Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 81
وبين أسناني رغيفُ خبزٍ شهيّ، كنتُ جالسًا على العشب مع روغان وصاحبَيّ الصغيرَين والذئب الصغير، أُعطي كلًّا منهم قلادةً، في مهابةٍ عميقةٍ وفرحٍ في الوقت ذاته، حين أُوقظتُ فجأةً وقد هُزَّت كتفاي.
«يا حاذق!» همس صوتٌ في أذني.
وكنتُ إلى النوم أقربَ منّي إلى الصحو، فعرفتُ صوت الغطّاس. وبلا أن أفتح عينيّ حتّى، تلجلجتُ ناعسًا:
«ما الأمر؟»
نفخ الغطّاس.
«أأنتَ جادّ؟ أنسيتَ فراشلوك؟»
في الحال غشيَني الخَذَل والمرارة، وأردتُ أن أعود إلى قلائدي وخبزي الشهيّ… ثمّ دفعةٌ أخرى وقَرصة. أطلقتُ زفرةً غاضبةً وأمسكتُ الغطّاس من ذراعه.
«الجوزة المجنونة،» نعقتُ في مزاجٍ سيّئ. «من هناك يبدأ النفق. هذا كلُّ ما أعرف.»
عقدتُ ذراعيّ ودفنتُ وجهي فيهما من جديد. سمعتُ تنهيدةً من الغطّاس. ثمّ لم أسمع شيئًا بعد ذلك: كنتُ قد عدتُ إلى عالم الأحلام. إلّا أنّني هذه المرّة حلمتُ أنّني في نفقٍ وفي قراره عينا تنّينٍ ضخمتان، والصخور تتساقط وتتساقط وتسحقني… وكنتُ أموت، لا في لحظةٍ واحدةٍ بل في عذابٍ بطيءٍ والخوف في أمعائي… خوفٌ رهيب! استيقظتُ غارقًا في العرق، مرتجفًا وقلبي يخفق كالمجنون.
وما إن هدأتُ حتّى تساءلتُ إن كان الغطّاس قد جاء لرؤيتي تلك الليلة حقًّا أم أنّني حلمتُ بذلك. وأن أعجز عن التمييز تركني في حَيرة. ولم تكن هذه أوّل مرّةٍ أحلم فيها أنّني صحوتُ ثمّ نمتُ من غير أن أصحو فعلًا. وأخيرًا هززتُ كتفيّ ونظرتُ إلى الذئب الصغير الذي كان يلعب بجانبي، ينهش جمجمة المعلّم. وكانت تلك علامةَ أنّه جائع. عبثتُ بشعره.
«أيو، أيو يا ذئبَ الصغير. أجائعٌ أنت؟» أومأ الفتى الأشقر بحماسة. «حسنٌ، فلنفعل شيئًا في الأمر.»
كان النهار قد طلع منذ ساعات، لكنّ مانراس وديل كانا نائمَين بعد. نهضتُ، وعندها فقط تبيّن لي أنّ العباءة قد ذهبت، وأنّ الحذاء لم يكن في المكان الذي تركتُه فيه. استدرتُ أبحث عن أريك فلم أجده. بل إنّ أكثر من نصف الصحاب كانوا قد رحلوا. عبثتُ بحجر أريك الأسود في جيبي، وتنهّدت، وبعد فحصٍ سريعٍ لجروحي، أيقظتُ صاحبَيّ الصغيرَين من نومهما بأن غنّيت: لاريلان، لاريلون، يا ربيعُ، اخرجِ الآن، بومبومبيم… فاستيقظا، وخرجنا أربعتنا من المَبيت. ووصلنا إلى الشارع المُتاخم للمنطقة الصخرية حين رأيتُ القِسّ يخبّ صاعدًا التلّة، يخفي شيئًا تحت معطفه.
«ما أحسنَ أنّكم هنا!» حيّانا بابتسامةٍ عريضة. «اشتريتُ لكم الفطور. كان محصولي طيّبًا أمس، ولأنّكم كنتم جائعين يا حاذق، قال لي أسلافي: كُن كريمًا وأعطِ النفسَ الجائعة. هاكم، هاكم: إنّه طيّب، خبزُ شيلم.»
لم أستطع كتمان صيحة فرحٍ حين رأيتُ الرغيف. وكان فمي ممتلئًا وعيناي نصفَ مغمضتَين من اللذّة حين قلت:
«الأمّ الصالحة، شكرًا يا قِسّ. لكَ عندي واحدة.»
«تبًّا للجحيم. لك عندي أكثر من واحدةٍ لما فعلتَه في المستشفى،» أجاب.
قلّبتُ عينيّ. لن ينسى القِسُّ أبدًا ما فعلتُه له في المستشفى. لم نُبقِ خمستنا كِسرةً واحدة، وبعد تسكّعٍ قليلٍ في المنطقة، توجّهنا إلى حيّ تارميل. ولم أكن أعرج إلّا قليلًا الآن.
