Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 83
حبسوني في غرفةٍ في قبوٍ من أقبية البيت، وكلّ يومٍ نحو أربع ساعاتٍ متّصلةٍ كانوا يُكرهوني على إفشاء أسرار سحر الموتى. في البداية كانت أجوبتي متردّدة، لكنّ الأمهق، وقد تغلّب على خوفه الجديد منّي، صار يُثبّت أجوبتي بالعصا والصفع. حسنًا، إن كانوا يظنّون أنّ فراشلوك سينجح في تحويل نفسه إلى ناكروس على هذا النحو، فقد كانوا يخدعون أنفسهم.
وفي اليوم الثاني، كان قابض المسامير العجوز قد تعافى من سُعاله، لا من هوسه بمعرفة أسراري. وكان ينتزعها منّي بمخالبه. ولو ظنّ أنّ الحقيقة مكتوبةٌ في أحشائي لانتزع أحشائي.
في العادة كان الأمهق هو من يُخرجني من القبو في أوّل ما بعد الظهر إلى غرفة الجلوس. لكن في اليوم الخامس، جاء فراشلوك وحده ليأخذني من غرفتي في جوف الليل. اضطرّ إلى هزّي بقوّةٍ ليُوقظني. مستلقيًا على سريري، رفعتُ رأسي ورمشتُ في النور. شعرتُ بدوارٍ، لأنّ الأمهق كان يُعطيني كلّ ليلةٍ قبل النوم ماءً مخدّرًا. أظنّ أنّه كان يتوتّر من وجود ساحر موتى في البيت، وأراد أن يتأكّد أنّني لا أفتح عينيّ طول الليل. وحقًّا، لم يفعل ذلك بنصف همّة، فما نمتُ منذ زمنٍ طويلٍ نومًا بهذا الطول وهذا العمق.
وأنا في نصف يقظتي، سمعتُ كلام فراشلوك:
«قل لي يا فتى. كم تظنّ يبقى قبل أن أقدر على التحوّل؟»
كان يبدو مضطربًا. فراشلوك، مضطربًا! كان قد وضع يدًا مجعّدةً على صدري. تجرّعتُ ريقي.
«لا-لا أعرف يا سيّدي.»
كنتُ قد قلتُ له هذا قبلًا. صرّ فراشلوك أسنانه.
«الكفّ الباردة فشلت في محاولتها، أمّا أنا فلن أفشل»، تمتم. «لن أترك مملكتي لابني. داريس عاجزٌ، وحفيدي لم يبلغ إلّا الثانية عشرة. سيُخرّب ذلك كلّ ما بنيتُ. لا يمكنني أن أموت الآن.»
أدركتُ أنّه لا يخاطبني، بل يخاطب نفسه. لم أنطق بشيء، وصحوتُ تدريجيًّا وأنا أقاوم أثر المنوّم. لم أجلس، لأنّ فراشلوك كان لا يزال واضعًا يده على صدري. سكنت الغرفة. ثمّ…
«أنت تخافني»، همس فراشلوك. «الجميع يخافونني. تلك كانت الغاية. أرهِبهم فتغلب»، نطق. ونقر صدري نقرةً خفيفةً حادّةً، فشهقتُ حين جزم: «أخضِعهم فتكون ملك عالم الأموات.»
وبعد صمتٍ آخرَ غرق فيه فراشلوك في تفكيره، أفلتَت منّي:
«أستموت يا سيّدي؟»
حوّل فراشلوك نظره إليّ، فلمعت في عينيه بارقةٌ ساخرة.
«هل يُسعدك موتي يا غواك؟»
ندمتُ على فتح فمي. تلجلجت:
«لا يا سيّدي!»
نخر فراشلوك بارتيابٍ وسخرية.
«ستموت معي»، سمعتُه يُعلن، فارتعبتُ. «إلّا إذا تحوّلت. وإن حدث ذلك يا فتى، فسأعيش بعدك طويلًا. ثلاثة آلاف سنة»، قال.
نظرتُ إليه وعينايَ مفتوحتان على وسعهما. أيّتها الأمّ الصالحة! هذا الساجِت كان يفقد عقله وحشيًّا. كان عليّ أن أجد مخرجًا. لو تأكّدتُ فقط أنّ كلّ من في البيت نائمٌ وفررتُ في الحال…
«لا أقدر على ذلك»، قلتُ في غضبٍ مفاجئ.
عبرت عينَي فراشلوك بارقةٌ خطيرة.
«ماذا تقول؟»
«لا أقدر»، أعدتُ. «لا أعرف كيف. أرجوك أعِدني إلى الأنفاق. لا يهمّني أن أُعيد لبس أسمالي، سأُخرج الجرذان من كلّ الأنفاق، وأتركها كلّها لامعة، أُقسم لك يا سيّدي، لكن لا تطلب منّي أن أفعل شيئًا لا أعرف كيف يُفعل.»
