Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 102
«وماذا بعد؟» كانت هيلدا ترتدي درعها الثقيل. ربّما لم تكن تملك إرث أستريد، لكنّها لم تشأ لحظةً واحدة أن تعرّض عنقها لبنادق المدينة. أمّا تلك المدينة، فكانت ملفوفةً بالدخان، وهو ما خلّفه يومٌ عصيبٌ جدًّا مرّ على حجارة البناء.
توقّف العدّاء، متشبّثًا بوتدٍ من أوتاد السياج كي لا يضطرّ إلى إبطاء خطوه. «حدث شيءٌ لنقب البوّابة. هلك معظم أفراد الفرقة، وانفجرت عبوتهم قبل أوانها. أمّا العبوات من الألف إلى الجيم فقد انفجرت كما خُطّط لها. وأخفقت العبوة دال في إسقاط قطاعها. وانفتح قطاع العبوة هاء على مصراعيه. والثغرات الأربع المفتوحة تتعرّض لنيرانٍ كثيفة من الأسوار، لكنّ دروع رجالنا صامدة.»
«أثمّة أثرٌ للشبح؟»
«تسري شائعةٌ بأنّ نفق البوّابة انفجر على ذلك النحو بسبب الشبح. فكلّ من خرج تقريبًا من ذلك المكان خرّ ميتًا قبل أن يبتعد عشر خطوات عن المدخل. وحين أخذوا يتساقطون، أُرسل بعض الحرّاس إلى الداخل. وقال أحدهم إنّهم صاحوا الشبح قبيل الانفجار بلحظة.» كان الرسول قلقًا بما يكفي من الشبح، فضلًا عمّا قد تفعله هيلدا لو أنّه ذكره.
أومأت هيلدا لِما كانت تتوقّعه، ثمّ أدارت رأسها لتنظر إلى أختها دونّا. «ما رأيكِ؟ أنخوض المعمعة لنتيقّن من الأمر؟»
«هكذا علّمنا أبونا.» مدّت هيلدا ذراعها، وسرّها أن تقبض دونّا عليها قبضةً شرسة. «إن لم يكن الأمر يستحقّ أن نموت من أجله، فما الذي نفعله هنا أصلًا؟»
ضحكت دونّا. «سيكون من المؤسف ألّا نُضرم النار في هذا المكان من أجل أستريد، أو ألّا نروي بلاطه بدمائنا.» ثمّ التفتت إلى الرسول وسألته: «ما أقرب ثغرةٍ من هنا؟» وكانت، مثل أختها، قد ارتدت درعها الثقيل في هذا اليوم الميمون.
أشار العدّاء إلى جنوب البوّابة، وقد أخذته الرهبة من الأختين. كانت كفّه تحكّه شوقًا إلى سيف، وكان يشعر بالعُري من دون درع. فجثا على ركبةٍ واحدة وأحنى رأسه لإلهتَي الحرب اللتين انصرفتا من حضرته.
وحين اقتربت الأختان من الثغرة، رأتا فجوةً من الأنقاض عرضها نحو عشرة أقدام حيث انهار السور. ولم يتوقّف جنودهما إلّا لحظةً وجيزة ليحيّوهما، ثمّ استأنفوا الهجوم.
تناولت هيلدا الخوذة المعلّقة عند وركها، ووضعتها على رأسها، وتركت ثقلها المريح المألوف يستقرّ وهي تشدّ أبازيمها. وانتظرت ريثما فعلت أختها مثلها، ثمّ جرّدتا سيفيهما معًا.
لم تكن هيلدا عرضةً لسعار القتال كأستريد، ولم تكن بالتأكيد تحمل روح الذئب، فمضت بين صفوف جنودها وسمعت ثرثرتهم الدائمة تنقطع. كانوا يتوقّفون أمامها، ثمّ يتزاحمون خلفها. وكلّ خطوةٍ كانت تُدنيها من الثغرة. وحين أخذت ترتقي الأنقاض، أمرت بأن تُسوّى منحدرًا لتعجيل الاستيلاء على نورثريدج.
وحين حاذت عيناها قمّة الركام، رأت هيلدا لماذا لم يكن جنودها ينهبون نورثريدج بعد. فقد تراكمت في رأسها أشياء صغيرة كثيرة دفعةً واحدة حين رأت نصف تنّين وأضخم كوبولد رأته في حياتها يوزّعان الموت على جنودها.
والسبب: أنّ ثمّة وحوش دهاليز ومغامرين يقاتلون جنبًا إلى جنب.
