Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 6
﴿حالة [الدهليز]:﴾
﴿المستوى 1﴾
﴿القلب 400/400
الخبرة 15/100
العمّال 2/5
الوحوش 0/10-2
الفخاخ 5/10+2
الغرف 5
الطعام 82
الخشب 219
الحديد 29
المانا 0
الصخر 52
الذهب 20
الجلد 4﴾
﴿المهمّة: اجمع 100 وحدة طعام﴾
دُهش ترافيس حين عاد ستيفان أخيرًا. كان يحمل حقيبة ظهرٍ بدت هزليّةً في ضخامتها بالقياس إليه، وذراعاه مثقلتان بمزيدٍ من الأشياء. أكثر ما حمله كان رزمًا من الجلود، نقلها صامتًا إلى المدبغة. وحين نشرها في مواضع مختلفة من الغرفة، حظي ترافيس بدَفعةٍ كبيرة في مخزون جلده.
«لديّ أشياء أخرى أودّ إحضارها. أثاثٌ في الغالب، لكنّه مِلكي، وليكن اللعن نصيبي إن جعلني هذا،» وأشار ستيفان إلى نفسه، «أزهد في كلّ ما كدحت من أجله.» قال ذلك ثمّ استدار وشرع يخرج مجدّدًا.
«ستيفان، هل من شيءٍ أقدر على فعله لأساعدك؟» سأل ترافيس.
توقّف ستيفان عند مدخل الدهليز، ودفع الأجَمة جانبًا فرأى الشفق يُطبِق على الغابة من حوله. تنهّد. «لا يا تراف. سأتجاوز الأمر عمّا قريب، لكنّه يحتاج بعض الوقت. لك أن تقول إنّي لم أخطّط قطّ لأن أُحوَّل إلى كوبولد هذا الأسبوع.»
استغرق ترافيس لحظةً ليدرك أنّها مزحة. «حسنًا، أعِدك أن أكون خير مأوًى يمكنني أن أكونه، إن كان ذلك يساعد؟»
أطلق ستيفان ضحكةً نابحة وأومأ. «أجل، يساعد نوعًا ما. أخبِر بِن أنّي لست غاضبًا منها، فقط... سأعود بعد قليلٍ ببعض الأثاث.»
وإذ حوّل تركيزه إلى بِن، راقبها ترافيس وهي تقف وحدها في الغرفة الفارغة بين مناطق عملهم الأخرى، وقد بدأت تدور حول نفسها بخنجريها. استغرقه الأمر لحظةً ليدرك ما تنويه؛ فقد كانت تتدرّب. لم يبدُ جسدها يتحرّك على النحو الصحيح، لكن كلّما طال تمرّنها بدت الحركة أكثر طبيعيّة.
بدأت من جديد، وحركتها الآن أكثر سلاسةً بكثير، إذ تستدير وتركل وتضرب بل وتعضّ خصومًا متخيَّلين. وحين توقّفت عن مصارعتها الوهميّة، تدخّل ترافيس: «لديّ فخٌّ جديد.»
«حقًّا؟ ماذا حصلت عليه؟» وإذ أعادت خنجريها إلى غمديهما، استدارت بِن نحو مدخل الغرفة وانطلقت.
«فخّ الوحل. يُبطئ الأشياء، وله ترقياتٌ لطيفة. لزوجة إضافية تجعل من يعلق فيه معرّضًا لأن يلتصق تمامًا، والطُّعم... أظنّه يعمل كفخّ الحفرة.»
«ثمّة ترقيةٌ أفضل لها، لكن أظنّها ستتطلّب المصهر: حشو الوحل بالحسك. إنّه أشدّ الفخاخ إزعاجًا على الإطلاق؛ حتى في المستويات العالية يكون التعامل مع ممرٍّ مليءٍ بها كابوسًا.» وبينما كانت تمشي، لاحظ ترافيس أنّ بِن تسير بيُسرٍ أكبر بكثير، وإن كان وِركاها يتمايلان أكثر.
