Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 93
﴿حالة [الدهليز]:﴾
﴿الدرجة الثانية
المستوى 20/100﴾
﴿القلب 1440000/1440000
الخبرة 75747/360000
العمّال 27/121
الوحوش 9/123
الفخاخ 71/294
الطعام 3603
الخشب 7322
الحديد 2292
الفولاذ 905
الميثريل 3
خام الميثريل 50
الفحم النباتي 4758
المانا 1161
الصخر 3263
الذهب 1057
الجلد 217
وحل الجلد 215
الحمم 500
الزجاج 483
الرُقُم المتفجّرة 5
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة 0
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة (المتكرّرة) 0
البنادق الطويلة 5
الرصاص 300
البارود الأسود 300
السمّ الأعظم 1200
الكبريت 700﴾
﴿المهمّة: منح فئاتٍ لعشرةٍ من مخلوقاتك.
المهمّة: أَسْرُ مغامرٍ ووضعه في سجنك.
المهمّة: الغوص إلى قاع دهليزٍ لا تقلّ طوابقه عن 20.﴾
انتهى الأمر بترافيس إلى أن يقضي يومًا إضافيًّا كاملًا منصرفًا إلى تجهيز الجميع بعتادهم، وإتمام غرفٍ جديدة، ومحاولة حلّ معضلةٍ غريبة. كان يعلم أنّه خسر بعض مزارات المانا الصغرى، لكنّه كشف كذلك عن طائفةٍ من المزارات الجديدة واتّصل بها، ومع ذلك لم يكن يجني من المانا القدر الذي ظنّ أنّه ينبغي أن يجنيه.
وبينما كان ستيفان في الخارج يقدّم هداياهم إلى مجلس المدينة، جعل ترافيس كيتلين تفحص كلّ مزارٍ من مزارات المانا لديهم، مزارًا مزارًا، لتتأكّد أنّ لا شيء غريبًا يجري. «أيمكن أن يكون ثمّة حدٌّ خفيٌّ للدخل؟» سألها.
«المانا لا تتناقص على هذا النحو تحديدًا.» وهزّت كيتلين رأسها وهي تلتفّ نحو المنطقة الأحدث، حين فرغت من آخر تلك المزارات. «لا أستشعر شيئًا. لا خُفوت، ولا ارتداد، ولا حتّى ضرر.»
«شكرًا على الفحص. سأُبقي عيني عليه. آه، صنفكِ هو التالي عندي. صنف سحرة الدهليز يحتاج إلى ثلاثمئة يومٍ أخرى من البحث، لكنّنا نلتهمه بسرعةٍ الآن.» كان ترافيس قلقًا من خروج لودميلر مرّةً أخرى. لقد عرض عليها درعًا من الميثريل، لكنّها رفضته بسبب الضجيج الذي يُحدثه.
«هات لي مزيدًا من الكوبولد يا تراف، وسأجعل بحثك يدور أسرع فأسرع.» كفّت كيتلين عن كبت سحرها، وتركته يتدفّق على ذراعيها، ويسري في عصاها، ويغمر جسدها كلّه. «وشكرًا يا تراف لأنّك لم تُلحّ عليّ في حمل بندقية.»
«أتمزحين؟ وكيف لكِ أن تستعملي واحدةً وأنتِ على هذه الحال أصلًا؟»
حرصت كيتلين على أن تتوهّج باللهب توهّجًا ساطعًا. «بالضبط! ظلّت فايف تقول لي إنّ عليّ أن أحمل مسدّسين، لكنّي أظنّها صارت مولعةً بالبنادق قليلًا. ومع ذلك، أتعرف، هذا يجعلني أفكّر. ماذا لو وجدتُ طريقةً أخرى لإطلاق شيءٍ منها؟»
«ماذا، بالسحر؟» سأل ترافيس.
«أجل. لا يمكنني استعمال مقبضٍ خشبيّ، لكن ماذا لو ثبّتُّ سبطانة بندقيةٍ في عصاي، وحشوتُها، ثمّ أحدثتُ انفجارًا خلف الرصاصة فأطلقتُها؟ لن يكون ذلك شيئًا يُذكر، لكن سيصير لديّ ما أستعمله ضدّ الأعداء المقاومين للسحر.»