وبعد فطورٍ كهذا، ولأنّ جوًّا احتفاليًّا كان يعمّ المدينة، أطلقنا العنان لنزواتنا بطبيعة الحال. كنتُ قد غدرتُ بكورثر، ولم يبقَ عليّ أن أخشى فراشلوك، ولذلك كان ضميري خاليًا كلَّ الخُلوّ تقريبًا. فتنزّهنا في جادّة تارميل من دكّانٍ إلى دكّانٍ ومن نافورةٍ إلى نافورة، ولقينا السريع ومصّاص الدماء في الجادّة، وأخبرنا الكاب أنّه باع في الصباح العباءة الإلفيّة، بموافقة أريك على ما يبدو. وقد جمع منها مبلغًا حسنًا، اشترى به ثيابًا مناسبةً للقادم الجديد، ومنها لِثام. ولم يُخبرنا إلى أين ذهب باقي المال.
استغللنا اليوم إلى آخره. شحتنا قليلًا، قليلًا فقط: وأمضينا باقي الوقت نمشي في الشوارع المزدحمة، ونشتري علبة دهانٍ من بائع، ونصبغ وجوهنا بل وأذرعنا أيضًا. ورسمنا كذلك دائرتَين سوداوَين حول عينَي أريك. في البداية لم يُرِد ذلك، لكن لا شيء أقنعَ من زُمرةِ غواكاتٍ مُصمّمةٍ على أن ترى كلَّ رفاقها، ولا سيّما الجُدد، يفعلون ما تفعل. والأمر كسائر الأمور: أصِرَّ فتَغلِب. ثمّ إنّ مصّاص الدماء كان سريع التعلّم، فلمّا حان موكب الاستعراض كان قد صار قادرًا أن يقول: تبًّا للجحيم، وعظيم، وهذا طيّبٌ بجنون، وأيو يا رفاق! وغيرها. في أوّل الأمر كان يبدو خَجولًا جادًّا، ثمّ انفكّ شيئًا فشيئًا، وبحلول العصر كان مستعدًّا لكلّ غواكيّاتنا: انتزع قلادة زهورٍ معلّقةً على باب، ورشّ الناس قرب نافورة، وشدّ أذناب خيول الموكب… والشيء الوحيد الذي لم يفعله هو أن يتفل على أحذية قابضي المسامير، لأنّه قال إنّ تُفاله يجذب الأنظار لرائحته. وفي النهاية، مصّاصَ دماءٍ كان أو غيرَ ذلك، فقد كان طفلًا كسائرنا.
تثاءبت. كنّا نحو عشرةٍ جالسين على عشب حديقة المساء. كان العصر يميل إلى الرحيل، والهواء منعشًا، ومع ذلك كان المكان يغصّ بالمتنزّهين. كنّا قد اقترعنا لنرى مَن سيشحت كرةً كتلك التي يلعب بها الأطفال هناك على مسافةٍ قصيرة، فوقعت القرعة على مانراس، فصار الإلف المظلم الصغير يدور الآن، يمدّ يده إلى العابرين. ولم يكن حتّى تلك اللحظة يُحقّق نجاحًا كبيرًا. ولمّا مرّت به جماعةٌ من الناس، ونحّته عن طريقهم دفعًا في الحقيقة، ضحكت.
«أنت تُفلِت الزبائن من يدك يا دِمورجِد! على هذه الوتيرة سنحصل على الكرة في الصيف!»
قلتُها بنبرةٍ مرِحة، لكنّ مانراس عبس عبوسًا متوتّرًا ونظر إلى قابضي المسامير في ضيق. قلّبتُ عينيّ وقلت:
«بَه، انسَ الأمر وتعال!»
وعلى أيّ حال، كان واضحًا أنّنا لن نحصل على الكرة قبل حلول الليل ولو جمعنا كلّ مُدّخراتنا.
ومع اعتام السماء، رأيتُ صاحب الكرة يودّع أصدقاءه ويمضي مع عائلته. رمقتُ وجه مانراس المُتقطّب ودفعتُه دفعةً ساخرة.
«انسَ الكرة. كلّ هذا من أمور قابضي المسامير. عندنا ما هو أفضل!»
وضعتُ عويد الروداريا بين أسناني واستلقيتُ على العشب. كانت الجوهرة تلمع في السماء بعد، وكنّا نرى النجوم.
«ما هو أفضل؟» تساءل مانراس. «وما هو الأفضل؟»
كان دامبا والسمّيّة ولين قد عادوا إلى المَبيت، ولم يبقَ الآن غير روغان وصاحبَيّ الصغيرَين وأريك وسيرديو والذئب الصغير وأنا. رفعتُ يدي وأشرتُ إلى السماء المُعتمة بإيماءةٍ واسعة.
«هذا. الحرّية. لا أحد يقول لنا متى نكفّ عن اللعب.»
وسادَ صمتٌ سُمعت فيه أصوات العابرين. ثمّ قال ديل:
«ولا أحد يقول ذلك للأموات أيضًا.»
فنفخنا وضحكنا.
«راوند،» أقرَرت. «لكنّهم أرواح، وليس الأمر سواءً.»
تدخّل سيرديو ساخرًا:
«أتحسبُ أنّ أولاد قابضي المسامير أولئك يريدون أن يأخذوا مكانك يا حاذق؟»
عبستُ ولويتُ فمي مرّاتٍ بضعًا.
«بَه. حسنٌ، لا،» أقرَرت. «إنّهم محظوظون. لكنّ هذا لا يجعلنا أقلَّ منهم، أليس كذلك؟»
تنحّح روغان.
