Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 40
﴿حالة [الدهليز]:﴾
﴿الدرجة الأولى
المستوى 4/10﴾
﴿القلب 25600/25600
الخبرة 2500/6400
العمّال 8/23
الوحوش 0/24+1
الفخاخ 25/45+4
الغرف 45
الطعام 400
الخشب 1383
الحديد 1004
الفولاذ 0
الفحم النباتي 0
المانا 27
الصخر 1767
الذهب 2000
الجلد 455
وحل الجلد 300
الحمم 51
الزجاج 800
الرُقُم المتفجّرة 2
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة 0﴾
﴿المهمّة: امتلاك 10 أتباع في دهليزك
المهمّة: الحصول على 10,000 ذهب﴾
ما صدَم ترافيس أكثر من عناء حماية تانير من اللعنة النخريّة لدهليز الأموات الأحياء، كان خبرَ أنّ آخرين حلّت بهم اللعنة ذاتها حتّى إنّهم لم ينجُوا.
بدت تانير غريبة الأطوار. فقد استقرّت في غرفة لبّه مُوَلّيةً إيّاه ظهرها، وجلست هناك بلا حَراك. أدرك أنّه يشعر بنزعةٍ إلى حمايتها. لقد قاتل دهليزًا آخر بالفعل لينقذها، لكنّ ذلك كلّفها هويّتها الثقافيّة، فلم تعد قزمةً بعد الآن.
«لا يلزمكِ البقاء هنا. لا يزال بوسعكِ العمل لصالح البلدة.»
أدارت رأسها إلى الجانب ونظرت إليه بعينٍ واحدة. تساءل عمّا تشعر به حيال هذا كلّه. أتراها ستغضب منه لأنّه جعلها كوبولد؟
«أعني ما أقول. لم تطلبي أن تكوني هنا، ولم تطلبي أن تصيري كوبولد، وأنا لا...»
«شُكرً لك.» جاءت كلماتها مقتضبة. لم تكن تانير قد تدرّبت بصوتها المسموع، لكنّها كانت فيما يبدو قد فكّرت مليًّا في كيفيّة النطق بخَطْمٍ وصفٍّ من الأسنان الحادّة ولسانٍ طويل.
«قالت فايف إنّكِ بنّاءةُ أحجار. لديّ كثيرٌ من الحجر، حسنًا، إنّه مجرّد صخر. بل ثمّة مبنًى خاصٌّ يمكنني تشييده. ورشة الأحجار. لا أقدر على بنائها بعد، لكن إن أردتِ يومًا الإفادة منها فهي لكِ.» ثمّ تنهّد ترافيس، لم يكن يدري ما العمل. لم يكن يعرفها. حتّى بينيلوبي أعطته بعض الملامح عن شخصيّتها قبل أن تُمسي كوبولد. «يمكنكِ البقاء هنا إن شئتِ، لكنّي بحاجةٍ إلى التركيز على بِن وروبرت. يريدان إنجاز أعمالٍ جديدةٍ في الدهليز وعليّ أن أُخطّط لهما الأمور.»
لم يتوقّع ترافيس ردّة فعلها. فقد وثبت تانير واقفةً على قدميها، ترنّحت قليلًا، ثمّ نظرت إليه مباشرة. «رِني.»
بعد غضبها الأوّل ممّا حلّ بها، لم يكن أمام تانير ستونشيف إلّا أن تُقرّ بأنّ الذنب ليس ذنب ترافيس، ولا حتّى ذنب أهل البلدة. بل لم يكن ثمّة مُلامٌ إلّا واحد: هي نفسها. فقد رفضت حمل تُرسٍ لتتمكّن من التلويح بمطرقتها بفاعليّةٍ أكبر. وأصرّت على أن تكون في الخطّ الأمامي حيث تحمي غيرها. وها هي قد دفعت الثمن.
ومن سخرية القدر كلّه، وهي تسير في نفقٍ مظلمٍ من أنفاق الدهليز مُصغيةً إلى إرشاداته، أنّها لم تنكمش البتّة كما انكمش الآخرون بوضوح. بل ازدادت طولًا بما قدّرته بنحو بوصتين.
أمّا القزمة التي فيها، وهي لا تزال جزءًا ممّا هي عليه، فكانت تتوق إلى فحص كلّ شيء. لم يُخفِ الظلامُ يومًا سرًّا عن عيني قزم، وشعرت تانير بالارتياح إذ لم يُخفِ عن كوبولدٍ شيئًا كذلك.
آليّات الأبواب الخفيّة، والنقوش الذهبيّة المُتقنة لمُتحكّم المانا في غرفة القلب، بل حتّى المصهر الذي مرّت به، بوهجه الدافئ الذي كان يناديها، كلّها كانت تستدعي الفحص.
لكنّ تانير مضت في سيرها، فوجدت في النهاية بينيلوبي وروبرت يتناقشان في تصاميم متاهة.
«...متاهةٌ ضخمةٌ تجعلهم يتيهون فيها ساعات.» أشارت بينيلوبي إلى الأعلى. «هذا ما أكسبنا كلّ ذلك الوقت للنزول إلى هنا. لقد أبطأتهم المتاهة. فلمَ لا نضيف متاهةً أخرى؟»
أشار روبرت إلى النفق حيث سيلتقي بالحلقة الخارجيّة ليسهُل الدخول. «لأنّنا نحتاج إلى أن تنمو هذه الغرفة. الحلقة التي حول الطابق الثاني رائعة، لكنّها بدأت تضيق. التغييرات التي نُجريها هنا ناجعة، لكنّنا إن اعتمدنا تصميمًا ضخمًا فسيحدّ ذلك من مدى ما نستطيع بناءه. والأسوأ أنّنا إن بنينا حوله، حُدَّت قدرتنا على الدفاع.»
مُنقّلةً نظرها بينهما، مشت تانير إلى الجدار الحجريّ الذي كان روبرت يشير إليه ومرّرت مخالبها عليه. «أرِني. خريطة.» ولمّا لم يتحرّك أحد، عبست في وجهيهما. «لا خريطة؟»
«يمكنني صنع خريطة. لكن سيتعيّن عليّ أن أطلب من بليك صنعها،» قال ترافيس. «هو ووايلد الآن يتفحّصان المتاهة. يقولان إنّ الأموات الأحياء لم يحيدوا في الحقيقة عن المسار الرئيسيّ. مشوا مباشرةً عبر المتاهة دون أن يسلكوا أيّ درب آخر.»
ابتسمت تانير ساخرةً وأومأت لذلك. «مُغا...» كادت تختنق بما حاول لسانها أن ينطق به. بدأت من جديد، آملةً أن يفهما مَن تعني. «هم يرسمون خريطة. يسلكون درب مستقيم. متاهة لا تنفع.»
«إذن دربٌ واحدٌ طويلٌ ضخم؟» سألت بينيلوبي. كان انضمام تانير مُرحَّبًا به في نظرها. فقد سمعت بأصناف أعمال الحجارة التي يبنيها الأقزام، وكانت مُلائمةً للدهليز.
«لا. متعرّج. يركض سريعًا في نفقٍ طويل. يبطئ في المتعرّج.» كان فمها لا يزال يسبّب لها المتاعب، لكنّ تانير كانت تتحسّن كلّما وجّهت انتباهها إلى وقع الأصوات. «تراف يقدر يصنع؟»
«نعم، أقدر أن أصنع نفقًا متعرّجًا ليس متاهة. تلك في الحقيقة فكرةٌ جيّدة. شكرًا يا تانير.» تفحّص ترافيس خياراته وتبيّن أفضل طريقةٍ لتدبير الأمر كلّه. «حسنًا، سأشرع في بعض التخطيط. روبرت، أتودّ حفره بينما تُرافق بِن تانير إلى البلدة؟»
«البلدة؟» سألت تانير. كانت قد سمعته يتحدّث عن عودتها إلى حياتها القديمة، لكنّها صارت كوبولد الآن. ورغم تقبّل البلدة مؤخّرًا لذهب الكوبولد، شكّت في أنّهم منفتحون إلى تلك الدرجة على أن يعيش بينهم أحدُ أجناس الدهاليز.
كاد ترافيس يشعر بحيرة تانير. «إن شئتِ. على الأقلّ كلّ أغراضكِ هناك. وإن أردتِ الانتقال إلى هنا فأنتِ مُرحَّبٌ بكِ.»
«أحتاج أعمل في البلدة.» ونطقت الكلمات بعناية، فأتمّت الجملة على نحوٍ يكاد يكون كاملًا. «أقدر آتي، آتي وأساعد هنا أيضًا.»
«نعلم أنّ الكلام مُحبِط. مررنا به جميعًا.» مدّت بينيلوبي يدها إلى الحيلة التي تتيح لها سحب الأغراض من مخزون الدهليز، فأخرجت ثلاثةً من الرُقُم المتفجّرة. «هيّا، يمكننا الذهاب الآن قبل أن يقذف ذلك الدهليز مزيدًا من الحثالة.»
وإذ خرجت من أأمن منطقةٍ في الدهليز، فوجئت تانير بمدى إتقان التصميم. أضحكتها فكرة استخدام الحفر البسيط وإسقاط الأنفاق كبابٍ سرّيّ، وكذلك الباب السرّيّ الذي يلتفّ حول المتاهة. «أريد أن أرى المتاهة.»
وإذ سارت في المتاهة، استحسنت تانير تلك الإضافات الصغيرة الغريبة التي جعلت كلّ التواءٍ ومنعطفٍ يبدو وكأنّه يمتدّ في الظلام، وإن رأت في النهاية أنّ ذلك كلّه هدرٌ. غير أنّها أحبّت فكرة الألغام ذاتيّة الاستعادة. «ماذا يحفرون؟»
«فكرتكِ في الأساس. ذلك القسم طولٌ متعرّجٌ من النفق لا يفعل إلّا التهام الوقت. سنضع فيه على الأرجح مزيدًا من المتفجّرات. يعجبني أن تموت الأشياء دون أن تكلّفنا شيئًا.» قادتها بينيلوبي متجاوزةً ذلك المكان، تاركةً لودميلر يحفر النفق. «وهنا إلى يسارنا منشرة الخشب، حتّى لا نضطرّ إلى جرّ الأشجار إلى عمق الدهليز لمعالجتها. وإلى اليمين... آه، بابٌ جديد. فكرةٌ لا بأس بها. هنا في الداخل الحانة.»
وإذ أطلّت برأسها، صُدمت تانير من جمال المكان. كانت هناك امرأةٌ خلف طاولة الحانة عرفتها نصف معرفة. شيءٌ في عينيها القاسيتين ذكّر تانير بـ... ثمّ تذكّرت. «فايف؟»
«تانير؟ أتتدبّرين أمر مسألة الكوبولد؟» فرغت فايف من تنظيف الطاولة ودارت حولها. «يسعدني أنّنا وُفّقنا في إحضاركِ إلى هنا في الوقت المناسب. عادةً ما يقتلكِ ذلك الهجوم النخريّ في دقائق.»
«شكرً على إنقاذي. على... شكرً لك أيضًا، تراف.» بدا قولُ ذلك مهمًّا. شعرت تانير برغبةٍ في الجلوس إلى الحانة وإغراق أحزانها، لكنّ ذلك لن يقودها إلّا إلى دربٍ أوعر.
«أفهم إذن،» قال ترافيس، «أنّها لو كانت تحمل تعويذةً لأمكن إنقاذها؟»
نظرت بينيلوبي إلى فايف وأومأت ببطء. «نعم، لكنّها كانت ستظلّ بحاجةٍ إلى أن تُبعَث. وذلك ليس مجّانيًّا، حتّى لو رضِيَت كنائس البلدة بفعله. فآلهتهم تشترط أن تعود هذه الأفعال بالنفع على الكنيسة.»
«كلّم ذلك الكاهن الذي قابلته آخر مرّة. انظر إن كان يريد أن... أن يفتح حسابًا. يحصل كلّ فردٍ في البلدة على تعويذة، وإن مات دفعتُ لإعادته.» وبينما راح الكوبولدان يحدّقان إليه في بلاهة، تساءل ترافيس عن مدى جنون فكرته. «ما الأمر؟»
«تراف، أنت مجنون.» شرعت بينيلوبي تضحك. «أخبريه يا فايف.»
«ماذا؟ عليكما أن تخبراني بما قال.» ولمّا بدا أنّ كليهما انخرط في مزيدٍ من الضحك، تأفّفت. «لن تضحكا حين أصير كوبولد. وأريد أن أكون زعيمة طابقٍ أيضًا يا تراف!»
«لا أمانع في أن تصير فايف كوبولد إن جعلتُها زعيمة طابقٍ هي الأخرى. غير أنّي أظنّني أحتاج إلى طابقٍ ثالثٍ قبل أن يكون لديّ زعيمٌ آخر.»
وإذ كبحت ضحكها، نجحت بينيلوبي في أن تنقل لا خطّة ترافيس فحسب، بل موافقته على شروط فايف أيضًا. «قال إنّ ذلك قد يستغرق وقتًا للحصول على طابقٍ ثالث. لم يرَ دهليزًا مثله من قبل، فلا فكرة لديه عن سرعة ظهور الطوابق أو بطئها.»
«آه، لا يهمّ. أنا مستعدّةٌ لذلك. يمكنني الجلوس هنا وتعليم الزوّار دقائق فنون السُّكْر، وأحيانًا سحق بعض الهياكل العظميّة.» شعرت فايف بشيءٍ من الارتياح إذ تفاوضت على مستقبلها. الأمر الوحيد الذي احتاجت إلى معرفته فوق كلّ شيءٍ آخر، هو كيف يبدو صوت ترافيس. «مهلًا، ما هذا الكلام عن التعاويذ؟»
«أجل! يريد أن يتكفّل بنفقات البعث والتعاويذ لكلّ من يحتاج إليها.» حاولت بينيلوبي كبح مزيدٍ من الضحك. «على أيّ حال، أتريدين العودة معنا إلى نورثريدج؟ سنأخذ تانير لنرى إن كانت تطيب لها الإقامة في البلدة أو كيف تودّ ترتيب الأمر.»
«أيمكنكِ أن تجلبي لي 50 من الفولاذ؟» سأل ترافيس.
تأفّفت بينيلوبي. «ويريد 50 من الفولاذ أيضًا. خيرٌ لنا أن نُحضر الحمار والعربة، لأنّي لن أحمل ذلك في طريق العودة.»
كانوا قد أوشكوا على بلوغ البلدة وتانير لم تحسم أمرها بعد. لا تزال ثيابها تناسبها، وهو أمرٌ غريب، لكنّ حذاءها لم يكن له أيّ حظٍّ في ذلك. وإن كانت مخالبها كفيلةً بأن تمنحها موطئًا ثابتًا لقدميها.
كلّ ما في كونها كوبولد بدا غريبًا، لكن لا سيّئًا. اقتربوا من مدخل السياج الخشبيّ الذي عُجِّل في جعله صالحًا للاستعمال، وكانت فايف مَن صاحت بهم أن يفتحوا البوّابة.
بدت البلدة من الداخل مختلفة. كان الناس يهرعون هنا وهناك منشغلين بأعمالهم، وأحد أطقم عملها يُدعّم السياج الخشبيّ بأكياس التراب، وبدا أنّ كلّ فردٍ يحمل سيفًا أو فأسًا أو مطرقةً على خصره، أو رمحًا في متناول يده.
«عُدتِ إذن، ها؟» لم يكن الأخ روبيرت ينظر إلى فايف أو بينيلوبي، بل كان اهتمامه كلّه منصبًّا على تانير. «أنقذكِ الدهليز، لكنّه لواكِ لخدمة غاياته؟ ما رأيكِ في هذا؟»
كان مفاجئًا أن يرى الرجل العجوز تغيّرها من فوره. هزّت تانير كتفيها، وهو أمرٌ صار أقلّ إثارةً للإعجاب الآن إذ لم يعد لها كتفان يُذكران. «أنقذ حياتي. أن أكون حيّةً مدينةً خيرٌ من أن أكون ميتة.»
«لدينا صفقةٌ لك،» قالت بينيلوبي، جاذبةً انتباه روبيرت.
«اتبعوني. الصفقات تُعقد تحت نظر الميزان.» وإذ أدار ظهره للثلاثة، قادهم روبيرت عائدًا إلى معبده. لم يكن إلهه معنيًّا بالرغبات الدنيويّة المعتادة. بل لم يكن إلهه إلهًا أصلًا. كان روبيرت يتمسّك بالميزان، بتوازن الديون والأفعال الذي ينبغي للجميع التمسّك به. ودفع بابَي المعبد، ودلف إلى الداخل بوقع أقدامٍ ثقيل. «انتبهوا لأقدامكم.»
وإذ توغّل في المعبد، مشى روبيرت إلى الميزان وركّز على التوازن الذي لعب دورًا في حياته على الدوام. ومُفعمًا بحرارة يقينه، جلس. «ما الصفقة؟»
«تعاويذ. واحدةٌ لكلّ فردٍ في البلدة.» أخرجت بينيلوبي كيسًا من الذهب ووضعته على المقعد بجانبها. «ومزيدٌ من الذهب يُدفع إن اضطُررتَ إلى إحياء الناس ومتى اضطُررت، لكن لأهل البلدة وحدهم.»
شعر روبيرت بذهولٍ لا يُستهان به، وإن نجح في ألّا يُظهره. «لن يكون ذلك زهيدًا. الثمن مئتا ذهبٍ للواحد.»
«أتنوي أن تفرض علينا السعر الذي يفرضه التجّار؟»
قطّب روبيرت وجهه، وبصق على الأرض إلى جانبه. «لا. تدفعون السعر الفعليّ أيًّا كانت جودة ذهبكم. لن أدع الاقتصاد يُمارَس في معبدي.» وجد من المُضحك أنّهم يعرفون تمامًا مقدار ما تقتطعه البلدة من أسعارها. «والتعاويذ بخمسة عشر للواحدة.»
«هل من سعرٍ للجملة؟ ثمّة كثيرون في البلدة.» أدركت بينيلوبي أنّ مساومة الرجل محفوفةٌ بالمخاطرة، لكنّ الدفع بالسعر الجاري كان يكاد يُفلسهم. «لديّ خمسمئة ذهبٍ هنا.»
«لم يُحدَّد قطّ سعرٌ لبلدةٍ بأكملها.» كان ذلك تهوينًا اعتزّ به روبيرت. «لكن، خمسمئة تبدو منصفة. فلنجعلها مئة ذهبٍ لكلّ بعث. وأتنبّأ بمستقبلٍ قد يصير فيه هذا سعر جملةٍ هو الآخر.»
«هذا مقبول. سنرسل مزيدًا من الذهب متى استطعنا، لنضمن أنّ لديك ما يكفي لإجراء عدّة عمليّاتٍ قبل أن تضطرّ إلى المجيء وطرق بابنا.»
وإذ نظر إلى كيس الذهب، شعر روبيرت بالميزان يتحرّك، بتأثير الدهليز على البلدة يميل في كفّةٍ إزاء الخير الذي يصنعه. وأن يرد كثيرٌ من الذهب إلى خزائنه كان ثقلًا إضافيًّا مُرحَّبًا به في تلك الكفّة. «نقودكم مقبولةٌ هنا، لكن اعلموا أنّ بعضهم قد يسعى لاستغلال هذا.»
لم تشكّ بينيلوبي في ذلك. «أثق بحُسن حُكمك في تلك الحالات.» أعجبتها الطريقة التي ابتسم بها. كانت ابتسامةً قاسية، لكنّها علمت أنّها ليست موجّهةً إليها. «آه، هذا يستثني بالطبع أيّ مغامرين يحاولون اقتحام دهليزنا. لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، إن خرجوا أحياء.»
حتّى بعد أن رأت بينيلوبي تُجادل الأخ روبيرت، وهو ما ذُهلت تانير لرؤيته، ظلّ سؤال البقاء في البلدة أو العودة إلى الدهليز عسيرًا عليها. شعرت بانجذابٍ نحو الدهليز، لكنّ البلدة كانت بحاجةٍ إليها الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
كانت بينيلوبي تقود الحمار في أنحاء السوق، تحاول أن تجد أحدًا يبيع الفولاذ. أمّا تانير فقد لمحت وجهًا مألوفًا جدًّا. تركت الجُميعة الصغيرة واقتربت من هاورد تيلور. «هاورد؟»
توقّف حين خاطبته الكوبولد، واستغرق هاورد ثوانيَ ليربط الخيوط في ذهنه. «تانير؟» ولمّا أومأت، أطلق تنهيدة. «إذن نجوتِ. هذا... لن أقول إنّه أمرٌ حسنٌ حتّى تقولي أنتِ ذلك. أتودّين التحدّث عن الأمر بعيدًا عن الآخرين؟» بدا شعورٌ غريبٌ بالقلق يتنامى في داخله. رأى أنّ رؤية صديقته القديمة وقد أُعيد تشكيلها وحشًا هي السبب في ذلك القلق.
«أجل. أحتاج إلى أن أحدّث أحدًا عن الأمر.» وإذ التفتت وأومأت لفايف، تبعت تانير هاورد إلى كُشكٍ قريبٍ في السوق ومن خلال الباب في مؤخّرته. كان المبنى مألوفًا بما يكفي، فتانير هي التي بنته. وسرعان ما أُذكيَت نارٌ خامدةٌ حتّى صارت لهبًا كاملًا، ووضع زجاجةً وكأسين على الطاولة بينهما.
تعمّق الصمت بينهما، لكنّ تانير تمكّنت في النهاية من أن تقول: «لم يكن ذنب الدهليز. ولا الكوبولد. أنا فقط... عرضوا عليّ أن أعود إلى نورثريدج وأستأنف حياتي.»
«أتريدين ذلك؟» سكب هاورد كأسًا لكلٍّ منهما واستقرّ في مقعده ليستمتع بالبراندي.
«نعم. لا. أريد أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه. البناء شغفي، تعرف ذلك. يمكنني أن أبني هذه المدينة أربعمئة سنةٍ مقبلة وأموت مع ذلك ومالجُ البناء في يدي وخطّةُ المبنى التالي في رأسي. والدهليز يحتاج ذلك أيضًا. هاجمهم الأموات الأحياء في اللحظة نفسها التي ضربوا فيها المدينة. إنّهم يعملون بجدٍّ لابتكار سبلٍ للبقاء نافعين لنورثريدج والدفاع عن أنفسهم في آنٍ واحد.
«وأنا أتفهّم ذلك. أرى أنفاقهم فتحكّ يداي شوقًا للشروع في البناء فيها. رأيت أحدهم يعمل، يحفر، فكان كلّ ما بوسعي أن أفعله ألّا أبحث عن معولٍ وأنضمّ إليه.»
«يمكننا أن نأتي بمعلّم بنّاءٍ آخر يا تانير، لكن ليس مثلكِ. لن يكون أحدٌ مثلكِ أبدًا، يا صديقتي القديمة.»
وقعت نبرة صوت هاورد على تانير وقعًا شديدًا. أمسكت الكأس وجرعت الشراب القويّ دفعةً واحدة، بالكاد تتذوّق تلك الخمرة الرائعة. «من المؤسف أنّ المدينة بعيدةٌ جدًّا عن ترافيس، عن الدهليز. لو استطعنا بناء حصنٍ حولهما معًا، لجعل قراري أيسر بكثير.»
«مع تنشُّط اللوكس، لم يعد ذلك ممكنًا الآن.»
«أجل، أعلم. آه، عليك أن تكلّم الأخ روبيرت. لقد عقد صفقةً غريبةً جدًّا مع ترافيس.»
«ومَن ترافيس؟» ارتشف هاورد مزيدًا من البراندي الفاخر.
«تراف هو الدهليز. إنّه حيٌّ يفكّر، وذكيٌّ كأيّ أحدٍ تمامًا. أنت لا تتعامل مع الكوبولد فحسب يا هاورد، ولا حتّى مع كوبولدٍ أنا واثقةٌ أنّهم كانوا جميعًا بشرًا من قبل، بل الدهليز نفسه قادرٌ على التفكير والتفاوض.» ومدّت يدها ذات المخالب، فسكبت لنفسها براندي آخر. «وأتعرف الجزء الجنونيّ؟ إنّه يهتمّ بأمر نورثريدج. يهتمّ بالناس. إنّه فقط... الصفقة مع الأخ روبيرت هي لتأمين التعاويذ والبعث الزهيد للجميع في المدينة.»
كان هاورد ممتنًّا لأنّه شرب معظم كأس البراندي حين أفلتت من قبضته وارتطمت بالأرض. حتّى صوت الكأس البلّوريّة المُتقنة الصنع وهي ترتطم بالسجّادة لم يُعِد عقله إلى الحركة. استغرق الأمر عشر ثوانٍ قبل أن يستطيع إيصال فكرةٍ إلى فمه. «ماذا فعل؟!»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion