Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 108
﴿حالة [الدهليز]:﴾
﴿الدرجة الثانية
المستوى 23/100﴾
﴿القلب 1904400/1904400
الخبرة 332421/476100
العمّال 27/139
الوحوش 9/141
الفخاخ 118/339
الطعام 6349
الخشب 7322
الحديد 2292
الفولاذ 905
الميثريل 922
خام الميثريل 0
الأدامانتين 917
خام الأدامانتين 0
الفحم النباتي 3658
المانا 4950
الصخر 1293
الذهب 6057
الجلد 216
وحل الجلد 215
الحمم 501
الجليد 10
الزجاج 483
الرُقُم المتفجّرة 30
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة 0
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة (المتكرّرة) 0
البنادق الطويلة 30
الرصاص 400
البارود الأسود 400
السمّ الأعظم 500
سمّ العقرب القاتل 76
الكبريت 708﴾
﴿المهمّة: قتل زعيم دهليزٍ آخر.
المهمّة: إعمار نصف دهليزك: العمّال 27/66 | الوحوش 9/67 | الفخاخ 118/162
المهمّة: الغوص إلى قاع دهليزٍ لا تقلّ طوابقه عن 20 طابقًا.﴾
من أعلى برج الساحر كانت كيتلين ترى أميالًا ممتدّةً خارج أسوار المدينة، وهذا ما أفاد ترافيس، إذ كان معناه أنّه يرى إلى المدى ذاته هو أيضًا. كانت نقاط الخبرة تتدفّق، وكلّ ما استطاعت كيتلين أن تخبره به أنّها ترى غبارًا كثيرًا في الأفق.
﴿أُنجزت المهمّة: قتل زعيم دهليزٍ آخر.﴾
﴿مهمّة جديدة: قتل 100 من سكّان المدن.﴾
أطلق ترافيس عددًا لا بأس به من الشتائم. كان في العادة سيحتفظ بها لنفسه، لكنّ فايف كانت قد سألته بلطفٍ أن يُشركها في أيٍّ منها، ووجد أنّ ذلك يرسم على وجهها ابتسامةً عريضة في كلّ مرّة. «وصلتني للتوّ مهمّة بقتل مئة شخصٍ من نورثريدج.»
مالت فايف إلى الوراء على كرسيّها، وأومأت للصيّادة وقالت: «عليّ أن أكلّم تراف، أعني دهليزي، لحظةً واحدة. حسنًا يا تراف، ادفع لهم إذن، ودع واحدًا منّا يُنهي الأمر سريعًا ومن غير ألم.»
«قد لا يروق ذلك لروبيرت. أتظنّينه يرضى لو دفعنا له مبلغًا إضافيًّا؟»
«محادثاتنا أغرب محادثاتٍ على الإطلاق، لكنّني أقدّر الشتائم الجديدة. حسنًا، سأذهب وأسأله.» ونهضت فايف وتمطّت.
«لا عجلة في الأمر إطلاقًا. نحن... لقد عادت بِن. يا للروعة، معها كمٌّ هائل من نقاط الخبرة. لقد بلغت أقصى فئة الساحر عندها!» وما إن صارت بينيلوبي فوق أسوار المدينة، ولو طائرةً، حتّى سألها ترافيس: «ماذا حدث؟»
«أشياء كثيرة. علينا أن نتحدّث في احتمال أن يأتينا بعض اللاجئين. لم يكن يوم هيلدا يومًا طيّبًا.» ولم تزد على ذلك، إذ انصرفت إلى خفض ارتفاعها لتهبط.
وبينما هي تحوم أدنى فأدنى فوق المدينة، فوجئ ترافيس بأنّ الحرّاس، بدل أن يهدّدوا بإطلاق النار على بينيلوبي، كانوا يهتفون لها مشجّعين. «عليّ أن أجد طريقةً أجعل بها هذه السحالي تسمع.» وفي أثناء هبوطها، دوّن ترافيس ملاحظةً في غرفة قلبه ليسأل روبيرت عن استعمال البعث في أحوالٍ غير أحوال العنف أو الحوادث.
«سأتكلّم في غرفة الزعيم الخاصّة بي. أتُبلغ الجميع أنّ هناك اجتماعًا سيُعقد فيها يا تراف؟»
حين مضت بينيلوبي قُدُمًا نحو مدخل دهليز ترافيس، انتابها إحساسٌ غريب، إذ انضغطت جثّتها، الأكبر من المدخل بلا أدنى شكّ، بسهولةٍ حتّى صار بمقدورها أن تسير في الأنفاق.
كانت تعرف أنّها أصغر في الداخل، لكنّها ظلّت تحسّ بكتلتها وقوّتها. وخصّت ببعض الإيماءات نفرًا من أهل البلدة كانوا ينتظرون التوجّه إلى ناحية المطبخ، وشكرتهم على تناول غدائهم في الدهليز، ثمّ واصلت سيرها.
سلكت الدَّرَج الطويل مباشرةً إلى الطابق الأسفل، ولم تعبأ بالحجر، بل شقّت طريقها عبره إلى غرفة الزعيم الخاصّة بها. ففي داخل ما كان ينبغي أن يكون غرفةً من عشرة في عشرة كسائر الغرف، بدا لها أنّ لديها ما يقارب أربعين في أربعين. استرخت وتقدّمت أكثر، وانبسطت إلى حجمها الكامل. «آآه. هذا يعجبني.» قالت ذلك وهي تقصد سريرًا حجريًّا كبيرًا في إحدى الزوايا، بجوار الحمض الذي يبدو غاضبًا والذي يحفّ بالغرفة.
كانت فايف أوّل الواصلين. فقد تركت الصيّادة خلفها مع اعتذارٍ ووعدٍ بمزيدٍ من الدروس. «يا للروعة. انظري إلى هذا المكان! لم أنزل إلى هنا لأتفقّده منذ نلتِ قواكِ الجديدة، لكن تبًّا! أخبرنا تراف أنّكِ صرتِ تنّينةً الآن. هيّا، جرّبي أن تعضّيني!» وحين أجالت فايف بصرها في غرفة الزعيم الهائلة ذات السقف المُقبّب، أدركت تمام الإدراك أنّها أكبر بكثيرٍ من أن تتّسع للموضع الذي تشغله على الخريطة. «ماذا يحدث لو حفرنا نفقًا إليها من جهةٍ أخرى؟ كم من الحمض هذا؟ وأين ذهبت سيوفكِ؟»
«خذي نفسًا عميقًا يا فايف وانتظري الآخرين. كم منهم قادم يا تراف؟» واضطرّت بينيلوبي إلى رفع إحدى قائمتيها الأماميّتين لتدفع فايف إلى الوراء وهي تحاول الإمساك بها. «ماذا تفعلين؟»
رمقت فايف بينيلوبي بنظرةٍ حادّة. «دعيني أعانقكِ، مرّةً واحدة فقط.»
«مرّةً واحدة؟»
«مرّةً واحدة قطعًا.» وانتظرت فايف حتّى أومأت بينيلوبي، ثمّ اندفعت نحوها وعانقت عنق صديقتها. «أووه، ما أنعمكِ!»
«إن جعلتِ هذا محرجًا يا فايف، فسوف...» وما لم تشأ بينيلوبي أن تخبر به فايف هو أنّ العناق كان لطيفًا. فمنذ صارت كوبولدًا ووجدت نفسها واقعةً في حبّ ترافيس، لم تحظَ بكثيرٍ من القرب الجسديّ. «لا بأس بقليلٍ بعد.»
راقب ترافيس بينيلوبي وهي تسترخي، ومع أنّه أحسّ بمسحةٍ من الغيرة من فايف، فقد رأى أنّ المرأة التي يحبّها نالت شيئًا كانت بحاجةٍ إليه. «كيتلين ولودي على وشك الوصول. قال وايلد إنّه سيأخذ الخلاصة من لودي. وفيلنا وأستريد نازلتان أيضًا. أمّا البقيّة فقالوا إنّهم سيطّلعون على الأخبار لاحقًا.»
«أستريد؟ همم، أجل، فكرةٌ جيّدة. كان ينبغي لي على الأرجح أن أطلب إحضارها إلى هنا.» ودفعت بينيلوبي فايف عنها أخيرًا حين سمعت مزيدًا من الناس يصلون. «حسنًا، يكفي.»
تخلّت فايف عن بينيلوبي وتركت نفسها تُدفع إلى الوراء. وتساءلت لحظةً من ستفوز في مباراة تدافع، لكن عندئذٍ وصل لودميلر وبرايدن وكيتلين وفيلنا وأستريد وروبرت. ودخل بليك بعد لحظة. «أهذا كلّ من سيأتي يا تراف؟»
«كلّ من سيأتي. أنا أنقل الكلام إلى بضعةٍ آخرين، وفيما عدا ذلك فلنبدأ. ماذا حدث يا بِن؟» سأل ترافيس.
«حسنًا، دعوني أرتّبها. أوّل شيء: الطيران مدهشٌ تمامًا كما يمكنكم أن تتخيّلوا، بل أكثر. حين طرتُ إلى الخارج رأيت الشماليّين عائدين نحو المدينة وخلفهم جيشٌ من الغوبلن.» غير أنّ بينيلوبي، ما إن بدأت الكلام، رأت الحيرة على وجه أستريد. فأعادت مطلع حديثها باللغة التي التقطتها من ترافيس، ورأت الدهشة ترتسم مكان الحيرة. «بعد أن أفقتُ من ترقيتي، وجدت أنّني تقاسمت بعض الأشياء من تراف. وكان ذلك نافعًا جدًّا.»
وهكذا، مع شيءٍ من التكرار بين حينٍ وآخر (لتُطلع أستريد)، روت بينيلوبي حكايتها. احتضنت ذكرياتها واستعادت كلّ شعورٍ خالجها وهي تنقضّ على الغوبلن. ولمّا بلغت الموضع الذي قالت فيه لهيلدا أن ترحل، أطلقت أستريد ضحكةً كالنُّباح.
«إذن فقد تركتِ ذئبةً أخطر منّي أنا نفسي تذهب. والآن جيشها جائعٌ إلى النصر، ولا يبالي بأرواحه.» لكنّ الحكاية أعجبت أستريد. وتمنّت أن تثوب هيلدا إلى رشدها وترحل عن هذا المكان.
«ليست هذه نهاية القصّة.» قالت بينيلوبي، ثمّ أعادت الكلام لأستريد. وشرحت هجوم نخبة الغوبلن وزعمائهم، والأبواغ السحريّة التي كادت تُسقطها (أو هكذا ظنّت). ولمّا شرحت ذلك لأستريد، أومأت.
«سحر الفطر الآتي من دهليز عَفَنٍ أقذر أنواع السحر كلّها. كان سيكون موتًا بطيئًا، تلهثين فيه طلبًا للهواء فلا تزيدين إلّا غرقًا بينما يكبر عَفَنه في داخلكِ. وإن حالفكِ الحظّ ومتِّ بعيدًا عن أصدقائكِ، فلعلّهم لا تصيبهم العدوى هم أيضًا.»
«إذن فقد أنقذتني. حشرت هيلدا خرقةً ما على أنفي فقتلت الفطر.» قالت بينيلوبي ذلك بلغة الشمال.
مالت أستريد إلى الوراء ورفعت بصرها إلى سقف الغرفة الشبيه بسقف الكهف، البعيد في الأعلى، وقلّبت في ذهنها المعنى الكامن وراء ذلك. «إنّها تحترمكِ، وربّما أكثر ممّا احترمتني. لكن احذري. فالاحترام لا يعني أنّها لا تريد أن تقتلكِ بنفسها.»
كانت اللغة لا تزال ثقيلةً بعض الشيء على الفهم، لكنّ بينيلوبي كانت واثقةً من أنّها أدركت فحواها. فهيلدا تريد على الأرجح أن تقاتلها حتّى الموت. بدا ذلك أمرًا بالغ الخطورة، ومع ذلك انفجرت بينيلوبي ضاحكة. «هذا مثاليّ. سأرشوها بذلك.»
أحسّت أستريد برباطة جأشها تنزلق لحظة. «أترشينها؟»
«يومٌ من الفراغ، حين تهدأ الأمور، لا بأس به عندي البتّة. إن أرادت قتالًا حتّى الموت فلها ذلك، لكن عليها أن تدفع ثمنه.» وبينما وصفت بينيلوبي خطّتها المبدئيّة، راقبت ملامح أستريد الأكثر انفتاحًا وهي تُظهر الصدمة أوّلًا، ثمّ انسكب ضحكٌ حقيقيّ من المرأة الضخمة. «أتظنّين أنّ ذلك سينجح؟»
«ينجح؟ أتمزحين؟ لو عرضتِ عليها قتالًا كهذا لاستولت على هذه المدينة فعلًا، وجنّدت جيشًا جديدًا، واستولت على مملكة الأراضي المنخفضة بأسرها من أجلكِ. عِديها بقتالٍ كهذا، ثمّ أوفي بوعدكِ، تجعليها تفعل أيّ شيء.» وحاولت أستريد جاهدةً أن تتمالك نفسها، ثمّ استسلمت أخيرًا وأطلقت لضحكها العنان برهة. وفي كلّ مرّةٍ تطفو الفكرة من جديد، كانت تغرق في المرح الذي تجلبه.
«وإن خسرت؟ أنعرض عليها البعث؟» سألت بينيلوبي.
هزّت أستريد كتفيها، وإن ظلّت مندهشةً من سهولة الحديث مع وحشٍ من وحوش الدهليز. «بالتأكيد. دعيها تقاتل كلّما شاءت. آلاف المعارك تذوق فيها نشوة قتال شيءٍ أقوى منها. ستقع في حبّكِ إن لم تحذري.»
«وماذا عن ذئبة؟»
استوقف ذلك السؤال أستريد فجأة. «تقصدين قتالًا حتّى الموت ضدّي وأنا في هيئتي الذئبيّة؟» ولمّا فكّرت في الأمر، لم تدرِ أستريد أكانت تستطيع إتمام التحوّل من غير العقاقير. «تحكي الحكايات القديمة عن ذئابٍ كانت تتحكّم في هيئاتها، فتنسلّ من هيئة الإنسان إلى هيئة الوحش في طرفة عين. أمّا الآن فنحن نستعمل دائمًا شراب الحكيمات. يُعددنه من الأعشاب ويُطعمننا إيّاه.»
سألت بينيلوبي وقد استثار الأمر فضولها: «أتحتاجين إليه؟»
«لا أدري. هذه هي اللحظة التي تطلبين منّي فيها أن أجرّب.» ولوّحت أستريد بابتسامةٍ خاطفة، وأشارت إلى أرجاء الغرفة حيث اصطفّ معظم زعماء الدهليز. «هذا هو المكان المثاليّ والصحبة المثاليّة.»
ولمّا سمعت فايف ترجمة ترافيس، أخذت عيناها ترقصان لمجرّد الفكرة. «أريد أن أشارك في هذا. كيف أخبرها أنّني أريد القتال؟»
نظرت أستريد إلى الجبّارة التي هي فايف، فعرفت بالضبط ما قالته دون أن تفهم الكلمات. «أظنّ أنّ هذا هو الجزء الذي أحاول فيه أن أصير ذئبتي. أمهلوني لحظة، فالأمر يتطلّب... تركيزًا.»
«قواعد.» قال ترافيس، مقاطعًا حماسة فايف. «لا أسلحة ولا دروع. يمكنكِ الاحتفاظ بدرعكِ الفطريّ يا فايف، لكنّها ستمزّقكِ إربًا بلا شكّ.»
وبينما كانت بينيلوبي تترجم ذلك لأستريد، تأوّهت فايف ووضعت سيفها وتُرسها جانبًا. «من حسن الحظّ على الأرجح أنّني كنت أتدرّب بأسلحةٍ أخرى إذن.» وثنت فايف ساقيها، وقفزت في مكانها بضع مرّات، تثني المخلب المنجليّ الكبير في كلّ قدمٍ كلّما هبطت.
أغمضت أستريد عينيها، ومحت الدهليز ووحوشه من ذهنها. لم تكن سوى نفسها، فردًا واحدًا. ذئبةً منفردة. واستمدّت من الفكرة الأخيرة، وحاولت أن تتلمّس المرّات الأولى التي تحوّلت فيها وفاضت ذاتها الداخليّة إلى الخارج.
كانت في الثالثة عشرة، محبطةً من تدريبها على السيف. كان معلّم السلاح في دارها يحاول أن يعلّمها مناورةً لنزع السلاح لم تظنّ أنّها قويّةٌ بما يكفي لها. ومع تصاعد الإحباط في داخلها، غضبت، غضبت إلى حدّ أن أرادت القتل.
أمّا المرّة الثانية التي صارت فيها ذئبةً من تلقاء نفسها، بعد الحفل الضخم الذي أُقيم احتفاءً بتحوّلها الأوّل بزمنٍ طويل، فكانت حين صدّها حبّها الأوّل. كانت في الرابعة عشرة، وكان في التاسعة عشرة. وفي عينيها هي كانا الثنائيّ المثاليّ، ولم تكن لديها أدنى فكرةٍ عن سبب عدم اهتمامه بها.
تلك، في حياتها كلّها، كانت جملة المرّات التي صارت فيها ذئبةً دون عونٍ من شراب حكيمة. ولم تكن حتّى المرّات الوحيدة التي غضبت فيها، لكنّ الحقيقة أنّها كانت غاضبةً وتريد الدم. أرادت أن تجعل أحدًا يدفع الثمن، وتمنّت أن يكون ذلك هو المفتاح.
ركّزت على فايف، فتذكّرت المعركة التي قادتها ضدّ بوّابات المدينة. كانت فايف هي التي ألقت السمّ في الخارج فقتل معظم ذئابها. وكانت فايف هي التي أمسكت بمقابض البوّابة، وحدها على ما يبدو. والآن كانت فايف هي التي تقف أمامها، تتحرّق شوقًا إلى القتال، ولأجل ذلك تجاوزت أستريد الغضب، فقد أرادت أن تقتل فايف.
اتّجهت الأنظار كلّها إلى أستريد حين نهضت، لكنّ فايف كانت أشدّ انتباهًا إلى جسد المرأة منها إلى تعبير وجهها الغاضب. كانت بنيتها أصلًا على نطاقٍ يتحدّى ما تعرفه فايف عن نموّ العضلات، أمّا الآن فبدت عضلات أستريد تنبض وتنقبض وكأنّ حياةً جديدة تسري وراءها. وبدأ الفرو ينبت، وقبضت فايف يديها بشدّةٍ حتّى أسالت مخالبها الدم من راحتيها. «إنّها تفعلها.»
ضاق مجال بصر أستريد فلم تعد ترى إلّا الكوبولد الواحدة الواقفة أمامها. كانت طريقة تحرّك جسد فايف تنبئ أستريد كيف تقاتل، وكيف تُسقطها، وكيف تقتل فايف. بدا الأدامانتين مغروسًا في كلّ جزءٍ تقريبًا من الكوبولد، فالحراشف والمخالب وحتّى القرون الصغيرة كانت تكشف البريق المعدنيّ الباهت لذلك المعدن الكثيف. وحين ابتسمت فايف، رأت أستريد الأدامانتين يتخلّل أسنانها.
سيكون العضّ والخمش في فايف مؤلمًا، لكنّ ذلك لم يزد أستريد إلّا رغبةً في قتلها. أن تختبر نفسها وتتعلّم كيف تُسقط خصمًا كهذا. وأحسّت بدمها يحترق، فوجدت نفسها تنظر إلى فايف من علٍ أكثر من المعتاد وهي تزداد طولًا. ولمّا اشتدّت وفرة الروائح المنبعثة ممّن حولها، أدركت أن لا رجعة. حاولت أن تخلع القميص والسروال الضيّقين اللذين أُعطيتهما، لكنّ مخالبها شقّتهما دون أيّ مقاومة.
«أتعلمون، نسيت كم هي ضخمةٌ لعينة. هذا رائع!» انتظرت فايف اللحظة التي كفّت فيها أستريد عن النموّ، ثمّ انقضّت عليها. وعلى بعد عشرة أقدام، غرست قدميها كلتيهما في الأرض، وشدّت عضلاتها، وانطلقت في قفزةٍ إلى الأمام.
وبدل أن تتفادى أستريد الوثبة، كما يفعل أيّ مقاتلٍ عاديّ، أرجحت إحدى ذراعيها الطويلتين حولها وإلى الأمام لتحاول ضرب الكوبولد وهي في الهواء. ونجح ذلك جزئيًّا. فكتلة فايف كانت الجزء الأكبر من زخمها، ومع أنّها صدّت هجومًا مباشرًا، فقد أحسّت بمخلبٍ من الأدامانتين ينغرز في جنبها ويشقّها من الأمام إلى الخلف جرحًا عميقًا.
تراجعت فايف بعد أن هبطت، فتفادت ضربةً بظاهر اليد من أستريد كانت ستقذف بها طائرة. كانت تعرف أنّ لدى أستريد القوّة لتقذفها في كلّ اتّجاه، وأنّ إخفاقها الأوّل في ذلك كان عن مفاجأةٍ لا عن عجز. «كيف حال التفكير؟ أما زلتِ أنتِ، أم صرتِ مجنونةً بالدم فحسب؟»
اضطرّت أستريد أن تتوقّف لحظة وتتراجع خطوة. نظرت إلى بينيلوبي، فترجمت لها. «ما زلت أنا.» كان الكلام عسيرًا. ففمها لم يُخلق له بالتأكيد، وكان الصراخ دائمًا أنجع. لكنّ هذا اختبار، فبذلت أستريد ما في وسعها. «أنتِ ثقيلة وسريعة. لم أرَ شيئًا يجمع الاثنين من قبل.»
«أنا مليئة بالمفاجآت. كيف حال الجرح؟»
التوت أستريد قليلًا، فدهشت لعمق الشقّ. غير أنّ جسدها كان راضيًا تمامًا بتجاهل الألم وهي تباعد بين حافّتيه النظيفتين. «عميق. لعلّكِ أصبتِ شيئًا مهمًّا.» ثمّ أفلتته، وأعادت انتباهها إلى فايف. «مستعدّة للمزيد؟» وجعلتها النظرة الوحشيّة الجائعة في عيني فايف تدرك أنّ هذه المرأة تكاد تكون روحًا شقيقة لها. وبالكاد انتظرت حتّى أومأت فايف قبل أن تندفع نحوها.
تماسكت فايف أمام الضربة الأولى، ثمّ غرست براثنها في الأرض واندفعت نحو الضربة الثانية. صدّت الصدمة، وأمسكت بالذراع وجذبتها.
مالت أستريد إلى الأمام، فسقطت على فايف، وتحوّل عراكهما إلى مصارعة. ظنّت أنّ قوّتها الساحقة ستكسب لها القتال بسهولة، لكنّ فايف أثبتت أنّها عنيدةٌ كعهدها دائمًا، وتمكّنت بطريقةٍ ما من تثبيت إحدى ذراعي أستريد على الأرض بأن جثت على معصمها.
سرعان ما تخلّت فايف عن النظر إلى الأمر على أنّه قتالٌ بين ندّين. فكلتاهما كانت غير متناظرةٍ في جوانب شتّى، إلى حدٍّ أسقط أساليب القتال المعهودة بين أشباه البشر. وتقلّصت ملامحها ألمًا حين عضّت أستريد ذراعها اليسرى، وعرفت أنّه وإن صمدت حراشفها قليلًا ثمّ استسلمت، فإنّ قوّة فكّي أستريد الساحقة ستحطّم عظامها عمّا قريب على الأرجح. وردّت لها الجميل، فأطبقت فمها على ذراع الذئبة الحرّة أسفل كتفها. وخلافًا لعضّة أستريد، كانت عضّة فايف أشدّ تركيزًا بكثيرٍ على إعمال أسنانها في اللحم الطريّ وقطع الأوتار.
ولمّا انحدر القتال إلى مباراةٍ همجيّة في قوّة الإرادة وعضلات الفكّ، قرّرت بينيلوبي أنّه انتهى تمامًا وبلا رجعة. فنهضت من موضعها الوثير، ومشت نحو الاثنتين وملأت رئتيها. «توقّفا!»
صعقت الزمجرة أستريد، ومن نظرة الدهشة في عيني فايف، كان لها الأثر ذاته هناك أيضًا. وبحذر، امتثالًا لأمر التنّينة المُطلّة عليها، فتحت أستريد فكّيها وأفلتت فايف. ما كان ينبغي أن يكون ممكنًا، وهي في مثل ذلك الهياج، أن توقفها صيحةٌ واحدة في مكانها، لكنّ ذلك ما حدث.
وامتثلت فايف هي الأخرى للأمر. وتقلّصت ملامحها قليلًا وهي تنسحب عن ذراع أستريد الممزّقة، وأدركت أنّ عليها هي أن تفكّ الاشتباك كليًّا بسبب قبضتها على الكتف الأخرى.
ولمّا اطمأنّت بينيلوبي إلى أنّ القتال والاختبار قد انتهيا، التفتت لتنظر إلى برايدن. «أيكره بروغدار أن تشفي هاتين المجنونتين؟»
«وأن يكافئ صديقةً تعلّمت أساليب جديدة يمكنها أن تستعملها في القتال، بينما تتمكّن الأخرى من بسط شيءٍ من السيطرة على قدرها؟ لا أظنّ أنّ بروغدار يعاقب من يحاولون أن يرتقوا بأنفسهم. وأنا بالتأكيد لن أفعل.» ووجّه برايدن سحره إلى أستريد أوّلًا، وترك نفسه تصير قناةً لقوّة إلهه.
ولمّا جاء دورها، أغمضت فايف عينيها وتركت السحر الإلهيّ يؤدّي عمله، مع أنّها كانت بخيرٍ فيما عدا بعض الكدمات والعظام المكسورة. ونظرت إلى الذئبة الشاهقة التي تعلوها، ومدّت يدها. «قتالٌ جيّد!»
كان المعنى واضحًا لأستريد، ومع أنّ السحر ما زال يثير في حسّها شيئًا من الحكّة، فقد كان ذلك في الغالب بقيّةً من سنواتٍ طويلة من الخوف منه وكراهيته. فمدّت يدها وأمسكت بساعد فايف. «أرجو ألّا أكون عالقةً على هذه الحال.»
ولمّا أعاد ترافيس كلمات أستريد على فايف، أمالت رأسها. «ولماذا لا تريد ذلك؟ إنّها أقوى وأسرع، ولديها لكمةٌ يمنى ولا أروع.»
تولّت بينيلوبي الترجمة لأستريد، فلمّا سمعت السؤال قالت على الفور: «لأنّني لستُ...» وعند ذلك توقّفت. وحين أجالت بصرها في الغرفة، أدركت إدراكًا حادًّا أنّه لم يكن حاضرًا سوى كائنٍ واحد يُعدّ طبيعيًّا في المدينة، وكانت فيلنا مكسوّةً بالفرو مثل أستريد تمامًا. ونظرت إلى يديها الضخمتين، وتساءلت كيف سيكون أن تتمرّن وتتدرّب بسيف، كما كانت تفعل، بدل أن تطلق جانبها الوحشيّ وتهاجم فحسب.
جلست أستريد وحاولت أن تركّز في ذاتها. كانت لا تزال تحسّ بالجوع وتريد الهجوم، لكنّ إرادتها كانت قادرةً على كبح ذلك. أمّا ما أقلقها فهو أن تفقد تلك السيطرة. ففي الوقت الذي قضته تحادث ترافيس، عرفت بأمر السيطرة الذهنيّة الصارمة التي يستطيع أن يبسطها على كلّ كوبولد في الدهليز، لكنّه لم يكن يفعل. وتمنّت لو أنّ لها خيارًا كهذا؛ طريقةً تمنح بها شخصًا تثق به مفتاح أمان.
أمّا ترافيس، وقد كان في الغالب يصغي ويترجم، ففوجئ بنافذة سؤالٍ تظهر أمامه.
﴿المستذئبة، أستريد، ترغب في الانضمام إلى الدهليز. أتوافق؟﴾
فاجأت النافذة المنبثقة ترافيس. «أمم، بِن، وصلني للتوّ شيءٌ يسألني إن كنت أريد أن أجعل أستريد جزءًا من الدهليز. أتستطيعين معرفة ما فعلته؟»
ولمّا نُقل إليها السؤال، رفعت أستريد بصرها إلى بينيلوبي. وتدافع في داخلها مزيجٌ من الخوف والاهتمام. لقد فعل ترافيس الكثير من أجلها، ومن ذلك أنّه أعاد إليها حياتها، لكنّ هذا يعني أن تضع نفسها بين يديه من جديد، يديه الذهنيّتين على الأقلّ. «كنت أتأمّل فيما قالته فايف. لماذا لا أترك الأمر وأعود إنسانةً من جديد؟» وأخذت نفسًا بطيئًا، وتلمّست الكلمات التي تحتاج إليها لتشرح دون أن تبتعد كثيرًا عن اللغة البسيطة. «ظننت أنّني أستطيع، لكن فقط لو كان لي من يستطيع أن يمنعني من الانفلات. وتذكّرت ما كان ترافيس يقوله عن أنّه يستطيع التحكّم فيكم جميعًا.»
«حسنًا، فيهم هم جميعًا.» قالت بينيلوبي. «فهو لا يستطيع التحكّم فيّ. هذه ميزةٌ من ميزات كوني زعيمة الدهليز. أظنّ أنّكِ أردتِ هذا كثيرًا، أليس كذلك؟» وأشارت إلى أستريد.
«أن أكون ذئبة؟ أشعر براحةٍ أكبر هكذا مع كلّ ثانيةٍ تمضي.» وقبضت يديها الضخمتين، وأغمضت عينيها. «إن لم يُردني فلن أُفاجأ. فبقدر ما أريد أن أعيش هكذا، أعرف أنّ ذلك سيكون بالغ الخطورة.»
«كفّي عن أن تكوني بهذا القدر من...» وبحثت بينيلوبي عن كلمةٍ وافية بمقصدها، لكنّها لم تعرف واحدة، فاختارت أقرب ما يليها: «الغباء. ترافيس يثق بكِ. لقد ترككِ تجلسين في غرفة لبّه دون أيّ حرس. إن أردتِ أن تكوني جزءًا من هذه الحفرة المجنونة في الأرض، فأخبريه.»
أخذت أستريد نفسًا عميقًا، وفتّشت في نفسها. «أيمكن التراجع عن ذلك يومًا؟»
«لا ندري.»
«فإن دخلت، دخلت مدى الحياة.»
«أجل. هكذا يبدو. كانت صفقةً رابحة بالنسبة إليّ، فحياتي لم يكن باقيًا منها سوى بضع ثوانٍ.» ظلّت بينيلوبي ترقب أستريد، لا حاجة بها إلى الدفاع عن نفسها أمام الذئبة الضخمة، لكنّها في الوقت ذاته فضوليّةٌ لمعرفة أفكارها. «لستِ مضطرّةً إلى الإجابة الآن.»
أخذت أستريد نفسًا عميقًا بطيئًا، ونظرت إلى بينيلوبي وأومأت. «أعرف ذلك، لكنّ هذا ما أنا عليه، وأشعر... أشعر أنّه صواب. ترافيس، إن كان لديك متّسعٌ لي، فأرجوك أن تقبلني في...»
طرحها فيض الإحساس أرضًا. تعثّرت، وسقطت، ثمّ نهضت على أطرافها الأربعة قبل أن ترفع رأسها وتتلفّت. كان بصرها أحدّ من أيّ وقتٍ مضى، ولو لم يكن كذلك لعرفت مع ذلك أنّ شيئًا قد تغيّر. فأوّلًا، صارت تفهم فايف وهي تعيد رواية القتال من وجهة نظرها. ونظرت إلى بينيلوبي مجدّدًا وسألت: «هل فعلها؟»
«فعلتُها.»
«فعلها.»
كان الصوت الثاني بجلاءٍ صوت بينيلوبي، أمّا الآخر فصوتٌ لم تسمعه من قبل إلّا تحت تأثير رُقيةٍ قويّة. «ترافيس؟»
«أجل. أظنّ أنّ هذا يلقي بعقدكِ من النافذة، لكن لا مانع عندي إن أردتِ الاستمرار فيه على كلّ حال. مرحبًا بكِ في بيتكِ الجديد.»
﴿فُتح [عرين القطيع]!﴾
نحّى ترافيس صدمته جانبًا وتفقّد الإحصاءات. ومرّةً أخرى، كانت غرفةً تبدو شبيهةً بغرفة الزعيم على نحوٍ مريب. وإن لم يكن غير ذلك، فقد رأى أنّها ستكون مكانًا لطيفًا تتّخذه أستريد بيتًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.