«أظنّ الوقت قد حان لصنع الشيء إذن. حسنًا، دعيني أضعه لكِ لتبنيه.» اختار ترافيس الغرفة ليضعها وثبّتها في المكان الذي كانت بينيلوبي تتدرّب فيه. «نحتاج حديدًا وذهبًا. ومزيدًا من الطعام أيضًا. لديّ مهمّةٌ من نوعٍ ما لجمع مئة طعام. لست متأكّدًا إن كنّا نحتاج جمع مئةٍ فوق ما لدينا، أم أنّ علينا فقط بلوغ المئة.»
«كم لدينا الآن؟» سألت بِن، مستديرةً نحو الغرفة بأمر البناء.
«اثنان وتسعون بعد ما أحضره ستيفان للتوّ. أظنّ أنّه إن استطاع اصطياد المزيد بأشراكه، فسنبلغها في نهاية المطاف.» لم تكن مراقبتها وهي تعمل تعني شيئًا لترافيس إلّا إذا اعتبر دهليزه بأكمله لعبة. فبينيلوبي كانت تسحب الأدوات والموارد من العدم، وبنت المصهر سريعًا في وسط الغرفة. رافق ذلك خسارةٌ مزعجةٌ للحديد، لكنّ كلفة المصهر من الصخر لم تكد تنال من مقدار ما نقّبته بينيلوبي سابقًا.
«حسنًا. إن كنّا سننقّب، فعلينا نصب بعض الفخاخ في ذلك النفق. لا أريد أن نخترق كهف وحوشٍ عن طريق الخطأ فتنقضّ علينا المخلوقات الشرّيرة.» انطلقت بينيلوبي عائدةً نحو نفق التنقيب.
غير أنّ لدى ترافيس فكرةً أفضل. «لا، سنفعل هذا كما ينبغي. حتى نؤمّن ذلك النفق، سألفّه ليدور ويتّصل بنفق المدخل. عندئذٍ يمكننا إضافة مزيدٍ من الفخاخ هناك.»
«أنتَ... حسنًا يا تراف، أنتَ بارعٌ في هذا حقًّا. ما كان دهليزٌ عتيقٌ ليملك الذكاء لفعل شيءٍ كهذا، فما بالك بواحدٍ جديدٍ مثلك. خطّطه وسأحفره.» لم تكد بينيلوبي تنتظر لحظةً حتى كان ترافيس قد ضبط نمط النفق الجديد وثبّت خطًّا كاملًا من الفخاخ الجديدة.
كما حدث مع أنفاق المنجم التي حفرتها أوّل مرّة، انساقت بينيلوبي إلى إيقاع الحفر وتركت جسدها يؤدّي العمل بينما تأمّلت فيما آل إليه أمر حياتها. تحرّكت فأسها وفكّرت في ستيفان. فرغم كذبتها عليه التي لم تكن تحسبها كذبًا حقًّا، كان رجلًا نافعًا وجوده معهم.
أوغلت في التأمّل في تخصّصاتها هي، التي لم تتجاوز حتى الآن معرفةً بالدهاليز وذراعين قويَّتين صالحتين للحفر. وبعد بضعة مقاطع من الأنفاق المتقاطعة، اتّجهت صوب المدخل واستعادت وتيرتها.
كانت تعلم أنّ ترافيس يحتاج مزيدًا من العمّال. مزيدًا من الكوبولد، ما يعني مزيدًا من الناس يُستدرَجون إلى الدهليز دون قتلهم. وإذ أمعنت التفكير، أدركت أنّ هذا سيتطلّب إمّا خداع مزيدٍ من الناس (كما حدث مع ستيفان)، أو استخدام التهديد بالموت. فجمال فخاخ الوحل، كما تعلم جيّدًا، أنّها تتمهّل في القتل.
«تراف؟»
«ما الأمر؟»
«لا أريد خداع الناس ليصيروا كوبولد. في الأمر شيءٌ من قلّة الأمانة.» حفرت مقطعًا آخر من النفق واستدارت عند المنعطف نحو أوّل ذراعٍ من حرف الـS الكبير عند المدخل. «فماذا لو نصبنا حفنةً من فخاخ الوحل تلك، وحشوناها بالحسك، ثمّ عرضنا إنقاذ الناس منها إن وافقوا على المساعدة؟»
«حسنًا، أعني، أنا لا أريد قتل الناس حقًّا، لكن إن كانوا يحاولون الوصول إلى نواتي، وليس لديّ سوى طابقٍ واحدٍ الآن، فذاك هو الهدف الوحيد، فعندئذٍ عليّ استخدام القوّة القاتلة.» توقّف ترافيس بُرهةً، دون أن يكون قد أجاب عن السؤال بعد. «حسنًا، يبدو ذلك جيّدًا. لكنّنا لا نريد الحمقى، لذا سأغربل الناس لأرى من نريد الاحتفاظ به.»
«علينا جميعًا أن نتعايش مع أيّ شخصٍ نجنّده. أظنّ أنّ الأفضل أن نوافق جميعًا على أيّ أحد، أيّ أحدٍ يكون مغامرًا على الأقلّ. لا تفهمني خطأً، كنت واحدةً منهم سابقًا، لكنّ ذلك يعني فقط أنّي أعرف هذا الصنف أكثر من أيّ أحد.» رفعت بينيلوبي الفأس ونظرت إلى عملها. «على أيّ حال، عليّ الآن المزيد من الحفر. الحديد والذهب هما مطلبا اليوم، أليس كذلك؟»
«صحيح، وإن قفز عليكِ أيّ شيء، فقُوديه إلى الفخاخ. لكن عليكِ العودة عبر المكان الذي يلتقي فيه النفق بغرفة نواتي وردم ذلك المقطع الصغير كي يُساق كلّ شيءٍ في المسار الملتفّ. هذا هو أمر البناء. حاولي أن تتأكّدي من أنّكِ على الجانب الآخر منه.»
عائدةً وهي تتخطّى فخاخهم قافزة، مرّرت بينيلوبي يدها على نواة ترافيس قبل أن تجد نفسها عند النفق المزمع ردمه. «حسنًا، أفهم ما تعنيه.» تراجعت إلى المقطع الجديد، ونكزت السقف بفأسها فتهاوى الصخر ليملأ الفجوة.
استدارت ونظرت إلى الأنفاق التي كان يُفترض أن تكون حالكة السواد. «كنت أجد صعوبةً في الرؤية في الدهاليز المظلمة. حتى إنّي فكّرت في اقتناء بعضٍ من تلك النظّارات الفاخرة التي تجعلك ترى كلّ شيءٍ بالأبيض والأسود مهما كان مستوى الضوء. هذا أيسر بكثير. حسنًا، وجّهني إلى واجهةٍ صخريّة ودعني أنقضّ عليها!»
ظهر الأمر عمّا قريب، فانهمكت في تمديد النفق الرئيس وإضافة مزيدٍ من المتفرّعات إليه. وحين توغّلت في العِرق الأوّل بمقدار ستّ كتلٍ من الصخر فحسب، امتلأت رؤيتها بلونٍ أصفر متّسخ. «تـ-تراف!»
«أراه يا بِن. يقول إنّه عِرق ذهب. جرّبي، آه، أن تنقريه بفأسك.» بدا صوته متحمّسًا في رأسها. وحين ضربته بفأسها بضع مرّاتٍ فانفصلت كتلةٌ كبيرة من الأصفر، هلّل فرحًا. «كان ذلك خمسة عشر ذهبًا يا بِن! خمسة عشر!»
كان ذلك قدرًا سخيفًا من الذهب أن تناله ببساطة. دون تفكيرٍ ثانٍ ضربت مجدّدًا، ومجدّدًا، ومجدّدًا. ثلاث مرّاتٍ أخرى حرّرت كتلًا بحجم الأولى. «كم لدينا الآن؟»
«لدينا ثمانون، لكنّي أراه يظهر في المستودع، فلا بدّ أنّ سعتي منه ليست كبيرة في الأحوال العاديّة. آه، وذلك المستودع مليءٌ جدًّا بالصخر.» بدا لها قلقًا بعض الشيء. «سنحتاج مزيدًا من المستودعات.»
«دعيني أجمع قليلًا آخر من هذا. ما أوّل ترقيةٍ رائعةٍ يمكننا الحصول عليها بالذهب والصخر وحدهما؟» وإذ ضربت مجدّدًا، راقت لبينيلوبي حقًّا فكرة الحصول على كثيرٍ من الذهب. كانت فكرةً غريبة، لكنّها كانت تخطّط بالفعل لقضاء الليلة في المستودع على الذهب الذي يُرجَّح وجوده هناك.
«لا شيء، حقًّا. حسنًا، باستثناء فتح الوحوش التِنّينيّة. أنريد وحوشًا حقًّا؟ أعني، أظنّ أنّ معظم الدهاليز تحبّها لقتل المغامرين، لكن ليس ذلك ما أنا بصدده.
ثمّة فتوحاتٌ لزيادة الحدّ الأقصى لعدد العمّال. أظنّنا في غنًى عن ذلك الآن.
إن استطعنا الحصول على بعض الحديد، فثمّة ترقيةٌ تجعل من أحد مخلوقاتي زعيمًا. لا أدري كيف يعمل ذلك دون وحوش، لكنّه لا يتطلّب ترقية الوحوش كي يعمل.»
«هذا كثيرٌ من الأمور في الواقع،» قالت بينيلوبي. «زعماء الوحوش يأتون على أصنافٍ عدّة. هناك زعماء المستوى، والزعماء الفرعيّون، وزعماء الدهليز. الأوّل قد يكون وحشًا أقوى في الطابق. والثاني يظهر كلّ خمسة طوابق، وقد يكونون بالغي الخطورة. والثالث عادةً ما يكون أسوأ نبأٍ قد تصادفه. وفي دهليزٍ ذي نمطٍ تِنّينيّ كهذا، سيكون تنّينًا.
أمّا الوحوش العاديّة، فأظنّني على ما يُرام بالفخاخ وحدها. يمكننا التحكّم في الفخاخ. أمّا الوحوش فتبدو... لا أدري، مجرّد متاعب أكثر. الزم الكوبولد؛ فنحن خير وحوشٍ قد تحتاج إليها يومًا.»
«حسنًا، فإن حصلنا على بعض الحديد، أخذنا شأن الزعيم ورأينا إلامَ يؤول. وهناك أيضًا فتح الدرجة الأولى، وهو كومةٌ من الذهب والخشب والطعام والخبرة. لندّخر من أجله، لكن في هذه الأثناء نحن بأمسّ الحاجة إلى الحديد و... اذهبي إلى الباب! ستيفان في ورطة!»
كانت كلّ الأغطية والجلود من فراشه ملفوفةً في رزمة. وكان لديه عدّة قطعٍ من اللحم المُقدَّد مربوطةً معًا، وأخيرًا كانت ربطةٌ صغيرة من القشّ حِمله الأخير. قبل أيّامٍ فقط لكان عجز عن رفع أيٍّ من هذه الأحمال، لكن رغم أنّه صار أقصر وفقد عضلات رجلٍ كدح طوال عمره، رفع الأحمال الثلاثة جميعًا على ظهره.
«ليس الأمر كلّه سيّئًا، على ما أظنّ.» وإذ خرج من كوخه الصغير، نظر ستيفان إلى حديقة خضاره التي كان يستكمل بها قوته. «سأعود إلى تلك أيضًا. قد تحتاج أن تُخفى قليلًا، لكن يمكنني أن أفلح ببعض الدرنات والبصل على الأقلّ.»
وبينما بدأ يعود سيرًا، شعر ستيفان بمزيدٍ من الطمأنينة تعود إليه شيئًا فشيئًا. كلّ ذلك التوجّس الذي اكتسبه وهو يمشي في الغابة، خارج الدهليز، كان يتلاشى وهو يصوّب ناظريه نحو العودة. كان قد قطع نصف الطريق قبل أن يشعر بالغابة تسكن من حوله.
ملأت ستيفانَ قشعريرةٌ لا تقوى على إحداثها حتى أشدّ المياه صقيعًا؛ إذ علم أنّ في الغابة مفترسًا أكبر منه. ودون أن يغيّر وتيرته، حاول أن يتصوّر ما حوله وما حول مدخل الدهليز. «تراف، إن كنت تسمعني، أظنّ أنّ ثمّة شيئًا يطاردني.»