كنتُ قد دفعتُ يده عنّي وجثوتُ أمام قامته المحدودبة. وتساءلتُ الآن: هل أستمرّ في الاستعطاف، أم أفرّ في الحال؟ للحظةٍ مرعبةٍ لم يقل فراشلوك شيئًا. كان يتنفّس بثقلٍ، بذلك النَّفَس المتقطّع الذي للعجائز. ثمّ أطلق ضحكةً باهتةً ساخرة، وفجأةً دفعني بقوّةٍ لم أتوقّعها ووضع سكّينًا على عنقي.
«فليكن»، هدر. «فليكن يا غواك بلا نفع. إذن قل لي أين أجد معلّمك. إن لم أقدر على التحوّل خلال قمرين، قطعتُ رأسك. تذكّر ذلك.»
شهقتُ وتلجلجتُ بشيءٍ غير مفهوم. حاولتُ أن أتذكّر اسم المكان الذي ذهب إليه معلّمي، لكنّني في لحظة الفَزَع تلك لم أقدر على استذكاره. أنّيتُ، وبسطتُ يديّ مستجديًا، فبصق فراشلوك:
«تبًّا.»
في تلك اللحظة، ظننتُ أنّ قابض المسامير العجوز من فرط لهفته على تحويل نفسه إلى كيس عظامٍ وفرط تقزّزه من عدم نفعي، سيقطع حلقي هناك للأبد. وفي رَوْعتي، أرسلتُ إليه تفريغًا مَوْتيًّا. لم أكن قادرًا إلّا على حشد قدرٍ زهيدٍ من الطاقة، لكنّه كان فعّالًا: صرخ فراشلوك، وأسقط السكّين، ووضع يده على صدره قبل أن يهوي إلى الأرض. لم يكن فاقدًا للوعي، كان يتشنّج. وفجأةً رأيتُ الباب يُفتح على مصراعيه، وقلتُ لنفسي: «انتهى الأمر، أنا ميّت». وفاجأني جدًّا أنّني، بدل أن أرى الأمهق، رأيتُ الحفيد، لوين. وفاجأني أكثر أنّ قابض المسامير الصغير، حين وجد جدّه على الأرض، لم يصرخ، بل هرع إليه وقال:
«جدّي؟»
كان الجدّ قد كفّ عن التشنّج، وصار الآن يشدّ صدره إلى قلبه. أطلق همسةً لم أفهمها، ثمّ حَشْرجةَ الموت. بعد ذلك تراجع لوين عن العجوز والتفت إليّ ويداه ترتجفان. أمّا أنا، مور إلدال، فبقيتُ مشلولًا في موضعي لا أتحرّك قِيد أُنملة، كإسطرباغٍ كامل. في تلك اللحظة، كان غواكٌ ذكيٌّ ليركض ناجيًا بحياته إلى مكانٍ آمن، كان ليتصرّف… لكنّني، كما أقول، كنتُ إسطرباغًا كاملًا.
قال لوين بصوتٍ هادئٍ على نحوٍ غريب:
«لقد مات. تعال. عليك أن تخرج من هنا.»
بسط يدًا، وكدتُ أُلقي عليه هو أيضًا صدمةً مَوْتيّةً، أقوى من الأولى لأنّني كنتُ أُعدّها، لكنّ كلامه جعلني أُمسكها. كتمتُ رغبتي في أن أصيح «تبًّا للجحيم، ورعودٌ، وجمرٌ!» صيحةً كانت لتُدوّي في البيت كلّه، وأومأت. قمتُ ودعوتُ حفيد فراشلوك يقودني. خرجنا من القبو، وبدل أن ندخل البهو، دخلنا غرفته. هناك فتح النافذة وهمس:
«لقد قطعوا فرع شجرة الكرز. سيلزمك أن تقفز. لا يمكنك المرور من باب الخروج في الأسفل: هناك حارس.»
أومأتُ وأخذتُه من ذراعه، وقلبي متجمّد.
«لماذا يا لوين؟»
في ضوء الجوهرة المزرَقّ رأيتُ وجهه الشاحب. همس:
«قال جدّي: «أنجِه».» تردّد ثمّ أضاف: «وإلى ذلك، نحن رفيقان، أليس كذلك؟»
تأثّرتُ تأثّرًا عميقًا، ومدفوعًا بنزوةٍ مفاجئةٍ عانقتُه عناق الغواكات عناقًا قويًّا، متلجلجًا:
«شكرًا يا رفيق. أنت الأفضل.»
بدا أنّ عناقي أحرجه. تنحنح وقال:
«انتظر لحظة. سأُعطيك عباءتي القديمة. خذ.»
شهقتُ غير مصدّق. أيُقدّمها لي حقًّا؟ كففتُ عن معانقته مرّةً أخرى ولبستُ العباءة، محاولًا أن أستعيد شيئًا من رَباطة جأشي، وما كان ذلك بالهيّن، لأنّني، أيّتها الشياطين، كنتُ قد سبّبتُ للتوّ موت أعظم كابٍ في القطط! وحفيده، لا أكثر ولا أقلّ من حفيده، كان يُساعدني على الهرب. جلستُ على النافذة ساقًا هنا وساقًا هناك، ونظرتُ إلى الأسفل. كان الهبوط عشرة أقدامٍ وافية. مدّ لي لوين طرف شرشفٍ، فأدركتُ نيّته. أنزلني مسافةً طيّبةً، فوصلتُ إلى الأرض سالمًا. لوّحتُ «أيو» نحو طيف صديقي قابض المسامير وابتعدتُ، تُحيط بي الظلال المتناغمة، في شارع أتويرثو المقفر، وقلبي لا يزال متجمّدًا.
أنجِه، قال فراشلوك. حسنًا، الأرجح أنّه قال «أنجِها»، يعني مملكته لا قاتله. لكن من يدري الآن. الأمر أنّ لوين سمع همسته الأخيرة على أفضل وجهٍ ممكن، لكنّه كان واحدًا لا ثاني له. أمّا القطط الذين يعملون لفراشلوك، فسيكرهونني حتّى الموت. ولم يعد لي أن أرجو أن تُساعدني الخناجر السوداء في الحصول على ملجأ.
زفرتُ في قلقٍ وأنا أسير في شوارع الجزء الأعلى من القطط. الآن صارت لي أربعة خيارات. إمّا أن أتسلّل إلى النفق عند الجوزة المجنونة وأطير إلى العالم السفلي، أو أُصفّي نفسي مباشرةً، أو أنتظر رجال فراشلوك أو الخناجر السوداء ليفعلوا، أو أحتذي بأريك وأفرّ إلى السرداب. ومن كلّ هذه الخيارات، كان آخرها، بالطبع، أكثرها إغراءً لي. لكنّني لم أكن مبتهجًا به، لأنّني لم أُرِد أن أُترك وحدي كروحٍ ضالّة. لحسن الحظّ، كما أقول، كانت هناك دائمًا خياراتٌ أخرى.
كانت الرابعة صباحًا قد دقّت قُبيل وصولي إلى زقاق السريع. كان الجميع نائمين. سرتُ بين الأجساد المبعثرة أبحث عن رفاقي. وجدتُهم قريبًا من الذئب الصغير وروغان. هززتُ الأربعة جميعًا.
«استيقظوا يا رفاق»، همست.
فتح روغان عينيه.
«ما الأمر؟» تمتم.
«عليّ أن أفرّ من الصخرة على وجه السرعة»، شرحت. «وكنتُ أتساءل إن أردتم أن تأتوا معي.»
رفع ديل رأسه مستغربًا؛ وتمتم مانراس بشيءٍ وهو نصف صاحٍ؛ واستوى روغان على مرفقٍ واحدٍ مبهورًا:
«تفرّ… ماذا… كيف؟ مهلًا، مهلًا.» جلس القِسّ جلوسًا تامًّا وقرص وجنتيه ليستيقظ. «لماذا عليك أن تفرّ؟»
تنهّدتُ، وهززتُ مانراس بيدٍ، وشددتُ القِسّ.
«سأشرح في الطريق. الآن، أتأتون أم لا؟» وخطرت لي فكرةٌ مفاجئةٌ فرميتُ بها: «إن أتيتم، صرتم أفضل رفاقٍ حظيتُ بهم في حياتي.»
أطلق روغان نخرةً بدت كأنّها تطلب مهلةً للتفكير. المشكلة أنّه لم يكن هناك وقت. شددتُه مرّةً أخرى مُلحًّا:
«إذن، أتأتون أم لا؟ عليّ أن أذهب حالًا، الآن، الآن. أتفهمون؟»
«وعليّ أن أغُطّ في النوم يا حاذق»، احتجّ مانراس. «ألا يمكن أن ينتظر الأمر إلى الغد؟»
«لا، لا يمكن»، قلت. وسكن صمت. ثمّ رأيتُ نفسي، للحظة، أُغادر العاصمة وحدي. تبًّا للجحيم. لم أُرِد ذلك. صرَرتُ أسناني، وتردّدتُ، ثمّ همست: «أرجوكم يا رفاق.» تجرّعتُ ريقي، ولمّا لم يقل أصحابي شيئًا، نخرتُ، وأحسستُ فجأةً بأنّني مخذول، وقلت: «لا يهمّ، افعلوا ما تشاؤون، إلى اللقاء يا شباب…»
«إلى أين تريد أن تذهب؟» قاطعني القِسّ.
كنتُ على وشك أن أبتعد لأحملهم على الحسم، لكنّني توقّفتُ في الحال. إلى أين سأذهب؟ لم أكن قد فكّرتُ في ذلك كثيرًا. هززتُ منكبيّ.
«ليسِنتام. ما رأيك؟»
حدستُ ابتسامته.
«اسمع، لنتّفق يا حاذق. أفرّ معك، لكن بعدها تشرح لي كلّ شيءٍ وتدعني أختار إلى أين نمضي، ما رأيك؟»
لم أستطع إلّا أن أفرح وأقول:
«تمشي معي بجنون يا قِسّ. هيّا! يا شيوران*، هل سمعتما؟ القِسّ سيرحل هو أيضًا. تحرّكا، لنذهب.»
هززتُ ديل، فقام هو ومانراس أخيرًا. حمل القِسّ الذئب الصغير على كتفيه، وكنّا على وشك مغادرة الزقاق المسدود حين سمعتُ تنحنحًا.
«ألا تقول لي «أيو» حتّى يا حاذق؟»
تنهّدتُ. كنتُ قد أيقظتُ السريع ومن يدري كم غيره. التفتّ.
«آسف يا سريع. الأمر مسألة حياةٍ أو موت.»
«أُصدّقك»، أكّد الإلف الأحمر الشعر وهو ينهض ويقترب. «لكنّ هذا ليس سببًا لتتسلّل مبتعدًا دون أن تقول وداعًا لأفضل كابٍ من كاباتك الثلاثة.»
عبستُ.
«صار لي واحدٌ فقط الآن يا سريع. أنت.»
«هَهْ. فهمت. طردك فراشلوك، صحيح؟» لا، أنا طردتُه إلى الجحيم، فكّرت. طقطق بلسانه. «قلتُ لك يا حاذق. حيث تذهب، تصرّف كأنّك أعرج؛ وإلّا ورّطتَ نفسك كما في إستِرغات، تعرف؟ أنا واثقٌ أنّنا سنتلاقى يومًا. خذ، هذه سياتوات بقيت من مخزونك. لم أسرق مسمارًا، صدّقني. حظًّا طيّبًا يا سميّي.»
ضرب كتفي بيده. ابتسمتُ وأنا أقبل النقود.
«شكرًا يا كاب. لعلّي أنجح يومًا في إرسال رسالةٍ إليكم إن تعلّمتُ الكتابة كما تُمليها الأرواح. سأُرسلها إلى يارّاس، شقيّ الأبيض. قل! ما رأيك أن نُنشئ شبكةً في أركولدا ونؤسّس أوّل غواكِيّةٍ منظّمةٍ في الجمهورية و…؟»
ضحك السريع، ونقر رأسي.
«كُفّ عن إسطربياداتك يا شيور.»
ودّعتُ سريعًا من استيقظوا، وفعل روغان ورفاقي المثل، وعلّمتُ الذئب الصغير أن يُلوّح بيده الصغيرة، وانطلقنا من هناك بخُطًى حسنة. أخذنا الطريق نفسه الذي أخذتُه يوم غادرتُ إستِرغات: مضينا على جادّة تارميل، عبر الحيّ، وعلى ضفّة النهر عبر حديقة المساء إلى الأرصفة الحمراء. سألني رفاقي، ومانراس خاصّةً، مرّاتٍ عدّة: لماذا يا حاذق؟ ما الذي حدث؟ فكنتُ أقول لهم: سأشرح لاحقًا، لا تُثقلوا عليّ، الآن، إلى الأمام، إلى الأمام، وأسرع من ذلك.
كنّا نمرّ بجسر أوريليف، غير بعيدٍ عن ريسكيل، حين انفصل طيفٌ عن الظلال واقترب منّا. تبًّا للجحيم. أكان يتّجه إلينا حقًّا أم أنّني صرتُ أتوهّم؟
بدا أنّني كنتُ أتوهّم فعلًا، لأنّ الساجِت المُقلنَس مضى في طريقه دون أن ينظر إلينا تقريبًا. تنهّدتُ مرتاحًا، وتوقّفت، فلاقيتُ نظرة روغان المستفهمة. هززتُ رأسي وعُدتُ إلى السير.
خرجنا من إستِرغات دون حادثة، ودون أن نجذب انتباه الحرس أصلًا. كان الفجر قد طلع حين توقّفنا لحظةً، فانحرفنا عن الطريق الإمبراطوري ووقفنا قرب القناة التي تصل نهر إستِرغات بنهر أورزِن. كانت هناك بيوتٌ وحدائق، وقرًى تلاصقت، لكنّنا لم نكن في العاصمة بعد.
كنّا عطشى، فاشترينا لبنًا من زوجَين يبيعان للمسافرين وعربتهما مملوءةٌ بالجِرار على حافة الطريق. نظرتُ إليهما بفضولٍ متساءلًا: ماذا لو عملتُ في هذا لأعيش؟ كانا يبدوان في سلامٍ عظيم! واشترينا منهما بسكويتًا أيضًا، وسرعان ما كنّا نحن الخمسة جالسين على حافة القناة نمضغ ونُشاهد النهار يطلع والصنادل والعربات تمرّ. لكنّني كنتُ أعلم أنّ روغان ينتظر تفسيرًا.
هبطت رقاقة رمادٍ كبيرةٌ على رأس الذئب الصغير. مسحتُ شعره، وإذ لاقيتُ نظرته الزرقاء، أوقفتُه على قدميه، وأخرجتُ بعض النقود وقلت:
«يا رفاق. اذهبوا إلى ذلك الخان هناك، ذاك ذو اللافتة الحمراء، أترونه؟ اطلبوا بعض القوارير للشرب. إن كانت صغيرةً، فاشتروا اثنتين.»
«ولماذا نحن دائمًا؟» تذمّر مانراس.
قلّبتُ عينيّ في نفاد صبر.
«ماذا تعني بدائمًا؟ ومن الذي يجلب النقود في الأسابيع الأخيرة، هه؟ الريح؟ لا تكن قابض مسامير واذهب. قارورتان.»
نفَخ مانراس وجنتيه ثمّ أفرغهما وقام متثاقلًا.
«من النبيذ؟» سأل ديل.
«أيّ شيءٍ لديهم، هي للطريق»، شرحت. «خُذا الذئب الصغير معكما. ولا تُبطئا!»
ابتعد كلاهما مع الصبيّ الصغير. ورماني ديل، وهو أدقّ ملاحظةً من مانراس في العادة، بنظرةٍ كأنّها تقول: «هذا ليس عدلًا، نحن أيضًا نريد أن نعرف». لكنّه ابتعد على أيّ حال. أمّا القِسّ، فبعد أن تابع بنظره عَدْوَ رسولٍ على ظهر فرس، تنحنح:
«حسنًا، أستُخبرني الآن؟»
كففتُ عن نتف حُفناتٍ من العشب وأومأت.
«سأفعل، سأفعل. لكنّي…» تردّدت. «عِدني أنّك لن تُخبر أحدًا.»
قوّس روغان حاجبًا تحت قبّعته الأسطوانيّة.
«لن أُخبر روحًا واحدة»، وعد.
«وأنّك لن تنظر إليّ كأنّني مسخ»، أضفت.
قوّس صديقي حاجبه الآخر، وقد زاد حَيرةً.
«حسنًا، تمشي. ما الذي حدث مع فراشلوك؟»
أخذتُ نفسًا وحاولتُ أن أرتّب أفكاري المضطربة.
«لا»، قلتُ أخيرًا بحركةٍ حازمة. «ذاك يأتي لاحقًا. عليّ أن أشرح لك من البداية. وإلّا لن تفهم. عن معلّمي و… قل يا قِسّ، أنا أعزّ أصدقائك، صحيح؟»
زفر روغان.
«بالطبع. لا تقلق. احكِ حكايتك؛ أنا ألزم الصمت. أكون أنا القِسّ وتكون أنت المعترف. أنا بارعٌ في هذا»، أكّد لي. وابتسم كاشفًا موضع سنّه المفقودة. «أخرِج ما في جوفك يا شيور.»
فعلت. أخبرتُه كلّ شيء. عن سحر الموتى، وعن معلّمي، وعن يدي. كلّه دفعةً واحدةً، بلا تنفّسٍ تقريبًا، وبلا أن أجرؤ على النظر إلى صديقي تقريبًا خوفًا من أن أرى النفور على وجهه. وأنهيتُ بقولي:
«أراد فراشلوك أن أُحوّله، وأنا لم أعرف كيف. الليلة قلتُ له الحقيقة، فجُنّ بسكّينه. فأرسلتُ إليه صدمةً، ولم يتحمّل قلب العجوز. ظننتُ… حينها ظننتُ أنّه يريد أن يُصفّيني. لكنّني الآن لستُ بهذا اليقين. لعلّه أراد فقط أن يُخيفني. وأنا… بَه. لا أعرف.»
صمتُّ. كان روغان ينظر إليّ بعينين مستديرتين كطبقَين. كان يُحدّق في يدي اليمنى كلّما حرّكتُها لأُعبّر عن حَيرتي. وبعد صمتٍ محرِج، رأيتُه يهزّ رأسه كأنّه يدعو نفسه إلى استيعاب الأمر كلّه.
«ساحر موتى»، تمتم. «يا للهول يا شيور. قُلها هكذا، يبدو الأمر مُرعبًا.»
تجرّعتُ ريقي.
«ليس بهذا السوء»، أكّدت. «الأمر مثل… مثل ما كان مع أريك. الناس يظنّون أنّ كلّ مصّاصي الدماء أشرار، لكنّ أريك لم يكن شرّيرًا، صحيح؟ حسنًا، الأمر ذاته معي. والأمر ذاته مع…»
سكتُّ في الوقت المناسب. يا للهول. شيءٌ أن أُفشي سرّي، وشيءٌ آخر أن أُفشي سرّ كورثر ورولغ وآب. اجتهدتُ أن أتذكّر، فاقتبستُ بتقريبٍ شيئًا كنتُ قرأتُه في الكتاب الذي أعارني كورثر إيّاه خلال جلسات تجسّسي مع الكرة الأرجوانية:
«كلُّ غريبٍ يبدو لنا مسخًا أو إلهًا. الآية الثالثة والأربعون»، كذبت.
قلّب روغان عينيه ودفع قبّعتي عن رأسي.
«ليست عندك فكرةٌ عمّا تقوله الآية الثالثة والأربعون يا حاذق، لا تُجدّف.» ولعب بقبّعته تحت نظري القلق قبل أن يُسلّم: «أظنّك محقًّا. لا أعرف شيئًا عن هذه الأمور. لم أكن أعرف حتّى أنّ سحر الموتى موجودٌ حقًّا. فبهذا أنقذتني في المستشفى؟»
«قوّيتُ جايبوك بمورجاس العظام لدينا»، أكّدت. «مورجاسي ومورجاسك.»
حدّق فيّ روغان مرّةً أخرى. ثمّ هزّ منكبيه.
«يا للهول. حسنًا، وماذا تريدني أن أقول يا شيور؟ كان يمكنك أن تُخبرني قبلًا. ما كنتُ لأنمّ، تعرف؟»
غمرني ارتياحٌ هائل. لم يكن القِسّ غاضبًا حقًّا من صمتي، ولا نافرًا من أفعالي.
«أعرف. آسف يا روغان. الأمر أنّ معلّمي قال لي ألّا أُخبر أحدًا.»
«أخبرتَ قريبك»، لاحظ.
«هو وحده. أمّا الآخرون فحدسوا»، تذمّرت. «والآن… أتساءل يا روغان. أنت تؤمن بالأرواح الشرّيرة، أليس كذلك؟ إذن، أتظنّ أنّني قد أكون ممسوسًا؟ أقول هذا لأنّ… يمكن أن يكون. أنا جادّ. لعلّك ينبغي أن تُباركني أو تفعل شيئًا…»
وضع روغان يدًا على كتفي بابتسامةٍ عريضة.
«تمشي يا حاذق، سأُباركك. اجثُ، هكذا، جيّدٌ جدًّا. اخلع قبّعتك… يا سكالوفتارد، لا يمكنك أن تضع أصابعك هكذا، تنسى دائمًا يا شيور! حسنًا، إذن. أأنت مستعدّ؟»
أومأتُ، وأنا متوجّسٌ قليلًا، وكفّايَ على جبهتي وعينايَ مثبّتتان على حِجري. وقف روغان أمامي ووضع يدًا على رأسي.
«أُباركك يا بُنيّ…» وانطلق في خُطبةٍ دينيّةٍ عن لا أدري أيّ فضائلَ وأسلافٍ وسبُلِ حياة، كلّه بجدّيّةٍ تامّة، وأخيرًا أنهى: «والأرواح الشرّيرة التي تسكن جسدك ستكون قد أطلقتك حين تقول: في سلامٍ وفضيلة.»
عبستُ، وقد أدركني خاطرٌ مفاجئ.
«قل، ألا تظنّ أنّ هذين الغواكين يتأخّران كثيرًا في العودة؟»
تنهّد روغان.
«في سلامٍ وفضيلة، يا حاذق.»
أُوبس.
«في سلامٍ وفضيلة!» نطقتُ بمهابة.
ونهضتُ بقفزةٍ، لأرى أنّ رفاقي كانوا عائدين أصلًا. راكضين. وبلا قوارير. ما هذا؟ خطوتُ خطوةً، وشهقتُ، وقلتُ: «يا شيوران، ما الأمر!» وفجأةً لاحظتُ الطيف الواقف على أقدامٍ قليلةٍ منّا. كانت معجزةً أنّني لم أمُت أنا نفسي بسكتةٍ قلبيّةٍ في تلك اللحظة. كان أبيريل في وشاحه الأزرق. نظر إلينا كأنّه كان ينتظر هناك وقتًا طويلًا، بكلّ الهدوء في العالم.
«حاااااذق!» صاح مانراس مقترِبًا. كان ديل يأتي وراءه حاملًا الذئب الصغير. «حاذق، قِسّ، خُطِفت مساميرنا!»
كاد يدفع أبيريل وهو يدخل. لم أتفاعل. بقيتُ واقفًا هناك أنظر إلى الخنجر الأسود، كأنّني مُتحجّرٌ في الزمن. نخر روغان.
«وكيف تبًّا للجحيم خُطِفت منكما يا شيوران؟ هل ألقى عليكما ساحرٌ تعويذةً أو شيئًا؟»
«شيءٌ من هذا القبيل!» أكّد مانراس. «لم نرَ وجهه أصلًا. أضع المسامير على المِنضدة و… باف. أنظر مرّةً أخرى وأيو، المسامير. أخبرتُ صاحب الحانة. لكنّه طردنا، قائلًا إنّنا كاذبان ومُهَلْهَبان.»
«قال مُهلهَلان»، لهث ديل وهو يُنزل الذئب الصغير.
ورماني بنظرةٍ فَضولية. وإذ لاحظ روغان جمودي فجأةً، سأل:
«ما بك يا…؟ أوه»، تمتم بعدها ناظرًا إلى أبيريل كأنّه لاحظ وجوده لحظتَها. «تعرفه؟»
قدرتُ على تحريك رأسي في إشارة إثباتٍ لا تكاد تُدرَك. وسمعتُه يتمتم: «تبًّا للجحيم». نعم، تبًّا للجحيم، تبًّا للجحيم، تبًّا للجحيم! لماذا في الأرض تُصرّ الخناجر السوداء على اختطافي؟ تنحنح أبيريل ببطء.
«وجدناك أخيرًا يا فتى. لستُ هنا لأُؤذيك، لا تقلق.»
نعم، بالتأكيد، فكّرت. لكنّني لم أُرِد أن أفرّ أمام رفاقي، فوقفتُ ثابتًا، ونظرتُ في عين الشيطان وقلت:
«ماذا تريد؟»
«مم…» دسّ آب يديه في جيبيه. «أوّلًا، أن تهدأ وتُصدّقني: لن نُؤذيك. ثانيًا، أن تسمح لي بأن أُكلّمك على انفراد. أتسمح؟»
رمشتُ مرّاتٍ عدّة. كانت حَيرتي تزيد في كلّ ثانية.
«ألن تقتلني؟»
رأيتُه يُقلّب عينيه.
«لا يا فتى. لن أقتلك.»
«قل له ما عندك»، تدخّل روغان. «لكن ابقَ بعيدًا. هل هو من رجال فراشلوك أم خنجرٌ أسود؟» أضاف هامسًا في أذني.
«خنجرٌ أسود»، أجبتُ هامسًا.
«أرواح، لا أُصدّق»، شهق أبيريل. «هل ستكفّ عن قول ما هو أكثر من اللازم كلّما فتحتَ فمك؟ لن أستغرب إن رأيتُك في يومٍ من هذه الأيّام تُعطي الذباب قائمةً فيها كلّ أسمائنا.»
وأنا أتجرّع خِزيي، رددتُ عليه نظرةً متحدّية.
«روغان صديقي. من حقّه أن يعرف. رفاقي لا ينمّون.»
«أوه؟ إذن لن أمتنع عن الكلام أنا أيضًا: صديقك عندنا، ذاك الذي حاول الفرار إلى الغابة»، سمعتُه يُعلن، فارتعبت. «أخذناه قبل نصف قمرٍ في الحقيقة. ولم نقدر على استخراج الكثير منه لأنّ الكاب لم يعد يثق بالهوبيت، ولا نيّة له في تسليم ضيفنا إلى أمير تاميسابرا. فكنّا نتساءل إن كنتَ تتكرّم بتيسير تواصلنا وتهدئة أريك.»
حدّقتُ فيه مبهوتًا. أُسِر أريك على يد الخناجر السوداء قبل أن يبلغ الغابة أصلًا؟ تبًّا للخناجر السوداء! لكن على الأقلّ بدا أنّهم لم يقتلوه ولم يُسلّموه إلى الأمير. أخذتُ نفسًا حادًّا وضربتُ جبهتي بقبضتي. صفعني روغان ليُوقفني قبل أن يسأل أبيريل:
«أريك؟ أريك عندكم؟ ماذا فعلتم به؟»
«لا شيء»، أكّد أبيريل. «حاولنا فقط أن نتكلّم معه، وعلّمتُه لعب الورق. الشوكات. المسامير القديمة. إنّه بارعٌ فيها. صبيٌّ ذكيّ. وأعلمَنا أيضًا بشكلٍ أو بآخر كيف خرج من النُّزُل معك يا درائن. على ما يظهر، كانت لديه ماغارا مثيرةٌ للاهتمام إلى أقصى حدّ. لكن يبدو أنّه أضاعها، على حدّ قوله.»
وتحت نظره النصف ساخرٍ والنصف متفحّص، عضضتُ شفتي السفلى بقلق. كان أبيريل يعني عصا فتح الأبواب. لكن لم يكن عليه أن يعرف أنّني أنا من عنده إيّاها، مخبوءةً في إحدى أنابيب قلادة الموسيقى.
اتّسعت عينا أبيريل فجأةً، وصاح:
«أمّهات النور!»
كان ينظر نحو القناة. التفتُّ و… حين رأيتُ الذئب الصغير عائمًا على صندوقٍ خشبيّ، منجرفًا، على مترين وافيَين من الضفّة، ظننتُ أنّني فقدتُ عقلي. صرخت:
«الذئب الصغير!»
ركضتُ نحوه. كانت نيّتي أن آخذ زخمًا كافيًا لأقفز وأُمسك الصندوق والذئب الصغير. أفسد أبيريل خطّتي إذ أوقفني قُبيل قفزتي.
«مهلًا! تعرف العَوْم، صحيح؟»
«لا أعرف»، لهثت. لم أكن أعرف ولا أصحابي.
تمتم أبيريل بشيءٍ من بين أسنانه، وخلع عباءته ووشاحه في لمحةٍ وغطس في القناة. راقبتُ البطل، وقلبي يخفق بعنف.
«لا تتحرّك يا ذئب صغير!» صاح له روغان.
كان الصغير على أربعٍ فوق الصندوق. في البداية كان مشدود التركيز على ترجيح الصندوق وهو يجلس أو يتحرّك، لكنّه الآن، على صياحنا، نظر إلينا و… حاول أن يرى إن كان يقدر على السير على الماء. يا له من إسطرباغ! غاب تحت السطح، فظننتُ أنّني سأموت. لحسن الحظّ، كان أبيريل قد وصل الصندوق أصلًا، وتمكّن من التقاطه. أحضره إلى الضفّة سالمًا، يبصق الماء ويكحّ. وحين رأيتُه يتنفّس على نحوٍ طبيعيّ، أخذتُ الصغير في ذراعيّ ولم أُفلته، متلجلجًا:
«لكن يا له من إسطرباغ، تبًّا للجحيم، يا له من إسطرباغ…»
«شكرًا لك يا سيّدي»، قال روغان بصوتٍ ملؤه الامتنان.
كان أبيريل يقطُر ماءً.
«لا أحبّ الماء لكلّ هذا»، هدر الخنجر الأسود محاولًا عصر ثيابه المبلَّلة.
خلع حِذاءيه ليُفرغهما. راقبتُه غير مصدّق. نظرتُ إليه متأثّرًا. وقلتُ أخيرًا من نفسي:
«شكرًا يا آب. أنا آسفٌ جدًّا.»
رماني أبيريل بنظرةٍ وهو ينفض حِذاءيه. وأخيرًا ابتسم.
«سينتهي الناس إلى تسميتي بطل الغواكات، حقًّا. أنا عاطفيّ. كيف حال الصغير؟ لا ينطق بكلمة…»
«إنّه بخير»، أكّدتُ له، وتنفّسي لا يزال مضطربًا قليلًا. أمّا الذئب الصغير، فكان يبدو هادئًا تمامًا.
جلس مانراس وديل إلى جانبي. كان روغان يحُكّ رأسه ويتفحّص الخنجر الأسود الذي كان يعبس ويُقطّب لثيابه المبلَّلة ويتمتم: أوه، لا، ساعتي، أوه، لا، يا للكارثة… عضضتُ شفتي مفكّرًا: ذاك الخنجر الأسود الذي كان أعزّ أصدقاء كورثر والذي أرسلتُ إليه صدمةً غادرًا به… ذاك الرجل نفسه هو الذي أنقذ الذئب الصغير. أضاع ساعةً وبعض الماغارات، كما تمتم، وكلّه لينقذ الذئب الصغير!
وإذ لاقى نظري أخيرًا، عبس لي أبيريل عبسةً كأنّها تقول: «لا بأس، سأستبدلها كلّها لاحقًا». ثمّ نظر إليّ بانتباهٍ أكبر وابتسم.
«حسنًا يا درائن. إن طلبتُ منك الآن أن تتبعني بلا سؤال، أتفعل؟»
لم أتردّد. أومأتُ وقلتُ بحرارة:
«نعم.»
* شيور (ومُثنّاه «شيوران»): لفظُ مخاطبةٍ ودّيّ، أقرب إلى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.