Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 80
لم يكن راضيًا تمامًا بأنّ دهليزًا قد بُني على هذا القرب، إلّا أنّ ذلك الدهليز لم يفعل بعد أكثر من إرسال تابعٍ يخدش جدرانه. ولم يكن على يقينٍ بما يعنيه ذلك، لكن لم يظهر حتّى الآن دليلٌ آخر على أنّ الدهليز يريد قتله.
وحين وجد جنوده يصدّون بسهولةٍ هجمات الغوبلن والأموات الأحياء على حدٍّ سواء، اطمأنّ إلى أنّه في أمان. ثمّ زاد اطمئنانه حين هجم دهليز التنّين الغريب على الأموات الأحياء وحرسُه هو يسانده.
ولمّا لم يبقَ له ما يفعل، قرّر أنّه بحاجةٍ إلى أن ينمو ويصير أكثر ممّا هو. فنام ونما.
حين استيقظ نورثريدج، أحسّ أنّ حياةً جديدةً قد دبّت فيه. لم يعرف قبل ذلك صفاءً ولا تركيزًا كهذين. نظر إلى الخارج من خلال ما يزيد على ألف عين، بعضها يُحدّق شزَرًا في دهليز الأموات الأحياء البغيض، وبعضها يتلفّت إلى شتّى النُّتَف والأجزاء الصغيرة منه هو، تلك التي كانت تُؤلّف حياتهم.
وتمدّد ببصره، يُراقب جنوده البواسل يحرسون الأسوار، وقافلةَ عرباتٍ تتدحرج نحوه ببطءٍ من الجنوب الشرقيّ، وحتّى قائدَ حرسه يلعب النَّرد مع كوبولد، ويخسر.
وتأمّل نورثريدج ما رآه من هذا الدهليز، وما يعرفه عن الدهاليز من كلّ ما يلمع في ذاكرته من ذكرى. فالدهاليز ثلاثة أنواع: ما يُرعى، وما يُستغَلّ، وما يُدمَّر. وكان عنده نوعان يستطيع أن يفهمهما، ثمّ هذا النوع الثالث.
فدهليز التنّين لا يحتاج إلى رعاية، ولا هو من الخطورة بحيث يستوجب الإفناء، وعلى ما استطاع نورثريدج أن يتبيّن، لا ينقاد للاستغلال.
وكان ثمّة ما يستطيع نورثريدج أن يُشبّهه به، شيءٌ يُحسن أهل البلدة كلّهم تصوّره: مدينة. وإذ راح يُفكّر في الأمر، أعجبه كيف تربط الفكرةُ علاقتهما وتُلائمها. ولمّا حُلّت تلك المسألة، صار في وسعه أن يُقدّر رغبة الدهليز في تقصير الطريق بينهما. فمدّ نفسه وشدّ نحو ذلك الدهليز، مُحاولًا أن يُعبّر عن هذا التغيّر في المنزلة.
لم يكن لنورثريدج من الإدارة التفصيليّة ما يقدر عليه دهليز، لكنّه كان يستطيع أن يمنح الناس تعزيزاتٍ وعلاواتٍ في أعمالهم، وقد فعل ذلك حين تبيّن أطقم العمل الأساسيّة. فنال العاملون على أسواره نصيب الأسد، بينما نال كلٌّ من أعظم تابعين في المدينة، تاجرٌ وصانعٌ، تعزيزاته الخاصّة.
وعلى ما في مراقبة روتين الجميع اليوميّ ومعايشته من إمتاع، كان لنورثريدج أهدافٌ بعينها يرغب في تحقيقها. فأسواره منيعةٌ كما هي، وستكون موضع تراجعٍ حسنًا إن جاءت هجماتٌ كبيرة، لكنّه كان يريد أن ينمو.
وذلك النزوع، مع ما بثّه في قادته من الحاجة إلى التوسّع، استدعى ذكرى. كان الأمر كلّه غريزةً حين وقع، لكنّ البنّاءة الوحيدة التي شيّدت أكثر مباني الحجر كانت قد ماتت، وكان الدهليز قد أنقذها. وانتفض نورثريدج في نفسه ممّا صنعه بتلك البنّاءة، وممّا كان من دفعه لها بعيدًا.
ونفى عن نفسه ذلك الجانب الغريزيّ القائل لا مكان لك هنا، إذ رآه حُمقًا وفكرةً سيّئةً من أساسها. ووعد نورثريدج نفسه أن يمضي قُدُمًا بنيّة النموّ، ولو كان له حليفٌ من الدهاليز.
لم تكن أوغميرا قد صحبت رفقةً كالتي هي فيها في تلك اللحظة قطّ. فقد صاروا في الدهليز يومين، ينامون بالتناوب في الليل، وقد اخترقوا عشرة طوابق حتّى الآن، لكنّ أغرب ما وجدته أن يكون على رأسهم درعٌ من الكفاءة بحيث لا يستطيع وحشٌ واحدٌ من الأموات الأحياء أن يقتحم صفّهم.
ولم تكن كذلك قد خبرت القتال في دهليزٍ ووحوشُ دهليزٍ آخر حلفاءُ لها. «يبدو هذا أسهل من اللازم.»
«لا. إنّه سهلٌ بالقدر الذي أحبّه.» وكانت فايف هي أيضًا تُجرّب تجاربَ جديدة. بعضها أحبّته وبعضها لم تُحبّه، لكن ما دام الشيء مختلفًا كان حماسها كافيًا لتمضي فيه. وكان الطعام آخرها، أو بالأحرى غيابه. فلم تأكل منذ انطلاقهم من دهليز ترافيس، ولا نامت أكثر من ساعاتٍ قليلةٍ في الجملة. «أتمنّى أن نجد قلب هذا الشيء حتّى نستطيع أن...»
«لا نستطيع يا فايف. سنُقاتل نزولًا إليه، ونجعل فيلنا تفعل به ما تفعله، ثمّ نرحل. هذا تهديدٌ صريحٌ للدهليز بأن يتراجع.» وكانت بينيلوبي مُوليةً ظهرها للمجموعة التي تتحادث، لأنّها كانت في المراقبة. «وإن أُذِن لنا، عُدنا وأنجزنا العمل.»
وإذ نهضت فايف من جلستها المستريحة، أدارت كتفيها ونفضت ذيلها، وذلك شيءٌ جديدٌ آخر تستلذّه لأنّه جديدٌ فحسب. «ربّما يصير أعتى حينها، هيه؟»
«أنتِ مهووسةٌ بالقتال.» ومدّت بينيلوبي يدها إلى الخلف نحو فايف ونقرت كتفها. «أتتولّين المراقبة؟ أريد أن أصعد إلى السطح وأرى إن كان قد وردنا خبرٌ في الأمر.»
وابتسمت فايف ابتسامةً ماكرةً وأومأت. «قد تكون هناك انبثاقاتٌ خلفيّة. احترسي.»
«ليس في وحوش هذا العلوّ ما يُشكّل عليّ مشكلةً ما دمتُ أُواصل الحركة.» ولمّا حلّت فايف مكانها، مضت بينيلوبي مُتجاوزةً بقيّة المجموعة وصعدت السلّم إلى الطابق السابق. وكانت الأنفاق ساكنةً هادئة، وليس في ذلك أفضل دليلٍ على خلوّها، إذ إنّه دهليز أمواتٍ أحياء.
«كم تريدون أن تطول الراحة بعد؟» سألت فايف.
وإذ تفقّدت أوغميرا مَن ليس من الكوبولد منهم، قالت: «خمس دقائق ويكونون قد أكلوا واستعدّوا. ألن تُبطئي لأنّ بِن ليست معنا؟»
«أتُريدين أن نُبطئ، أم تُريدين أن تُعجَب هي في سرّها بأنّنا لم نُهدر وقتًا؟» ولم ترفع فايف عينيها عن النفق أمامها. فدهليز الأموات الأحياء، كدهليز ترافيس تمامًا، مليءٌ بالانحناءات والالتفافات، لكنّها في الوقت نفسه كانت تُحسّ جذبًا في مسلكٍ واحدٍ عند كلّ مَفرقٍ يبلغونه. «لأنّي أريد أن... رماةٌ قادمون. كيت، معي.»
وإذ تجاوزت كيتلين سائرَ مَن في مجموعتهم، أخذت موضعها خلف فايف. فقد مرّت بها، منذ صارت كوبولد، مواقفُ قتاليّةٌ عدّة، لكنّها كانت كلّها معارك دفاع. أمّا اقتحام دهليزٍ فكان جديدًا عليها. وصوت السهام يرتطم بدرعٍ من الفولاذ بعث في عمودها الفقريّ قِشْعريرة، فالهياكل العظميّة تبذل قصارى جهدها لقتلهم، لكنّ فايف كانت أشبه بجدارٍ بين مجموعتهم والخطر. «قولي لي متى.»
«إنّهم يُناوبون رمياتهم. والأرجح أنّ الدهليز يُوجّههم، فقد رآنا نفعل هذا كثيرًا. حسنًا... الآن!» وكان في الطريقة التي تلاشت بها كلّ قطرة رطوبةٍ في الهواء وجفّ بها آخر حلقها شيءٌ جعل دمها يخفق.
وكانت الحرارة الحارقة التي اندفعت من جانب فايف ووقعت على الهياكل العظميّة شرابًا مُسكِرًا لحبّ فايف للقتال. وظلّت تُراقب حين رمى سهمًا الهيكلُ العظميّ الوحيد الذي لم تُحرقه الرُقية حتّى صار فحمًا. فأزاحت درعها قليلًا وصدّته عن أن يُصيب كيتلين. «عملٌ حسن.»
«شكرًا على الصدّ.» وطقطقت كيتلين مخالبها معًا، فأرسلت دفقةً صغيرةً من اللهب إلى الهيكل العظميّ الأخير أحرقت رقبته إحراقًا نافذًا. «سنتحرّك قريبًا؟ إلى أين ذهبت بِن؟»
«دقائق قليلة أخرى، أجل. ذهبت لترى إن كنّا قد نلنا الإذن بتفريغ هذا الجحر كما ينبغي. وأحسبها تريد أن تحتضن تراف أيضًا.» وأراحت ذراع درعها قليلًا وأنصتت إلى ضجيج مجموعتهم وهم يتهيّأون لمزيدٍ من المتعة (المتعة بمفهوم فايف على الأقلّ). «فيلنا، إلى جانبي. أتظنّين أنّك تستطيعين تحديد موضع المُوَلِّدات؟»
وإذ هزّت فيلنا كتفيها، ثمّ أدركت أنّ فايف لا ترى الإشارة، أجابت: «أستطيع أن أُحاول. وما لم أرتبط بذلك اللبّ، لا أستطيع أن أُجيبك بيقين. نحن مستعدّون للتحرّك.»
«وكم يدوم ذلك على أيّ حال؟» وإذ تقدّمت، وقد علّمتها خبرة الأيّام الماضية كم تستطيع أن تُسرع، بدأت تُولي الأنفاق والحجر المتفتّت حولهم مزيدًا من الانتباه.
«قبل ما تُسمّيه كيت ممّا صنعه بي تراف، كنت أستطيع أن أُبقيه خمسة أيّامٍ إن ركّزت. أمّا الآن فربّما أقدر على أسابيع. وأحسب أنّ في وسعنا أن نختبر ذلك هنا.» ولم تكن فيلنا تتشوّق إلى ربط عقلها بقلب دهليز الأموات الأحياء. «أكره هذه الأشياء.»
«هل حاولتِ يومًا أن تُقاومي الدهليز؟ أذكر أنّي سمعت مرّةً عن ساحرين تبارزا في رأسيهما. ربّما تستطيعين أن... فخّ! هيه، بعض الوحل. لودي، معك مخزون روبرت، صحيح؟»
«أحرقيه فحسب. لا حاجة إلى إهدار شيءٍ خاصٍّ من أجل الوحل،» قالت فيلنا. «توم، تعال إلى هنا وأحرق لنا بعض فخاخ الوحل.»
ولم يُضايق فايف إلّا قليلًا أنّها لا تستطيع أن تخترق الفخاخ سيرًا فحسب. فحتّى لو لم يُوقعها في شَرَكٍ يكفي لإيقافها، فسيُسبّب المتاعب لأحدهم بلا شكّ. «أجل، هذا خيارٌ أفضل. حسنًا، تقدّم عن يساري وسنعبر هذا حين يزول.»
لم تلقَ بينيلوبي عدوًّا واحدًا في عَدْوها إلى السطح. وكان الدهليز يبدو مُركِّزًا كلّ مواردِه على الدفاع في وجه رأس حربة فريق الاقتحام. وقبل أن تخرج من المدخل، توقّفت وصاحت: «أنا بينيلوبي. سأخرج. لا تُطلقوا عليّ النار وإلّا غضبت!»
وبعد أن توقّفت لحظاتٍ، خرجت إلى العراء ويداها بعيدتان عن سيفيها. ولمّا لم تأتِ فرقعةُ سلاحٍ يُطلق، ارتاحت قليلًا. «كلّ شيءٍ بخير؟»
«أجل.» وإذ نهض برولي من خلف السياج الخشبي، ارتاح إلى أنّها أطلقت ذلك التحذير. «كان الأمر مُمِلًّا هنا. هل البقيّة خلفك؟»
«لا. لكنّه دهليزٌ عميق، وأردتُ أن أعرف إن كان في وسعنا قتله حين نبلغ القاع.» وسارت بينيلوبي إلى جدار الجذوع، فوثبت وأمسكت أعلاه وتخطّته لتحطّ إلى جانب برولي. «فهل من أخبار؟»
واحتاج ضبطًا كبيرًا للنفس ألّا يُحاول الدفاع عن نفسه، لكنّ برولي لم يفعل أكثر من أن شدّ قبضته على بندقيّته. «لا شيء، لكن لم تصلنا شحنة المؤن الأولى بعد، فلا نعلم. أعندك فكرةٌ عن مدّة بقائكم هناك؟»
«إن أردتَ الرحيل، فلا أحسب أنّ بك حاجةً هنا في النهاية. والقلق الوحيد أن يصعد الغوبلن إلى هنا ويُحاولوا الغزو. ومجموعتنا مستعدّةٌ لذلك على أيّ حال.» وإذ جلست ورجلاها مُدَلَّاتان من حرف الممشى، نظرت بينيلوبي إلى المخيّم الصغير الذي أُقيم. «قد أعدو إلى البيت وأرى إن كان عند تراف أخبار.»
«أتستطيعين المرور بنورثريدج؟ أعترف أنّي قلقٌ قليلًا من ترك المدينة ناقصةَ الحرس.»
ونزلت بينيلوبي عن السياج الخشبي، فأدّت تحيّةً واهنةً وابتسامةً عريضةً قبل أن تنطلق تعدو.
ودخولُ زعيم دهليزٍ إلى المنطقة حول نورثريدج أثار فيه صداعًا خفيفًا. فركّز انتباهه على الحرس على أسواره، ونظر من خلال أعينهم فأبصر نصف التنّين وهي تعدو إلى مدخل دهليزها.
واستنفد كلَّ ذرّةٍ من تركيز نورثريدج ألّا يدفع الحرس إلى رفع بنادقهم وتسديدها على الوحش وإطلاق النار عليه. الهدوء. ثبّت نفسه، فوجد في رؤية هذا الكائن في مهمّةٍ بهذه العَجَلة فضولًا.
وحين خطت بينيلوبي إلى داخل مدخل الدهليز، تركها إحساسُ أنّها مُراقَبة. وليس أنّها لم تُومئ للحرس الذين يُراقبون حركتها، لكن كان ثمّة شيءٌ آخر يخمش حدّ حواسّها ليُدرَك. «تراف، هل أنت...؟»
«عشرة طوابق! يا بِن، أنا أنال موارد كلّما بلغتم طابقًا جديدًا! لهذا كان دهليز الأموات الأحياء يهجم! مهلًا، لِمَ أنتِ هنا؟» سأل ترافيس.
«لأنّه أعمق ممّا حسبنا، ورجوتُ أن يكون قد وصلك خبرٌ في أمر قتل الدهليز.» وإذ دلكت جانب رأسها، سُرّت بينيلوبي أنّ ترافيس قد كفّ عن الصياح. «فقد نلنا من هذا بعض الموارد؟»
«ليس بعضًا فحسب، بل كثيرًا من الأشياء. إنّه مثل كو... إنّه كومةٌ لا تشغل حيّزًا. لم يأتِ أيّ خبرٍ في أمر قتل الدهليز، لكنّي لا أحسبني أُريد ذلك الآن. لا وفي وسعنا أن نستغلّ هذا أيضًا. لا بدّ أنّ ثمّة مؤقّتًا يحدّ كم مرّةً نستطيع الاقتحام لننال هذه المكافآت. وأُرجّح أنّه ثلاثة أيّام، وهي المدّة التي كانوا يهجمون علينا فيها.» وكان عقله يتسارع منذ المكافأة الأولى، ويقينه بأنّهم يستطيعون استغلال هذا لا يزيد إلّا مع كلّ طابقٍ يأخذونه. «لا يهمّني أن أدفع لنورثريدج ليبني حصنًا حول ذلك الدهليز. يستحقّ الأمر أن يُستغَلّ.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.