«مَن قارنَ نفسه بجاره لم يجنِ غير حزنٍ أبديّ،» اقتبس.
هززتُ كتفيّ وتنهّدت.
«بَه. وما أدراني. على أيّ حال، نحن محظوظون أيضًا. نحن أحياء. ولم نُولد أغبياء. لهذا أظنُّ أنّ علينا أن نتعلّم.»
وأضاءت فكرةٌ مباغتةٌ وجهي بابتسامة.
«نتعلّم؟» أعاد روغان. «كنتُ أُحبّ التعلّم دائمًا. درستُ في مدرسة القساوسة،» ذكّرنا. «وقال لي أحدهم مرّةً: ‹يا روغان، يمكن أن تصير وزيرًا›. أتُصدّقون؟»
لا أدري إن كنتُ صدّقتُه، لكنّه قصّ علينا الحكاية مرّاتٍ كثيرةً حتّى إنّني كنتُ على وشك أن أُصدّقه إلى الأبد. ولمّا فتح القِسُّ فمه بإلهامٍ جديد، وقفتُ واقفًا مباغتًا وقلتُ بحماسة:
«سنتعلّم. الآن. اليوم عيدٌ، وهو اليوم الأمثل،» احتجَجت. «هيّا، لنذهب.»
كنتُ قد فاجأتُهم جميعًا.
«إلى أين تذهب يا حاذق؟» تساءل مانراس حين رآني واقفًا.
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
«إلى المكتبة الوطنية. هيّا يا شيوران*!»
وشرعتُ أمضي مُمسكًا يدَ الذئب الصغير، وسمعتُ ضحك سيرديو.
«أنتَ تفقد عقلك يا حاذق!»
عدتُ لأجذب أريك من كُمّه وأقول:
«بالعكس تمامًا. أريك سيفتح لنا. عنده عصا سحرية. سيكون الأمر مذهلًا. هل رأيتم يومًا رفوفًا مملوءةً بالكتب؟ أنا رأيت. لكنّي أريدكم أن تروها. هيّا، هيّا، لا تكونوا متكاسلين، فلكي تتعلّم لا بدّ أن تكون مُثا… مثابـ… أعني، لا بدّ أن يكون لك قلبٌ وأن تعمل عملًا جبّارًا، وإن لم تُحرّك سُوقَك فلن تنال شيئًا في هذه الحياة. إلى الأمام!»
جذبتُ أريك، وتبِعني صاحبايَ الصغيران في فضول. وفعل روغان مثلهما بتحفّظٍ أكبر، وقال سيرديو وهو ينضمّ إلينا:
«إن قُبض عليكم، فأنتم في ورطةٍ كبيرة يا شيوران! وكلُّ ذلك لترَوا كتبًا لعينةً لا تستطيعون حتّى قراءتها.»
«بل أستطيع وأزيد!» أجبت.
«تقرأ الكتب حقًّا؟ أجل، أجل،» ردّ سيرديو. «قد تكون ساحرًا، لكنّك مجرّد غواك.»
واجهتُه وحاجبايَ معقودان. فأضاف:
«عُد إلى الواقع يا شيور. لن تصير عالمًا بأن تدخل المكتبة ليلةً واحدة. لكن إن أردتَ أن تتذاكى، فتلك مشكلتك.»
«أليس الأفضل أن تُحكّم عقلك في مكانٍ آخرَ ليس تحت الحراسة؟» تدخّل روغان. «في المعبد مثلًا. في هذه الساعة لا بدّ أنّهم ما زالوا يحتفلون بمَقدَم الربيع. وعلى المذبح توجد دائمًا نسخةٌ من الكتاب المقدّس. وأنا واثقٌ أنّك لم تقرأه حتّى.»
أمّا أن يُعارضني سيرديو فذلك ما لم يكن مُستغربًا، لكن القِسّ؟ نظرتُ إليهما في حَيرة. أفكرتي هذه بعيدةٌ إلى هذا الحدّ؟ أنا لم أُرِد إلّا أن أتعلّم! ثمّ سأل أريك بالكايلدرِكية:
«ما الذي يجري؟»
تنهّدتُ ورمقتُ مصّاص الدماء متفكّرًا. لم يفهم شيئًا. وأضاف روغان:
«لنذهب إلى المَبيت. من هناك تُرى الألعاب النارية رؤيةً رائعة. هيّا، اتّفقنا؟»
تنهّدتُ من جديد في خيبة. وإذ شرع الصحاب يخرجون من الحديقة، حملتُ الذئب الصغير على كتفيّ وتبعتُهم صامتًا مُتجهّمًا. وبعد صمت، سألتُ أريك بنبرةٍ بريئة:
«كيف تعمل عصاك السحرية؟»
في عصر اليوم التالي، دخلتُ دكّان ثيابٍ لقابضي المسامير، خلف امرأةٍ طويلةٍ وابنَيها، وانسللتُ وراء بعض الرفوف، ومستغلًّا أنّ البائعة لم تكن قد رأتني بعد، اختبأتُ خلف صندوقٍ كبيرٍ مُغطّى بأكوام القماش. وهناك انتظرت. انتظرتُ حتّى تخشّبت عضلاتي وزالت نشوة السرقة. وحلّ الليل. وأُغلق الدكّان. انتظرتُ طويلًا، أُرهف السمع لأخفّ حركة، ثمّ خرجتُ من مكمني. تسلّلتُ إلى المِنضدة، مُتحاشيًا الأكوام والرفوف، وتحسّستُ الأشياء، ووجدتُ الصندوق أخيرًا. أخرجتُ المفتاح السحري ودسستُه في القُفل. شغّلتُ الماغارا فتشكّلت على هيئة المفتاح المُناسب، ولويتُها، فانفتح الصندوق. سحبتُ الماغارا في الحال، لأنّ أريك كان قد حذّرني أنّها قد تنحشر في القُفل. نظرتُ داخل الصندوق وحبستُ نفسي. كان فيه ثلاثون سياتو على الأقلّ، عملاتٍ وأوراقًا. اقتنصتُ كلَّ ذلك. فتحتُ باب الخروج وانطلقتُ كالريح، مُحاطًا بالظلال المتناغمة. لم أخرج أكثرَ علمًا ولا أوسعَ معرفة، لكنّي صرتُ أملك من المال ما يكفي لأسدّد دَيني للسريع وأستأجر معلّمًا خاصًّا قمرًا كاملًا. أما كانت فكرةً عبقرية!
ولمّا كان الربيع مُقبلًا، قرّر السريع أن يُغيّر المأوى. كان المَبيت طيّبًا لئلّا يتجمّد المرء موتًا، لأنّ الأرض دافئةٌ أبدًا، لكنّه كان جحيمًا قاتلًا من الصخور الحادّة: في اليوم السابق، وبلا حاجةٍ إلى العودة أبعد من ذلك، كاد الذئب الصغير يكسر عظامه، ولم ينجِه إلّا سرعةُ بديهة القِسّ. فانتقلنا إلى زقاقٍ مسدودٍ في المتاهة، من مُلك أتباع فراشلوك. ومقابل وعودٍ بمزايا معيّنة، كملاذٍ آمنٍ أو روداريا أرخص، تعاهدنا على أن نعمل لهم، سواء «عيونًا» بسيطةً أو شحّاذين محترفين أو ماسحي أحذيةٍ أو تُجّارًا: كلُّ شيءٍ كان طيّبًا. وكان السريع حتّى تلك اللحظة يتحاشى دائمًا كلَّ تعاهد، لكنّهم غيّروا رأيه بلا شكّ. وأنا، بما أنّني عضوٌ في الزمرة، جريتُ على ما جروا عليه. وفكّرتُ أنّ الخناجر السوداء ربّما لن تعرف بهذا أين تبحث عنّي بعد الآن. لم تكن الفكرة تُعجبني، أن أُواصل العمل لفراشلوك، لكن ألم أكن قد وعدتُ بالوفاء مقابل موت الصقر الأسود؟ حسنٌ، ولو لمرّةٍ واحدة، كنتُ أحفظ كلمتي.
استغرقني الوصول إلى المأوى ساعتَين كاملتَين، لأنّني كنتُ حَذِرًا. لم أُرِد أن تُنتزع منّي الغنيمة. وأخيرًا بلغتُ الزقاق المسدود، ووضعتُ المال بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يأخذه منّي دون أن أُدرك، ثمّ استقرّ بي المكان لأنام، غنيًّا كقابض مسامير. ونمت.
وفي الأيّام التالية، شرعتُ أبحث عن معلّمٍ يرضى أن يُعلّم لا أنا وحدي بل زُمرةً كاملةً من الغواكات. كانت الأولى عجوزًا حكيمةً من القطط. جاءت إلى المأوى كلَّ عصرٍ ثلاثةَ أيّامٍ تُعلّمنا أشياء، حتّى اشتريتُ لوحًا صغيرًا وطبشورًا لترسم لنا الحروف فتبيّن أنّ العجوز لا تعرف الكتابة. وكان ذلك سيُغضبني غضبًا حقيقيًّا لو لم تكن العجوز نفسًا طيّبةً رقيقة، فقلتُ لها: شكرًا يا جدّة، لكنّنا نريد أن نتعلّم مع معلّمٍ حقيقيّ. وصرفتُها.
وطردتُ بعدها لصَّين آخرَين أقلَّ لُطفًا قبل أن أخلُص إلى أنّني، في حيّ القطط، لن أجد ساجِتًا مُتعلّمًا. فذهبتُ إلى تارميل.
وعند تلك النقطة كانت غنيمتي قد تضاءلت تضاؤلًا كبيرًا. أوّلًا، أخذ السريع عشرة سياتوات بحقّه كالكاب. ثمّ اضطررتُ أن أُصرّف المال الورقيّ نقدًا صُلبًا، فأخذ رجال فراشلوك حصّةً معتبَرة. فبقي لي في المجموع ثلاثون ذهبيّة. ثلاثون ذهبيّةً لأصير رجلًا عالمًا.
وأخيرًا فكّرتُ في أخي سكيلروغ. كان معلّم مدرسة: فهو لا شكّ يعرف الكثير. وكان أوّل يوم لطفٍ من قمر القشّ. وبعد أن أدّيتُ مَهمّةً للمُبارِز، ذهبتُ توًّا إلى مدرسة الممرّ، غير ناسٍ أن أمرّ بعيدًا عن الجوزة المجنونة، تحوّطًا. كانت المدرسة خالية. أفكنتُ متأخّرًا؟ وكدتُ أرجع خائبًا، مُبتلًّا بمطر الربيع، حين رأيتُ هيئتَين تتحدّثان قرب باب خدمات المدرسة، تحت السقيفة. كان سكيلروغ، ومعه كاكزايل. وربّما تنبّهَا لجُموحي المُفاجئ، فحوّل الأخوان عينَيهما إليّ. تحرّكتُ خطوةً إلى الجانب، وقد غشيني الوجَل فجأةً. إن قبضوا عليّ، أيو أيّتها الحرّية. وبعد النظر في كلّ شيء، أكان يستحقّ الأمر أن أُحدّث سكيلروغ عن طموحاتي العِلمية؟ كان الأمر خَطِرًا إلى حدٍّ ما.
«أشيغ؟» نطق كاكزايل مُتفاجئًا.
استدرتُ وفررتُ، وأنا أُسمّي نفسي دِمورجِد. ولِمَ في الأرض ذهبتُ إلى مدرسة الممرّ إن كنتُ سأهرب ما إن أصل؟ دِمورجِد ثلاث مرّات.
وكنتُ ما زلتُ أعدو حين عُرقِلتُ على غير انتظار، وإذ كدتُ أرتمي في بِركةٍ من الماء، أمسكتني ذراعان قبل أن أرتطم بالأرض وجرّتاني إلى زقاقٍ مسدود. ولمّا رفعتُ نظري، شعرتُ أنّني في حكم الميت. كان يال. كان على وجه معلّمي أمارةٌ لا تُنبئ بخير.
«إلَسّار*…» لهثت.
«لا إلَسّار هنا،» أجاب في حزم. دفعني، وإذ كنتُ أُصارع لأستعيد توازني، هسّ: «أنت أسوأ ساريٍّ كان يمكن أن يكون لي. لقد جلبتَ العار على الأخويّة كلّها وخدعتَنا جميعًا. لم يبقَ لكورثر ما يفعله لك يا مور إلدال، أتفهم؟ لقد طردك إلى الأبد.»
طأطأتُ رأسي. كان الذنب ينهش أحشائي. وبعد صمت، أتى يال بإيماءةٍ مباغتةٍ متغيّرة.
«ألن تقول شيئًا؟»
عضضتُ شفتي العليا في توتّر، أرفع رأسي وأخفضه في اضطراب. كانت الخيبة التي تسطع في عينَي معلّمي نافذةً حتّى إنّني أردتُ أن أصفع نفسي.
«كورثر يظنّ أنّه يعرف كيف هربت،» أضاف يال بصوتٍ آتٍ من وراء القبر. «إن قلتَ لنا أين… الفتى الذي خرج معك، فسيُبقي على حياتك.»
رفعتُ نظري بحدّة. كيف في الجحيم عرفوا بأريك؟
«هربتُ وحدي،» أجبت.
صرّ يال على أسنانه وشهق نفسًا ليُهدّئ نفسه.
«بعض الجوفيّين يبحثون عنه. وهم على استعدادٍ أن يتركوا النفق سليمًا إن جِئناهم بمصّا… بالفتى. كان يرتدي عباءةً إلفيّة. ونحن نعرف أنّ واحدةً بيعت في القطط منذ وقتٍ قريب. لا نعرف بعد مَن باعها، لكن… لن يطول الأمر حتّى نعرف. وإن تبيّن أنّه معك يا درائن، فتلك ستكون القاصمة. اسمع، هذا الفتى ليس فتًى عاديًّا.»
قلّبتُ عينيّ وقلت:
«لا أدري أين في الجحيم ذلك الغواك. ليس في زمرتي إلّا أناسٌ عاديّون.»
هزّني يال من كتفيّ في نَزَقٍ شديد.
«أنتَ لا تُدرك الوضع الذي أنت فيه يا درائن! أنتَ تلعب بحياتك.»
رأيتُ حركةً خلف معلّمي… واتّسعت عيناي. كان كاكزايل هناك، واقفًا عند مدخل الزقاق المسدود. مَن يدري ما سمع؟ وقد تنبّه يال لنظرتي، فاستدار واستعاد رَباطة جأشه إلى حدٍّ ما، ونادى:
«حسنٌ، حسنٌ. كاكزايل مالاكسالرا. يا للمُفاجأة.»
قرَع أخي الأكبر على مِقبض سيفه.
«ما الذي يفعله مسؤولٌ في الكابيتول وغواكٌ في زُقاق؟ أو ربّما ينبغي أن أقول: خنجران أسودان.»
نفخت.
«خنجرٌ أسودٌ واحد. أنا لم أعد منهم.»
وإذ قلتُ هذا، حاولتُ أن أدور حول معلّمي وأفتح لنفسي طريقًا بأن أتظاهر بالسير الهادئ، ثمّ انطلقتُ كالسهم. تحاشيتُ يد كاكزايل واختفيتُ في الشارع.
وهدفُ الذهاب لإنقاذ أريك حماني من كلّ فكرةٍ متشائمةٍ عن ذلك «أنتَ تلعب بحياتك» وعن وعيد كورثر بالموت. توغّلتُ في المتاهة وتأكّدتُ أنّ أحدًا لا يتبعني قبل أن أعود إلى المأوى. لم يكن أريك هناك. انتظرتُ بلا صبر. رأيتُ صاحبَيّ الصغيرَين يعودان، ثمّ الزمرة كلّها في آخر الأمر. وكلّما وصل صاحبٌ، طفرتُ ونزوتُ وقلت: «وأريك؟». لا شيء، لم يكونوا يعرفون أين هو.
وإذ صرتُ أكثرَ اقتناعًا أنّه قد قُبض عليه، شعرتُ براحةٍ بألف شيطان حين سمعتُ صوت السريع ورأيتُ هيئته مع هيئة مصّاص الدماء. هرعتُ إلى الأمام.
«أريك! لا بدّ أن ترحل. الأمير يعرف أنّك هنا.»
لمعت عينا مصّاص الدماء الزرقاوان في ضوء النار الصغيرة.
«كيف؟» قال. «كيف يعرف؟»
قطّبت.
«بسبب الخناجر السوداء. وبسبب العباءة الإلفيّة التي بيعت. تعال. سآخذك إلى مكانٍ آمن.»
أخبرتُ السريع بما يجري، وبلا مزيدٍ من الكلام، خطّطنا لهروبه. سنذهب إلى السرداب، ولكي نفعل ذلك كان علينا أن نعبر أحد الجسور. اخترنا جسر القمر، أقربَ الطرق وأقصدَها، وفي دقائق كنّا في الطريق.
وإذ كنّا نتقدّم، أعطيتُ أريك بعض النصائح:
«إن لقيتَ نادرِيًّا أو ذئبًا، فاصعد شجرة. وبما أنّك مصّاص دماء، فلن أقول لك لا تأكل التوت والفُطر اللذَين لا تعرفهما. لكنّي أحسب أنّ ذلك يسري على الحيوانات التي لا تعرفها. امضِ نحو الشمس المشرقة، إلى الجبال. وإن أردتَ أن ترجع، فلو كنتُ مكانك انتظرتُ قمرًا على الأقلّ، لأنّي أعرف كم الخناجر السوداء فَضوليّة…»
وتحدّثتُ وتحدّثتُ حتّى وصلنا إلى ساحة القمر. هناك خبّأتُ وجهي جيّدًا دون أن أُبطئ خُطاي. كان الظلام قد حلّ، والمطر قد توقّف، والقمر والجوهرة يُضيئان السماء. وفي العتمة، رأيتُ هيئةً مُريبةً في الجهة الأخرى من الساحة الرئيسة. ما كان أحدٌ غيري ليُلاحظها، لكنّي كنتُ على الحيطة. توقّفتُ في ظلال بناءٍ وهمستُ لأريك:
«أظنّهم يُراقبون الجسر.»
«الخناجر السوداء؟» استفسر مصّاص الدماء.
أومأت.
«يجب أن نفترق،» اقترحت. «قد تتعرّف الخناجر السوداء إليّ. وكما قلتُ لك، الغابة أمامك على الخطّ المستقيم، لا يمكن أن تُخطئ.»
أومأ أريك مشدودًا.
«شكرًا.»
ابتسمت.
«على الرحب. بالمناسبة، حجر أمّك. كدتُ أنساه. أتترك لي العصا؟ في الغابة لن تجد أبوابًا مُقفلة…»
«تمشي،» قال أريك بالدريونسانية. وقبِل الحجر مُتردّدًا وأعاد إليّ قلادة الموسيقى. ولفَظ: «قال لي السريع: ‹لقد جعل منك أضحوكةً بتلك القلادة›. أهذا صحيح؟»
ابتلعتُ لُعابي.
«آه… السريع، ذاك الوغد،» نعقت. «ذاك السكالوفتارد كان يهرف بما لا يعرف. وعلى أيّ حال، المهمّ أنّنا رفيقان وأنّنا تعاونّا، أليس كذلك؟»
ابتسمت عينا أريك.
«أجل. أحسبُ ذلك،» أقرّ بالكايلدرِكية. «أتعلم؟ لولا الأمير… لكنتُ بقيت.»
جلب الاعترافُ ابتسامةً إلى وجهي.
«طبيعيّ!» قلتُ بالدريونسانية. «حتّى مصّاصو الدماء يحتاجون رفاقًا.» صفعتُ كتفه صفعةً خفيفةً وأشرتُ بذَقني إلى جماعةٍ من الناس تتوجّه نحو الجسر. «اندسَّ في تلك الجماعة هناك، فتعبُر خفيًّا كروح.»
شهق أريك نفسًا، وأومأ، ثمّ شرع يسير نحو الجسر. وتوقّف بعد خطواتٍ قليلةٍ ليقول فحسب:
«أيو.»
فاتّسعت ابتسامتي.
«أيو، أيو! اعتنِ بنفسك.»
في تلك اللحظة، خالجَني إحساسٌ مُضحكٌ بأنّني أخذتُ مكان معلّمي الناكروس وأنّ أريك أخذ مكاني: أنا أبقى في البيت، وهو يمضي ليكتشف العالم.
وإذ شرع مصّاص الدماء يعبر الجسر بين العابرين، دُرتُ حول الساحة لأقترب وأتأكّد أنّ مصّاص الدماء الصغير سيصل سالمًا إلى الجهة الأخرى. وظللتُ أراقب ذلك المُريب بطرف عيني. لم يبدُ لي الآن مُريبًا إلى ذلك الحدّ. كان مُستريحًا، يُدخّن غليونًا قرب الجسر. ولمّا غاب أريك عن نظري، قلتُ في نفسي: حان وقت الذهاب. واستدرتُ راجعًا، في الوقت المناسب تمامًا لأرى هيئتَين تتوجّهان إليّ مباشرة. بدت إحداهما مألوفة. طفرتُ كالسنجاب وعدوتُ على الرصيف نحو النهر. سدّ أحدهما طريقي باختصار الطريق عبر شارعٍ آخر، فبدّلتُ مساري، لكنّ الآخر سدّ طريقي. صرتُ محصورًا. قفزتُ إلى ظهر أحد الصنادل الراسية هناك. كانت هناك صفوفٌ عدّةٌ منها، وكان في وسعي أن أُواصل الجري من صندلٍ إلى صندل. لو استطعتُ الوصول إلى القناة قرب سجن الطاحونة، فربّما أفلتُ منهما.
لم تكن قدماي العاريتان تُصدران على الخشب ضجيجًا يُذكر. أمّا حذاء مُطارديّ فقد كان مسموعًا بوضوح. والآن وقد تذكّرتُ كلام يال، لم يبقَ لي شكٌّ في نوايا هذين الرجلين. لقد أُرسلا لقتلي. كان كورثر قد اكتفى منّي، فقد غدرتُ به مرّاتٍ كثيرةً جدًّا، وما فعلتُه لا يُغتفَر. لقد طردوني من الأخويّة، وكنتُ أعرف موضع النُّزُل الجديد، وأعرف أنّ كورثر وأبيريل ورولغ شياطين، وفوق ذلك كلّه كنتُ مسخًا ساحرَ موتى… فلنقُل إنّهم كانوا يملكون من الأسباب لقتلي أكثرَ من كافٍ.
وكنتُ محظوظًا بجنون: صادف أنّني مررتُ بصندلٍ حانةٍ يُقام فيه عُرس، فأفلحتُ في التسلّل وسط الزحام. فررتُ بطول القناة ولقيتُ فتيةً أعرفهم من نُزُل فيربانك. فقلتُ لهم:
«أيو، الذبابُ يُطاردني، غطّوني بحقّكم!»
فهموا جميعًا، وإذ عادوا إلى سباق الفلّين اليوميّ، أعارني أحدهم معطفه، وتبادلنا القبّعات، ودعكتُ وجهي بالرمَاد فصرتُ لا أُعرَف. وبطرف عيني رأيتُ مُطارديّ يُواصلان الجري في شارعٍ اعتباطيّ. وكنتُ شِبه واثقٍ أنّ أحدهما كان أبيريل.
وبعد أن تشكّيتُ إلى صحاب نُزُل فيربانك من هذا الذباب الذي لا يكفّ عن تسميم عيش الغواكات، قلت:
«لكم عندي واحدةٌ يا رفاق. إن أردتم يومًا أن تشتروا شيئًا من السوق هناك في القطط، فلا تتردّدوا، سأكون وسيطكم وأُنزل لكم السعر. اسألوا عن الحاذق. أنا معروفٌ في الحيّ إلى حدٍّ بعيد.»
ولعبتُ معهم سباق الفلّين، تحوّطًا إن رجعت الخناجر السوداء. وقد رجعت فعلًا، لكنّها لم تُعطنا في الرجوع انتباهًا أكثرَ ممّا أعطتنا في الذهاب. فلمّا حسبتُ نفسي في مأمنٍ أخيرًا، أخذتُ معطفي وقبّعتي، وقلتُ لهم «أيو»، ورجعتُ إلى القطط في طريقٍ مُلتوٍ.
وكلّما اقتربتُ من المأوى، دارت أفكاري في رأسي أكثر، وعاد الخوف يجثم على صدري أكثر. لأنّني كنتُ أعرف أنّ الخناجر السوداء، إن لم تكن قد قبضت عليّ هذه الليلة، فستقبض عليّ في يومَين أو ثلاثةٍ أو أربعةٍ على أبعد تقدير، وإن كانوا سيُصفّونني في مدّةٍ قصيرةٍ كهذه، فبصراحة، كان الأحرى بي تقريبًا أن أرحل مع أريك.
ووصلتُ إلى المأوى مرتجفًا، ولمّا أراد الصحاب أن يعرفوا إن كان الهروب قد نجح، لاحظوا جميعًا حالي.
«أقُبض عليه؟» قلق السريع.
هززتُ رأسي نفيًا ودعكتُ صدري، كأنّ ذلك قادرٌ أن يدعك الخوف عنّي.
«لا. لقد ذهب. أنا مَن كادوا يمسكونه.»
«الخناجر السوداء؟» سأل القِسّ.
أومأتُ إيماءةً آليّةً وتلجلجت:
«يريدون أن يُصفّوني. ينبغي أن… أُسلّم نفسي. أنا أستحقّ ذلك في النهاية.»
أطلق السريع شهقةً، وأمسكني من كتفيّ، وهزّني.
«لا تكن إسطرباغًا. لن تُسلّم نفسك. اجلس وتنفّس يا سميّي.»
جلست، لكنّي كرّرتُ في حِدّةٍ أشدّ:
«سأُسلّم نفسي. لقد غدرتُ بابن عمّي. كان معلّمي. كم كنتُ نذلًا. وكلّ هذا بسبب ذلك الإسطرباغ فراشلوك. أُبغضه، أُبغضه، أُبغضه!»
ولم أعد أستطيع أن أُمسك نفسي، فحكَكتُ جلدي حتّى دميت. أردتُ أن أفقأ عينيّ. أردتُ أن أعيش، وأردتُ في الوقت نفسه أن أموت. أردتُ أن يتركوني في سلام! جذبوا يديّ بعيدًا. صرختُ في يأس. فهدّأوني بأن وضعوا في فمي عقاقير. تُركتُ شاردًا، ومع ذلك، لمّا جاءني الذئب الصغير عانقتُه بلُطفٍ وهدهدتُه حتّى نام. لم أذُق النوم طيلة الليل، وتحوّطًا لئلّا تُخالجني فكرةُ التسلّل خارجًا، أعطوني جُرعةً أخرى من الداندِباشِن.
ولمّا استيقظتُ نحو الظهر، كنتُ ما زلتُ مُخدَّرًا. كان مانراس وديل يعرفان أنّهما لا يحتاجان أن يعملا للطعام ما دمتُ معهما، فكانا يتلكّآن في الزقاق المسدود. إلّا أن يكون السريع قد طلب منهما أن يُراقباني. كانا مشغولَين بمصارعة الأباهم. رفعتُ نظري بالكاد، ولففتُ رأسي بالبطّانية من جديد، وتظاهرتُ بالنوم. والآن وقد انتهت نوبةُ يأسي وحالُ فُتوري، صار رأسي يستيقظ شيئًا فشيئًا. كان معلّمي الناكروس يقول إنّ على المرء، إذا واجه مشكلةً، أن يبحث دائمًا عن حلٍّ قبل أن يستسلم. فأمضيتُ الساعات التالية أبحث عن حلّ. وبعد حين، جاء مانراس وجذبني من أذني قائلًا: «يا حاذق! نعرف أنّك صاحٍ». قلّبتُ عينيّ، وجلست، وأكلتُ ما تبقّى من العدس مع الخبز، وأمضيتُ العصر مع صاحبَيّ الصغيرَين والذئب الصغير.
ولأنّني كنتُ أعرف أنّ انفجاري في اليوم السابق قد صعق أصدقائي، بذلتُ جُهدًا لأُطلق مزاجي الطيّب وأُريهم أنّني لم أُجَنّ. فمع أنّه كان صحيحًا أنّني غدرتُ ببعض أحبّائي وخيّبتُهم، فقد بقي لي أحبّاءٌ آخرون يُحبّونني، ولا يغضبون عليّ، ويريدونني أن ألعب معهم. فأرسلتُ همومي عن المستقبل تُطارد السُّحُب، ولعبتُ مع صحابي.
وكنّا مشغولين بالرسم على اللوح بالطبشور، وكنتُ أقول لمانراس: «يا إسطرباغ، لا تتفل لتمسح، بل تدعك بقبضتك، أنت إسطرباغٌ حقًّا»، حين ظهر رأسٌ في الزقاق المسدود، فوقفتُ واقفًا في قفزة.
«الغطّاس!»
استقبلناه بفرحٍ فجاء وجلس وعلى وجهه تعبيرٌ فيه فضول.
«حدّثوني عن أمس،» قال. ونظر إلى أسفل بعينَين مُتفحّصتَين إلى ذراعي اليمنى وقد احمرّت من حَكّي ليلةَ أمس، ثمّ هزّ كتفيه مبتسمًا. «كنتُ سأعرض عليك شيئًا، لكنّي أراك أفضل حالًا.»
نظرتُ إليه في لهَف.
«تعرض عليّ شيئًا؟ ماذا؟»
هزّ صديقي كتفيه من جديد.
«حسنٌ… عُرض عليّ شيءٌ يُبعدك عن الخناجر السوداء. أيُهمّك الأمر؟»
«أيُهمّني الأمر؟» صحتُ مبهورًا. «بجنون!»
وأكمل الغطّاس:
«توصيل الرسائل في أنفاق فراشلوك، والعدو كالمجنون، وتكسير ظهرك، وتنظيف البيوت المحرّمة، وفعل كلّ ما يُقال لك… أما زال الأمر يُهمّك؟»
أومأتُ بقوّة: في وجه الموت، كان أيُّ بديلٍ كهذا كافيًا. فاتّسعت ابتسامة الغطّاس.
«عظيم. فهل نحن شريكان؟»
ورفع يده. وقلبي يرتجف من الراحة والحماسة، قرعتُها وقلت:
«شريكان!»
* شيور (ومُثنّاه «شيوران»): لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، أقرب إلى «يا صاحبي/يا رجل».
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ أستاذَه أو معلّمه، بمعنى «المعلّم» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.