«وكم هي شائعةٌ تلك الأشياء التي تقاوم السحر ولا تقاوم الأذى المادّيّ أيضًا؟ أنتِ من أشدّ ضاربينا بأسًا، ثمّ إنّنا جميعًا عملنا بجدٍّ كي نبلغ مرحلةً لا نُضطرّ فيها إلى فعل ما لا نريده.» وما إن سأل حتّى رأى ترافيس كيتلين تنكمش قليلًا. «لا يزال بوسعكِ أن تجرّبي ذلك إن شئتِ. فبما أنّكِ من الرهط، فلن يهمّ حتّى لو، آه، فجّرتِ بعض البنادق في أثناء ذلك.»
توقّفت كيتلين هنيهةً، ثمّ هزّت رأسها. «أظنّني سألزم السحر إذن. الانفجارات العشوائية لا تبدو ممتعة. آه، هل حصلتَ على تلك الأرانب من الدهليز المُخضرّ؟»
«أجل. بشأنها. ظننتُ أنّ الأرانب أشياء ضئيلة، تكاد لا تكفي لإطعام شخصٍ أو اثنين. تلك الأرانب كانت في حجم الكلب!»
«الآن تفهم لماذا يكون دهليز الحيوانات المُخضرّ ثمينًا إلى هذا الحدّ. الأرانب أدنى مخلوقاته شأنًا، وهي مع ذلك أضخم بكثيرٍ من أيّ شيءٍ يمكنك تربيته بالطرق الطبيعية أو غير الطبيعية. لقد عمل السحرة قرونًا يحاولون تهيئة الظروف المثلى لتربية أرانب بذلك الحجم.» وعبرت كيتلين جدارًا لتبلغ الحرم الداخليّ وتختصر المسافة إلى مكتبتها. «أهناك شيءٌ آخر؟»
«لا. أظنّ أنّ الأمور في قبضتنا الآن.»
لم تكن قائدة الميدان دونّا راضية. ولم تكن كذلك مستعدّةً لاحتمال صخب قادة الميدان الآخرين. «اخرسي يا أستريد!» ورمقت دونّا بنظرةٍ حادّةٍ المرأةَ التي كانت مهمّتها بناء آلات الحصار، وزمجرت: «كم سورًا هدمه مهندسوكِ؟»
«إن لم تهدأا كلتاكما، فسآمر بتجريدكما من سلاحكما وأجعلكما تتقاتلان حتّى تموت إحداكما، أو يُفضَّل أن تموتا كلتاكما.» نقّلت قائدة الميدان هيلدا بصرها بين المختصّتين. كانت، من بين الثلاث، أرفعهنّ نسبًا وأشدّهنّ قوّةً، لكنّها أصغرهنّ سنًّا. لم يكن لأيٍّ من الاثنتين رأسٌ للحرب واسعة النطاق، ولهذا وُضعت هي على رأس هذه المناوشة الحدودية لتحفظ نظامها. «أفرغتما؟»
زاد التوبيخُ من ندٍّ مساوٍ لها في الرتبة غضبَ دونّا اشتعالًا، غير أنّ هيلدا كانت محقّة. لقد أخفقت كلتاهما: هي في محاولتها الاستيلاء على دهاليز المنطقة المختلفة، وأستريد في عجزها عن خرق أسوار المدينة بآلات حصارها. تراجعت دونّا خطوةً وحنت رأسها لهيلدا، وقالت: «سأُمسك لساني في حضرتكِ.»
«أيّتها المتملّقة الحقيرة، يا...» لم يكد صوت نصلٍ يُستلّ يستقرّ في أذني أستريد حتّى أحسّت بحدّ السلاح على حلقها. كان نصلها هي لا يزال في غمده، ولم يكن لديها ما يمنع هيلدا من أن تُنفذ المعدن النادر في أوتارها وعروقها وقصبتها الهوائية.
«أفرغتِ يا أستريد، أم أجعلكِ تفرغين؟» سألت هيلدا بنبرةٍ أبرد من سلاحها. وانتظرت حتّى أطرقت أستريد عينيها قبل أن تُبعد النصل عن حلق المرأة. «لقد مُنينا جميعًا بانتكاساتٍ هنا. شبح الزنادقة اللعين يتسلّل عبر صفوفنا ويدمّر آلاتكِ. وضراوة الجُحرين اللذين صادفتِهما يا دونّا لم تكن في الحسبان. الشيء الوحيد الذي كان في صالحنا هو الوقت، وحتّى هذا يوشك أن ينفد.»
اعتدلت دونّا في وقفتها. ستدفع ثمن إخفاقها، لكنّ هيلدا عرضت عليها شيئًا من الحماية. وكانت تمقت أن تكون أختها الصغرى هي من تحميها. «سأهاجم جُحر ذوي البشرة الخضراء في الشمال. سوف...»
«لن تفعلي. لقد حاصرناهم في حصنهم المرتجل، ولن أرسل مزيدًا من الجنود الأكفاء إلى حتفهم في تلك الحفرة المتعفّنة اللعينة. حتّى سمّ الخاتمة لن يضمن النصر في ذلك الجُحر اللعين.» ورغم ما يجمعها بدونّا من رابطة الدم، كانت هيلدا ستقطع رأس أختها لو لم تُذعن للعقل. «أما زالت لديكِ آلات الحصار الأصغر؟»
«فقدنا اثنتين في جُحر التنّين ذاك. ولديّ ثمانٍ أخرى.» ونظرت دونّا إلى أختها بفضولٍ غير قليل. «ما الذي دبّرتِه لها؟»
ما أرادته هيلدا كان نهايةً للحصار، وجولةً طيّبةً من النهب، ثمّ العودة إلى أراضيهنّ في الشمال. «بحسب ما يخبرني به الكشّافة، أمامنا أسبوعان على الأقلّ قبل أن يأتي أيّ شيءٍ ليوقفنا. وأربعة إن أرادوا جلب قوّةٍ قد تُشكّل عقبة. أريد أن أكون داخل تلك المدينة في غضون يومين. جهّزي محاربي الذئاب يا أستريد. يمكنكِ أن تستعيدي شرفكِ بالقتال على رأسهم ومراعاة الطرائق القديمة. ابني كبشًا ولنحطّم ذلك الباب.»
استدارت أستريد وغادرت خيمة القيادة، ثمّ أمالت رأسها إلى الوراء وتشمّمت الريح. «دمٌ، ونار، وميتةٌ نبيلة.» أضحكتها الكلمات. «سأرضى باثنتين من ثلاث. ارفعوا راية الذئب! سنأخذ البوّابة عنوةً الليلة. ابنوا العوّاء.» فانطلق رقيبها الأوّل مسرعًا بالخبر، حاملًا البشرى إلى المهندسين وإلى فرقة محاربيها الخاصّة.
كان الطريق إلى خيمتها قصيرًا، لكنّ كلّ خطوةٍ زادت أستريد يقينًا بدورها. ستكون أوّل من يعوي للقمر من داخل أسوار تلك المدينة. «أعدّوا درعي الثقيل. ووشاحي أيضًا.» وتركت مرافقيها ينزعون عنها درع الميدان ويستبدلون به الدرع الثقيل الذي كانت تسمّيه جبّارها.
كانت كلّ صفيحةٍ من المعدن المعروف بالأدامانتين تتراكب فوق صفيحتين أخريين. وكانت المفاصل كلّها مغطّاةً بطبقتين من زَرَد الميثريل. كان يزن أكثر ممّا تزن هي، وكلّف فديةً باهظة. واحتاج الأمر إلى مرافقَين يعملان معًا لإلباسها صفيحة الصدر. ورُكّبت القطع الأخرى، وشُدّت بالأحزمة، وأُحكمت حتّى لم يبقَ ظاهرًا وراء الدرع القاتم سوى رأسها. «وشاحي.»
أُلقي فروُ الذئب الضخم، برأسه المجوّف كاملًا، على كتفي أستريد. كانت رائحة الجلد مُسكرةً بما يكفي دون أن تجلب العجوز الشمطاء وعاءً خشبيًّا إلى خيمتها. وبينما كان المهندسون يُعدّون عدّتهم والشمس تميل نحو الأفق، شربت أستريد ما في الوعاء.
أوّلُ ما فعلته الجرعة أنّها عقدت أحشاءها عُقَدًا. فالتقلّصات التي سرت في أمعائها كلّها أوقفت الهضم في مكانه، وضمنت أن تؤدّي السموم التي في اليخنة عملها.
