآن حالًا.»
بدت عبارة «الآن حالًا» مُستعجِلة. تمطّيتُ على غير رغبتي وتبرّمت:
«أنا نعسان.»
«حسنٌ، تحمّل وتحرّك»، قال رفيقي.
تنهّدت، وتسلّلتُ من تحت الغطاء محاولًا ألّا أُوقظ رفاقي، وتبعتُ الغطّاس خارجًا من المَبيت. كانت السماء مُلبّدة، فلم أستطع أن أعرف كم الساعة. وعلى أيّ حال، كان الظلام لا يزال قائمًا.
كنتُ لا أزال من النعاس بحيث تعثّرتُ مرّاتٍ عدّة. تبعتُ الغطّاس عبر الأزقّة كميْتٍ حيّ. وبعد حين، وضع شيئًا في يدي.
«ابتلع هذا، سيُنشّطك.»
دون أن أُفكّر، وضعتُه في فمي، ومضغته، وابتلعته… وفجأةً ذكّرني المذاق بشيء.
«الأمّ الصالحة!» هتفتُ غير مُصدّق. «كان باسوايت! جعلتَني أبتلع باسوايت! لم أُرِد أن آكل ذاك!»
«ظننتُ أنّ ذلك سيُسهّل عليك»، أجاب الغطّاس. «هكذا تُغنّي وينتهي الأمر. ولعلّك لن تذكره حتّى. هيّا، لا تغضب.»
كنتُ غاضبًا بالفعل، لكنّني كففتُ عن ذلك سريعًا، فلم تتأخّر آثار الباسوايت. ولمّا بدأتُ أتمايل، أخذني الغطّاس من ذراعي. أدخلني التنّين الأصفر، النُّزُل في الساحة الرمادية، وتركني في يدي رجلٍ أعرفه على الأرجح، لكنّني لم أتعرّف عليه في حالتي.
«تناوله بنفسه؟» سأل الرجل متفاجئًا.
«قلتُ له ابتلعه، فابتلعه»، أجاب الغطّاس.
«حقًّا؟ آه، ما أجمل الصداقة»، سخر الرجل، وهو يجرّني نحو الدَّرَج، أضاف: «وأنت تعالَ أيضًا.»
«أنا يا سيّدي؟» شهق الغطّاس.
صعدنا الدَّرَج. وفي الأعلى، انفجرتُ ضاحكًا، لا أدري لماذا. نفخ الرجل.
«حسنٌ، يبدو أنّه أثّر فيه أثرًا قويًّا»، لاحظ.
«السوكواتيون يتأثّرون أكثر من الناس العاديّين، لهذا»، شرح الغطّاس. «العلاج لم يُغيّر ذلك.»
قطّب الرجل.
«مممف. أرجو ألّا يكون ذلك مشكلة. هيّا بنا.»
عبرنا نفقًا بدا مألوفًا، ثمّ أنفاقًا ودَرَجاتٍ أخرى مجهولة. مررنا ببعض الناس، لا أدري كم. وأخيرًا وصلنا إلى غرفةٍ مريحةٍ حسنة الإضاءة، فيها بساطٌ كبير، ونافورةُ ماءٍ ساخنٍ صغيرة، ومقعدٌ وثيرٌ كبير، ومنضدةٌ صغيرةٌ في الزاوية. وكان فراشلوك، العجوز السمين، واقفًا إلى جانب المقعد، يبدو قابضًا على مساميره كعادته. وما إن أفلتني الساجِت الذي كان يُمسك بكتفي، حتّى بدأتُ أتجوّل في الغرفة، أُهذي وأُدندن.
«أُه… أخطأتم في الجُرعة؟» سأل فراشلوك.
توقّفتُ قرب النبع ونظرتُ إلى قراره. كان مُعتمًا. غمستُ يدي اليسرى وبدأتُ أُنشد:
ما أصفى هذا الماء،
وما أشدّ بهاءه. إن شربتُه،
رأيتُ نفسي أشرب
السماءَ والهواء!
هويويويوي!
«الأمّ الصالحة، هذا البيت جميلٌ إلى حدّ اللعنة!» هتفتُ ضاحكًا.
وكان كذلك حقًّا. أو على الأقلّ كان دافئًا، وفي تلك اللحظة أحببتُه حقًّا. أخذني أحدهم من كتفي بلطف، فاستدرتُ لأرى وجه العجوز فراشلوك. ابتسمت.
«أيو يا جدّي، كيف حالك.»
سمعتُ ضحكةً مكتومة. كان الغطّاس. نحنح فراشلوك.
«تعالَ هنا واجلس.»
جلستُ حيث قال، على البساط، وذهب هو فجلس قُبالتي في المقعد الوثير. نظرت إليّ عيناه.
«أنا وفَيتُ بنصيبي من الاتّفاق. فأوفِ الآن بنصيبك يا فتى. تكلّم. أنت تريد أن تتكلّم، أليس كذلك؟»
رمشت. أكنتُ أريد أن أتكلّم؟
«نعم يا جدّي. أريد أن أتكلّم. عندي كثيرٌ لأقوله.»
ابتسم فراشلوك.
«حسنٌ. فتكلّم إذن.»
لم يكن استخراج الكلام منّي بذلك اليُسر، لا لأنّني لم أُرِد، بل لأنّني لم أعرف ماذا أقول: كان عليهم أن يسألوني أسئلةً محدّدة. وأجبتُ عنها كلّها. وهكذا عرفوا هويّة الهوبيت، وإن كانت لديهم فكرةٌ عنها على الأرجح، وعرفوا بالنفق الذي سيصل يادِبيا بإستِرغات، وعرفوا أيضًا أنّني لا أعرف الكثير غير ذلك. فتولّد عن ذلك شيءٌ من الاستياء. كان في الغرفة أناس. لعلّهم… أربعة، خمسة؟ بالإضافة إليّ وإلى الغطّاس.
«قل لي يا فتى»، عاد فراشلوك. «تقول إنّ هذه الرحلة التي قمتَ بها صاعدًا إلى الوادي كانت لتذهب إلى معلّمك. مَن هذا المعلّم؟»
«معلّمي!» قلتُ متحمّسًا. مجرّد التفكير فيه جعلني أبتسم ابتسامةً عريضةً، فتململتُ على البساط. «معلّمي. اشتقتُ إليه كثيرًا. كنتُ في حَيرةٍ شديدةٍ من أمر الحلّاق، والرفاق، وأخي… حتّى قلتُ: أنا ذاهبٌ إلى البيت. وذهبت. وأعطيتُه العظام.»
«أيّ عظام؟»
«العظام»، ابتسمت. «عظام فيريلومبارد!» انفجرتُ ضاحكًا، ولمّا هدأت، أضفت: «العظام. قال لي إلَسّار إنّها عجيبة. سُرّ. لأنّني جلبتُها له.»
وإذ تذكّرتُ ذلك، غمرتني الفرحة. ولمعت عينا فراشلوك كأنّ كلماتي أثّرت فيه تأثيرًا خاصًّا.
«إنّه يهذي»، نفخ أحد الحاضرين.
أومأ فراشلوك في هدوء.
«تمامًا. قل لي يا فتى. سؤالٌ آخر: أتظنّ أنّ كورثر يعرف أنّك هنا؟»
لم يكن ذلك سؤالًا سهلًا. رمقتُه بنظرةٍ حائرة. فاضطُرّوا إلى إعادة صياغته، فأجبت:
«لم أتكلّم مع ابن عمّي منذ اليوم المقدّس. قال إنّه سيُعرّفني بحبيبته. لكنّني لم أذهب. مع أنّه دعاني إلى عشاءٍ مجّانيٍّ وكلّ شيء. لكنّني كنتُ خائفًا جدًّا…»
«خائف؟» أعاد فراشلوك.
أومأت، وقد ضاق حلقي.
«بسبب أدويا. والصقر الأسود. كنتُ خائفًا جدًّا.»
أومأ فراشلوك، وللمفاجأة، مدّ يدًا وأخذ يدي.
«وماذا عن الآن يا فتى؟ أأنت خائفٌ الآن؟»
رمشت، وابتسمت، وهززتُ رأسي نفيًا.
«لا! الآن أنا بخير.»
هدّأتني يدُ فراشلوك الأبويّة وطيّبت خاطري أكثر.
«سؤالٌ آخر يا فتى. أتسمعني؟»
كان بصري قد شرَد، لكنّني عدتُ إلى عينَي الشيخ. سأل فراشلوك:
«لماذا في ظنّك لم يُساعدك كورثر على إنقاذ عائلتك، ولماذا ساعدتُك أنا؟»
سؤالٌ آخر مُعقّد. فأعاد الصياغة:
«كورثر لم يُساعدك، أليس كذلك؟»
هززتُ رأسي نفيًا، وأنا أزداد كآبة. لا بدّ أنّ جُرعة الباسوايت كانت أقلّ من المرّة الأولى التي تناولتُها فيها، فقد بدأتُ أشعر بآثارها المُكدِّرة.
«لم يُساعدني»، تمتمت.
«ولماذا؟»
«لأنّه مشغول»، أجبت.
«مم، أو لعلّه… لأنّه لا يأبه بما يحدث لغواك؟» اقترح فراشلوك.
نفذت كلماته فيّ كالخناجر. أطرقتُ برأسي في حَيرةٍ وأومأت. ثمّ قال فراشلوك:
«لكنّك لستَ غواكًا عاديًّا. أنت لِصٌّ ماهر يا درائن. يمكنك أن تكون نافعًا لي. قل لي يا درائن، أتريد أن تكون نافعًا لجدّك الطيّب؟»
للحظةٍ استعدتُ مزاجي الطيّب وهتفت:
«بجنون!»
«حسنٌ»، ابتسم فراشلوك. «فأنت تعرف أنّ الصقر الأسود إن كان قادرًا على أن يُخيفك خوفًا شديدًا، فجدّك قادرٌ أيضًا، وأشدّ من ذلك. لكن لن يكون هذا ضروريًّا، أليس كذلك؟ عليك فقط أن تتذكّر مَن يقدر أن يُساعدك حين تقع في مشكلة ومَن لا يقدر.»
نهض قائمًا، وجذبني من يدي لأقوم أنا أيضًا، وتابع:
«الشيء الوحيد الذي أريدك أن تفعله يا درائن هو هذا: ابقَ خنجرًا أسود. ستتجسّس على كورثر. ستجد لي مدخل ذلك النفق. عليك أن تجده فقط. أمامك ثلاثة أيّام. أتظنّ أنّك تستطيع؟»
كان ذهني يصفو أحيانًا، وإذ فهمتُ ما يعرضه عليّ، أو بالأحرى ما يأمرني به، تلجلجت:
«نعم يا سيّدي.»
رضي فراشلوك.
«تذكّر مَن الآمر هنا»، أضاف. رفع ذقني، وثبّت عينيه في عينيّ وهو يهمس: «أطِعني ولن يكون لك سببٌ لتخافني.» ثمّ كشف عن جرح عضّةٍ في ذراعي وأضاف بصوتٍ أقسى: «واغدر بي، فينتهي جسدك وأجساد عائلتك أشلاءً مُمزّقة.»
وأمام عينيه التي لا ترحم، بدأتُ أرتجف كالورقة. ولم يكن بوسعي أن أُبيّن أوضح من ذلك أنّني فهمتُ كلامه بجنون. ثمّ اعتدل فراشلوك وقال:
«خذوه وأطلقوه.»
حين خرجتُ من تلك الغرفة، وجدتُها أقلّ لطفًا مما كانت حين دخلت. أقلّ لطفًا بكثير. وبينما كنتُ واقفًا تحت سماء الليل والهواءُ البارد يصفو به ذهني قليلًا، فكّرت: تبًّا للجحيم، ما الذي حدث للتوّ؟ ماذا قلت؟ ماذا فعلت؟ وكان ذهني المُضطرب لا يزال لا يدعني أُفكّر بصفاء، فزاد قلقي من ذلك.
«يا حاذق»، همس لي صوتٌ فجأةً.
لم أكن قد بدأتُ السير في الساحة الرمادية إلّا بالكاد. لحقني الغطّاس. رأيتُه يفتح فمه، لكنّني لم أدَعه يقول شيئًا: لكمتُه في بطنه.
«هذه لأنّك خدّرتني يا نغل!» بصقتُ في وجهه. «خدعتني. نحن رفيقان. يا نغل. يا نغل. يا نغل…»
تأخّر الغطّاس في استعادة أنفاسه. مضيتُ بخطواتٍ واسعة. صرتُ الآن أمشي مستقيمًا نوعًا ما. نوعًا ما. وكنتُ قد بلغتُ الطرف الآخر من الساحة حين سمعتُ لهاث الغطّاس خلفي:
«يا حاذق. يا حاذق، أنا آسف.»
بدا صوتُه بائسًا مؤلمًا إلى حدٍّ جعلني أتوقّف وأستدير. كان رفيقي… فتحتُ عينيّ غير مُصدّق. كان يبكي. الغطّاس يبكي!
«اغفر لي يا حاذق»، عاد. «أنا… لم أكن إلّا أُنفّذ الأوامر. وظننتُ أنّهم هكذا لن يُضطرّوا إلى ضربك ليُنطقوك إن عانَدت.»
«نعم»، هسستُ بحدّة. «تُنفّذ الأوامر، والرفاق يأتون بعد ذلك. حسنٌ، عظيم. كما قال ذاك الآخر: ما أجمل الصداقة.»
«يا حاذق!» أصرّ الغطّاس في يأس. «أنت لا تفهم. إن لم أفعل ما يأمرونني به، طردوني من القطط وباعوني للذباب. وإن هربتُ أو غنّيت، صفّوني. فراشلوك شيطان.»
صرَرتُ على أسناني. أردتُ أن أقول له إنّهم يفعلون بي الشيء نفسه، وإنّهم فوق ذلك كلّه يُهدّدون بقتل عائلتي. لكنّني لم أقل غير:
«ثمّ إنّك إن فرَرت، ستكفّ عن الحصول على الكاروجا. إيه؟»
كان صوتي مُحمّلًا بالسمّ والاتّهام أكثر منه بالشفقة. بقي الغطّاس كأنّه حُجِّر. أضفتُ بلهجةٍ مُرّة:
«الرفيق الحقّ لا يترك زمرته من أجل حماقاتٍ عظمية كهذه. وأنت تركتَ يا غطّاس. لا تقل إنّك لم تفعل. تركتَ من أجل الكاروجا. بعتَ نفسك من أجل نبتةٍ ملعونة. عُد معنا، تبًّا للجحيم. وإن صفّاك فراشلوك، صفّيتُه أنا. أعطيك كلمتي كغواك. تعالَ»، أصرَرت.
انتظرتُ ثوانٍ. لم يقل شيئًا ولم يتحرّك. فأفلتُّ سبّةً، وأدرتُ له ظهري، ومضيت.
كنتُ قد غدرتُ بالخناجر السوداء، وصرتُ أقبل ذلك. وكنتُ سأغدر بهم أكثر، وذلك أيضًا كنتُ قد قبلتُه نوعًا ما. لكنّ ما لم أستطع قبوله هو أن يكون الغطّاس إسطرباغًا إلى هذا الحدّ. كنتُ أحبّه حقًّا، وكان يبادلني، ومع ذلك…! بالتأكيد، أن يكون المرءُ رفيقًا لا يعني أنّه لا يمكن أن يكون أبله تمامًا.
رفعتُ نظري إلى السماء المُظلمة المُلبّدة، وأجَلتُ في الزقاق المعتم نظرةً لا تزال مُضطربة، وهمست:
«أيّتها الأرواح، إن كنتنّ هنا حقًّا، فاحمين الغطّاس. احمينه حمايةً حسنةً وأعِنّه، فهو محتاجٌ إلى ذلك.»
وما دُمتنّ في الأمر، أعِنّني أنا أيضًا، أضفتُ في سرّي. وبتنهيدة، أخذتُ طريق المَبيت. وما إن وصلتُ واستقرّ بي المكان بين أصحابي، حتّى نمتُ في الحال ونمتُ كدُبٍّ لبريني. وكان هذا هو الشيء الطيّب الوحيد في آثار الباسوايت: أنّها منعتني من أن أُفكّر كثيرًا في غدري الشنيع.
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ أستاذَه أو معلّمه، بمعنى «الأستاذ» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.