Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 114
﴿حالة [الدهليز]:﴾
﴿الدرجة الثانية
المستوى 25/100﴾
﴿القلب 2250000/2250000
الخبرة 99925/562500
العمّال 30/157
الوحوش 11/159
الفخاخ 118/384
الطعام 7945
الخشب 7322
الحديد 2292
الفولاذ 905
الميثريل 970
خام الميثريل 0
الأدامانتين 916
خام الأدامانتين 0
الفحم النباتي 3658
المانا 5370
الصخر 1331
الذهب 39103
الجلد 216
وحل الجلد 215
الحمم 501
الجليد 10
الزجاج 483
الرُقُم المتفجّرة 30
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة 0
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة (المتكرّرة) 0
البنادق الطويلة 30
الرصاص 400
البارود الأسود 400
السمّ الأعظم 500
سمّ العقرب القاتل 76
الكبريت 708﴾
﴿المهمّة: قتل 100 من سكّان المدينة.
المهمّة: إعمار نصف دهليزك: العمّال 30/66 | الوحوش 10/67 | الفخاخ 118/162
المهمّة: الغوص إلى قاع دهليزٍ لا تقلّ طوابقه عن 20 طابقًا.﴾
شُحن ستّون ألفًا أخرى من الذهب إلى المدينة (ونُضِّب عِرق الذهب المرتبط بها عن آخره)، وعُصِر عِرق الميثريل حتّى جفّ، ورُقّي كلّ مستودعٍ للتخزين دون استثناء. وأخيرًا، رقّى غرفة الزعيم الخاصّة ببينيلوبي لتضمّ الكَنز والوَكر، وترقيةً للوَكر عثر عليها: المشفى.
عزّزت ترقية المشفى تجدّد الصحّة والمانا في الغرفة، وأتاحت له أن يربط مخلوقًا آخر برهط بينيلوبي ليكون مُعالِجًا مُتفرّغًا.
«مرحبًا، أمم، فيلنا؟» كان ترافيس قد انتظر حتّى استيقظت. لم تَرُقه فكرة التطفّل على وقتها أكثر ممّا ينبغي، لكنّها في المقابل كانت تتقاضى أجرًا فوق كونها تابعةً له.
«مممم. دهليزي المفضّل.» كانت فيلنا مستلقيةً في أعلى طابقٍ من برج الساحر، ممدّدةً على ظهرها تقرأ في كتب إلهتها المقدّسة. «كنت أتأمّل، لكنّني سأجد لك الوقت دائمًا. ما موضوع اليوم؟»
«كنت أعمل على ترقياتٍ لبعض الغرف المُهمَلة في الدهليز. صارت مستودعاتي كلّها أكبر بمرّتين ونصفٍ على الأقلّ. لا تسأليني كيف يحدث ذلك، فأنا لا أعرف. والترقية الأخرى أنّ غرفة الزعيم الخاصّة ببينيلوبي أمكن أن تصير وَكرًا ثمّ مشفى. المانا والصحّة تتجدّدان هناك أسرع، وبوسعي أن أعيّن للغرفة مُعالِجًا.»
«عندك برايدن هناك من قبل. لِمَ لا تجعله المُعالِج وتضع غيره في مكانه من الرهط؟» لم تكن فيلنا قد حرّكت عضلةً واحدة بعد. كانت راضيةً بأن تتشرّب ما تيسّر من الشمس، وأن يكون نصيبها من الحديث العلامةَ الوحيدة على أنّ شيئًا قد تغيّر أصلًا. «وعندها يمكنك أن تضيف أستريد أو أحد الذئاب.»
«هناك فايف وطَرِيّ في الغرفة المجاورة. ووجود مُعالِجٍ ثانٍ هناك فكرةٌ حسنة. ثمّ إنّني سأسأل أستريد أو ذئبًا إن كانوا يرغبون في مساكنة فايف.» ووصل ترافيس إلى لبّ المسألة. «يسرّني حقًّا أن تقبلي هذا، لكن إن لم تشائي…»
«لم أقل قطّ إنّني لن أقبل.» جلست فيلنا ومطّت عضلاتٍ شتّى بطرائق تُخجل أمهر المتلوّين، ثمّ نهضت واقفة.
استغرق ترافيس لحظةً قبل أن يدرك أنّها كانت مستلقيةً بلا درعها ولا قميص، والسبب الأكبر أنّ انتباهه كان منصبًّا عبر عينيها. لكنّ السحالي، كالعادة، كانت في كلّ مكان. «إن احتجتِ إلى بعض الوقت كي…»
«كفى. أُف. ما بالك تتلطّف هكذا طوال الوقت؟ أنت دهليز!» ومدّت فيلنا يدها إلى قميصٍ طويلٍ كانت قد لبسته في صعودها إلى قمّة البرج، فارتدته وأخذت تنزل الدرج بينما يتلعثم ترافيس في رأسها. «إن أكثرتَ من الغزل غضبت بِن منّي، وما دامت تنّينًا، فلا أريد ذلك.»
كان الأمر يُضجر ترافيس، لكنّه لم يستطع الكفّ عن الإصغاء إليها وهي تسترسل فيه بلا توقّف. وما إن بلغت غرفة بينيلوبي حتّى كانت أذناه غير الموجودتين تحترقان. غير أنّها تجمّدت في مكانها، وراحت تحدّق في بينيلوبي مذهولة. واستغرق ترافيس لحظةً ليدرك أنّها كانت في الحقيقة تحدّق في قرابة أربعين ألفًا من الذهب مكوّمةً عند قدمَي بينيلوبي.
«قال تراف إنّ لدينا متّسعًا لمُعالِجٍ آخر هنا. أتريدين الوظيفة؟» سألت بينيلوبي فيلنا.
«هذا يتوقّف على أمر. هل ستقضين الدقائق الخمس القادمة تتلاعبين بالألفاظ وتسألينني إن كنت أريدها أم لا، حتّى بعد أن قلت نعم؟» بدت فيلنا خاليةً من الخوف تمامًا وهي تتقدّم وتقرفص عند حافّة كومة الذهب. ومرّرت يدها فيها فلم تملك نفسها من الضحك. «لم أرَ هذا القدر من الذهب قطّ.»
«أتريدينه؟ خذي من الذهب ما تقدرين على حمله إلى الخارج.» وكشّرت بينيلوبي عن أسنانها لفيلنا، كأنّها تتحدّى السنّوريّة أن تقبل عرضها.
«لا، شكرًا. أعرف كم يثقل هذا الشيء حين تحاولين حمل أكثر من حفنةٍ من العملات، وأعرف أيضًا أنّ الناس سيتكالبون عليّ في الخارج لو خرجت حرفيًّا بأحضانٍ ملأى بالذهب.» وقرفصت فيلنا ورفعت حاجبها. «إذن، هل ستـ…» واتّسعت عينا فيلنا وارتجفت لحظة.
أحسّ ترافيس بالمانا تتدفّق فيها، ولاحظ أنّ حضورها في دهليزه بدا أرسخ. وانتظر حتّى زال عنها ذلك الارتباك الشديد ليسألها: «إذن، كيف هو؟»
«كأنّ مليون ألمٍ صغيرٍ كانت تملأ جسدي كلّه، من عظامٍ كسرتها، وجراحٍ أصابتني، بل حتّى أمراضٍ غريبة من دهاليز العَفَن، وقد زالت كلّها الآن. لا أعرف كيف ولا لماذا، لكنّني أشعر أنّني أقوى وأصلب، وأظنّ أنّ سالك الرمال تخرخر في مكانٍ ما.»
«"تخرخر"؟» سألت بينيلوبي.
«نعم. خرخرةٌ متعجرفة مزعجة، لكنّها علامةٌ على أنّك صنعت شيئًا يُرضيها. ما شأن الآلهة مهتمّةً بهذا كلّه؟ قال برايدن إنّ بروغدار يسانده أيضًا. وهذا بعض ما جعلني أثق بك، فمهما بدا بروغدار وأتباعه ضيّقي الأفق أحيانًا، فإنّهم لا يطيقون الشرّ بتاتًا.» ونظرت فيلنا إلى يديها وقطّبت. «أظنّني الشخص الوحيد الذي عرفته في حياتي وصار هو نفسه مواجهةَ زعيمٍ في دهليز، باستثناء الكوبولد.»
هزّت بينيلوبي كتفيها. «لا تحاولي أن تجعليني أشرح كيف يعمل أيّ شيءٍ من هذا. لا أعرف أحدًا آخر من الأقوام جُعل وحشًا من وحوش الدهليز. أنتِ وأكسل الأوّلان. أوه، وأستريد.»
«لم أرَ فتاةً بكلّ هذا الفرو تأبى أن تحافظ على نظافته هكذا.» وتشمّمت فيلنا بازدراء، وأشارت بمخلبٍ إلى بينيلوبي. «احرصي على أن تغتسل هي وصاحباتها بانتظام، وإلّا صارت رائحة ترافيس أقرب إلى الكلب القذر منها إلى الذهب الطازج.»
«على أيّ حال،» قال ترافيس، محاولًا استعادة شيءٍ من المشاركة في الحديث، «لديّ مشروعٌ كبير في جنوب الدهليز. هل تودّان المساعدة؟»
«ترافيس، بالطبع سنساعد،» قالت فيلنا، مبتسمةً ابتسامةً عريضة تكفي لتكشف عن طقم أسنانها الكامل هي الأخرى.
كانت فايف قد بدأت تضجر من انتظار وصول الجميع. كانت مسندةً ظهرها إلى الجدار في الناحية الجنوبيّة الغربيّة، تحدّق في مزار مانا كبير وبجانبها برايدن وجاك. وكونهم ثلاثتهم كوبولدات أسعدها على نحوٍ غريب، فقد كانت تشعر بهما كأخوين لها. «أتظنّون أنّنا سنجد عقرب كهفٍ آخر؟ كان قتاله ممتعًا.»
تنهّد برايدن. «لا نعرف إلى أيّ مدى علينا أن نحفر هنا. إن صادفنا مزارات مانا أو عروق خام…»
«سيكون الأمر أسهل مع عِرق الخام إن استخرجناه، صحيح؟ حتّى لو تركنا كومةً على الأرض، فالأفضل أن يكون أقرب من أن يكون أبعد،» قال جاك.
أومأ برايدن ومرّر مخالبه على الجدار الصخريّ خلفه. «سيكون رائعًا لو وجدنا عرق ذهب. أسمعتم ما يحتاج إليه ستيفان؟»
استلّت فايف سيفها وأخذت تتفحّص النصل. كانت عليه علامةٌ أو اثنتان، وكانت تعرف أنّ كلّ واحدةٍ منها من قتالها مع هيلدا. «أكثر من ثلاثة ملايين من الذهب، صحيح؟ ليشتري لبرولي وأصحابه ألقاب نبالة، أو هكذا قال. لا أدري لماذا. كان ينبغي أن نسنّ قانونًا يبيح للجميع لكم النبلاء في وجوههم. سيحلّ ذلك من المشكلات أكثر ممّا يحلّه صنع مزيدٍ من النبلاء.»
استنشق برايدن الهواء المُشبَع بالمانا، وهزّ يده يمنةً ويسرة. «برولي ليس بذلك السوء. ثمّ إنّكِ قد تشربين في حانة لورد يا فايف.»
«أو ربّما تتزوّجينه فتصيرين الليدي فايف!» قال جاك، ثمّ انفجر ضاحكًا.
«هيه يا تراف، اللقب لا يكلّف إلّا مليونًا من الذهب، صحيح؟ كم يلزمني حتّى أجمع هذا القدر؟» سألت فايف.
«لا يمكنكِ يا فايف. الأمر يتجاوز الذهب. كونهم مؤسّسي المدينة هو أساس قضيّتهم، والذهب ليس إلّا لتليين الأمور. ولماذا تريدين لقبًا؟» سأل ترافيس، فضوليًّا حقًّا.
«ثمّة سببٌ آخر لإرسال كلّ ذلك الذهب.» دخل ستيفان الغرفة رافعًا معولًا على كتفه. «في العادة تُفرض على المدينة ضرائب بطرقٍ صغيرةٍ كثيرة، لضمان أن تدعم المملكة وكلّ ما توفّره لها. وهذا تدفّقٌ لطيفٌ ثابت يأتي قطعةً قطعة. أمّا إرسال ثلاثة ملايين من الذهب إلى بلاط الملك بريف فسيكون إعلانًا مدوّيًا عن ولائنا. ولاء المدينة، أعني.»
«يعني أنّنا نرشو الملك؟ هل يجوز لنا ذلك؟» سألت فايف.
«نعم، لكنّنا لا نسمّيها رشوة. هو يعرف أنّها رشوة، ونحن نعرف أنّها رشوة، والجميع غيرنا يعرفون يقينًا أنّها رشوة، لكنّهم إن قالوا ذلك فإنّهم يتّهمون الملك بقبولها. وهكذا يكرّم الملكُ، شاكرًا لنا إظهار ولائنا، أعضاءَ المجلس الثلاثة بألقابٍ لإحسانهم بناء مدينتهم. وللأمر مساوئ أيضًا، فهو يُشهِر نورثريدج بلدةً غنيّة.» وجعل صوت خطواتٍ ثقيلةٍ تقترب ستيفان ينظر على امتداد النفق. كانت تانير وبينيلوبي مقبلتين، والأولى في المقدّمة.
«أرجو أن تكونوا مستعدّين لعراك،» قالت تانير، «فأمامنا كمٌّ هائل من الحفر، وأشعر في عظامي أنّ هناك شيئًا ما في الخارج.»
«طبعًا سيكون هناك شيء، الآن.» والتقطت فايف ترسها وخوذتها ومشت نحو باب النفق الجنوبيّ الغربيّ. «كنت أقرأ عن هذا، وهو شيءٌ اكتشفه قوم تراف. إن قلتَ إنّ شيئًا سيّئًا سيحدث، فإنّ شيئًا ممتعًا سيحدث حتمًا.» وكشّرت عن أسنانها في ابتسامةٍ عريضة.
شخر جاك وتبعها إلى الباب، ولم يرتكب خطأ محاولة تجاوزها. «أجل يا فايف، لكنّكِ تحبّين قتال هذه الأشياء.»
شخرت فايف ضاحكةً وأومأت. «أجل، حسنًا، كشفتَ أمري هنا. حسنًا، أفضل طريقةٍ لنبدأ هذا، ما دمنا نحفر على غير هدى، أن أبقى بجانب تانير وهي تبدأ. وحين نفتح جزءًا من النفق على منطقةٍ أوسع، يمكن لبِن أن تدخل هي أيضًا.»
«تعجبني هذه الخطّة،» قالت تانير. وتقدّمت إلى باب أقصى مزارات المانا الصغيرة جنوبًا، ففتحته ومشت حتّى الحجر في الطرف البعيد من الغرفة. وضغطت مخالبها على الصخر وأغمضت عينيها. «هناك حديد. ليس قريبًا، لكنّه أمامنا مباشرة. أستطيع أن أشعر بمزار المانا إلى اليمين، ومزيدٍ من الحديد والمانا بعيدًا، أبعد من ذلك، إلى اليسار. تراف، أواصل التقدّم في خطٍّ مستقيم، صحيح، عبر أيّ عروقٍ حتّى لا نجد واحدًا لعشرة مقاطع؟»
«أجل. هذا سيضمن ألّا تتعدّى على المساحة أيّ عروقٍ للمانا أو للموارد. وهذه بالضبط المشكلة التي أريد إصلاحها. قريةٌ أخرى تعني أنّ السحالي تستطيع مواكبة استكشاف العروق كلّما أنشأتها. واثنتان ستمنحانني هامشًا للمناورة مستقبلًا.» كان ترافيس يكره أن يطلب منهم الحفر في المستوى الثالث، بالنظر إلى الخطر الذي أثبت أنّه ينطوي عليه، لكنّ إنجاز هذا الآن خيرٌ من إنجازه بعد أن يصير المستوى الرابع، أو هكذا حاجج نفسه.
«مهلًا. ظننتنا سنحفر واحدة فقط؟» سألت فايف.
«واكبي البرنامج يا مبتدئة.» وأخرجت تانير لسانها لفايف، وبينما راحت كومةٌ حيّة من الأدامانتين تتمتم محتجّة، بدأت الحفر.
تقدّم برايدن وجاك بينيلوبي، منتظرَين خلف تانير وفايف مباشرة، وكان ستيفان وبينيلوبي في المؤخّرة. وبينما كانت بينيلوبي تراقب تانير وهي تحفر، سألت: «لماذا نزلتَ من أجل هذا؟» موجّهةً سؤالها إلى ستيفان.
أخرج ستيفان معولًا، وقذفه من يدٍ إلى يدٍ بضع مرّاتٍ وهو يتكلّم. «لأنّني لا أحفر بالقدر الذي أحبّه. من اللطيف أن أصرف ذهني عن كلّ هذه السياسة والمناورات. حتّى فايف تحبّ الحفر أحيانًا.»
«هذه كذبة!» صاحت فايف. «كذبةٌ صارخة يروّجها الساخطون.»
وحين اخترقت تانير الصخر، بعد بضعة مقاطع أخرى من الحفر، ضحكت بصوتٍ عالٍ. «ألم أقل لكم؟ ألم أقل لكم؟» ومشت إلى عِرق الحديد الذي حفرت حتّى بلغته ومرّرت عليه مخالبها. «ستصير جزءًا من سكّةٍ حديديّة.»
وبينما تكدّس الآخرون في الغرفة، دارت فايف حول العِرق الضخم الحامل للحديد. «تراف، ستحتاج إلى بابٍ بعد عِرق المانا.»
«أستطيع أن أتولّى ذلك.» وتسلّل ستيفان متجاوزًا بينيلوبي، مستمتعًا بالمغامرة كلّها التي كان هذا يتحوّل إليها. «أتذكّر حين حصلنا على الأبواب أوّل مرّة.»
«لدينا منها الكثير الآن. حسنًا، هذا مخطّط واحدٍ منها. بابٌ عاديّ آخر ذو لُبٍّ من حديد.» منذ تلك الحشرات التي أكلت المانا، صار ترافيس يشعر بغير قليلٍ من الارتياب، فراح يسدّ مزارات المانا كلّها. «إذن، عشرة مربّعاتٍ أخرى إلى الخارج من هناك يا تانير، ولا بأس حينئذٍ أن نضع قرية السحالي الأولى.»
«فهمت.» أدارت تانير مفاصل كتفيها بقدر ما تسمح به من دوران، ثمّ عادت إلى الحفر. وبعد عشرة مقاطع توقّفت. «والآن ستحدّد لي منطقةً أبدأ بها، صحيح؟» وما إن فرغت من قول ذلك حتّى شعرت تانير بجذب الصخر. «هذا هو. أعطني شيئًا أحفره لك يا ترافيس، ولنظلّ نحفر إلى الأبد!»
ومع كلّ استعداداتهم وتخطيطهم لأسوأ الاحتمالات، أخلى ستيفان وتانير الغرفة الأولى كلّها خلال يوم عمل. ووسط تذمّر فايف من كلّ المعارك التي كان يمكن أن يخوضوها، نالوا قسطًا من الراحة وعادوا في اليوم التالي متأهّبين للانطلاق.
ليجدوا لودميلر ساخطةً أشدّ السخط، واقفةً في المدخل ويداها ذواتا المخالب على خصرها. «ظننتم أنّكم تستطيعون بناء مزيدٍ من قرى السحالي من دوني؟»
دحرجت تانير عينيها واتّجهت إلى حيث ستكون القرية الثانية. «أنتِ ملكة السحالي في الطابق الثاني. وهذا هو الطابق الأسفل.»
«احم. أنا ملكة السحالي في كلّ طابق. قل لها يا تراف!»
تنهّد ترافيس بصوتٍ مسموع وقال: «لودميلر هي ملكة السحالي. وافقت على هذا حين… حين كانت تؤدّي عملًا جيّدًا أثناء الحصار.»
«بالضبط! لذا، فبموجب أوّل مرسومٍ سحليٍّ أصدره، سأبني أنا قرى السحالي كلّها!» وأدارت لودميلر ظهرها للجماعة ومشت إلى وسط الغرفة التي أُخليت من قبل. «ترافيس، هيّا بنا.»
وحين وجّه ترافيس انتباهه إلى ما يتاح له من الواجهة، لاحظ أنّ ذهبه يقفز صعودًا على نحوٍ لطيف. قرابة مئتي ألفٍ من الذهب الآن، وأكثرها محشوٌّ في مستودع الذهب الوحيد الذي رقّاه ترقيةً خاصّة، وفي وَكر بينيلوبي. «حسنًا، ها نحن أولاء.»
وفي اللحظة نفسها تمامًا التي أطلق فيها ترافيس بناء الغرفة، كسرت تانير مربّعًا انفتح على كهفٍ هائل.
«أتراجع! فايف!» كانت تانير قد تمرّنت على هذا في ذهنها مرّاتٍ كثيرة، ومنذ التمرين على البناء في الطابق الأعلى، صار أسلس عليها أن تُبعد نفسها عن الخطر وتدع فايف تواجهه.
ارتطم سهمان بترس فايف المرفوع، فانتزعا منها ضحكة. «انتبهوا! أيًّا كان ما هنا فهو يستطيع استعمال سلاح!» وأخذت تحدّق في الظلمة، وكان يثير غرابتها دائمًا أنّ قدرتها على الرؤية في الظلام تبدو وكأنّها تتوقّف عند حدود الدهليز.
«لودي، لديهم قتالٌ في الغرفة المجاورة،» قال ترافيس للودميلر، ثمّ كرّر بثًّا إلى جميع المقاتلين في الدهليز. وراقب عبر عينَي فايف مزيدًا من السهام يقرع درعها، حتّى ألقى برايدن أخيرًا رُقية إنارةٍ أمام قدمَي فايف.
ورفعت فايف ترسها وقد سرّها الضوء، إذ أرجح غوبلن نحيلٌ شاحب الجلد، نصفه الأسفل جسد عنكبوت، سيفًا نحوها. «غوبلن! أه، غوبلن عناكب! جاك، أعطني شيئًا من الإسناد هنا.»
وبينما كان جاك يصغي إلى برايدن يتضرّع إلى إلهه طلبًا للحماية، تفحّص الدرايدر الغوبلنيّ وبدأ رُقية تبريدٍ أمل أن تعمل على العدوّ كما تعمل على العناكب العاديّة.
وحين رأى ترافيس أرجل الدرايدر تتجمّد وتنغرس في مكانها، تكلّم بسرعة ليحول دون قتلٍ سريع. «هل يمكن أن نجرّب التحدّث إليهم أوّلًا؟»
فاجأ السؤال فايف، لكنّه زرع في رأسها بذرة فكرة. «أجل. هيه، كفّ عن ضربي!» كانت قد صاحت بالكلمات في وجه الغوبلن العالق، لكنّه واصل محاولة مهاجمتها. «ليس معك إلّا سكّينٌ من فولاذ يا… كفّ عن ضربي بذلك!»
«برايدن،» قال جاك، «هل تستشعر شرًّا في هذا المخلوق؟»
لأوّل مرّةٍ في حياته، حين استعمل البركة التي منحه إيّاها إلهه لينفذ بها إلى صميم الدوافع المظلمة لدى المخلوق، شعر برايدن بها ترتدّ عنه. «لا أستشعر فيه شرًّا، لكنّ الأمر كأنّه غير موجودٍ أصلًا، لا كأنّه ليس شرّيرًا. لا أدري.»
ولمّا لم تكن فايف مستعدّةً لتجاهل نصل المخلوق تمامًا، رأت دراديرَ آخرين يقتربون من حافّة رُقية برايدن. «القرار لك يا تراف. ماذا تريدنا أن نفعل؟ هناك المزيد قادمون.»
راقب ترافيس مزيدًا من السهام يرتدّ عن فايف، ودرايدرًا آخر يبلغها، ليجد أنّها تستطيع التعامل مع اثنين في آنٍ واحد بسهولة. وفي البعيد، كان هناك المزيد قادمين. «يبدو الأمر كأنّهم… كأنّهم ليسوا أحياءً أصلًا. مجرّد أشياء دهليزيّة غريبة.» لكنّه حين رأى الدرايدر، رأى وجهًا واحدًا ينعكس في ذلك التعبير الجامح: ميكسي. «كيتلين! هل تستطيعين النزول إلى هنا؟»
«لا وقت لدينا يا تراف،» قالت بينيلوبي، وهي تراقب مزيدًا من الوحوش يندفع نحوهم من الظلمة. «إن لم تجد حلًّا، فعلينا أن نبدأ بتطهير المكان منهم.»
كان أربعةٌ من الدرايدر قد تكدّسوا على فايف الآن. لم تكن طويلةً بما يكفي لتمنعهم من الزحف فوق رأسها، لكن حين انحشرت بينيلوبي خلفها، أدرك ترافيس أنّ أحدًا منهم لن يمرّ. «آسف يا كيتلين، إنذارٌ كاذب. حسنًا يا جماعة، طهّروا المكان منهم.»
دفعت بينيلوبي بمخالبها الدرايدر الذي بلغها، ثمّ أخذت نفسًا عميقًا وحدّقت في المخلوق وهو يحاول الاندفاع نحوها. ولم تكن فايف بحاجةٍ إلى أن يصيح ترافيس في رأسها لتعرف متى بدأت بينيلوبي تنفث. فتراجعت عدّة خطوات حتّى وقفت تحت فكّ بينيلوبي، وتركت الدرايدر يذوقون النَّفَس الحمضيّ وهو ينصبّ عليهم ويذيب لحمهم المكشوف.
تمنّى ترافيس لو استطاع أن يغمض عينَي بينيلوبي وفايف كي لا يرى الدرايدر يذوبون. سيحتاجون إلى خطّةٍ في المرّة القادمة. فالأعداء الذين قد يكونون عاقلين يعنون أنّ ثمّة فرصةً لإنقاذهم ممّا يفعله بهم نظام الدهليز، لكنّهم في هذه اللحظة لم يبدوا عاقلين.
وتسلّل حسّ رؤيةٍ جديد متجاوزًا بينيلوبي وفايف، منزلقًا بسهولةٍ نحو حيث ينفتح نفقهم على كهفٍ هائل. وانبثقت لترافيس رسالة، تسأله إن كان يريد أن يرسل تابعًا واحدًا لعلّه يظفر بمكافأةٍ كبيرة. «مهلًا يا لودي، تظهر لي رسالةٌ تقول إنّنا قد نحصل على مكافأةٍ إن تصدّى واحدٌ منكم فقط لهذه المنطقة.»
«فايف،» قال الجميع في آنٍ واحد، إلّا فايف.
«أنا،» قالت فايف، ثمّ ضحكت. «حسنًا، كيف يجري الأمر إذن؟ عليّ أن أشقّ طريقي قتلًا عبر كلّ هذا؟ وماذا لو لم يكن لديّ من قوّة الضرب ما يكفي لقتل ما في الداخل أيًّا كان؟»
زفرت بينيلوبي نَفَسًا أزّ على الجدار بجانبها. «سأذهب أنا. لا أستطيع الشفاء، ولا أستطيع الطيران هناك، لكنّني لا أظنّ أنّ شيئًا من هذا يقدر على إيقافي.» ودون أيّ محاولةٍ للتمهّل، شقّت بينيلوبي طريقها متجاوزةً فايف ثمّ لودميلر، تصفع الدرايدر بمخالبها وتأتمن مخالبها على بذل أقصى ما في وسعها من فتك.
وكان أقصى ما في وسعها من فتكٍ فعّالًا جدًّا.
وفيما خاضت بينيلوبي في الحجرة المفتوحة، أعادت النظر في فكرة إرسال فايف، وأدركت أنّ مقاتلًا تقليديًّا وحيدًا كان سيكون خيارًا سيّئًا. كانت هناك حركةٌ من حولها في كلّ مكان، وحتّى مع إلقاء برايدن مزيدًا من رُقى الضوء خلفها، ظلّ كثيرٌ منها عسير الرؤية.
تمنّت بينيلوبي لو كانت هيلدا معها مجدّدًا. فقد كانتا في الميدان كأنّهما ترقصان معًا، كلّ حركةٍ مصمّمةٌ لقطع الرؤوس والتدمير. أمّا الآن فقد بقيت وحدها في رقصةٍ منفردة جعلتها تشعر بأنّها أثقل حركةً ممّا تعرف عن نفسها.
انزلقت السهام عن جلد بينيلوبي وانحرفت، ووجدت فايف نفسها تتنهّد لمرأى تنّينٍ يُنزل الخراب. «في بعض الأيّام أتمنّى لو أستطيع إحداث نصف ذلك الضرر. انظروا إليها.»
«فايف غااارقة في الحبّ،» قالت لودميلر، مستندةً إلى صديقتها بينما استعمل جاك سحره ليجمّد درايدرًا مقتربًا تجميدًا تامًّا. «هل يعرف تراف أنّكِ مولعةٌ بالفتيات القويّات؟»
«سمعتم كم تُطنب في الحديث عن ذينك القنّاصَين اللذين أسقطا أخت هيلدا، أليس كذلك؟» سأل ترافيس، فانتزع ضحكةً من الجميع، حتّى من فايف. «كيف حالكِ هناك يا بِن؟»
«قضيت على كلّ غوبلن العناكب، والآن أواجه أوراكًا لكلّ واحدٍ منهم أربع أذرع. ما زال الأمر لا يتجاوز ما أقدر عليه، ويبدو أنّ هؤلاء أقلّ عددًا من الغوبلن.» ومن بين أطرافها كلّها، وجدت بينيلوبي ذيلها أنفعها في هذا الضرب من القتال. فقد ظلّ الأعداء يحاولون الالتفاف إلى جانبيها، ولم يكن الأمر يتطلّب سوى أرجحةٍ كبيرة لجسدها حتّى ترسل جماعةً كاملة منهم طائرةً بسرعة. «هل تحبّني فايف حقًّا؟»
«على الأرجح.» أبقى ترافيس صوته موجّهًا إلى بينيلوبي وحدها. «إنّها لا ترفع عينيها عنكِ، لكنّني أظنّها تنظر إلى أستريد بالطريقة نفسها. إنّها تحبّ كلّ من له أسلوبٌ فريد في القتال.»
وبعد أن أزاحت آخر الأوراك بفصل جذعه الأعلى عن الأسفل، تكلّمت بينيلوبي وهي تنتظر الموجة التالية. «سيكون لها أصدقاء كثيرون في قطيع أستريد، وإن استبقينا هيلدا هنا، فستصيران أعزّ صديقتين.»
«أرجو أن تجد من تكون معه أكثر من مجرّد صديقة، كي تكفّ عن مراقبة ذيل حبيبتي.»
ابتسمت بينيلوبي بمكر، وكانت على وشك الردّ حين رأت الترول يخطو خارجًا من الظلمة. كان يرتدي صفائح من معدنٍ كامد مُسدَلةً حول هيئته الضخمة، في خليطٍ رديءٍ إلى حدّ الهزل من صفائح الدروع تتخلّلها فجواتٌ كبيرة. فرفعت بينيلوبي جناحيها، ثمّ هوت بهما إلى الأسفل والأمام وهي تقفز قفزةً صغيرة.
واندفعت بينيلوبي إلى الوراء لتكسب شيئًا من المسافة، ثمّ شهقت لنفثةٍ أخرى من الحمض وأطلقتها أمامها خطًّا من الموت الضبابيّ.
لم يبدُ أنّ الحمض فعل بالترول شيئًا يُذكر سوى أنّه زاده غضبًا. فاندفع نحو بينيلوبي رافعًا دبّوسًا صدئًا لا يبدو أكثر من جلمودٍ مخترقٍ بسفّودٍ من فولاذ.
واستدارت بينيلوبي إلى أحد جانبيها، محاولةً استدراج الترول إلى مهاجمة رأسها، وقد نجح ذلك، ثمّ أرجحت ذيلها لتطرحه أرضًا، ولم ينجح ذلك. وحين هوى ثقل الدبّوس على كتفها الأيسر، تفجّر الألم في ساقها الأماميّة ومفاصل جناحها معًا. فصرخت بينيلوبي من الألم وفقدت السيطرة. وأمسكت الترول بساقها الأماميّة اليمنى، وأخذت تمزّقه بأسنانها، وتخدش وجهه بجناحها الأيمن.
وقد أهاجت الترولَ تلك المخالب الخادشة، فألقى دبّوسه وقبض على عنق بينيلوبي بيديه الضخمتين كلتيهما، ثمّ رفع ساقه.
دوّت الطقطقة في أرجاء الحجرة حين ارتطمت ركبة الوحش بعنق بينيلوبي بين يديه. والتفت الترول لينظر إلى مدخل الكهف وزأر.
أطلق ترافيس سيلًا كاملًا من الشتائم. وبينيلوبي، التي كانت قد ظهرت لتوّها في فضائه الذهنيّ، سمعت على الأرجح كلّ واحدةٍ منها. «تبًّا لكلّ شيء. ادخلوا جميعًا. اقتلوا ذلك الشيء اللعين!»
«تراف، لا داعي لكلّ هذا الانفعال. فايف وبرايدن سيثبّتانه بينما يقتله جاك ولودي. كلّ ما نخسره هو مكافأة قتله منفردين. عليّ أن أتحسّن في استعمال جسدي.» كانت بينيلوبي تستطيع مشاهدة ما يجري. «لا أفهم كيف تستطيع النظر إلى الأشياء عبر كلّ هذه العيون في آنٍ واحد. أيّ هذه هي فايف؟»
«فايف هي التي لا أحد أمامها. إنّها رائعةٌ نوعًا ما بهذا الشكل.» حظي ترافيس بالمشهد القريب لفايف وهي ترفع ترسها نحو الدبّوس الضخم بينما يهوي الترول بسلاحه عليها. كان المشهد سيرعبه رعبًا مطلقًا، لولا أنّه رأى من منظور برايدن خلفها أنّها بالكاد ارتجفت حين هوى ذلك الثقل الهائل. أمّا ما صدم ترافيس فكان رؤيته ستيفان يمشي إلى الأمام مع الآخرين. «أه…؟ تبًّا! آسف. انسوا ذلك الأمر. هل يمكنكم، من فضلكم، أن تدخلوا وتقتلوه إن شئتم؟»
تنهّد ستيفان حين انفكّت القبضة الذهنيّة عن عقله. وترنّح على قدميه لحظة، وأخذ يستجمع أمره. «شكرًا يا تراف.»
«أوه، هذا سيكون ممتعًا. هيه يا جاك، أتريد أن تبطئه لأجلي؟» كانت الضربة التالية التي جاءت فايف ضربةً أفقيّة موجّهة إلى رأسها. فانحنت ورفعت ترسها، وحرفت الدبّوس إلى الأعلى وهي تندفع قريبًا منه وتقطع في عضلات ساق الترول الثقيلة المفتولة.
وانتظر جاك حتّى تُخلّص فايف سيفها من الترول، ثمّ شرع في رُقية الإبطاء المعتادة لديه، يلفّها حول العدوّ، لكنّه اضطرّ إلى أن يغذّيها بقوّةٍ أكثر من المعتاد قبل أن تعلق وتبدأ عملها. «لقد أُبطئ يا فايف. لا أعرف إلى متى.»
«مدّةً كافية! أُف.» وجفلت فايف والدبّوس يهوي مرّةً بعد مرّة، والترول يبدّل يديه ليردّه إليها أسرع. «إنّه لا يتحرّك أبطأ!» وكان عزاؤها الوحيد أنّه ما دام منهالًا عليها بالضرب، وترسها صامد، فلن يلاحق حلفاءها.
كانت لودميلر قد استغلّت الوقت الذي كسبته لهم فايف لتتسلّل حول الترول من خلفه. ولم يُبدِ أيّ إشارةٍ إلى أنّه لاحظها، حتّى وهي تطلي خناجرها بسمّ العقرب. وحتّى حين اتّخذت الموضع المثاليّ، وتأهّبت للقفز على ظهر الترول، كانت تفكّر في أن تُصنع لها خناجر جديدة.
كان زوجٌ من الآلام الطاعنة في ظهره أوّل إنذارٍ تلقّاه الترول الهائج بهجوم لودميلر. حاول أن يتلوّى وينفض عنه الكوبولد التي غرزت مخالبها المنجليّة في ظهره، لكنّها كانت قد التصقت بعموده الفقريّ التصاقًا محكمًا، وفي محاولته تلك كشف نفسه لمزيدٍ من هجمات فايف.
وكان التحوّل مذهلًا حين رفعت فايف بصرها ورأت هيئة لودميلر الشبحيّة تمدّ خنجريها وتغرسهما في العضلات الغليظة حول عنق الترول. فقد انصرف انتباهه كلّه إلى تلك البقعة، ولم يكن في وسع فايف إلّا أن تقطّع في ساقيه، وتضربه بترسها، وتصرخ وتصيح بالشتائم، ومع ذلك ظلّ منصرفًا إلى انتزاع سكاكين لودميلر وإزاحتها عنه.
وكان إخراج نفسها من الموقف هو بالضبط ما أرادته لودميلر. فانتزعت سكّينيها، ودفعت نفسها إلى الأعلى والخلف ومخالبها ما تزال مغروزةً في الترول، وقفزت من فوق ذراعيه الممدودتين. وحين استدار ليتعامل معها ولم يستطع رؤيتها، ابتسمت بخبثٍ لما كانت فايف تتأهّب لفعله.
كانت فايف تبتسم ابتسامةً شيطانيّة، وجاهدت كي لا تصيح بالترول وهي تمرّر نصلها عرضًا في ساقيه. غير أنّ أوتار ركبتيه كانت أصلب بكثيرٍ ممّا يحقّ لها أن تكون، فمع أنّها كانت ستُفقد أيّ عدوٍّ أضعف قدرته على الوقوف، استدار الترول ليمنعها من المحاولة مرّةً أخرى.
بدأ جاك بإطلاق رماحٍ من الجليد على الترول. وبدا التصويب إلى رأسه وجذعه الأعلى أسلم الخيارات، لأنّ فايف كانت أصغر منه بكثير. ولم يبدُ أنّ أيًّا من تلك الأعمدة يفعل أكثر من تشتيته، لكنّ التشتيت كان كافيًا مع ذلك، أو هكذا أمل.
بدا الترول لفايف أبطأ بكثيرٍ الآن، وكأنّ شيئًا قد سلبه جُلّ قوّته. ولم يكن لديها من تخمينٍ إلّا الصقيع حول ساقيه، لا أنّ لديها وقتًا لكثيرٍ من التأمّل وهو ما يزال خطرًا جسيمًا.
أمّا برايدن، الذي شاهد قتال فايف الجبّار مع الترول وقرّر أنّها قادرةٌ على الصمود أمامه بما يكفي، فقد صرف انتباهه وسحره إلى بينيلوبي. كانت إعادة كوبولد أو إنسانٍ من الموت دعاءً صغيرًا على نحوٍ مدهش بالنسبة إليه الآن، أمّا التنّين فشيءٌ مختلفٌ تمامًا. فقد كان عليه أن يُشبع كلّ شبرٍ من بينيلوبي بسحره قبل أن يتمكّن حتّى من البدء في بثّ الحياة فيها.
«أوه!» قهقهت بينيلوبي حين سُحبت بعيدًا عن ترافيس وأُعيدت إلى جسدها. وتلاشت الأوجاع والآلام الناجمة عن كسر عنقها، فنهضت على قدميها ونفضت نفسها. كان فهم القتال أيسر بكثيرٍ عبر عينيها هي، وأوّل ما فعلته أنّها صوّبت نَفَسها إلى رأس الترول وزفرت في وجهه خطًّا لاهبًا من الحمض.
وجعلت الجرعة المضاعفة من السمّ، مقرونةً باحتراق وجهه وأوتار ركبتيه المقطوعة نصف قطع، الترولَ يتباطأ تباطؤًا ملحوظًا. فصبّ جام غضبه كلّه على الكوبولد التي بدت ثابتةً لا تتزحزح أمامه مباشرة. وتخلّى عن دبّوسه، وكوّر يديه الضخمتين قبضتين، وأخذ يدكّ فايف مرّةً بعد مرّة.
ومن القبضتين، لم تستطع فايف أن تتلقّى على ترسها إلّا ضربةً من كلّ اثنتين، بينما ظلّت الأخرى ترتطم بدرعها. وضاقت ذرعًا بتلقّي اللكمات فحاولت صدّ إحدى ضرباته، لتُصاب ذراعها بدلًا من ذلك. وتفتّح الألم مع دويّ طقطقةٍ عالية. فصرّت على أسنانها، متجاهلةً انثناء ذراعها في الاتّجاه الخاطئ الآن، وتكوّرت خلف ترسها وصمدت للضربات بينما انهالت بينيلوبي ولودميلر كلتاهما على الترول.
غير أنّ الألم خفّ حين شعرت فايف ببرايدن ولمسة إلهه تنسكبان فيها. وحتّى وهي تصدّ غضب الترول وتتلقّاه، راحت تحرّك ذراعها، فتُشعل من جديد عذاب الكسر، لتضمن أن تلتئم على الهيئة الصحيحة وهي تُشفى.
بذل جاك قصارى جهده في تبريد الترول. ومع أنّ سحره كان ينزلق عنه بقدر ما يعلق به، فقد أبطأ وابل الضربات على فايف حتّى صار زحفًا، مانحًا بينيلوبي ولودميلر فرصًا كثيرة لتسديد الضربات ثمّ الابتعاد عن طريق الترول من جديد.
وبعد قرابة ثلاث دقائق من الانهيال عليه بالضرب، سقط الترول أخيرًا على إحدى ركبتيه. ومدّ إحدى يديه نحو فايف، ففقد أصابعه لسيفها، ثمّ قبض عليها من وسطها باليد الأخرى. وحين رفعها نحو فمه القذر، دفعت ترسها أمامها ليحول بينها وبين فكّه الساحق.
وأخيرًا، بعد أن بذلت لودميلر وسعها لتجد البقعة التي تريدها في مؤخّرة عنق الترول، قفزت إلى كتفيه، وثبّتت نفسها في مكانها بغرز خنجرٍ في عنقه، ودفعت نصلها الآخر صعودًا تحت جمجمته، عميقًا فيما كان يقوم مقام دماغه.
تمايل الترول في مكانه. وأحسّت لودميلر بأنّ عملهم قد انتهى، فقفزت عنه إلى الخلف وحطّت على الأرض في اللحظة التي بدأ فيها الترول يميل ويسقط. وقوبل صوت ارتطام ذلك الشيء بالأرض بهتافاتٍ وزئير.
وفيما راقب ترافيس نقاط خبرته تقفز، أطلق زفرة ارتياح. «حسنًا. في المرّة القادمة، لن…»
زمجرت بينيلوبي لتقاطعه. «لا يا تراف. كانت الفرصة جيّدة، وكان قتل الترول سهلًا ونحن جميعًا معًا. من يدري ما كنّا سنحصل عليه لو هزمته أنا؟»
«في المرّة القادمة أريدك أن تدعني أجرّب. ذلك الترول لم يكن بتلك الصلابة!» وكشّرت فايف عن أسنانها، وشرعت تنظّف نصلها وتتفقّد درعها بحثًا عن أيّ ضرر.
«"في المرّة القادمة"؟ أُف!» وكان أسوأ ما في الأمر عند ترافيس أنّه لا يستطيع أن يصفق بابًا ويمضي.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.