مصدر قوى الشبح.
«لقد تفشّى الجُحر اللعين في المدينة.» حتّى في تلك اللحظة كانت ترى حرّاس المدينة خلف وحوش الدهاليز، يعيدون حشو بنادقهم. «هذه زندقة يا دونّا. فلنضع لها حدًّا!»
احتدم القتال من حولهما إذ اندفعت قوّاتهما، وقد تشجّعت بنزول القائدتين إلى الميدان، في غمرة هياجٍ من الأسلحة المتأرجحة. أمّا دويّ البنادق، وأغلبه موجّهٌ إلى دونّا وإليها، فقد أوقع من القتلى أقلّ بكثير ممّا كان المدافعون يأملون على الأرجح. واستدارت لتواجه التنّين.
حين التقى نصلها أوّل مرّةٍ بسلاحَي التنّين الأخضرين، أحسّت هيلدا بقوّةٍ تصدّ محاولتها سحق دفاعات الوحش سحقًا. وحين أقبل عليها سيفٌ ثانٍ، أخذت ترقص. كانت الضربة تلو الضربة تلقى إمّا ترسها وإمّا نصلها، لكنّ التنّين، بعد أن بدا أنّه ملّ من تبادل الصدّ والتفادي، فتح فمه وزفر.
حبست هيلدا أنفاسها ورفعت ترسها لتحمي وجهها من الرذاذ المنهمر. تسرّب قليلٌ من الحمض بين صفائح درعها، لكنّه احترق حتّى خمد وهو يحاول أن ينخر الزرد تحتها. «دوري.»
وقد فرغت من اللعب واختبار قوّته، أخذت هيلدا تتقدّم. أزاحت السلاحين كليهما بسيفها، ودفعته بجسده كلّه إلى الوراء بترسها. وحين اصطدم التنّين بأحد الحرّاس الذي كان منشغلًا بإعادة الحشو، ارتكب الخطأ القاتل بأن حوّل عينيه عن هيلدا.
وكالكوبرا حين تنقضّ، أخذت هيلدا معصم التنّين الأيسر، إذ شقّ نصلها الأدامانتينيّ المثقّل حراشفه ولحمه والعظام التي تحتها. وفيما كانت أنشودة القتال تصدح عاليةً في قلبها، حاولت هيلدا أن تستثمر أفضليّتها، لكنّ شريكها في الرقص تبدّل.
امتلأ عالم هيلدا بالفؤوس. كان الكوبولد المفرط الضخامة يلوّح بها بضراوةٍ وسرعةٍ جعلتاها تظنّه ضربًا من المُستعِرين. واختلست نظرةً نحو دونّا، فرأتها بين حَمَلة البنادق الآن، تحصدهم حصد القمح بمنجلها.
غير أنّ المشكلة، بالنسبة إلى هيلدا، أنّ الكوبولد ذا الفؤوس كان بارعًا. كان ينقل ثقله ويراقصها من حولها، يقود الضربات القليلة التي أفلحت في توجيهها إلى قرع النصل على النصل، وكان كلّ سلاحٍ من سلاحَي الكوبولد أثقل من سلاحها.
وأرتها نظرةٌ خاطفة من وراء الكوبولد أنّ التنّين صار الآن يعوّق أختها، ولكن ريثما يتقهقر حَمَلة البنادق فحسب. كانت تفضّل حقًّا لو قتلتهم جميعًا، لكنّ فتح الثغرة في السور كان يستحقّ ما بذلتاه من وقت هنا.
ومن ضربةٍ إلى أخرى، أخذ الكوبولد يتراجع. خطوةً بعد خطوة، وكأنّ له عينين في مؤخّرة رأسه. كان ذلك مغيظًا، لكنّ هيلدا لم يكن أمامها إلّا أن تتراجع وتدع المخلوقات تنسحب. «دونّا! إليّ!»
«كدتُ أظفر بذلك الوحش!» ومع ذلك انسحبت دونّا إلى جانب أختها. «بدأتُ أرى نمطًا هنا. أتكون هذه المدينة تحت سيطرة الدهليز؟»
وكانت هيلدا لا تزال متّقدةً من قتالها مع الكوبولد، فهزّت كتفيها المدرّعتين. «أو العكس. تلك السلسلة التي تحملينها، أيمكن أن يكون لدى هؤلاء الجنوبيّين مثلها؟»
«أقسم لي الكهنة أنّها أثرٌ فريدٌ لا نظير له. قالوا لي إنّه لا يوجد غيرها. ربّما يكذبون.» وهزّت دونّا كتفيها، ثمّ انتبهت إلى شيء. «الجثث اختفت.»