لم يكن ثمّة سوى الصمت. حاول ستيفان أن يستجمع بعض الهدوء ليفكّر بوضوحٍ أكبر. «ستكون العودة على حافّة النجاة. لديّ حِملٌ من الأشياء من كوخي، لكن ما من شيءٍ منها أرضى بالتخلّي عنه، وأقلّها الطعام. إن ركضتُ، هاجمني عاجلًا لا آجلًا.»
وهو يتحرّك، كان ستيفان يحاول تجنّب وطء العصيّ وسائر الأشياء اليابسة تفاديًا لإحداث ضجيج. فإن كان ما يتبعه يفعل ذلك اعتمادًا على الصوت، حسِب أنّها قد تكون وسيلةً لتفاديه.
كان شفق المساء ينحدر على الغابة، وإن لم تكن العتمة لتضرّ بفرصه في الرؤية. كان المدخل الخفيّ للدهليز في مرمى بصره حين سمع غصنًا يُقصَف بصوتٍ بدا كأنّه صدى، لكنّه دوّى خلفه تمامًا. «لن أنجو.»
ثمّ سمع صوت ترافيس. «رأيتك في ورطة. بِن خارجةٌ من الأمام الآن، استعدّ للانحناء إلى يمينك حين تفعل.»
ورجلاه تضخّان بقوّة، وذيله يتمايل قليلًا ليوازن نفسه، ظلّت عينا ستيفان مثبّتتين على المدخل الخفيّ حتى رأى بينيلوبي. وإذ بدأت تُرجِع ذراعها إلى الوراء، خطا خطوةً واسعةً إلى اليمين وسمع شيئًا يمرّ محلّقًا بجانب رأسه.
أدارت صرخةٌ عاويةٌ رأس ستيفان، فرأى ذئبًا يبلغ من الطول قامته ونصفها يتدحرج على أرض الغابة بعينٍ داميةٍ محطّمة. وكان آخر خلفه تمامًا، يثب فوقه، وينقضّ عليه.
«إلى الداخل هنا!» أمسكت بينيلوبي الأدغال جانبًا لستيفان وهو يقترب من المدخل.
كان الذئب، وهو ذئبٌ رهيبٌ بالنظر إلى حجمه، ملتصقًا بعقبيه حتى إنّه كاد يشعر بأنفاسه على مؤخّرة عنقه. لم يكد يدخل النفق حتى سمعه يرتطم بالكومة المتساقطة التي كانت تُخفي الدهليز.
«إلى أسفل هنا. هيّا!»
كان صوت بينيلوبي، في نظر ستيفان، صوت ملاك. حمَل رجليه على التحرّك أسرع وهو يدور عند المنعطف ويدخل النفق. وإذ انعطف يسارًا إلى مدخل الـS، لاحظ النفق الجديد الممتدّ في الظلام.
حين بلغ الذئب الرهيب الأوّل المنعطف، جاهد الوحش ليدور حوله دون أن يفقد كلّ سرعته. وخلفه كان يُسمع الذئب المصاب يزمجر ساخطًا.
«هيّا. علينا فقط تجاوز الفخاخ.»
تفادى ستيفان مُطلِقات الفخاخ برشاقةٍ كان ينبغي أن تفوق قدرته بالحمل الذي كان يحمله. اندفع حول القطعة المائلة الصغيرة من النفق بعد الفخاخ وضغط ظهره على الجدار. «مـ-ماذا...؟»
كانت هناك صرخةٌ وصوت ذئبٍ رهيبٍ يسقط في فخّ حفرة. كان أنينه الصارخ في القاع أوثق دليلٍ على أنّ بينيلوبي قد ركّبت الأشواك في القاع. وبعد لحظةٍ دوّى صوت ارتطامٍ خافت، ثمّ ثانٍ، وأخيرًا صرخةٌ حادّة من الذئب نصف الأعمى إذ صادف رامي السهام.
تاركًا المؤن على الأرض، تبع ستيفان بينيلوبي إلى المنعطف واختلس النظر من حوله. كان الوحش ينهش الهواء عشوائيًّا، والدم ينهمر من عينٍ ثانيةٍ محطّمة. أعمى، بدا مذعورًا وساخطًا. تراجع بضع خطواتٍ قبل أن تهبط رِجله الخلفيّة فلا تجد شيئًا تحتها.
