Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 107
شعر المخلب القصير بإثارةٍ تطنّ في عروقه وجيشُه يكمن لسكّان السطح. طالما خطّطوا، وكثّروا أعدادهم، واستزرعوا أروع الذيفانات والأمراض، ثمّ حُرموا فرصتهم في محاصرة تلك البلدة الصغيرة الغبيّة حين زحف إليها جيشٌ آخر.
انتظروا، وانتظروا، حتّى كادوا يبلغون من الضجر حدًّا يدفعهم إلى مهاجمة ذلك الجيش والعبور من خلاله لضرب المدينة، وإذا بالجيش ينسحب. وجّه المخلب القصير أفكاره إلى الخارج وسأل: «هل أوشكوا على دخول الأخدود؟»
«عُدَّ إلى الخمسين على مهل، وسيبلغه أوّلهم.» كان العيون الحادّة خفيًّا عن كلّ بصرٍ إلّا البصر المعزَّز بالسحر. جلس في شجرةٍ يراقب الرتل الهائل من سكّان السطح وهو يزحف بثبات. بدوا تعساء، وكان يفهم السبب. فقد شهد هجومهم على المدينة ورآهم يرحلون صفر الأيدي. رفع قوسه، ونفخ الحياة في ذراعيه المريضتين، وصنع سهم جُدَريٍّ لمخلوقٍ محظوظٍ يتلقّفه.
بدأ الهجوم حين قذف الفأّاس أوّل شجرة. كان واقفًا عاليًا على التلّ المشرف على الأخدود، فأعاد حساب المسافة وقذف شجرةً ثانية. ومن حوله أخذت ترولاتٌ أخرى تفعل مثله.
وحين اندفع سكّان السطح صاعدين التلّ نحو الترولات، أرسل العيون الحادّة همسةً من الفكر إلى باش، الأورك زعيم الدهليز. ومن مخابئهم على امتداد سفح التلّ، وثب الأوراك من الأرض وتلقّوا الهجمة بدروعٍ ثقيلة وتروسٍ أثقل. ولمح العيون الحادّة واحدًا من الجيش يصيح بالأوامر، فغرس سهمه الصغير في كتف الرجل.
عمل العَفَن بسرعة. لم تكن السموم إلّا الموجة الأولى من هجوم السهم. وبعدها نمت الأعفان نموًّا متسارعًا، تغرس أبواغها في دم الرجل وتنتشر حيثما حملها. عشرات، ومئات، وملايين المواضع في أنحاء جسده تفتّحت فيها عدوى فطريّة سرعان ما أفرزت مزيدًا من السموم. وقد خُتم مصيره قبل أن يفرغ السهم من اختراق جلده.
غير أنّه، وإن أبلى كلّ وحشٍ من وحوش الدهليز بلاءً حسنًا، لم تكن هذه إلّا بداية معركة. فقد خطّط المخلب القصير لتحوّلاتٍ صغيرةٍ كثيرةٍ في القتال تُبقي دفّة المعركة تتأرجح ذهابًا وإيابًا.
وحين حاول سكّان السطح الانعطاف جنوبًا، وجدوا أنفسهم في مستنقعٍ صنعه سدٌّ أُقيم على النهر، وفي أعلاه عشرات من الوحوش التي قتلتها أتباع الدهليز وأعدَتها وتركتها تلوّث المجرى.
ولم يكن رجال الشمال دائمًا من يتنازلون عن الأرض أو الأرواح. فقد شقّ هجومٌ مضادٌّ شرس، قادته امرأةٌ ضخمة تحمل سيفًا ويحفّ بها رهطٌ من المقاتلين المخضرمين، إسفينًا في صفوف الغوبلن سعى إلى عزل أحد أجنحة الدهليز عن القتال، وقد نجح.
لكنّ المخلب القصير لم يكن يتوقّع أن يسير القتال كلّه على هواه. استجمع قوّته، واستمدّ من فساد الأوراك والترولات التي أسقطتها فرقة المرأة، فشحن النموّ الفطريّ في أجسادهم شحنًا فائقًا حتّى تفتّح في محاليق طويلةٍ رفيعةٍ من الثمار الناثرة للأبواغ.
جُنّ الجنود في لحظة، يتشبّثون برفاقهم ويجرّونهم أرضًا قبل أن تنتفخ دروعهم بالفطر ويعدي بعضهم بعضًا. وشعر المخلب القصير بقوّته تنمو وأكثر من نصف الفرقة يسقط في مكانه. أمّا الناجون فقد تحرّكوا ليصيروا في مهبّ الريح بعيدًا عن الموقف برمّته.
ومع ذلك، ومع أكثر من خمسة عشر ألف مقاتلٍ يخوضون المعركة، لم يكن النصر ليُحسم بهزيمةٍ واحدة، مهما بلغت فعاليّتها.
بالكاد لفّت هيلدا القماش حول وجهها قبل أن تبدأ على حلفائها علامات طاعونٍ من الجُحر. صاحت وقادت ما تبقّى من فرقتها بعيدًا إلى مأمنٍ من الهواء الموبوء. كانت خلفها مدينةٌ مدجّجةٌ بالسلاح، عقدت حلفًا مع هرطقةٍ دنسة جعل تجويعها أو استنزافها مستحيلًا، وأمامها الآن جيشٌ لا ينفد، يبدو أنّه كلّما قتل واحدًا من جنودها قتلًا نظيفًا، أخذ خمسةً آخرين بالمرض.
أدركت أنّ الشمال قد قُطع عنها. «تفقّدوا أقنعتكم. سنشقّ طريقنا عائدين إلى خطّنا. إن لم نستطع الاختراق هنا، فأيّ فرصةٍ لجيشنا؟» لم تكن مضطرّةً إلى شرح منطقها للقلّة الباقية من مخضرميها، لكنّها رأت أنّها مدينةٌ لهم بهذا القدر على الأقلّ. «سنندفع جنوبًا. لن يأتي جيش نجدةٍ بعد، فنستطيع الالتفاف والعثور على مدينةٍ أخرى نضربها.»
لم يتذمّر أحدٌ من الجنود. شدّوا عزائمهم وتفقّدوا أقنعتهم، ثمّ انطلقوا عائدين مع اتّجاه الريح بغية الالتحاق بالقوّة الرئيسة.
وفيما كانت هيلدا تبحث عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه القتال، تمنّت لو أنّها لم ترسل أستريد وذئابها إلى البوّابة الأماميّة للمدينة. فأيضهم القويّ وجَلَدهم الذي يكاد يكون إلهيًّا كانا يصمدان لأمراضٍ كالتي قد يُنتجها دهليز العَفَن. طردت من ذهنها حلم رؤية قطيعٍ من الذئاب يعدو فوق التلّ، فأحسّت الهواء يتبدّل قيد شعرة، وبدأت تستدير.
انحرف السهم الأخضر الكريه الرائحة عن واقية كتفها بدل أن يجد الفجوة بين واقية ذقنها وياقتها. زمجرت، ولم تكن بحاجةٍ إلى رؤية الرامي لتعرف موضعه. دفعتها غريزتها إلى استلال خنجرٍ وإرساله عائدًا نحو العيون الحادّة.
كانت القوّة وراء الرمية عظيمةً حتّى إنّ الخنجر طار في مسارٍ يكاد يكون مستويًا، مسرعًا نحو الغوبلن الذي أطلق السهم حتّى انغرس في ترقوته. وحين سقط زعيم الدهليز من الشجرة، ظاهرًا من جديد، استطاعت هيلدا أن تبتسم ابتسامةً صغيرة.
كان بينهم وبين جيشهم غوبلن وأوراك وبضعة ترولات. حصدتهم هيلدا كما يُحصد القمح. وبمؤازرة نصف دزينةٍ من التروس والسيوف الأخرى، شُقّ خطٌّ من الدمار عبر صفّ الغوبلن حتّى التقوا بقوّتهم من جديد.
وتلقّت هيلدا سيلًا من التقارير، فلم يرُقها ما فيها من أنباء قطّ. فالطريق إلى الجنوب قد قُطع، والأرض صارت مستنقعًا بالماء المسموم يتعذّر عبوره، والطريق الشماليّ صار الآن مسدودًا تمامًا بالمخلوقات الوحشيّة.
أرادت هيلدا أن تسأل دونّا رأيها، أو أن تُلهب حماس أستريد لتقود هجمةً تخترق بها نحو النصر، لكنّها الآن وحيدةٌ على رأس الجيش، ولا ترى مخرجًا لا يتضمّن الموت فحسب، بل ما هو أسوأ منه على الأرجح لكثيرين على أيدي الغوبلن.
غير أنّ ثمّة عدوًّا يحترمهم بما يكفي ليقتلهم قتلًا بسيطًا، مهما بدا التفكير في مواجهته مرّةً أخرى بغيضًا. «أديروا الرتل. سنعود إلى تلك المدينة الملعونة ونرمي بأنفسنا على أسوارها حتّى نتكدّس عاليًا عندها. لا مخرج من هذا، لكنّهم على الأقلّ عرضوا علينا ميتةً طيّبة، ميتةً مشرّفة.»
كان خيرًا لها لو عزفت لحنًا جنائزيًّا. بدا الجنود من حولها جميعًا مضطربين، حتّى مدّ واحدٌ منهم ذراعه إلى هيلدا. أمسكتها في قبضةٍ متبادلة، فأومأ لها.
«نقاتل. نقتل. نموت. وُلدنا من الجليد والثلج، وهذا سبيل حياتنا.»
انتشرت الكلمات. كانت هتافًا قديمًا للمحاربين، وأحسّت هيلدا به يشدّ عزيمتها وعزيمة كلّ من حولها. «نقاتل!»
«نقتل!» صار الآن هتافًا وهم يديرون الجيش ويبدؤون التحرّك عائدين نحو نورثريدج. «نموت!»
«إنّهم عائدون؟!» كان برولي عند مدخل الدهليز يوشك أن يدخل ليزفّ إلى ترافيس البشرى بأنّ الجميع موافقون على بنائه برج ساحر، حين بلغه عدّاءٌ لاهث الأنفاس. التفت إلى الرجل، ثمّ خطا إلى الداخل. «ترافيس! الشماليّون عائدون!»
أحسّت بينيلوبي بعقلها يعود إلى العمل. استعادت وعيها، فمدّت إحساسها لتتلمّس مقدار تغيّر جسدها، فسمعت ترافيس يبدأ بالشتم. «ما الخطب؟» أدركت أنّ جسدها ربّما صار أكبر من أن تسعه الأنفاق العاديّة. همّت بخطوة وبدأت تنحني، فإذا بحجمها يتبدّل وهي تنكمش حتّى لا يكون المرور إلّا ضيّقًا بالكاد. فتراجعت إلى الوراء مجدّدًا.
«انسحب الجيش وأنتِ نائمة. حسنًا، إنّهم عائدون. قالها برولي ثمّ ركض مبتعدًا من جديد. لماذا يعودون بعد أن أمضوا أيّامًا ينسحبون بعناية؟»
«اسأل أستريد. لا أستطيع أن أستوعب هؤلاء البالافيّين الغريبين والمجانين.» وأثار تقييمٌ سريعٌ لجسدها حيرتها في الحال. فقد صار لها ذيلٌ أطول بكثيرٍ من ذي قبل، وصار جناحاها يبدوان لها هائلين لأنّها باتت تستشعر بهما أكثر بكثير.
وكشف لها إدارة رأسها عن تغيّرٍ آخر: عنقها صار أطول. ونظرت إلى أسفل فرأت يديها قد صارتا في معظمهما مخالب، وإن كانت مغمدةً بخضرةٍ ناعمة أحسّت أنّها ستكون في أثرها شبيهةً بما كانت تفعله سيوفها. «حسنًا، هل أمشي على أربعٍ الآن أم أستطيع الوقوف؟»
تلفّتت في غرفة القلب، فبدا كلّ شيءٍ أصغر بكثيرٍ الآن. «تراف، سأصعد إلى السطح. هكذا أرى كم صار حجمي وأعرف ما يجري. وأستطيع أيضًا أن أتبيّن إن كنتُ قادرةً على المشي منتصبة.» كان يقلق أفكارها كم بدا المشي باستعمال يديها قدمين سهلًا. كانت تعلم أنّ ذلك آتٍ، لكن لا أنّه سيحدث بهذه السرعة.
«هل ثمّة شيءٌ يجنّ جنو...؟» توقّفت بينيلوبي في منتصف سؤالها إذ اهتزّ الدهليز. «ما هذا؟!»
«برج الساحر،» قال ترافيس، كأنّ ذلك يجيب عن السؤال حقًّا. «حسنًا، إنّه برجٌ كبيرٌ صار الآن مدخلي. برجٌ هائل! أحتاج إلى أكثر من نظرة سحليّةٍ إلى هذا الشيء!»
«قلتُ إنّني خارجة. سيستغرق الأمر منّي بعض الوقت لأتعلّم المشي في هذه الممرّات. أمّا المنعطفات الملتوية فلا سبيل إليها الآن، على ما أظنّ.» وما أعجبها، حين جرّبت مخالبها الجديدة، أنّها تستطيع حرفيًّا أن تنحت طريقها في الصخر بها. لم تشأ أن تفكّر في حفر مساحةٍ أكبر قد تحتاج إلى تدعيم.
أمّا السلالم، فبدا أنّها مشكلة. اضطرّت إلى الانضغاط قليلًا أكثر لتصعدها، لكنّها بلغت الطابق الأوّل من الدهليز سريعًا بسلوك السلالم المباشرة.
وصلت إلى المدخل كلّه من غير أن تضطرّ إلى المرور بأحد، وكان ذلك مريحًا، لكنّها سمعت عدّة أشخاصٍ يشهقون حين خرجت، ونظرت إلى الجميع من علٍ. لا من علٍ بمعنى أطول قليلًا من المعتاد، بل من علٍ بمعنى أنّها رفعت رأسها فكادت تبلغ ضعف طول الناس القريبين. «آه، مرحبًا. اسمعوا، لا تقلقوا بشأني. كلّ ما في الأمر أنّني طرأت عليّ طفرة نموٍّ صغيرة. هل قال أحدهم إنّ رجال الشمال عائدون؟»
نفضت بورتينشيا سيلفرسونغ عنها صدمتها من رؤية تنّينٍ عن قرب، ورفعت يدها وأشارت نحو دار الحرس. «القائد ويندتشايم. هل تعرفين إن كان أكسل في الداخل؟» لو لم يكن جدّها الأكبر كوبولدًا في هذا الدهليز نفسه، لربّما فرّت صارخةً من جنون إرشاد تنّينٍ إلى الطريق، لكنّه حدّثها عن بينيلوبي وكيف أنّها ستكبر وتكبر. ولم يجعل ذلك مواجهة تنّينٍ أقلّ إثارةً للذعر.
قالت بينيلوبي من غير تفكير: «تراف، هل...؟ أوه، مهلًا، عليّ أن أعود إلى الداخل لأعرف...»
«أستطيع سماعكِ هنا في الخارج! صوتكِ خافت، لكنّني أسمعكِ يا بِن! ماذا كنتِ تحتاجين؟ ثمّ، هل يمكنكِ أن تنظري إلى برجي؟» سأل ترافيس.
أدارت بينيلوبي رأسها ونظرت إلى أعلى، فضحكت. «لديك قبّعة! على أيّ حال، هل أكسل في الداخل؟»
كان برج الساحر مستدقًّا واحدًا، أغلظ محيطًا من سائر أبراج نورثريدج، وكان يرتفع نحو ثلاثة أضعاف أيّ برجٍ آخر، بما في ذلك البوّابة الرئيسة. «أكسل يعمل في كوره.» تمنّى ترافيس لو يقضي بعض الوقت في تأمّل البرج أكثر، لكنّ بينيلوبي عادت فنظرت إلى بورتينشيا. وصدمه كم كان ذلك بعيدًا إلى أسفل. «كم حجمكِ هناك في الخارج؟»
«إنّه في الداخل. تراف، أخبره أنّ لديه زائرة. ثمّ إنّني كبيرةٌ أكثر من اللازم بحقّ الجحيم، لكن لا نملك حيال ذلك الكثير الآن.» فردت بينيلوبي جناحيها، ثمّ تجمّدت قبل أن تقلع حين رأت بورتينشيا تلوّح محاولةً لفت انتباهها. «ما الأمر؟»
«ربّما، آه، تفضّلين المشي. لو كنتُ في نوبة حراسة، ومعي بندقية، ورأيتُ كِ تطيرين نحوي مباشرةً...» جفلت بورتينشيا ممّا ستؤول إليه الجملة.
طرفت بينيلوبي بعينيها مندهشة، ثمّ أومأت وأطلقت نفَسًا طويلًا. «شكرًا لكِ. كنتُ سأتلقّى رصاصةً في مؤخّرتي لو فعلتُ ذلك. حسنًا، سأمشي إلى هناك. آمل ألّا تكون المدينة نفسها قلقةً من هذا.» ومشت في الشارع صاعدةً، تحاول تجاهل صيحات الناس على الطريق، فأدركت أنّها ليست بالضخامة التي سمعت أنّ التنانين تبلغها. «تراف، هل ما زلتَ تسمعني؟»
«بصوتٍ خافت، لكنّني أسمعكِ! هل تسمعينني؟» سأل ترافيس.
«أجل. حسنًا، هذا رائع. أظنّ أنّ هذا يعني أنّك صرتَ جزءًا من المدينة أكثر من أيّ وقتٍ مضى؟» ومع أنّها شعرت بأنّها تتثاقل في مشيتها، أبقت بينيلوبي جناحيها مطويّين إلى جنبيها وحاولت ألّا يصطدم ذيلها الكبير بأحدٍ أو بشيء.
وأخيرًا، حين بلغت دار الحرس، رأت أنّها لن تسع الباب الأماميّ. «مرحبًا، آه.» كان الحارسان يراقبانها وعلى وجهيهما شيءٌ من الملل. وعلى الأقلّ، ما دام اللقاء بهذا الاسترخاء، لم يمدّا أيديهما إلى سلاحيهما. «هل يمكن لأحدكما أن يدخل ويُخرج برولي إلى هنا؟»
«أوّلًا كانت السحالي، والآن هذا. يا فيث، ما الذي تظنّين ذلك الدهليز يُطعم مخلوقاته الآن؟»
«لا أدري يا هيرب، يبدو أنّه ناجح، أيًّا كان.» غمزت الرقيبة فيث لبينيلوبي. «سأذهب لأحضره. أنتِ زعيمة الدهليز، أليس كذلك؟»
أومأت بينيلوبي، وبذلت قصارى جهدها كي لا تنظر إلى الحارسين كأنّهما قد يصلحان وجبةً خفيفة. «أجل. حصلتُ على ترقيةٍ أخرى، ومع كلّ جنون هذا الحصار رأينا أنّها ستكون فكرةً جيّدة.»
«لا أستطيع القول إنّني رأيتُ تنّينًا يدافع عن مدينةٍ من قبل، لكن إن كانوا عائدين حقًّا، فسيكون لديّ شيءٌ جديدٌ أتباهى به أمام المجنّدين المستقبليّين،» قال العريف هيربرت. «لن تتأخّر طو...»
فتح برولي الباب وتجمّد. لم يُخبَر بالترقية الجديدة، وللحظةٍ امتدّت يده إلى السيف عند جنبه قبل أن يسحبها ويتنهّد. «بِن؟»
«أجل. ترقيةٌ جديدة. إذن، الجيش عائد؟ هل من سبب؟» كانت تكتشف أنّ السير على أربعٍ يحلّ مشكلاتٍ ويخلق أخرى. فمشكلاتٌ مثل كيف أحمل الأشياء كانت جديدة، أمّا كيف أمنع نفسي من الإشارة بيديّ وأنا أتكلّم فمشكلةٌ صارت الآن وراءها. ولم تمانع في هذه الأخيرة.
«أتذكرين كيف كانوا يعرقلون خططنا لبدء اقتحام دهليز الغوبلن، فيمنحونه الوقت ليفعل ما يشاء؟» انتظر برولي حتّى أومأت بينيلوبي، ثمّ تابع. «تبيّن أنّ الغوبلن كانوا يحشدون جيشًا، ربّما لمحاصرة المدينة. وقرّروا مهاجمة الشماليّين وهم ينسحبون. والآن، أتذكرين ذلك الحديث الذي دار بيننا عن أنّ التعامل مع وحوش العَفَن يكون بالسحر؟»
جفلت بينيلوبي من الفكرة، لكن من الطريقة التي تفاعل بها الجميع مع حركتها، بدا أنّها لا تُترجَم جيّدًا على هيئة تنّين. «آخ. يجعلني هذا أشفق عليهم. ليست هذه طريقةً للموت. حسنًا. فماذا لو غطّينا انسحابهم وعرضنا عليهم صفقة؟»
«لا نستطيع. جزءٌ من ميثاق تأسيس المدينة يقتضي أداء أيمان، وأحدها ألّا نقدّم العون للغزاة. لو كان الأمر مجرّد ألّا نسمّيهم كذلك، لربّما نجح، لكنّنا أرسلنا بالفعل طلبات النجدة.» تنهّد برولي. لقد ولّى أوان وصف الأمر كلّه بسوء فهمٍ والبدء من جديد، لكنّه كان يفضّل لو أنّ ذلك الجيش رحل إلى غير رجعة. «لذا، إن كانوا عائدين ليجعلونا بينهم وبين الغوبلن، فنعمّا هو، لكن إن هاجمونا من جديد، فلا أستطيع أن أغضّ الطرف عن ذلك.»
ولأنّ بينيلوبي لم تسمع بتلك الأيمان من قبل، اضطرّت إلى قبول ذلك والمضيّ قدمًا. «فماذا نفعل؟ نهاجمهم ثمّ ننتقل إلى الغوبلن من ورائهم؟»
«ليس لدينا مدًى كهذا. وضعتُ الحرس كلّهم في حالة تأهّب. إنّهم يعملون بالمناوبة ليرابطوا على الأسوار من جديد. كنتُ آمل أن يكون هذا قد انتهى، لكن يبدو أنّنا حتّى لو قتلنا آخر واحدٍ من الشماليّين، فسيكون علينا بعدها قتال جيشٍ من الغوبلن. على الأقلّ سيكون ذلك أسهل.» وتذكّر برولي الخبر الآخر الذي يحمله للدهليز. «صحيح، نسيتُ أن أخبركِ. أعلمي ترافيس أنّنا موافقون على بنائه برج الساحر.»
وقبل أن تتمكّن بينيلوبي من الردّ، لقّنها ترافيس كيف تتعامل مع زلّة بناء البرج قبل أن ينال الإذن. «لا تخبريه أنّنا بنيناه على أيّ حال. لا حاجة به إلى معرفة ذلك. لكن يمكنكِ أن تخبريه أنّني صرتُ أسمعكِ في أيّ مكانٍ في المدينة الآن. هذا سيشغله ويجعله يظنّ أنّني بنيته للتوّ. وإن اكتشفوا الأمر لاحقًا، سأقول لهم إنّني، مع أنباء عودة الجيش، أردتُ المضيّ قدمًا في كلّ الأعمال الكبرى.»
لم تكن بينيلوبي في البداية متأكّدةً ممّا تقوله بشأن ذلك، لكنّها هزّت كتفيها مجدّدًا ومضت. «يقول تراف إنّه صار يسمع ويرى حيث أكون الآن. ربّما داخل المدينة فقط، لكنّني أعلمتُه أنّكم موافقون على البرج.» لم يكن ذلك كذبًا، هكذا فكّرت. «أظنّ أنّ عليّ أن أطير إلى هناك وألقي نظرةً على الأمور.»
أومأ برولي، وهو لا يزال يعتاد على امتلاك فرسانٍ طائرين. «ما دمتِ لا تظنّين أنّهم قادرون على إصابتكِ، فانطلقي.»
«ستنقضّين على الغوبلن بالقصف الخاطف، أليس كذلك؟» سأل ترافيس بينيلوبي.
كان مفهوم القصف الخاطف جديدًا، لكنّ ترافيس شرحه لفايف على مسمعٍ منها. «أجل، أظنّني فهمتُ الأمر.» كان جوابها لترافيس وبرولي معًا، وإن كانت سعيدةً لأنّ الأخير لم يسمع تعليق الأوّل. «لكن إن رأيتُ هدفًا سانحًا، فسأغتنمه.»
راقبها برولي وهي تمشي مبتعدةً إلى ساحةٍ مكشوفة، لم تكن خاليةً من الناس، لكنّها خلت منهم بعد أن أدركوا جميعًا أنّها المكان الذي ينوي تنّينٌ التوجّه إليه. فردت جناحيها، ووثبت، وانطلقت إلى السماء. ورغم علمه أنّها صديقة، ورغم أنّه أثنى عليها لدفاعها عن مدينته، شعر برولي بوخزةٍ صغيرةٍ من خوفٍ غير عقلانيّ لرؤية مفترسٍ بهذه الضخامة. فالتنانين، في العادة، ترى الناس علفًا، وعقله الباطن يعرف ذلك ولا يريد التخلّي عن الفكرة.
كان الطيران كلّ ما رجته بينيلوبي. فجسدها يعرف كيف يفعله، وعضلاتها بدت بارعةً على نحوٍ خاصّ في تحريك جناحيها الهائلين لإبقائها في السماء. حلّقت دائرةً حول قمّة برج الساحر الجديد، ومدّت إحساسها إلى ترافيس. «لا أدري كيف سيتقبّل أيٌّ منهم رؤيتي هكذا، لكن آمل ألّا يجد الشماليّون الحمقى وقتًا لنصب أيّ نوعٍ من البالِستا.»
«احرصي على أن تعودي، اتّفقنا؟»
«بالطبع سأعود. أحبّك يا تراف.»
«وأنا أحبّكِ أيضًا.» راقب ترافيس بعينيها وبينيلوبي تبتعد، ثمّ تتلاشى تمامًا. كان من الجميل أن يعلم أنّها لن تموت ما دام هو حيًّا. «وحظًّا موفّقًا.»
كان العالم أيسر فهمًا بكثيرٍ من السماء. حلّقت بينيلوبي دائرةً حول المدينة كلّها مرّةً لتستوعب موقعها، ثمّ اتّجهت نحو دهليز الغوبلن. لم تكن المعركة الدائرة عسيرة الرؤية بأيّ حال. كانت عشرات الآلاف تحتشد على امتدادها. وبدا الغوبلن أقلّ عددًا، لكنّهم امتلكوا حتمًا الطاقة لمطاردة الشماليّين.
ومع أنّ الشماليّين لم يبدوا تمامًا كمن ينسحبون، فقد بدوا مركّزين على المدينة أمامهم، ولم يكن يلتفت إلى الغوبلن منهم إلّا مؤخّرتهم.
أخبرت الغريزة بينيلوبي بالموضع المثاليّ لبدء انقضاضٍ نحو الغوبلن. وحين مالت نحو الأرض، أخذ ضغطٌ قويٌّ يتراكم في داخلها. كانت تعرف ما هو آتٍ فرحّبت به. واصطفّت مع الصفّ الثاني من الغوبلن المطاردين للشماليّين، ففتحت فمها واقتربت على ارتفاع نحو عشرين قدمًا فوق الغوبلن، ونفثت عليهم من أعلى في خطٍّ مستقيم.
كانت هيلدا مركّزةً على الوحوش التي تطاردهم. مرّةً بعد مرّة اشتبكوا معهم وصدّوا تقدّمهم فيما كان رتلهم يتراجع نحو المدينة. وفي كلّ مواجهةٍ كانت تفقد مزيدًا من مخضرميها. والآن، وقد فنيت نخبتها كلّها ولم يبقَ إلّا المشاة النظاميّون، صارت تخسر جنودًا أكثر وأسرع. لم تكن تعرف من أين جاء التنّين ولا لماذا يهاجم الغوبلن، لكنّ مشهده وهو يرشّ الحمض على صفوف العدوّ جعل روحها المحاربة تهلّل. عدوٌّ أخيرًا يمكنها أن تموت على يديه ولا تعرف إلّا الشرف. «تراجعوا! تحرّكوا بسرعة قبل أن يأتي إلينا!»
أشبع الشقّ العريض الذي حفره حمض بينيلوبي في الغوبلن شيئًا في داخلها لم تكن تعلم بوجوده. ارتفعت، تضرب بجناحيها بقوّة لتعلو فوقهم، قبل أن تنعطف مائلةً وتنقضّ من جديد.
«إنّه يضربهم مجدّدًا.» حدّقت غونهيلد، وكلّ جسدها يصرخ من الإنهاك، في رهبةٍ والوحش ينقضّ ويحرق طريقه عبر جيش الوحوش.
«لا أفهم لماذا يهاجم هم وحدهم. كان بوسعه أن يضربنا بالسهولة نفسها، ونحن لن نقذفه بالسحر الملعون والأشجار.» تلاشت نيّتها كلّها في الركض إلى المدينة لتموت للحظة، ولم تملك هيلدا إلّا أن تقف هناك وتشهد مذبحةً بلغت من الكمال والعمق حدًّا تتضاءل أمامه ما فعلته الوحوش بجيشها. «إن كان جزءًا من أحد الجحور في تلك المدينة، فأيّ أملٍ لنا في الفرار من هذا الميدان لنجد ميتةً طيّبة؟»
مرّةً بعد مرّة انقضّت بينيلوبي على صفوف الغوبلن. قتلت منهم الآلاف، فحوّلت مطاردتهم الظافرة للشماليّين إلى جمود. وأخيرًا، حين انسحب الغوبلن جميعًا مؤثرين ذلك على مواجهة غضبها من جديد، استدارت وصوّبت نظرها نحو جماعة الجنود الذين كانوا المؤخّرة.
وحين استدار التنّين نحوهم، أقسمت هيلدا أنّها تشعر بسلسلة أسلافها خلف ظهرها. وبعثت القوّة التي أبداها الوحش رعشاتٍ من الخوف فيها، فكبحتها وسحقتها. «استعدّوا! ستُغنّى حياتنا أجيالًا إن استطعنا قتال هذا الوحش من غير أن نبلّل سراويلنا!»
ارتطمت بينيلوبي بالأرض، وأبقت بينها وبين المقاتلين طول جسدها كاملًا. بدا الاحتراق في داخلها حاضرًا أبدًا ويريد الخروج، لكنّها بدل أن ترسله في خطٍّ نحو المقاتلين، رفعت رأسها وأطلقته إلى السماء.
ولأنّ هيلدا رأت هجمة النَّفَس تلك نفسها تُسقط الترولات والأوراك والغوبلن من قبل، لم يكن لديها شكٌّ في مصيرها لو أصابتها. عندها أدركت ما تفعله بينيلوبي. «إنّه يستعرض. لماذا؟» أبقت يدها على مقبض سيفها من غير أن تستلّه بعد، ومشت هيلدا مقتربةً من الوحش. «هل أتيتَ لتقتلنا؟»
كان تتبّع الكلمات صعبًا، لكنّ أحلام بينيلوبي الأخيرة حملت إليها بعضها. كانت تعلم أنّ ترافيس يتعلّم تلك اللغة، والآن صار لديها الدليل على أنّ عقله يرشح إليها معرفةً وهي نائمة. واستطاعت على الأقلّ أن تتبع كلمات هيلدا. «لا. ستغادرون!»
ولمّا سمعته هيلدا يتكلّم بالبالافيّة كلامًا مقبولًا، سحبت يدها عن مقبض سيفها ببطء. «لا نستطيع. الغوبلن أجبرونا على التراجع.»
وإذ فهمت بينيلوبي ما يكفي مجدّدًا، هزّت رأسها. «سأقتلهم كلّهم. أنتم ارحلوا. لا تأتوا بجيشٍ إلى هنا لتقاتلونا مرّةً أخرى أبدًا.»
كانت هيلدا لا تزال تتوق إلى القتال والموت، ولم يكن يمنعها من استلال نصلها ومواجهة نهايةٍ مجيدةٍ بين مخالب التنّين إلّا شرفها تجاه جنودها والأمل في إخراجهم من هذا. أحنت رأسها في إيماءة، وعيناها لا تفارقان بينيلوبي، ولم يبقَ لها الآن إلّا هدفٌ واحد. «أديروا الرتل! إنّنا راحلون!» ولم تدرك هيلدا إلّا حين استدارت لترى من سمعها أنّ كلّ فردٍ من مؤخّرتها قد فرّ. «تبًّا.»
كادت الشتيمة تُضحك بينيلوبي. كانت شيئًا عاديًّا جدًّا حتّى إنّها حين سعلت، وفركت أنفها بظاهر أحد مخالبها، لم يبدُ لها ذلك غريبًا إلى أن أخذ ألمٌ متأجّجٌ يسري فيها.
استدارت هيلدا نحو التنّين، فلمحت الخطوط البيضاء من الغَزْل الفُطْريّ حول منخري بينيلوبي، فلعنت. وفي البعيد، بدا مُلقي رُقى من الهوبغوبلن مسرورًا بنفسه أكثر ممّا ينبغي. «حاولي ألّا تسعلي.» مدّت هيلدا يدها إلى جرابٍ مربوطٍ على وركها، وأخرجت قماش الذيفان الاحتياطيّ واندفعت نحو التنّين لتضغطه على أنفها. «هذا يقتل البوغ. استنشقي.»
أخذت بينيلوبي نفَسًا مرتجفًا، وهي تجاهد ألّا تسعل، وحدّقت على امتداد الطرف المدرّع حتّى عيني هيلدا. كان فيهما غضبٌ لم تفهمه، لكنّها استطاعت أن ترى أنّه لم يكن موجّهًا إليها. وتوالت أنفاسٌ أخرى قبل أن يخفّ الاحتراق في رئتيها. «اركبي.»
وفي اللحظة التي استغرقتها هيلدا لتفهم ما تعنيه بينيلوبي، بدا أنّ التنّين استعاد مزيدًا من قوّته. لكنّها تحرّكت بسرعة حين اتّضحت النيّة في ذهنها. ركضت متجاوزةً رأس التنّين بعد أن حشرت القماشة المكوّرة في أحد منخري بينيلوبي، وفكّرت هيلدا في كيفيّة التصدّي للمهمّة التي أمامها.
حاولت بينيلوبي تجاهل مهانة الخرقة في منخرها، فخفضت نفسها قدر استطاعتها قبل أن تحسّ بيد هيلدا المكسوّة بالزَّرَد تمسك عمودها الفقريّ، وجسد المرأة الضخم يرتفع ويعتلي ظهرها. كان إحساسًا غريبًا، وتمنّت ألّا يبلغ فايف خبره، فهذا ليس دورًا تنوي الخضوع له مرّةً أخرى. فردت جناحيها، ونظرت إلى الغوبلن الذي استعمل سحره عليها، فرأت أنّ معه الآن جماعةً من الترولات والأوراك.
شهقت بينيلوبي لتغذّي نفَسها، فكادت تتقيّأ ممّا أحدثه الألم الباقي في داخلها من تعثّرٍ في أحماضها الطبيعيّة. أدارت رأسها جانبًا، وبصقت كرةً من المخاط الأبيض والحمض، آملةً أن تكون مجرّد أثرٍ جانبيٍّ قصير الأمد لما ألقاه الغوبلن أيًّا كان.
ولأنّ هيلدا لا خبرة لها بقتل التنانين، إذ لم تسمح أوطانها قطّ لدهليزٍ بأن يكبر بما يكفي ليكون فيه واحد، لم تكن تعرف ما تتوقّعه من بينيلوبي. وحين اقتربتا من الغوبلن ولم تنفث بينيلوبي عليهم بعد، قرّرت هيلدا أنّ الأجدر بها أن تقاتل كما دُرّبت. «هنا في الأسفل! أنزليني!»
أخفت بينيلوبي قلّة خبرتها بالهبوط بأن تحطّمت بأناقة، فإذا بالأوراك ينقضّون على بينيلوبي وهيلدا فيما الترولات الأبطأ ليست بعيدةً خلفهم.
«نتقدّم. احمي ظهري، فلا أرى جيّدًا خلفي في هذا الدرع. إن...» كانت هيلدا قد بدأت تنحني حين رأت بطرف عينها جذع شجرةٍ يطير نحوها. وحين حرّكت بينيلوبي قائمتها الأماميّة واعترضته، بدأت هيلدا ترى مزيدًا من محاسن القتال إلى جانب تنّين.
لم يمنح الجذعُ بينيلوبي من الطاقة ما كانت تتوقّعه بتاتًا، وبعد أن أزاحته جانبًا أدركت أنّها تهيّأت أكثر ممّا يلزم بكثير. «تولّيتُه.» ولأنّها كانت مغامرة، ولا تزال تعمل مع المغامرين، فقد كانت تعرف كيف تصغي إلى النصيحة الجيّدة. وتقدّمت حين تقدّمت هيلدا، واستعملت مخلبًا واحدًا لتطيح برأس الأورك الأكثر تهوّرًا الذي كان يقود الهجمة.
انحنت هيلدا تحت ضربة بينيلوبي، ورفعت ترسها لتتلقّى محاولة الأورك التالي أن يجرح مخلب بينيلوبي، ثمّ بترت ذراع الوحش عند المرفق.
في البداية لم تكونا تواجهان إلّا الأوراك، لكن بعد أن صرعتا كلّهم إلّا واحدًا أو اثنين، أخذت الترولات تحلّ محلّهم. وعلى الأقلّ، كانت الترولات أهدافًا أفضل لبينيلوبي. فقد استطاعت أن تُعمل فيها مخالبها وجناحيها بلا هوادة، وفي إحدى المرّات عضّت على ساعد واحدٍ منها وثبّتت قدمها على كتفه لتنتزعه.
ومع استمرار القتال، واضطرار الغوبلن إلى التراجع، كان مُلقي رُقاهم يبذل كلّ ما في وسعه لإبقائهم في المعركة. رُقى للتسريع والتقوية أُلقيت مرارًا فيما وصلت تعزيزاتٌ أخرى.
ورغم أنّ هيلدا أمضت النهار كلّه في قتال الغوبلن، ظلّت تتحرّك كالريح وتقطع كالفأس. لم يعوز سيفها الثقيل الزخم قطّ، وكان ترسها دائمًا سريعًا بما يكفي لصدّ ضرباتٍ كان يمكن أن تؤذيها. ومع استمرار الاشتباك، أطالت التفكير في الحملة كلّها وكم ساءت. فقد كانت أختها مقتنعةً تمامًا بأنّ السلسلة ستنجح وأنّهم سيسيطرون على دهليزٍ يستعملونه ضدّ عدوّهم، ومع أنّ الدهليز نفسه لم يكن هو من قتل دونّا، فقد ظلّت تعلم أنّ له يدًا في ذلك.
لكنّها الحرب. عيش. مقامرة. تدبير. موت. فوزٌ وخسارة.
والآن ها هي تنخرط في الهرطقة. فبحسب أيمان قومها، كان ينبغي أن تصرع التنّين والغوبلن معًا، ولأنّها كانت تعلم أنّه لا أمل لها في هزيمتهم جميعًا، أن تموت وهي تحاول. غير أنّ في داخلها اندفاعًا جامحًا من الإثارة لا يأتي إلّا من قتل كلّ هذه الآفات الخضراء.
ولأنّ بينيلوبي تقف أطول من أيٍّ من الغوبلن، استطاعت أن ترى حين كفّت التعزيزات عن الوصول. فما لديهم في الميدان، على ما يبدو، هو كلّ ما سيحصلون عليه فيه. ومزّقت آخر الترولات نصفين، ورمت كلّ نصفٍ في اتّجاه.
لم يكن الأورك الذي تقاتله هيلدا أكبر وأقوى من الآخرين فحسب، بل بدا أنّ له خبرةً في القتال تفوقهم بكثير. ومع أنّ خبرتها لم تكن في قتال الدهاليز، فإنّ وقتها الذي قضته تصغي إلى ثرثرة أختها عن الجحور جعلها متيقّنةً من أنّ هذا هو ما يُسمّى زعيمًا.
كان الصدّ والتلقّي هما الأمر الغالب، وإن ظلّت هيلدا تترقّب فرصةً لضربةٍ فعّالة. فبعد كلّ هذا العدد من الخصوم طوال النهار، لن يكون رمي عضلاتٍ متعبةٍ على دفاعٍ بهذه المتانة ما يوصلها إلى نهاية القتال.
كان الأورك يتحرّك بالحركة التي لا تعرف الكلل نفسها التي أحسّتها بينيلوبي في ذاتها. أرادت أن تتقدّم وتسحقه، لكنّ هيلدا كانت ملتحمةً به التحامًا لا يسمح لها بالمخاطرة. وأخيرًا، بعد يومٍ كاملٍ من قتال أتباع دهليز الغوبلن، جاء صدّ هيلدا متأخّرًا لحظة، فنال الأورك فرصته للضغط عليها.
صار مجاراة الضربات فوق طاقتها، ومع فأسه الشبيهة بالساطور ترتطم بدرع صدرها، اختلّ توازن هيلدا وأحسّت بترس الأورك يصطدم بذراع سيفها، فيطيح بطرفها جانبًا ويتركها مكشوفة.
انفتح ما بدا كالرعد فيما أمسك شيءٌ بهيلدا وجرّها إلى الخلف. سقطت على مؤخّرتها، وراقبت التنّين يتحرّك ليقف فوقها، فرأت عن قربٍ صدره ينقبض.
بالكاد وجد الأورك وقتًا لرفع ترسه قبل أن تنفث بينيلوبي عليه. نهش الحمض الدرع، فأذاب لا صفائح الأدامانتين، بل المسامير والأحزمة الفولاذيّة التي تثبّتها على جسد الأورك. ومع تفكّك درعه، واحتراق رقعٍ متفرّقةٍ من جلده، أصابت كلّ ضربةٍ من ضربات بينيلوبي هدفها ومزّقته قطعةً داميةً بعد قطعة.
وأخيرًا، ولم يبقَ واقفًا إلّا زعيم دهليز الغوبلن، ابتعدت بينيلوبي عن هيلدا ومشت نحو الهوبغوبلن. «ستكون متعة قتالك وقتلك لا تنتهي.»
ولأنّ الهزيمة أغاظت المخلب القصير أكثر ممّا أرهبته، رفع صولجانه وبدأ يرتّل. وضاق تركيزه على التنّين وهو يتهيّأ ليطلق عليه أسوأ طواعينه، شيئًا من شأنه، حين يُطلق، أن يقتل كلّ ما حولهما، بما في ذلك هو نفسه.
وكان مفاجئًا للمخلب القصير أن يشقّ نصلٌ أسود ثقيل مؤخّرة عنقه ويظهر في النصف السفليّ من مجال بصره. لم تقطع الضربة وموضعها قصبته الهوائيّة وتمنعه من إتمام الرقية فحسب، بل قطعت الخيوط الواصلة بين رأسه وسائر جسده.
مدّت بينيلوبي مخلبها، فأطبقته على رأس المخلب القصير وعصرت. وحين نزّ الدم والأحشاء من بين مخالبها، أفلتته أخيرًا. «أنتِ تقاتلين جيّدًا.»
لم تملك هيلدا إلّا أن تضحك. كانت الطريقة التي قتل بها التنّين الغوبلن، ومعها القتال كلّه، أشدّ تجربةٍ في حياتها. جثت على ركبتيها ورفعت يديها لتنزع خوذتها. «وأنتِ كذلك. لم أصدّق أختي قطّ حين تحدّثت عن وحوشٍ في الدهاليز تقاتل قتالًا حقيقيًّا، لكنّكِ أنتِ، ستكونين خصمًا أموت وأنا أقاتله راضية. وتلك السحليّة المدرّعة اللعينة التي لكم أيضًا.»
«قاتلتِ فايف؟» رفعت بينيلوبي قائمتها الأماميّة، فضغطتها على أحد منخريها ونفخت، فقذفت الخرقة من المنخر الآخر مع رذاذٍ هائلٍ من المخاط والفطر الميّت.
«شخصٌ لا أريد قتاله مرّةً أخرى أبدًا، ومع ذلك لا أملك إلّا أن أشعر بالحاجة إلى ذلك.» ولم تدرك هيلدا إلّا بعد أن قالتها أنّها بدأت تفكّر فيهم كأشخاص. استنتجت أنّ الكلام هو المفتاح. فما إن يكلّمك وحشٌ وينزف معك حتّى يكفّ عن كونه وحشًا. «لا أعرف إلى أين أمضي من هنا.»
«لديّ صديقٌ يستطيع أن يفكّر حتّى يخرج من أيّ مشكلة، وقد بدأتُ ألتقط هذه الخصلة أنا أيضًا. ما الذي تحتاجينه؟» كان السؤال سهلًا، والتأمّل فيه صعبًا، والأمر على الأرجح مستحيلًا بالنظر إلى التزامات المدينة، لكنّ بينيلوبي أرادت أن تحاول. ربّما لن تموت فعلًا، حتّى بأمراض الغوبلن، لكنّ هيلدا ساعدتها.
«إن لم يستطع جيشي العودة بالغنائم أو الطعام، فلا نستطيع العودة. كلّنا نعلم ذلك، إنّه سبيل حياةٍ لبني جنسنا. إن لم أستطع انتزاع الغنائم من مدينتكم والعودة بها، فالمتوقّع أن نرمي بأنفسنا على أسواركم حتّى لا ينجو منّا أحد.» التقطت هيلدا الخرقة المقزّزة، واستعملتها لتنظيف نصلها، وإن لم يتحقّق من ذلك فعلًا إلّا مبادلة أحشاء الغوبلن بمخاط التنّين.
لم تفهم بينيلوبي الأمر تمامًا، لكنّها ربطته بما استنتجوه عن أستريد، فبدأت تدرك كم كانت حياة هيلدا معطوبة. «لا تستطيعين العودة، وقد نهش الغوبلن جيشكِ أكثر من أن يحاول مهاجمة مدينةٍ أخرى.» تسارع عقلها بحثًا عن حلّ. كانت المدينة تحتاج إلى إنكارٍ معقول، ما يعني أنّ الجيش لا يجوز أن يكون موجودًا حين تصل التعزيزات من المملكة. «كم بقي في قوّتكِ؟»
«خرجتُ من هنا عند الفجر بتسعة آلاف مقاتل، من غير احتساب الأتباع. ولديّ الآن أقلّ من نصف ذلك.» أومأت هيلدا نحو الموضع الذي كان فيه جيشها، ينتظرها حتّى الآن لتقوده في هجمةٍ أخيرةٍ على المدينة. «لا نستطيع البقاء هنا.»
«كم من الذهب، للفرد الواحد، يكفي لتشتروا طريق عودتكم إلى الديار؟»
صدم هيلدا أن تسمع حديثًا عن شراء رضاهم وهم لا يشكّلون أيّ تهديد. «لماذا تفعلين ذلك؟ نحن عدوّكم، لولا قتالٌ واحد. إن عدنا إلى الديار بالذهب، فسيسأل الناس من أيّ مدينةٍ أخذناه.»
«يمكنكِ أن تقولي لهم إنّكم أغرتم على دهليزٍ وأخذتموه. ربّما كان مع هؤلاء الغوبلن؟ كم؟»
«سيعيدوننا إلى هنا الشتاء القادم. وسيتوقّعون المزيد.» كانت مئات الحجج تتقافز في رأس هيلدا، ومعظمها يتعلّق بقومها أنفسهم وهم يشون بها.
«إذن، تعودين بقوّةٍ أصغر. أحضري بضع مئاتٍ ممّن سئموا طريقة سير الأمور في بالافيا. وبعيدًا عن أعين المملكة، نستطيع أن نمنحكم أسبابًا تجعلكم لا تعودون.» ولحظةً، استطاعت بينيلوبي أن ترى هيلدا تتأمّل الفكرة.
كان مخيفًا كم كان التنّين سريعًا في إزالة العقبات. حاولت هيلدا أن تُبقي رأسها فوق الماء وأن تثبت لماذا ينبغي أن تُترك لتقاتل وتموت. «ثمّ ماذا، أتقاعد؟ أنا جنديّة، رُبّيتُ لأكون جنديّةً بين الجنود. دُرّبتُ لأقود وقُدّر لي أن أموت وأنا أفعل ذلك. ماذا عساي أفعل في هذه الأرض الليّنة؟»
«"أرض ليّنة"؟» مدّت بينيلوبي يدها إلى جثّة زعيم الغوبلن، فرفعت الجسد المقطوع الرأس. «سيظنّون أنّكِ جررتِ الذهب من دهليز. أنتِ تقاتلين الدهاليز جيّدًا. فلماذا لا تجعلين ذلك مهنتكِ هنا؟»
«سيتطلّب الأمر عشر قطعٍ ذهبيّةٍ للفرد، لا أكثر. إن زاد كثيرًا جاءتكم جيوشٌ عدّة تريد النزول إلى هنا فورًا. وإن نقص فلن أستطيع التفاوض على الطعام لبقيّة الشتاء.»
أجرت بينيلوبي الحساب في رأسها، ثمّ أومأت موافقةً على المبلغ. «إذن سنجلب لكم خمسين ألفًا. سيستغرق ذلك وقتًا. عدّة أيّام، لكن لا أكثر من خمسة.» كان ذهبًا كثيرًا. كانت متيقّنةً من أنّ ترافيس لا يملك هذا القدر في داخله الآن، لا سيّما وقد دفع ثمن ترقيتها، لكنّ لديهم عروق ذهبٍ يستخرجونها ويستطيعون صنع المزيد. «هل تستطيعين إيجاد طريقةٍ لتبرير ذلك؟»
«سأضطرّ إلى ذلك.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.