زمجرت هيلدا وبصقت على الأرض من فرجةٍ في خوذتها، وقالت: «زندقةٌ مظلمةٌ ملعونة. إنّهم يعيدون موتاهم إلى الحياة في مكانٍ ما من المدينة. أيّها الكشّافة! حدّدوا مواضع معابدهم واعرفوا أيّها يعمل. انطلقوا!
«أزيحوا هذه الأنقاض! هيّا، وسّعوا هذه الفجوة!» ثمّ حوّلت انتباهها إلى أقرب رقيب، وأمسكت بكتفه. «فرقة القتال، تعالوا معنا. لنعثر على هذا الجُحر ونقطع صلته بالمدينة. يا أختاه، استدعي مهندسيكِ ليسدّوه.»
وقف برولي ويندتشايم على قمّة البرج الجنوبيّ المطلّ على البوّابة الرئيسيّة لنورثريدج، يتأمّل كلّ ما يجري. بدت المدينة نفسها وكأنّها في حالة ذعر. فقد نُقبت أسوارها الجميلة من تحتها، رغم كلّ ما بذله لودميلر لإيقاف أعمال النقب، وها هم المهاجمون يقتحمون الفجوات التي خلّفها ذلك.
كانت هناك ثغرةٌ كبيرة وثلاث أصغر منها. والكبيرة، على غير المتوقّع، كانت أسهلها دفاعًا. فكثرة الأنقاض جعلت المهاجمين يكابدون لشقّ طريقهم عبر الفجوة في السور، وهذا منح رماته متّسعًا من الوقت ليصطفّوا ويسدّدوا ثمّ يناولوا البندقية لتُعاد تعبئتها.
«سيّدي! لقد اخترقوا الفجوة الجنوبيّة الأقرب إلينا!»
التفت برولي بحدّة، ومشى إلى السور المطلّ على تلك الثغرة، فرأى مبارزَين في درعٍ معدنيّ باهت لا يمكن أن يكون إلّا من مادّةٍ واحدة. صفائح ثقيلة متداخلة وخوذات كاملة لا تكاد تترك فرصةً لتجنّب الدرع. وما كان ينبغي أن يكون هناك هو الجثث، وتنّين، وكوبولد، وأربع فصائل من حَمَلة البنادق. «ماذا حدث؟»
«نظنّ أنّهما قائداهم. لم يكن شيءٌ يوقفهما يا سيّدي. حتّى قوم الدهليز لم يستطيعوا أكثر من إبعادهما عن رجالنا بينما كنّا نتراجع. أمّا بقيّة فرقتي ففي المعبد.»
كانت للجملة الأخيرة حافّةٌ ذات مغزى عرفها برولي. «أحسنتَ إذ أوصلتَ إليّ الخبر بهذه السرعة. اذهب وتفقّد فرقتك وأطلعهم على المستجدّات بأسرع ما يمكنك.» وعاد الزهو، الذي كان غائبًا عن الرسول، يشعّ منه من جديد بعد الثناء.
«شكرًا لك يا سيّدي.» ثمّ استدار الحارس ونزل عن السور.
نظر برولي إلى السحلية الماكرة الجالسة إلى جانب طاولة خرائطه، وقال: «لا أعلم في أيّ حالٍ أنتِ لتساعدي، لكنّ أيّ شيءٍ سيكون نافعًا الآن. مزيدٌ من ذلك السمّ، إن كان لديكِ منه؟»
لم يأتِ جواب بالطبع. كان برولي يعلم أنّ السحالي لا تتكلّم، لكنّه كان يرجو حقًّا أن تكون قادرةً على الإصغاء. «حسنًا. لا يمكنكِ أن تحلّي كلّ مشكلاتي.» وابتعد عن الخريطة، وأومأ إلى عدّاء. «أحضر لي عشرةً من أمهر رماتنا، والعشرة الذين يأتمنونهم على حشو بنادقهم.»
لم يطل الوقت حتّى صعد الحرّاس العشرون إلى قمّة برجه. كانوا رجالًا ونساءً بالتساوي، فهو لم يكن بالتأكيد ليميّز بينهم. «هدفكم ضابطان. يرتديان دروعًا من الأدامانتين، ولخوذتيهما شقوق رؤية ضيّقة: عموديّة وأفقيّة. إن استطعتم إصابتهما كليهما، فذاك عظيم. وإن لم تستطيعوا إلّا واحدًا، فذلك حسنٌ أيضًا. علينا أن نكسر حدّة هجومهم بعد أن صار القتال شارعًا بشارع. وقد شوهدا آخر مرّةٍ قرب الثغرة الجنوبيّة الأقرب إلى هنا.
«أوّل من يصيب أحدهما ينال بندقيّتي.» ورفع برولي بندقيّته عن ظهره. كانت خفيفةً خفّةً آثمة قياسًا بما تستطيع فعله. «وأنا على يقينٍ إلى حدٍّ ما أنّ ترافيس سيصنع واحدةً لمن يصيب الثاني. خذوا من الذخيرة ما ترون أنّكم ستحتاجونه. أسرعوا من فضلكم، وصيدًا موفّقًا.»
أدّت أنيتشكا تحيّةً عابرةً لبرولي، ثمّ التفتت إلى صديقتها وابتسمت ابتسامةً ماكرة. «هيّا يا أختي، لدينا مهمّة.» لم تكن بشرتها الشاحبة وملامحها البشريّة تطابق تمامًا ملامح العِرق الغالب في المدينة.
كانت أنيتشكا تسمّي «مهمّةً» كلّ عملٍ أو شغلٍ استُؤجرتا له منذ أن قدمتا إلى المملكة أوّل مرّةٍ قبل عشر سنوات. حملت تامي البندقيّتين الاحتياطيّتين على كتفها وأومأت لصديقتها، وملامحها الثعلبيّة تفضح حماستها. «أجل، أجل. كنتُ قد بدأتُ أحبّ هذا المكان. لا معنى لأن ندع هؤلاء الأوغاد ينتنونه كلّه.»
«تام، لقد لِنتِ معي. حمّاماتٌ دافئة وأسرّةٌ وثيرة. وماذا بعد؟ ستجدين لنفسكِ فتاةً ناعمة اليدين تُدفئه لكِ؟» كانت البندقيّة المشدودة إلى ظهر أنيتشكا محشوّة، لا يغطّي فوّهتها المكشوفة إلّا قليلٌ من الجلد المزيّت.
نزلت تامي الدرج هرولةً وأطلقت ضحكةً كالنباح. «هيّا يا آني، تعلمين أنّني أفضّل الخشونة والصخب على الحياء والنعومة.» وجعل الهواء البارد في الخارج، إذ أخذ النهار يبرد مع اقتراب المساء، تامي تتمنّى سريرًا وثيرًا. «وماذا عن الأهداف السانحة؟»
«لا. لدينا هدفان. وحين يسقطان، نغيّر موقعنا ونبحث عن المزيد، ولكن ليس قبل أن يكونا منكبّين على وجهيهما ينزفان في مدينتي الجميلة.»
«مدينتكِ؟»
مدّت أنيتشكا يدًا في قفّاز لتمرّرها على الشُّرَف وهما تهرولان على امتداد السور، وأومأت. «عشتُ في مدنٍ كثيرة يا تام. لم تُشعرني أيٌّ منها بمثل هذا. لا مدينة تستحقّ أن يموت المرء من أجلها، أمّا هذه فمن أجلها أقتل.»
«قتلتِ فعلًا يا آني. لا تظنّي لحظةً أنّني لا أذكر كلّ مرّةٍ ناولتكِ فيها بندقيّةً محشوّة.» وكانت البندقيّتان على ظهر تامي، مثل بندقيّة أنيتشكا، محشوّتين جاهزتين. «إذن جنديّان في درعٍ ثقيل بخوذتين مشقوقتين على هيئة صليب؟ ولم يكونا بعيدين عن هنا.»
«اثنان فقط! ما مدى صعوبة ذلك؟»
«إيّاكِ أن تقولي هذا. هيّا، سننزل عن السور. ليس الأمر كأنّنا نستطيع عبور الثغرة على أيّ حال.»
أومأت تامي موافقة، وأخذت تبحث بين البيوت الأقرب إلى المنحدر التالي النازل من السور عن أيّ دليلٍ يرشدها إلى كيفيّة التقدّم من هناك. «السطوح؟» سألت.
«لا. السطوح لا تنفع إلّا حين نريد الاختباء ممّن في الأسفل، ونحن نريد ذلك، لكنّني أراهن أنّهم سيضعون رماة سهامٍ على السور ينظرون إلى داخل المدينة. الأفضل أن نسلك الشوارع والبيوت.» نزلت أنيتشكا المنحدر إلى شوارع المدينة وأحسّت بيقظتها تبلغ أقصاها. تلفّتت في الشوارع المقفرة، شاكرةً على الأقلّ أنّ أهل البلدة قد نُقلوا إلى مأمن. «من هنا. لنلطّخ جلودنا بشيءٍ من الوحل كي لا نلفت الأنظار كثيرًا.»
وحين بلغتا الأرض، قصدتا أقرب مبنى، وكان بيتًا، فدخلتاه. بدا في الداخل كأنّ أصحابه نهضوا حرفيًّا ومضوا، تاركين وجبةً في منتصف تحضيرها. ولم يكن ثمّة ما يدلّ على أنّ الناس لن ينزلوا بعد قليل من غرف النوم في الأعلى سوى الكراسي المقلوبة.
تجاهلتا داخل البيت، وشقّتا طريقهما إلى الباب الخلفيّ فالزقاق وراءه. ومن دون كلمة، أخذت أنيتشكا تبحث عن الوحل الذي ستحتاجانه بينما وقفت تامي تراقب. وبعد أن وجدتا الوحل المناسب، لا كريه الرائحة ولا جافًّا، تأكّدت كلٌّ منهما أنّ الأخرى قد طلت به كلّ شبرٍ مكشوفٍ من جلدها أو فرائها. وتبادلتا ابتسامةً عارفة، ثمّ غادرتا حدود الزقاق، تعبران الشارع مسرعتين إلى الجهة المقابلة.
كان التقدّم أبطأ، واضطرّتا إلى التوقّف أكثر من مرّة بينما كانت القوّات البالافيّة تتحرّك في الشوارع، لتريا بعدها تلك القوّات تشتبك مع فرقةٍ من الحرّاس. وقضتا قرابة ساعةٍ تتنقّلان على هذا النحو، لازمتين الصمت بينهما، قبل أن تبلغا ما افترضت أنيتشكا أنّه هدف الأعداء الرئيسيّ.
وأبطأتا أكثر حين بلغتا طرف نتوء نورثريدج، كما صارت تُسمّى إضافة الدهليزين إلى المدينة. وكشفت نظرةٌ سريعة من حولهما عن قوّاتٍ بالافيّة تلزم الساتر بينما كان كوبولد يبدو كأنّه مصنوع من الأدامانتين وقنطورٌ يطلقان النار عليهم من بندقيّتيهما مرّةً بعد مرّة.
همست أنيتشكا بأخفض صوت: «تعجبني هذه اللعبة. إلهاءٌ لطيف وأصواتٌ صاخبة. لندُر حتّى نبلغ ظلّ السور هناك.»
أومأت تامي، ورسمت مسارًا للتنقّل من بيتٍ إلى بيت. كانت قد دسّت ذيلها في ساق سروالها؛ فحتّى لو غُطّي بالوحل، كان سيفضح في ظلّها أنّها ليست من الشماليّين. وهكذا، من ظلٍّ إلى ظلّ، قضتا قرابة عشر دقائق تقطعان ثلاثة بيوتٍ إلى ظلّ السور.
وأيّ صوتٍ ربّما صدر عنهما كانت تغطّيه طلقات النار المتلاحقة من وحشَي الدهليز، فلم يبقَ عليهما أن تقلقا إلّا من أن تُريا. ووجدت أنيتشكا غرفة نومٍ في الطابق العلويّ، فأومأت لتامي. «هنا،» قالت.
عملتا معًا بسرعة. تفقّدت تامي البنادق، متأكّدةً أنّ كلًّا منها جاهزٌ للإطلاق وللإصابة بدقّة. وانصرفت أنيتشكا إلى تهيئة الغرفة نفسها كما تريد. كانت قد أطالت التفكير في الرمي من خلف ساتر وفي تجنّب أن تُرى، فدفعت خزانة أدراجٍ حتّى صارت دون حافّة النافذة بقليل، ثمّ فتحت النافذة برفق.
ومن موقعٍ يكشف لها الساحة المفتوحة أمام الدهليزين كشفًا تامًّا، وبزاويةٍ قدّرتها أنيتشكا بمئةٍ وعشرين درجةً عن الكوبولد والقنطور، جذبت كرسيًّا وأسندت أوّل بندقيّةٍ ناولتها إيّاها تامي بحيث تبقى الفوّهة داخل النافذة بمقدار نصف قدم. «هل أعرف كيف أحدّدهما؟»
نظرت تامي من النافذة، مبقيةً نفسها بعيدًا عن الزجاج وحافّة النافذة، فرأت جماعةً من القوّات البالافيّة بتروسها تقترب من الدهليزين. وخلف صفّ التروس مباشرةً كان هناك اثنان بدرعين فريدين، رماديّين باهتين، وخوذتين مشقوقتين على هيئة صليب. وحين تراجعت عن النافذة، كانت ترسم لصديقتها ابتسامةً عريضة. «الهدفان كلاهما في المرمى.»
«أريد هاتين البندقيّتين كلتيهما يا تام.» أبطأت أنيتشكا أنفاسها وسدّدت على امتداد البندقيّة. كانت قد ثبّتت عليها خطّافاتٍ معدنيّة صغيرة ورسمت عليها بضع نقاط. «كيف الهواء؟»
«ساكنٌ هنا، لكنّني أرى حبل غسيلٍ على الجانب الآخر منهما ينجرف إلى اليمين.»
«فهمت.» اتّحدت الغريزة والمران ليخبراها بمقدار ما عليها أن تحتسبه للريح. لم يكونا في أقصى مداها، لكنّهما كانا بعيدين بما يكفي لأن تنحرف كرتها الفولاذيّة المصقولة بعناية.
أصغت إلى الإيقاع المنتظم للبندقيّتين المطلقتين، فميّزت توقيت كلٍّ منهما، وحين حان موعد إطلاق الكوبولد، اختارت هدفًا بعيدًا عن مرأى هدفيها وضغطت الزناد برفق.
امتصّت الغرفة نفسها كثيرًا من الصوت. اهتزّ زجاج النافذة، لكنّ ما صنعته أنيتشكا بالستائر من قبل ضمن ألّا تختلج أدنى اختلاجة. وانطلقت الطلقة وأصابت التراب خلف دهليز التنّين بنفثة غبارٍ ملحوظة. كانت إلى اليسار وأسفل قليلًا ممّا قصدت.
كانت تامي خاطفة، ويداها واثقتين وهي تعيد البندقيّة الأولى إلى السرير وتأتي بالثانية فتضعها في قبضة أنيتشكا. لم يكن الوقت وقت تلكّؤ، فأخذت تدفع الفرشاة في جوف البندقيّة المفرغة، تنظّفها قبل أن تبدأ عمليّة الحشو.
لم يلحظ أحدٌ طلقتها، كما استنتجت أنيتشكا، إذ كان الجنود كلّهم لا يزالون مشدودين إلى الكوبولد والقنطور. وراقبت وابلًا من السهام ينطلق نحو الاثنين، فإذا بالكوبولد تُرخي بندقيّتها إلى حمالتها وترفع ترسًا أمام القنطور.
وبدّل القنطور بدوره أسلوبه، فأخذ يرمي بالقوس بينما يحميه الكوبولد. وهتفت أنيتشكا لهما في سرّها وهي تسدّد على أحد القائدين.
وحين حانت اللحظة المناسبة، ومن دون صوتٍ يغطّي طلقتها هذه المرّة، أطلقت أنيتشكا مجدّدًا. وفي رأسها قاست مسار الكرة. كانت تعرف كيف ستجذبها الريح وترفعها وتخضّها. وحين أيقنت أنّها على وشك أن تصيب، سقط أحد القائدين. «البندقيّة التالية، بسرعة.»
لكن حين وصلت البندقيّة إلى يديها من تامي، كان القائد الثاني قد استدار مبتعدًا عنهما. فلعنت أنيتشكا بصوتٍ خافت وانتظرت فرصةً أخرى.
لم تكن فايف تتوقّع أن تُحدث طلقةٌ لا بدّ أنّها واحدةٌ في المليون تلك الرشقة من الدم من الخوذة. حدّقت فاغرة الفم لحظة، تتوقّع أن يعثر الشماليّون على الرامي، لكنّها، لدهشتها هي نفسها، لم تستطع حتّى أن تتبيّن من أين جاءت. «هل رأيتِ ذلك؟»
«أحدهم هناك بارعٌ جدًّا ببندقيّته.» كانت الصيّادة تعرف على وجه التقريب القوس الذي يقع فيه الرامي، لكنّها تعمّدت ألّا تنظر في ذلك الاتّجاه؛ إذ دفعتها غريزتها إلى ألّا تلفت الانتباه إلى حليفهما الخفيّ. «إنّهم يتراجعون.»
«لا، ليسوا كذلك،» قالت فايف بينما أطلقت القائدة الباقية صيحة حربٍ تجمّد الدم في العروق. «استعدّي؛ أظنّها غاضبة.»
هزّ مرأى أختها تسقط على يد عدوٍّ خفيّ هيلدا حتّى الأعماق. كانت دونّا ملقاةً على الحجارة القذرة، تسفح دمها النبيل من دون أن تكون قد جرّدت سيفها. وصدمها كم كانت تهديداتها ولعناتها لا تعني شيئًا، لعبةً في أحسن الأحوال، أمّا أن يجرؤ آخر على أن يُنزل بها مثل هذه الميتة المُخزية فذلك ما لا يُحتمل.
وبسيفها مجرّدًا، وسيف أختها في يدها الأخرى، استدارت هيلدا نحو وحشَي الدهليز، العدوّين الوحيدين اللذين تراهما، وتركت سعار المُستعِرين يصبغ عالمها بحمرة الدم.
نزعت فايف بندقيّتها تمامًا، وقذفت بها خلفها وتناولت ترسها. «يا نَفَس، أبقيني واقفة. ينتابني شعورٌ سيّئ بأنّ قتلها سيكون عسيرًا كالجحيم.»
ومن خلف نَفَس الربيع، امتدّت الكروم والعشب حتّى بلغت الأرض تحت قدمَي فايف. واندفعت طاقةٌ حيّة صاعدةً إلى الكوبولد لتصبّ قوّة الدهليز ذاتها في هذه البطلة غير المتوقّعة. وأطلقت نَفَس الربيع سحرها ليسري مع سحر موطنها، يقوّي فايف ويحصّنها بما يتجاوز حتّى هبات دهليز التنّين.
رفعت فايف ترسها لتلاقي الضربة الأولى من المقاتلة المسعورة، واستغلّت اندفاع جسدها لتدفعها إلى الوراء. وفيما كانت القائدة تزمجر في وجهها من شقوق الرؤية في خوذتها، صدّت فايف النصل الذي في اليد الأخرى وسدّدت ضربةً إلى البطن،
لكنّ سلاح فايف ارتدّ برنينٍ عن الأدامانتين.
كان كلّ شيءٍ أحمر، لكنّ الكوبولد الماثل أمامها كان الشيء الوحيد الذي يعني هيلدا. أخذت تهوي بسلاحيها على ترس فايف مرّةً بعد مرّة، مندهشةً في كلّ مرّةٍ من سرعة خصمها وقوّته. كانت، على الأقلّ في نظر الجزء الضئيل الذي بقي عاقلًا فيها، رقصةً جميلة. فكلتاهما مكسوّةٌ بدرعٍ متشابه، وكلتاهما تحمل ما اختارته من أسلحةٍ هي أفضل ما يتوفّر من الموادّ غير السحريّة، وكلتاهما تملك من المهارة والجَلَد ما يُطيل القتال.
ولولا أنّ هيلدا كانت تحمل هي الأخرى سيفين من الأدامانتين، لما أوقعت بالكوبولد جرحًا واحدًا. أمّا وقد كان الأمر كذلك، فبعد لحظاتٍ من كلّ ضربةٍ خاطفة تخدش حراشف فايف، كان سحر الحياة يفور فيعيد اللحم المعدنيّ إلى نقائه الأوّل. ولأنّه كان مشبعًا بالأدامانتين، فقد ترك هو الآخر أثره على كلٍّ من سيفَي هيلدا.
واستمرّ القتال، لا تتنازل أيٌّ منهما عن أرضٍ ولا تكسب أرضًا لأكثر من لحظة. كانت فايف تستعين بترسها لتنتزع لحظاتٍ وجيزة من الراحة من هيلدا التي لا تهدأ، بينما واصلت هيلدا إمطار فايف بضرباتٍ كان ينبغي أن تقتلها مرّاتٍ كثيرة.
غير أنّ هيلدا أدركت أنّها، بينما بدأت تشعر بوطأة هجومها المحموم، فإنّ كلّ حركةٍ تقوم بها فايف كانت ناجعةً بقدر ما كانت قاتلة إن لم تحسن الردّ عليها. وأكثر ما أعجب هيلدا أنّ الكوبولد كانت تقاتلها من دون خوذة. فكلّما حاولت أن تطيح برأس المخلوقة، كانت تُخفض جبينها المكسوّ بحراشف الأدامانتين وتزيح نصلها جانبًا كأنّ رأسها ترس.
في المرّة الأولى التي حدث فيها ذلك، عزته هيلدا إلى قدرةٍ دنسةٍ ما، لكنّها كلّما ضربت رأس الكوبولد سمعت الصوت المميّز للأدامانتين على الأدامانتين. وتسرّب إليها إدراك أنّها لاقت خصمًا لا تستطيع أن تجندله بسهولة، فردّها ذلك عن حافّة الجنون.
فوجئت فايف حين تراجعت هيلدا خطوة. كانت العينان الناظرتان إليها من الخوذة لا تزالان تحملان الكراهية، ولكنّ فيهما احترامًا أيضًا. «ما الأمر؟ ألا تريدين أن تعرفي أيّتنا الأقوى؟»
بصقت هيلدا من الجزء السفليّ من شقّ الرؤية في خوذتها. لم تفهم الكلمات، لكنّها كانت تعرف المهاترات المعتادة بعد القتال حين تسمعها. أمّا الآن، فلديها ما يربو على عشرة آلاف جنديّ اكتشفوا لتوّهم أنّ الغنيمة التي وُعدوا بها قوقعةٌ جوفاء. وبعد القتال الطويل عبر المدينة، ووجدانهم كلّ بيتٍ وورشةٍ ومتجرٍ خاويًا على طول الطريق، لم يبقَ لديها أيّ أملٍ في أن يُسفر نهبهم عن شيءٍ ذي قيمة. «لا أعرف ما الذي فعلتموه، لكنّكم أفسدتم هذه الغارة. سأترك مدينتكم الملعونة مرّتين وحفرها لزواجهما الملعون.»
استدارت هيلدا، مبقيةً رأسها مائلًا إلى الأمام، ورفعت يدًا مكسوّةً بالأدامانتين إلى جبينها لتقيها مزيدًا من الطلقات الدقيقة. كانت قوّاتها قد امتثلت لأمرها بالتراجع، فكان السير عائدةً عبر الأرض المكشوفة إلى ستر البيوت سيرًا بائسًا، وهي تجرّ جثّة أختها طوال الطريق. «نحن راحلون. هؤلاء الزنادقة يستحقّون هذا المكان الملعون.»
«هل يرحلون؟» سألت الصيّادة.
«حسنًا، إنّهم يتراجعون. وهذا أمرٌ حسن.» لكنّ ما أغضب فايف أنّ هيلدا لم تقاتل حتّى الموت. كانت تتوقّع عراكًا عظيمًا، بل ربّما احتاجت فيه إلى قدراتها العلاجيّة الكثيرة، لكنّ القائدة نفضت عنها سعارها ورحلت. «كان درعها جميلًا.»
«أتعرفين من أطلق تلك الطلقة؟»
«لا فكرة لديّ. هيه، يا نَفَس الربيع، أظنّنا في مأمنٍ الآن.» جثت فايف، ومدّت يدًا وجذبت حوريّة الشجر إلى عناق، بينما أبقت عينًا على المدخل والمدينة وراءه. «شكرًا على العلاج.»
«سترحلين الآن؟» سألت نَفَس الربيع فايف، وصوتها يفضح قلقها.
«كلّا. لدى تراف كومةٌ من الكوبولدات المسلّحين بالبنادق، وفخاخ، ومتفجّراتٌ كثيرة حتّى إنّه قد يقتل الجيش كلّه لو كانوا من الغباء بحيث يقتحمونه مجدّدًا. أمّا أنتِ فليس لديكِ سوى الصيّادة وأنا. سأبقى هنا حتّى يأتيني ما يؤكّد أنّهم طُردوا جميعًا.» كفّت فايف عن ضمّ نَفَس الربيع إليها بقوّة، لكنّها ظلّت تُبقي نفسها بين صديقتها ومدخل الدهليز المفتوح.
مهما أسرعتا، لم تستطع أنيتشكا وتامي مجاراة الجنود المتراجعين من مداخل الدهليزين، وما إن صارتا خلفهم حتّى انعدم كلّ أملٍ في أن تحظيا بطلقةٍ على وجه القائدة من الأمام.
«أصبنا واحدة. تلك بندقيّةٌ من الميثريل يا آني، بحقّ السماء. دعكِ من الذهب، لو بعناها لكنّا...» توقّفت تامي حين تجمّدت صديقتها في مكانها. «اسمعي، أعلم أنّكِ لن تبيعيها أبدًا، لكنّها قد تجلب ما يكفي لنعيش في رغدٍ بقيّة حياتنا.»
«أعلم يا تام. أعلم. لم يعثروا علينا وأصبنا الهدف. لنعد إلى الثكنات ونزفّ إليهم الخبر السارّ.» ولفّت أنيتشكا ذراعها حول تامي، وضمّت صديقتها نصف ضمّةٍ حارّة قبل أن تنطلقا بخطًى أكثر تمهّلًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.