«الآن.» ومخالبها تغرز في الحجر، اندفعت بينيلوبي إلى الأمام نحو الذئب الرهيب. وإلى جانبها، لم يكن لدى ستيفان أدنى فكرةٍ عن ماهيّة الخطّة بالضبط، لكنّه خفض كتفه في اللحظة نفسها التي فعلت فيها ودفع الذئب.
للحظة، وهو يدفع بجنب الذئب، شعر ستيفان بأنّ قوّة الوحش تفوق الاحتمال. زمجر من خلال فكّه المُطبَق وغرز مخالبه في الحجر تحته ودفع بكلّ ما أوتي.
حاول الذئب الرهيب أن يستدير ليتعامل مع الكوبولدَين، لكنّ ذلك أفقده توازنه، ومع محاولةٍ أخيرةٍ لينهش أحدهما، سقط في الحفرة هو الآخر.
وبكلّ ثقله وقوّته مندفعًا في الحيوان، تهاوى ستيفان إلى الأمام وشرع يصيح، لكنّ بينيلوبي أمسكت ذراعه بيدٍ وإطار فخّ السحق المُطلَق باليد الأخرى. «شكرًا!»
وإذ سحبت ستيفان بعيدًا عن الحافّة، ربتت بينيلوبي على ظهره. «ظننت أنّي فقدتك في الخارج. كان ترافيس يصيح بي أن أفعل شيئًا لأبطئها. ذئابٌ رهيبة، بالمناسبة.»
وصوته يرتجف قليلًا، أومأ ستيفان. «أعلم، أعلم ما الذئاب الرهيبة. لا ينبغي أن تكون في هذه الأنحاء. ثمّة زمرةٌ صغيرة من الذئاب الرمادية في الغابة. أنا... بيني وبينها اتّفاقٌ نوعًا ما. أوانٍ من الماء النظيف، وأيّ حيواناتٍ صغيرةٍ فائضةٍ لا آكلها بنفسي أحصل عليها من فخاخي،» ارتجف وهزّ رأسه، «تلك الوحوش كانت لتقتلها.»
وإذ نظر إلى أسفل في الحفرة، استطاع ستيفان أن يرى الذئبين في القاع، بلا حَراك، وأن يشمّ رائحة الدم القويّة.
«عليّ أن أذهب لأجد سكّيني. سأعود بأسرع ما يمكن،» قالت بينيلوبي، متفاديةً حافّة فخّ الحفرة ونازلةً في النفق نحو المدخل.
وإذ جثم ستيفان، لاحظ رائحةً مختلفةً تنبعث من الحفرة. كانت أكثر من مجرّد الدم والأحشاء؛ كانت شيئًا لم يشمّه قطّ حين كان إنسانًا. وأغرب ما في الرائحة أنّها كانت تشتدّ كلّما طال جلوسه هناك، وحين وقف قليلًا خفتت.
«ماذا تفعل؟ ألم تُجهِز عليها بعد؟» سألت بينيلوبي حين عادت بسكّينها.
«ثمّة شيءٌ غريب. علق أحدها علوقًا شديدًا، أشمّ أحشاءه ودمه، لكن هناك رائحةٌ أخرى ها هنا.» وإذ استنشق أكثر، استدار رأس ستيفان فجأةً حين اقتربت بينيلوبي إلى جانبه. «رائحتك مثلها أنتِ أيضًا.»
نظرت بينيلوبي إلى أسفل، وأخذت نفسًا عميقًا، لكنّها لم تلحظ شيئًا. وحين استدارت لتنظر إلى ستيفان، وفتحت فمها لتتكلّم، بدا كأنّه قد مرّ للتوّ بتجربةٍ دينيّة. «ماذا؟»
«أنفاسك. ذلك ما أشمّه، الأنفاس.» نظر ستيفان إلى الجثّتين في الحفرة. «إحداها تتظاهر بالموت.»
ضحكت بينيلوبي بخفوت. «هذه... هذه حيلةٌ ظريفة يا ستـ...»
«ستيف فقط. نادِني ستيف.»
«فهمت يا ستيف، وشكرًا.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion