Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 80
مصّاص دماء، مصّاص دماء، مصّاص دماء، كرّرتُ في هَوَسٍ.
«كان بإمكانك أن تُخبرني أنّنا ذاهبان إلى السطح،» تنهّد أريك.
كان مصّاص الدماء قد أصرّ على ألّا نتحرّك من الزقاق المسدود حتّى أشرح له إلى أيّ جحيمٍ هبط. فشرحتُ له ما هي إستِرغات، إذ لم يكن قد سمع بالمدينة قبلًا، وأخبرتُه أنّ مصّاصي الدماء يُعَدّون مسوخًا هنا. فلم يزد على أن رمقني بنظرةٍ ساخرة. والآن عاد يبدو مستغرقًا في شروده.
هزَزتُ رأسي.
«أصحيحٌ أنّك لم ترَ السماء من قبل؟»
«أبدًا.»
«ولماذا أنت وحدك؟ أعني… لماذا لستَ… مع قومك؟»
نفخ أريك، ورماني بنظرة، وبعد ترددٍ شرح:
«لم تكن لي قبيلةٌ منذ سنين. ذبح الساجِتيّون عشيرتي. وُضِعتُ في قفصٍ وبِعتُ لأميرٍ من تاميسابرا. هربتُ وسرقتُ ما استطعت. وأنا أفرّ من مطاردِيّ منذ أيّام.» أُخِذتُ بحكايته. وزمجر: «ذاك الأمير لن يتوقّف حتّى يجدني. لكنّ الأمر سيكون مختلفًا هذه المرّة. هذه المرّة لن يجدني.»
عضضتُ شفتي مضطربًا. جلسنا خلف سُلَّمٍ حجريٍّ في الزقاق المسدود وصرنا نرقب الناس يمرّون في الشارع الآخر. من بعيدٍ كنّا نسمع موسيقى. أتُرى تأتي من حانةٍ بابها مفتوح؟ كان لها رنينٌ احتفاليٌّ جدًّا. ثمّ فهمت. يوم الشباب الخامس من قمر الطين، هكذا قال أبيريل. كانت احتفالات الربيع تقترب، وبعضهم يتمرّن للاستعراض. لهذا كانت الشوارع أكثر صَخَبًا من المعتاد.
فركتُ وجنتي وفكّرت: تبًّا، نسيتُ قنينة الرادراسيا التي لرولغ. يا للأسف، فقد كانت ستكون رائعةً في هذه اللحظة. تنهّدت. وبينما كنتُ أستوعب فكرة أن يصحبني مصّاصُ دماء، عدتُ أقلق من أمورٍ أخرى. عائلتي. فراشلوك. أخذتُ نفسًا حادًّا وقطعتُ الصمت وقلت:
«حكايتك مذهلة. أقول لك ما نفعل: لنَكن صديقَين. سآخذك إلى مكانٍ آمنٍ وتُعيرني العباءة. سأُعيد لك الحجر وأُعيرك القميص كي لا يرى أحدٌ وجهك. وأنت، تُعيد لي القلادة حين أُعيد لك العباءة. تمشي معك؟» طرحتُ سؤالي بالدريونسان.
رماني مصّاص الدماء بنظرةٍ فيها فضول.
«عباءتي مجرّد عباءةٍ إلفيّة. ليست بنفاسة الحجر.»
كوّرتُ شفتيّ استياءً.
«لكنّي أحتاج العباءة كي لا يُعرَف عليّ؛ أمّا الحجارة فتجدها في كلّ مكان. خُذه،» أصررت.
أردتُ أن أُعطيه الحجر الأسود، لكنّ أريك وقف بغتةً.
«لا،» أجاب. «الاتّفاق اتّفاق. ولن أُعطيك العباءة.»
تنهّدتُ وهززتُ كتفيّ. فليكن. أبقيتُ الحجر معي، وسحبتُ القبّعة على رأسي، ووقفت.
«اتبعني،» قلت.
خرجتُ من الزقاق المسدود، وبعد لحظاتٍ تبعني أريك. سأل:
«لماذا سجنوك؟»
سمعتُ شيئًا من الفضول في صوته. جذبتُه من كمّه لأُخرجه من طريق عربةٍ وشرحت:
«لأنّني استحقّيتُ ذلك. هؤلاء إخوتي في الجماعة.»
لم أقل أكثر، ولم يسأل أريك أسئلةً أخرى: كانت عيناه أشغل من ذلك بمسح ما حولنا. كان أكثر توتّرًا من غواكٍ مضروب. حين وصلنا إلى جادّة تارميل اختلطنا بالزحام. كان بعضهم قد سبق الوقت فطلى وجهه ولبس قبّعاتٍ فخمةً غريبة. في الربيع، تصير إستِرغات أكثر ألوانًا من أيّ وقت. شرحتُ لأريك سببَ كلّ هذه الجَلَبة، لكنّي لا أدري إن كان قد أنصت أصلًا. وفي لحظةٍ رأيتُه يتعثّر، فأمسكتُه من ذراعه.
«ما بك يا شيور*؟» قلتُ بالدريونسان، قلقًا.
كانت نبرتي كافيةً ليفهم أريك سؤالي. أجاب بصوتٍ واهنٍ حادّ:
«أنا عطشان.»
«آه!» أشرتُ إلى ساحة تارميل، أعلى قليلًا. «هناك نافورة. هيّا.»
أطلق أريك ضحكةً قصيرةً حادّة.
«نافورة دم؟»
تجمّدتُ في مكاني مرتجفًا. آه. يا للهول. الدم. طبعًا. اختلط الفضول بتوجّسي.
«أتصفّي إن لم تشرب؟» سألت. ولمّا رأيتُ نظرة عدم الفهم على وجه مصّاص الدماء، أدركتُ أنّني تكلّمتُ بالدريونسان. فترجمت: «أعني، هل تموت إن لم تشرب؟»
نفخ أريك. بدا أنّه استعاد شيئًا من قوّته، فلم يعد يفقد توازنه.
«لم أشرب منذ أسبوع. آخر مرّةٍ كان سيرلوكًا… وبقيتُ أشتهي المزيد. إن مضيتُ هكذا دون أن أُروي عطشي، أبدأ فلا أقدر على الحركة. ثمّ قليلًا قليلًا يسكن جسدي. وأموت.»
نظرتُ إليه مأخوذًا.
«حسنًا. و… و… إذًا دم هؤلاء ‹السيرلوك› ينفع أيضًا؟ ألا تشربون دم الساجِت فقط؟»
أطلق أريك فحيحًا وكلمةً لم أفهمها.
«لا،» قال. «في الماضي… نعم، كنتُ أشرب دم الساجِت. لكنّه خطأ. أعرف أنّه خطأ. لهذا مات أهلي. آخر مرّةٍ شربتُ فيها دم ساجِتٍ كنتُ في العاشرة. تلك المرّة… انقضضتُ على أحد ملّاكي. لم يكن يكرهني. فلم أقتله، وعفا عنّي. لكنّي تذوّقتُ دمه. كان لذيذًا.» من عينيه فهمتُ أنّه كان يبتسم ابتسامةً عريضة. «لكنّي أُفضّل دم الأنوبي.»
لم تكن لي أدنى فكرةٍ عمّا يكون الأنوبي، فقلت:
«ليس لدينا من ذلك هنا، لكن هناك جِرذانٌ كثيرة. أتحبّ الجِرذان؟»
هزّ أريك كتفيه.
«أفضل من لا شيء،» أكّد. «وأين أجدها؟»
تنهّدتُ وأمسكتُه من كمّه وجذبتُه بين المارّة. كنّا نخرج من الجادّة مرّةً أخرى، قاصدَين القطط مباشرةً، حين سألني مصّاص الدماء:
«أيمكنني أن أسألك شيئًا؟ لماذا لا يوجد دمٌ في يدك اليمنى؟»
تجمّدتُ عند السؤال ثوانيَ معدودة. راودتني رغبةٌ أن أُجيب: «وما شأنك؟». لكنّه كان قد أفضى إليّ بسرّه، ومع أنّه لم يُعِرني عباءته، كنتُ لطيفًا وقلت:
«لأنّها لا تحتاجه.»
دخلنا حيّ القطط في أعقاب جماعةٍ من الفتيان المُقنَّعين. تركناهم قرب الشُّعلة الزرقاء ودخلنا المتاهة. كنتُ أعرف أماكنَ عدّةً تعُجّ بالجِرذان، فوصلنا سريعًا إلى واحدٍ منها: زقاق الكهف المسدود حيث اختبأتُ ورفاقي من الأوجيساريين في الصيف الماضي. كان مانراس قد سمّاه الزقاق النتن. كان مليئًا بالجِرذان. أشرتُ إليها بحركةٍ مبهمة: كان بإمكانك أن تراها حتّى في ضوء النهار.
«تفضّل يا شيور،» قلتُ بالدريونسان.
فهمني مصّاص الدماء ولم يتردّد: تقدّم نحو الجِرذان. رأيتُه يتردّد قليلًا، كأنّه لا يدري أيّها يختار. ثمّ، أسرع ممّا خِلت، انقضّ وأمسك واحدًا وغرس نابَيه في عنقه.
نظرتُ حولي قلقًا، لكن لم يكن أحدٌ هناك. ومطمئنًّا، تقدّمتُ وأنا لا أزال أعرُج قليلًا، وجثمتُ إلى جانبه دون كلمة. انتظرت. تركَ أريك الجرذ أخيرًا وأخذ آخر. ولم يكن ممكنًا أن أُدهَش أكثر ممّا دُهشت حين رأيت، بعد لحظة، الجرذَ الأوّل يتحرّك من جديد. أُخِذتُ على غِرّة.
«إنّه لم يمت!»
قطّب مصّاص الدماء.
«لن أقتلها.»
نظرتُ إليه وأنا أكبح ابتسامةً بالكاد. تبًّا، أيّ مصّاص دماءٍ هذا. قد يتبيّن أنّه أرقّ من أيٍّ من قطط إستِرغات، الذين لا يجدون أدنى غضاضةٍ في نشر سُمّ الجِرذان في كلّ مكان! هذا دون أن نذكر جيش القطط المُوبَرة التي تتسكّع حول البيوت. ومع ذلك كان مصّاص الدماء الجوفيُّ يرحم. تبًّا لي إذًا.
بعد أن رأيتُه يشبع بُرهةً، قلت:
«حسنًا. عندي أمورٌ أقضيها. إن أردت، يمكنك أن تبقى هنا، في ذلك الكهف في آخر الزقاق، وسآتي لآخذك حين أستطيع. لكنّ عليّ الآن أن أذهب.»
«ليس هذا الاتّفاق،» احتجّ مصّاص الدماء. كانت وجنتاه محتقنتَين بالدم. «وإن جاء ساجِتيّون إلى هنا؟»
«لن يأتوا،» أكّدت. «وإن جاء أحدٌ ليرمي شيئًا فلن ينظر إليك حتّى. لكن لهذا كنتُ أقول لك: عليك أن تلبس ثيابي وألبس أنا ثيابك. حينها سيحسبونك ‹غواكًا›، تعرف، مثلي، أي… لا أدري، تفهم ما أعني. وهكذا لن تعرفني الخناجر السوداء. كلّها منافع.»
تبادلنا النظر في العيون. نفختُ ورفعتُ نظري إلى السماء ووقفت.
«أنا ذاهب.»
«مهلًا،» أفلت مصّاص الدماء. «حسنًا. لنتبادل الثياب.»
ابتسمت. وابتسم لي هو أيضًا، ونابَاه ظاهرتان تمامًا. دخلنا الكهف وتبادلنا الثياب. تركتُ له قميصي الضخم، وتركَ لي عباءته الإلفيّة وحِذاءه الأنيق. قالت زاويةٌ من ذهني: الآن أفرّ وأيو، إلى اللقاء يا مصّاص الدماء. لكن شيئًا في نظرة أريك وهيئته منعني من التفكير جدّيًّا في ذلك الخيار. لا أدري، كان… تلك الثقة الطفوليّة التي كان يُبديها لي، كأنّه لا يستطيع أن يتخيّل أنّ اتّفاقًا يمكن أن يُنقَض بالسرعة التي عُقِد بها، وأنّ ما يخرج من فم غواكٍ ليس الحقائقَ فقط، أبعد ما يكون عن ذلك.
ولهذا كان بي ما يشبه الخوف من أن أخون ثقته حين قلتُ له:
«قلتُ إنّني سأعود الليلة، لكنّي في الحقيقة لا أقدر أن أوعدك بذلك. تعرف، الأمور فوضويّةٌ قليلًا الآن. لكنّي سأفعل ما بوسعي لأعود، صدّقني.»
أومأ مصّاص الدماء، ناظرًا إليّ بعينَين متسائلتَين. كان يبدو غريبًا في تلك الأسمال، وشاحبًا حتّى كاد يكون شفّافًا. بعد ترددٍ آخر، نحنحتُ حَلقي.
«أيو.»
ومضيت. لم أُخبره أنّني تركتُ حجر أمّه في جيب سرواله. أعني، من يدري إلى أين كان سينتهي لو تركه عندي. إلى الجحيم، بلا شكّ.
خرجتُ من الكهف وأنا أتساءل كيف يشعر أريك الآن بحقّ الجحيم، في مدينةٍ فوقها سماءٌ وحولَه ساجِتيّون. ربّما كان عليّ أن أقوده إلى السرداب. أو إلى رفاقي. مجرّد الفكرة رسمت ابتسامةً على وجهي، وكنتُ أرى نفسي أقول: أيو يا رفاق، أجيئكم بقادمٍ جديد، هو مصّاص دماء، لكنّه غواكٌ طيّب!
ضحكتُ في سرّي ونفخت:
«الأمّ الصالحة.»
حاولتُ أن أتقدّم دون عَرَج، صعدتُ سلالمَ وأزقّة، وسلكتُ طرقًا مختصرة، ووصلتُ أخيرًا إلى الساحة الرمادية. ومتخفّيًا خلف عباءتي الإلفيّة الجديدة، مسحتُ المكان بنظري. كان النهار مشمسًا، والساحة تغصّ بالحركة. وقعت عيني على لافتة التنّين الأصفر البعيدة. وبدأتُ أسير.
كلّما اقتربتُ من النُّزُل أبطأتُ خطوي وزاد إحساسي أنّني أفعل شيئًا خاطئًا. خاطئًا جدًّا. لكن، في الوقت نفسه، لماذا لا يريد كورثر أن يعرف أحدٌ مكان النفق؟ طمعًا، لأنّه يريد أن يكون الوحيد الذي يُتاجر مع مدن العالم السفلي. حسنًا، كان أفضل أن يكون هو لا فراشلوك، لكن ظلّ من السخف أن يبقى نفقٌ بهذا الخطر مجهولًا لكلّ أحدٍ إلّا الخناجر السوداء.
كنتُ أصل إلى باب النُّزُل. غيّرتُ مساري، وبدلًا من أن أتوقّف واصلتُ نزولًا في الشارع. كان قلبي يخفق في فوضى. بدأتُ أجري صعودًا، أعرُج، نحو أتويرثو. مررتُ ببيت فراشلوك وواصلتُ الجري نحو مدرسة الدردار. كان وقت خروج الطلبة، وكنتُ آمل أن أجد لوين. صادفتُه في آخر الشارع، في اللحظة التي كان يودّع فيها زينيرا. وحين رأيتُ ابنة كورثر توقّفتُ وتراجعتُ خطواتٍ عدّة. لم يكن لي مكانٌ أختبئ فيه، فوقفتُ خلف شجرةٍ على الرصيف، وسحبتُ قلنسوتي بإحكامٍ على وجهي، وتظاهرتُ بأنّني أتأمّل شيئًا مثيرًا بجنون في راحة يدي.
ما الذي كان في ذهني بالضبط حين ذهبتُ إلى الدردار؟ كان، على وجه التقريب، أن أطلب من لوين أن يقوم رسولًا بيني وبينهم كي لا أُكلّم هؤلاء المجرمين مباشرةً. المشكلة أنّني لم أُفكّر في زينيرا حين جئتُ إلى هناك. ثمّ مرّت في الشارع شلّةٌ صغيرة. نظر بعضهم إليّ نظرةً غريبة، ولفرط دهشتي هتف إلفٌ مظلمٌ فجأةً في عجب:
«إنّه أخو القزم!»
وكان ذاك مارغ، مَن يتنمّر على سامفين. تدحرجت الأمور كالانهيار. جريت، لكنّي بعَرَجي لم أكد أبلغ شيئًا. أحاطوا بي وحصروني. أغمضتُ عينيّ لحظةً من التعب. هذا كلّ ما كنتُ أحتاجه.
«ابتعدوا،» قلت.
أظهر لي مارغ صندوقًا صغيرًا، ماغارا دفاعيّةً من النوع الذي يُطلق الصعقات، شبيهةً بتلك التي يحملها الذباب. وابتسم.
«أخرِج سكّينك الآن يا نُحاسيّ. أجئتَ لتُنجي أخاك؟ فات الوقت للأسف، فقد تركناه يرتجف في الزقاق المسدود.»
«من أين لك بهذه العباءة؟» سأل أحدهم وهو يُمسكها. «أسرقتَها؟»
«بالتأكيد لم يكن أبوه من اشتراها له!» سخر آخر.
واصلوا سُخريتهم، ولا يُصدَّق، لم يحضرني ما أقول. كنتُ قد أمضيتُ ساعاتٍ طويلةً تحت الصخور، وسِرتُ وصعدتُ ساعاتٍ دون أن آكل شيئًا، وبالكاد ارتحت. كنتُ من الإنهاك بحيث لم يكن فيّ أيّ ردّ فعلٍ حيّ. كلّ ما فعلتُه أنّني سِرتُ نحو أحدهم وانتظرتُ أن يتنحّى. لم يفعلوا، طبيعيّ، وبين الدفعات كنتُ أعود إلى وسط الدائرة. أعاد مارغ ماغاراه إلى مكانها وقال:
«إذًا؟ أتريد أنت أيضًا أن تكون مهندسًا معماريًّا؟ أو ربّما جرذَ شوارع؟»
ضحك عدّةٌ منهم. كان مُضحكًا أن ترى أنّه، حين يتعلّق الأمر بالسُّخرية من أحد، تكفي أيّ سُخريةٍ رديئةِ الصنعة لتُثير ضحكًا غبيًّا.
«كفى!» صاح صوت. «كلّكم أكبر منه سنًّا. أنتم حِزمةُ جبناء.»
لم أستطع أن أرى مَن المتكلّم، لكنّ مارغ صفَّر متسلّيًا.
«يا يا. الأميرة. لا تغضبي، فذاك نصف الغواك هو من هدّدني بسكّينه وأنا أعزل. نحن فقط نضعه في مكانه.»
«نصف غواك؟» كرّرتُ مغتاظًا، وقد قطعتُ صمتي أخيرًا. «أنا غواكٌ مئةً بالمئة يا إسطرباغ. اغرب من هنا.»
صفعني، وكدتُ أنقضّ عليه، لكنّ عدّةً منهم أمسكوني وأوقفوني.
«أرأيتِ يا أميرة؟ هذا الفتى من الأحياء الفقيرة. لا ينبغي أن يتسكّع حول المدرسة. إنّه خطِر.»
تمكّنتُ أخيرًا من رؤية وجه زينيرا ووجه لوين. كانت النصف الإلفيّة مقطّبةَ الجبين.
«قلتُ كفى! أنتم مَن يبدو كالرعاع وأنتم تُحيطون به هكذا. اتركوه.»
قلَّب مارغ عينيه، وأمسكني من طوق العباءة وجرّني خارج الدائرة قائلًا:
«محظوظٌ أنّ الأميرة تحميك. ماذا تقول؟ شكرًا. تقول: شكرًا يا آنسة.»
كرّرتُ بتنهيدةٍ خامدة:
«شكرًا يا آنسة.»
«حسنًا. إن رأيتك هنا مرّةً أخرى فسأُخبر الشرطة أنّك أنت من أشهر السكّين. هنا شهود. أتسمعني؟ اغرب من هنا.»
رميتُ مارغ بنظرةٍ قاتلة، متسائلًا إن كان لتهديده أيّ قيمة، ومضيتُ أعرُج. لم أجرؤ على النظر إلى لوين وزينيرا. توجّهتُ نازلًا في الشارع. كنتُ أشعر بمهانةٍ أكبر من أن أرغب في أن أقول لوين شيئًا. وبضيقٍ سمعتُ خطواتٍ تجري خلفي، ولحق بي قابضا المسامير الصغيران.
«درائن!» همس لوين في فرطِ حماسة. «من أين لك بهذه العباءة؟ أسرقتَها من القيثارة؟»
رمقتُه بنظرةٍ مُتعَبة، وبعد صمتٍ قلت:
«لا.»
لم يُثنِه جوابي المقتضب. فواصل:
«أتعلم أنّني عرفتُ من زينيرا أنّك أنت من سرق السولانس؟ أبي لم يُخبرني!»
تمتمتُ من بين أسناني وزمجرت:
«أتسكت يا إسطرباغ؟ إلّا إن كنتَ تريد أن تُرسلني إلى الحفرة. في هذه الحالة سأُغنّي حتّى يخونني صوتي، أتعرف؟ سئمتُ الأمر.»
آه، لقد سئمت، نعم! سئمتُ أكثر من السَّأم. سئمتُ فراشلوك، وكورثر، والذباب، والخوف. هذا الخوف الذي كان يُجمّد أحشائي، صرتُ الآن أكرهه، أدفعه بعيدًا، أُرسله يُطارد السُّحُب. سئمتُ الأمر!
انفجرت:
«كُفّا عن اتّباعي يا قابضَي المسامير اللعينَين، إلى الجحيم!»
بقي كلاهما مصعوقًا، وإن كان لوين أكثر من زينيرا: فقد استعادت هي رشدها سريعًا من المفاجأة، ويداها على خصرها، سدّت طريقي مغتاظةً:
«من تحسب نفسك بحقّ الجحيم؟»
لم يرتجف لي جَفن، لكنّي فكّرتُ في داخلي: لقد أخطأتَ مع الشيورين*، يا مور إلدال. لم يكن سؤالها يستدعي جوابًا في الغالب، لكنّي أجبتُ بصوتٍ مكتوم:
«لا أحد. أنا لا أحد. أنا ميّت.»
ودُرتُ حولها ومضيت، لا أجري كالسنجاب بل أعرُج كما يعرُج الغواك الأعرج الذي كنت. هذه المرّة تركوني وحدي.
سِرتُ في الشوارع الأوسع كي لا تُمسك بي الخناجر السوداء، وعبرتُ الجادّة. هناك رأيتُ السريع جالسًا بقبّعته وساقه المُقعَدة. سلّمتُ عليه قائلًا:
«يا له من يومٍ عَفِن.»
وجلستُ إلى جانبه. نظر إليّ الكاب بفضول.
«ولماذا؟» استفسر أخيرًا.
أخبرتُه بما حدث، دون أن أعبأ بإخفاء أيّ شيءٍ عن النفق. إلى الجحيم بالأسرار. حتّى أخبرتُه أنّني قابلتُ رفيقًا جديدًا يتيمًا تمامًا، وسألتُه إن كان يريد أن يلقاه.
«آه، حسنًا، طبيعيّ يا سميّي،» ابتسم السريع. «إن كنتَ تراه حكيمًا، فسنتبنّاه حكيمًا.»
«نعم، حسنًا، لقاؤه شيء، لكن أخذه في العصابة أمرٌ…» نحنحتُ حَلقي. «إنّه فتًى خاصٌّ نوعًا ما. قل لي، أتخاف الموتى الأحياء؟»
نظر إليّ السريع بتعبيرٍ مضطرب.
«عمّا تتحدّث بحقّ الجحيم؟»
«وماذا عن التنانين؟» استفسرت. «مسوخ الظلام. الأشباح. أتُخيفك؟»
نفخ سميّي.
«أتهزأ بي يا شيور؟ أتريد أن تقول لي إنّ الرفيق الجديد تنّينٌ خفيٌّ من الموتى الأحياء؟»
ضحكتُ من قلبي.
«لا. لكن، لو عرفتَ تنّينًا خفيًّا من الموتى الأحياء وكان ودودًا، أكنتَ تقبله؟»
ظلّ السريع يُحدّق فيّ في حَيرة.
«تبًّا يا حاذق. لا أدري. من هو صديقك هذا؟ هاربيّة؟»
«مصّاص دماء.»
أفلتت منّي هكذا. ولمّا رأيتُ ردّة فعل السريع، فهمتُ أنّه يحتاج مزيدًا من الشرح:
«لا يشرب إلّا دم الجِرذان، ولا يقتلها حتّى، أتُصدّق! إنّه مُسالمٌ ككلب جحيم المؤرّخين. عمره… لا أدري، اثنتا عشرة، ثلاث عشرة، أيًّا كان. وهو أشدّ ضياعًا من جروٍ في مستنفع.»
«مستنقع،» صحّح السريع متفكّرًا.
«هذا،» وافقت. «يقول إنّ بعض الساجِتيّين صفّوا عائلته، وإنّ أميرًا جوفيًّا حبسه في قفصٍ كالوحش. فرّ أريك، والآن قابضُ المسامير يبحث عنه. فوضى حقيقيّة!» نفخت. توقّفتُ وأنا أُحدّق في الكاب بأملٍ. «إذًا؟ تمشي؟ أيمكنه البقاء؟»
نظر إليّ السريع غير مصدّقٍ ثمّ ضحك.
«لكن كيف تفعلها يا حاذق؟ تتورّط في كلّ فوضى في العالم. خُذ عنّي قليلًا من القدوة، دبّر لنفسك ساقَ مُقعَد، واجلس، وتأمّل كما ينبغي كما أرادت الأرواح.»
تنهّدت.
«آه، أمّا هذا فلا تقلق، أنا أعرُج فعلًا. من الآن سأرتكب نصف ما كنتُ أرتكبه من حماقاتٍ عظمية، لأنّني أسير بنصف السرعة. إذًا؟ ما تقول؟ إيه؟»
هزّ السريع رأسه، نصفُه متسلٍّ ونصفُه متضايق.
«حسنًا،» قال أخيرًا. «لا أحمل أحكامًا مسبقة. لكن إن لم يُعجبني فسأطرده ولن تتذمّر.»
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
«حسنًا، طبيعيّ، أنت الكاب. سيكون سعيدًا جدًّا! لا أظنّ أنّه كان له رفاقٌ كثيرون في الأسفل،» قلت.
دفعني السريع دفعةً ودّية.
«هيّا يا غواك، اذهب واتركني وحدي أستجدي.»
«حسنًا، حسنًا،» وافقتُ وأنا أقوم. أشرتُ إليه بيدٍ مسرحيّة. «أنت كابٌ عظيم يا سريع. أفضل الثلاثة الذين لي.»
«متزلّف،» سخر الإلف أحمر الشعر.
«وأقبحهم!» أضفتُ ضاحكًا.
تفاديتُ العَرقلة التي حاول أن يُوقعني بها، ومضيتُ هذه المرّة في اتّجاه المتاهة. صاح السريع في وجهي:
«أحضِر المسخ إلى المَبيت الليلة!»
رفعتُ يدي لأقول إنّني سمعت، وواصلتُ المضيّ. وصلتُ إلى الزقاق النتن والظلام يُقبِل. كدتُ أُدهَش أنّني قطعتُ كلّ هذه المسافة دون أن أصادف أيّ خنجرٍ أسود، ولا رجال فراشلوك، ولا أحدًا من القطط يشتهي أن تقع يده على عباءتي الجميلة. لم يكن ذلك يحدث كثيرًا، لكنّي كنتُ محظوظًا أحيانًا.
«أريك؟» ناديت.
غرستُ حِذائي في القذر وسِرتُ في الزقاق المسدود الضيّق حتّى الكهف. كانت الرائحة أقتل من المعتاد، وكان التنفّس صعبًا. لم يكن ثمّ صوت. قطّبت، خائفًا أن يكون قد رحل.
«أريك؟» كرّرت.
كان الكهف مقفرًا. آه، يا شياطين. لم يكن قد رحل، أليس كذلك؟
ثمّ، في زاويةٍ قرب الكهف، رأيتُ هيئةً أطلقت زمجرة. تشنّجت.
«هل هذا أنت يا أريك؟» سألتُ بالكايلدرِك.
كان هو. رفع مصّاص الدماء نظره. ومع أنّني لم تكن لي فكرةٌ عمّا يجري له، تجرّأتُ فجثمتُ إلى جانبه وأمسكتُه من كمّه.
«أأنت بخير؟»
رأيتُه يُمرّر يدًا بيضاء على فمه، فلطّخ نفسه بالدم. تبًّا للجحيم، كان أوسخ من الذئب الصغير. أجاب أخيرًا بصوتٍ متردّد:
«شربتُ أكثر من اللازم.»
رمشت. يا للهول. كان لمصّاص الدماء كلّ أعراض السُّكر. أعنتُه على الوقوف، فتلجلج:
«لماذا… تركتَ لي الحجر؟»
«الحجر؟ يا للعجب، لم أكن منتبهًا!» كذبت. وبعد أن قبلتُ حجر أمّه الأسود مرّةً أخرى، تأكّدتُ أنّه غطّى وجهه قبل أن أقوده خارج الزقاق النتن. كنّا نقارب المَبيت حين تمدّد قليلًا وسأل:
«إلى أين نحن ذاهبان؟»
«لنرى رفاقي،» أجبتُ مبتهجًا. «هكذا سيكون لك مكانٌ جيّدٌ للنوم. الكهف للطوارئ فقط.»
توقّف مصّاص الدماء فجأةً.
«رِ-فاق؟ ما هذا؟»
كنتُ قد استخدمتُ الكلمة بالدريونسان. فشرحت:
«أصدقاء. عائلة. أنا أعيش هناك في الأعلى، في تلك الصخور، معهم. هيّا. ستَرى، ستُحبّهم. لقد دعاك ‹الكاب›، لا أكثر ولا أقلّ. أعني، الزعيم.»
نظر إليّ أريك مبهوتًا.
«دعاني؟ لكن… إنّهم ساجِتيّون. لا أستطيع الذهاب.»
نفخت.
«بحقّ الجحيم، بل تستطيع بالطبع. أنا ساجِتٌ أيضًا، تعرف. هيّا، لن يأكلوك. فقط لا تُظهر نابَيك وسيكون الأمر بخير. ليس بهذه الصعوبة.»
وجذبتُه دون مزيدٍ من الكلام، لأنّني كنتُ قد تعبتُ من الكلام والسير، وفي رأسي كنتُ أُكرّر لنفسي: أريد أن أغفو، أريد أن أغفو.
حين وصلنا إلى الملجأ، كان كلّ الرفاق تقريبًا هناك. قلت: «أيو، أيو». عرّفتُهم بأريك. وبفضولٍ حاول السريع أن يتفاهم معه بالإشارات، وبعد أن حكيتُ لروغان ورفاقي مصائبي بلا مبالاةٍ سببها الإنهاك، أنصتُّ إلى مانراس يحكي حكايةً بعيدةَ الاحتمال وقلتُ له: «تبًّا، خيالك جهنّميّ يا غواك، غدًا تحكي لي أخرى». ثمّ أتبعتُها بـ: «أنا ميّت». وهكذا، وأنا أُعانق الذئب الصغير الذي كان غارقًا في نومه، تهيّأتُ لأفعل مثله. المشكلة أنّني كنتُ جائعًا جوعًا شرِهًا، فقلتُ قبل أن أُغمض عينيّ: «هل عند أحدٍ شيءٌ يُؤكل؟». أعطوني بعض الروداريا. ونمتُ والعودُ بين أسناني، بينما ظلّ مصّاص الدماء والسريع يتفاهمان في الظلال. لم يكن بوسعهما أن يقولا الكثير لأنّهما لا يتشاركان اللغة، لكن بدا أنّهما يتوافقان جيّدًا. مهما قال الناس عنّا، كنّا نحن الغواكات أكثر انفتاحًا وأقلّ خرافةً من كثيرين، ومع أنّنا كنّا جاهلين جهلًا عميقًا بأمور، كنّا عالمين بأمورٍ كثيرةٍ أخرى.
كانت آخر فكرةٍ لي قبل أن أغرق في النوم لإخوتي بالدم. لم يكونوا يستحقّون أن يُصيبهم أذًى بسببي. لكنّ قلقي العميق سحقه التعب. لم أُرِد إلّا أن أنام. أن أنام مع رفاقي. ثمّ، إن كان عليّ أن أموت من أجل عائلتي، فسأفعلها عند الفجر. عند الفجر.
عند الفجر، عند الفجر، عند الفجر،
يُغنّي الطيرُ فَرَحًا،
وتتفتّح الأزهارُ وتتمطّى،
وعلى الأرض يتوهّج
ضياءُ الفجر الأبيض.
عند الفجر، عند الفجر، عند الفجر!
* شيور: لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، أقرب إلى «يا صاحبي/يا رجل».
* شيورين: تصغيرُ «شيور»، نداءٌ ودّيٌّ مازح، بمعنى «يا صاحبتي الصغيرة» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.