كانت كلّ عضلةٍ في جسدها تشتعل. غمرتها الطاقة، فلجأت إلى التأمّل الذي تعلّمته هي وكلّ واحدٍ آخر من الأولفهيذنار منذ أن تبيّن أوّل مرّةٍ أنّهم يحملون لعنة الذئب. أبطأت قلبها، وهدّأت أنفاسها، ووقفت أستريد عند مدخل خيمتها من الداخل وهي تحسّ العالم من حولها يضيق.
«كم بقي لها؟» سأل أحد المرافقين العجوزَ الشمطاء.
«كونها لم تجمح حتّى الآن يشهد لروحها بالخير. وإن لم تكن قد استعرت الآن، فستستعر قريبًا.»
تبادل المرافقون النظرات، والقلق محفورٌ على وجوههم. ثمّ تقدّموا معًا نحو الخيمة وأزاحوا ستائرها.
بدرٌ مكتمل. لم يكن شرطًا لموهبة أستريد، لكنّه كان يعين عليها. بدأت ذراعاها وساقاها ترتعش، والحركة مخفيّةٌ جيّدًا تحت الدرع الثقيل. ومن تحته كان اللحم يتلوّى والجلد يُنبت فروًا كثيفًا حالك السواد كمنتصف الليل. ومدّت أستريد يدها فقبضت على مقبض فأسها الحربيّة وخطت إلى الليل الآخذ في البرودة.
لم يعد ثمّة إحساسٌ بحرٍّ أو برد، فجسد أستريد كلّه كان يشتعل. لم تكن تقاوم السموم التي في داخلها بل تحتضنها. وانحنت تحت رايتها المثلّثة، ورفعت رأسها الذي لم يعد بشريًّا نحو السماء وعوت.
ولمّا خيّم الصمت على المعسكر البالافيّ كلّه عند ذلك الصوت، بدأت عواءاتٌ أخرى ترتفع هنا وهناك. وجاؤوا مسرعين إلى جانب أستريد فرادى وأزواجًا. كانت تعرف جيّدًا، حتّى ونداء الدم يملأ رأسها، متى اكتمل قطيعها. كان المهندسون قد عملوا بسرعةٍ لبناء الكبش وتصويبه، وحين رأته عرفت ما عليها فعله. «إلى الأمام!»
وفي اللحظة الأخيرة ناول أحدهم أستريد خوذتها، فدسّتها على ملامحها الذئبية. ومع تسارع قلبها، لم يعد ثمّة حاجزٌ يقدر على ردّها.
حين ارتطم كتفها بالعارضة المستعرضة للكبش، لم تكد أستريد تتباطأ. واصطدم قرابة دزينةٍ آخرين بعوارضهم، فاندفع الكبش إلى الأمام بخطًى سريعة. وعلى السور أمامها، رأت بريق أنابيب فولاذيةٍ مرفوعةٍ ومصوّبةٍ نحوها. لم تعد أستريد تبالي بالعدوّ وأسلحته، فلم يكن عليها إلّا أن تحطّم الباب، وسيولم القطيع.
كانت دونّا تراقب في الظلام. ارتطمت أستريد وذئابها بالكبش على البوّابة الأمامية، وبدأت الجذع الضخم يتأرجح. وكان مقدار الضجيج الصادر عن أقلّ من خمسين مقاتلًا كافيًا ليجعل دمها هي يغلي تعاطفًا. وعندها ظهر أوّل هدف.
فوق السور، خرج حرس المدينة من وراء شُرَف السور وبنادقهم مرفوعةٌ إلى أكتافهم. أمّا أوّلهم، وهو رقيبٌ شابّ، فقد نبت فيه خمس أقدامٍ من سهم البالِستا قبل أن يتمكّن من إطلاق بندقيته.
ما كانت أقواس البالِستا، وقد أُضيف إلى كلٍّ منها شريطٌ من الفولاذ، لتصمد طوال الليل. لكنّ المدى الممتدّ الذي منحه التعديل مكّنها من قنص المدافعين على السور من خارج مدى البنادق.
وفيما كانت أستريد تؤرجح الكبش، كانت محجوبةً عن أنظار المدافعين بالمظلّة الكبيرة المنصوبة فوق كبشهم. ومع استمرار القتال وبدء الباب يضعف، لم تكن تشعر إلّا بمزيدٍ من الإثارة. كان الصوت الغريب لتشظّي الخشب، أعمدةٌ لا شكّ أنّ المدافعين يستعملونها في الداخل لتدعيم البوّابة، موسيقى في أذنيها.
كان كلّ شيءٍ يسير على أكمل وجه. كان الكبش يكسر مزيدًا من الدعائم مع كلّ أرجحة، وصارت أستريد تسمع من تكسّر الخشب أكثر ممّا تسمع من عواء قطيعها. غير أنّ صوتًا واحدًا علا فوق ضجيج المعركة: أجنحةٌ جلديةٌ تشقّ سماء الليل.
«أيّها الأوغاد، حاولتم استعمال هذه القذارة علينا. لنرَ كيف تروقكم.» أشعلت فايف فتيل القنبلة بقدّاحتها الكيميائية. واحترق الحبل المُطقطق الفحيح وهو يقصر ويقصر. «حسنًا يا فايف الصغير، إن لم ننجُ من هذا، فأنا...» واضطرّت إلى قطع كلامها حين مرق سهم بالِستا في الهواء حيث كانا يطيران قبل لحظة. وربّتت على كتف الوايفرن خاصّتها، ثمّ نظرت إلى الأسفل لتجد هدفها.
سقطت القنبلة من قبضة فايف وتدحرجت في الهواء وهي تهوي. كان الفتيل محميًّا بأنبوبٍ معدنيّ بما يكفي كي لا ينطفئ. أمّا المادّة المتفجّرة فكانت البرميل الأصغر من البرميلين اللذين تتألّف منهما العُدّة.
أدارت أستريد رأسها حين شدّت انتباهها رائحةُ البارود الأسود المُطقطق. كان برميلٌ صغيرٌ قد حطّ في الوحل بجانب الكبش، ورغم أنّها لم تكن في تلك اللحظة أكثر من وحشٍ يسيل لعابه، فإنّ جزءًا منها ربط الخيوط ببعضها وأدرك ما هي القنبلة.
قوّست أستريد ظهرها، ونظرت إلى القمر وعوت عواءً حزينًا فيما انفجرت الشحنة ونفثت ضبابًا أصفر كثيفًا من حولهم جميعًا. كان الأوان قد فات، كانت تعلم ذلك، فهي في وسط السحابة. ولن تبلغ طرفها أبدًا قبل أن تسقط ميّتة. فاستلّت خنجرًا من حزامها، وقفزت إلى سقف الكبش، ومنه إلى السور فوق البوّابة.
وغرست أستريد خنجرها، فرأت عدّة ذئابٍ أخرى تكرّر حيلتها، متسلّقةً خارج سحابة الموت. وبالمخالب وبما توفّر لهم من نصال، تسلّقت الذئاب السور بينما كان رفاق قطيعهم يموتون صامتين في الأسفل. لم تكن تلك ميتةً طيّبة، وكانوا يعلمون ذلك، لكنّهم سيجعلون الجنوبيّين الليّنين يدفعون ثمن كلّ ذئبٍ يُقتل.
حطّت فايف على السور وصاحت: «تراجعوا! سيعتلون السور قريبًا! جهّزوا بنادقكم!» ارتطم شيءٌ بجنبها، لكنّ درعها صمد، وانحرف سهم البالِستا عن محاولته اختراقها. وسُرّت بأن ترى الوايفرن خاصّتها يصرخ متحدّيًا الجيش في الخارج.
استلّت فايف تُرسها بيد، وأخرجت أحد مسدّساتها الجديدة باليد الأخرى، وانتظرت. أوّل رأسٍ مدرّعٍ أطلّ من فوق السور أُهدي طلقةً فولاذيةً من مسافةٍ قريبة، لكنّ ما أقلق فايف هو أنّ الطلقة ارتدّت عن الذئب الثقيل التدريع. «تبًّا.»
كان على فايف أن تمنح عتادها الجديد كامل الفضل، فمخالب الوحش الضخم لم تكن تمزّق تُرسها. وظنّت أنّها تُحسن التعامل مع الأمر حتّى باغتها آخر منهم من جانبها الأعمى. ارتطمت اللكمة بجنب فايف ورمتها عن السور إلى شارع المدينة في الأسفل. ولم يُبقِ سيفها في يدها سوى ردود فعلها. ونظرت إلى السور، فرأت ستّةً من الجبابرة منتصبين، كأنّهم يتفحّصون تضاريس المدينة استعدادًا لخطوتهم التالية. «أحتاج إلى ذلك العتاد من الأدامانتين.»
لمح برولي ويندتشايم من جنوده من لم يأخذوا بنصيحة فايف يتساقطون عن السور، فشهق قلقًا من المجزرة فوق بيت البوّابة. كانوا وحوشًا خرجت من الأساطير. هياكل ضخمةٌ مدرّعةٌ ذات مخالب عظيمة، وملامح ذئبية، والموت في عيونها.
وفيما رفع بندقيته الجديدة المصنوعة من الميثريل، همس برولي بصلاةٍ لأيّ إلهٍ يسمعه، وللمدينة نفسها كي ترشده. ثمّ لمح ثغرةً في دروعهم. كانت صفائح الأدامانتين تتراكب على كلّ المفاصل المكشوفة، إلّا على المفصل الذي يحتاج إلى أكبر قدرٍ من الحركة. فأمسك أنفاسه، وصوّب، وأطلق.
لم يدم عواء النصر الذي أطلقته أستريد، ولا العواء الذي أجابها به قطيعها، إلّا لحظةً وجيزة. فبرؤوسٍ مرفوعة، كانوا قد رفعوا معنويّاتهم وسحقوا معنويّات أعدائهم في آنٍ معًا. وكان أحد رفاق قطيعها قد أبدى من الحماسة أكثر ممّا ينبغي قليلًا، فرفع الفأس الحربيّة التي حملها معه إلى أعلى السور عاليًا في الهواء.
أُجيبت فرقعةُ بندقية برولي بسكون أحد الذئاب. فقد دخلت الطلقة من ثغرةٍ تحت ذراعه المرفوعة، وارتدّت الطلقة الفولاذية داخل القفص المجوّف مرّاتٍ عدّة قبل أن يوقف حركتها اللحم، ثمّ العظم، وأخيرًا الدماغ.
تمكّنت فايف من التدحرج جانبًا لتتفادى سقوط الوحش فوقها. لكنّ الفأس التي كانت سبب هلاك الذئب لم تكن في يده. وفي الأعلى، ثبّتت أستريد عينيها على الرجل الذي أنزل ضربة الموت بواحدٍ من قطيعها، وقفزت من السور إلى الأرض في الأسفل بلا اكتراث.
«يا بروغدار، امنح حلفائي القوّة!» انتشر الهتاف، نقيًّا ومشحونًا بيقين من يسنده إله، موجةً من القوّة في أرجاء المدينة. حتّى برايدن نفسه فوجئ بحرارة دعم بروغدار.
كانت بينيلوبي لا تزال تتذمّر من أنّ فايف انطلقت من دونها، وهي تعدو بخطًى واسعةٍ عبر المدينة بأقصى ما تستطيع. كان درعها الجديد رائعًا، وخفيفًا بالنظر إلى ما هو عليه، ورغم أنّها كانت قلقةً من ألّا يكون سيفاها الجديدان سحريّين، فقد بدا أنّ قدرها أن تحوّل أيّ نصالٍ تحملها إلى كوابيس من الحمض. وتجاوزت برايدن ركضًا، فانضمّ إليها خلفها.
كان برولي يحدّق في الوحش الشنيع حامل الفأس المندفع نحوه، ولم يكد يتمكّن من رفع مسدّسه وإطلاق النار عليه. ارتدّت الطلقة عنه والذئب على بُعد ثلاثين قدمًا. وحين انتصفت المسافة ثانيةً، تقدّم مخلوقٌ ثانٍ إلى جانبه ثمّ أمامه.
فردت بينيلوبي جناحيها، واستجمعت كلّ حنقها وغضبها في تجشّؤٍ من حمضٍ يكاد يكون غازًا انصبّ على الذئب المندفع. وكانت قد رفعت نصليها لملاقاته، فارتطمت فأسه الفحّاحة بنصليها المتقاطعين.
توقّعت بينيلوبي أن يشتمها الوحش أو يقول أيّ شيء، فصُعقت حين رأت عينين صفراوين محتقنتين بالدم تحدّقان إليها من داخل الخوذة فوق رأسه. فضربت بأحد نصليها ذلك الوجه بينما أزاحت فأسه بالآخر. أمّا ما لم تحسب حسابه فهو مخالب يده الطليقة وهي تخدش ذراعها اليسرى.
وتقدّم برايدن إلى جانب بينيلوبي ليتلقّى ضربة ذئبٍ ثانٍ على تُرسه، وزمجر: «أعِرني عونك!» وألقى سحره الشافي على بينيلوبي.
نهضت فايف على قدميها من جديد بعد أن مرّ الذئب الثاني، وتلفّتت حولها لتجد ثلاثةً من الذئاب مركّزين عليها. «ها! بِن لا تنال إلّا اثنين وأنا أنال ثلاثة؟ هذا متوقّع. هذا ما يتطلّبه دفعُ ثمن...» وقطعت مناجاتها وتراجعت خطوةً، صادّةً ضربةً من أحد الذئاب. «...ثمن درعٍ جيّد.» وأدركت وهي تتكلّم أنّهم لم يكونوا مركّزين عليها بقدر ما كانوا مركّزين على ما خلفها مباشرةً: السلاسل التي تُثبّت مزلاج البوّابة في مكانه. «آه. إذن هكذا» وصدّت أرجحةً أخرى وأبعدت بالتفافةٍ مخلبًا متحسّسًا «يكون الأمر؟»
اشتدّ القتال. كانت فايف تصدّ وتدرأ ما تقدر عليه من هجمات، وحين حاول أحد الذئاب أن يصفعها جانبًا، تلقّت الصفعة على درعها وقطعت معصمه المكشوف حتّى منتصفه لتثنيه عن أيّ محاولاتٍ أخرى لإسقاطها.
لم يشعر أيٌّ من الذئاب بالبرد حين حلّ هواء الليل على المدينة. ولو شعروا به، لَلاحظوا بلا ريبٍ أنّه يحدث بسرعةٍ غير طبيعية.
تعرّفت فايف على الصقيع الذي أخذ ينمو على دروع الذئاب، لكنّها لم تكد تشعر هي إلّا بأدنى نسمةٍ باردة. وحين بدا أنّ الثلاثة انفجروا في أرجحاتٍ جامحةٍ محمومةٍ ليُسقطوها، زمجرت فيهم بكلمةٍ واحدة: «الطعنة المرتدّة.»
تباطأ الزمن. راقبت فايف هجماتهم وهي تتّجه نحوها بحركةٍ بطيئة، وكان لديها من الوقت ما لا ينتهي لتتحرّك وتعترض كلًّا منها، ثمّ تردّ بضربتها. بترت المخالب من أيديهم الضخمة، وجرحت المعاصم والأيدي، وكسرت كلّ أصابع أحدهم بصفعةٍ من تُرسها.
بدت الثواني العشر دهرًا، لكنّها انقضت في طرفة عين.
كان الصقيع قد ازداد وضوحًا، وأنفاس الذئاب معلّقةٌ ثقيلةٌ في الهواء. وبينما كانت فايف تراقب، صارت أرجحاتهم أبطأ فأبطأ حتّى صار بوسعها مجاراتهم دون أن تتلقّى أيّ ضربةٍ على درعها. كانت تعرف رُقيةً واحدةً من هذا النوع تفعل ذلك، وذلك في الغالب لأنّها رُقيةٌ يستمتع جاك باستعمالها. «سأمنحك قبلةً لن تنساها أبدًا أيّها المشعوذ المجنون،» قالت، ونفذت تحت حراسة أحد الذئاب وضربت برأسها الدرع المتجمّد على بطن الذئب.
ما كان درع الأدامانتين لينكسر، لا سيّما بضربةٍ خفيفةٍ كهذه، لكنّ رأس فايف كان له من الصلابة والمتانة ما لسائر جسدها، فتسبّب في أن تتشظّى طبقة الجليد الرقيقة التي تكوّنت داخل درع الذئب وتدفع شظايا صغيرةً إلى أحشائه. لم تكن شيئًا يُذكر، لكنّها شقّت الجلد ومنحت سحر جاك موضعًا جديدًا يتسلّل منه.
وبقوّته المكتسبة حديثًا من الدهليز، التقط جاك كلّ شظيّةٍ صغيرةٍ دقيقة وصبّ مزيدًا من الجليد في الذئب مباشرة. تجمّدت أعضاؤه أوّلًا، ثمّ امتدّ الجليد إلى ساقيه، وحين بدأ يسقط، إلى ذراعيه.
عرفت فايف أنّ عليها ألّا تصيبها الشظايا القادمة. فتلقّت ضربةً من أحد الذئبين الباقيين، ووجّهت تُرسها نحو الذئب المتجمّد الساقط وهو يهوي نحو الحجارة تحت قدميها.
جاء الانفجار محصورًا داخل الدرع على نحوٍ مفاجئ (لفايف وجاك كليهما). لم تنفلت أيّ شظايا جليدٍ كبيرة لتجد أهدافًا أخرى. لكنّ فايف رأت، بمجرّد مراقبة خصميها الباقيين، أنّهما صارا أقلّ ثقةً بنفسيهما.
لم تكن بينيلوبي مجبولةً على صلابة فايف. كان بوسعها أن تحرف بعض الضربات وتدرأ أخرى، لكنّ شفاء برايدن هو ما أبقاها واقفةً تتعارك مع الوحشين اللذين بدا أنّ لا شيء يوقفهما. كانت نصالها قد بدأت تُحدث أثرًا في بعض قطع دروع الذئاب، لكنّها في المجمل لم تستطع اختراقها، وقد ثبت أنّ نَفَسها عديم الجدوى عليهم على نحوٍ غريب.
ولم يكن برايدن، هو الآخر، يحظى بأيّ حظٍّ في إيذاء عدوّه. كان يتبادل الضربات مع الذئب، لكنّه لم ينجُ من الانجرار إلى معركة قوّةٍ إلّا بقدرة إلهه. كان كلّ تركيزه منصبًّا على الذئب المقابل له، وعلى بينيلوبي.
تفحّصت كيتلين خياراتها، فرأت أنّ برايدن يحتاج إلى من يرفع عنه الضغط أوّلًا. فما دام واقفًا، ستظلّ بينيلوبي واقفةً أيضًا، وممّا رأته من فايف، حسبت أنّ ذلك القتال تحت السيطرة في معظمه. «حسنًا إذن، لا أظنّ أنّ تسخين كلّ ذلك الدرع أمرٌ أستطيع فعله بسرعة، لكن إليكم حيلةً أنيقةً علّمني إيّاها صديق.»
ومع رُقية الشفاء التالية التي ألقاها برايدن على بينيلوبي، لاحظ أنّ الذئب الذي يقاتله ظهرت على خوذته نقطةٌ صغيرة. وبدا أثر الضوء خلف النقطة يتلألأ من الأحمر إلى الأزرق إلى الأبيض الباهر. وصغرت النقطة قبل أن تنفث من الموضع نفخةٌ ضئيلةٌ من المعدن.
بلغت أنفَ أستريد رائحةُ لحمٍ يحترق ويَئِزّ. تلفّتت حولها فلمحت كيتلين بسهولةٍ كافية. «زنادقة!» كانت صرختها نصفها عواء، فأجابتها بضعة أصواتٍ حادّة، من ذئابٍ أقلّ بكثيرٍ ممّن قادتهم إلى المدينة. واستدارت فنظرت إلى الباب لترى أنّه لم يبقَ إلّا ذئبٌ واحدٌ لا يزال يقاتل لفتحه.
كان الخوف يخفق قويًّا في قلب أستريد، لكنّها لم تكن حتّى تلك اللحظة قد رأت يقين موتها هي. ونبّهتها عوعوةٌ من جانبها، وتلك الرائحة البشعة مرّةً أخرى، إلى هلاك حليفها، وجعلت ما بقي لديها من إدراكٍ ضئيلٍ يستوعب دنوّ موتها.
«استسلمي!» صاح برايدن، واضعًا قوّة إلهه في صوته. «اجثي على ركبتكِ أيّتها الذئبة، ولكِ الحياة! أُقسم على ذلك بشرفي!»
في ظروفٍ أخرى، وفي معركةٍ أخرى، كانت أستريد ستدع الخوف يغلبها. لكنّ أحشاءً تعتصر بسمّ المُستعِرين لم تكن لتدعها تحني ركبتها. ومع دفءٍ يتنامى على جبينها، سحبت فأسها إلى الوراء وقذفتها. فدار السلاح المصنوع من الأدامانتين في الهواء كالدولاب، وانغرست في كتف كيتلين، غائرةً عميقًا حتّى عنقها.
ولمّا زال خطر ساحرةٍ قد تصرعها، أطلقت أستريد العنان للغضب الذهانيّ الذي كان يغلي في داخلها. وأطلقت ضراوةً وحماسةً لم تشعر بمثلهما في حياتها قطّ، فاستغرقتها حالةٌ خالصةٌ من شهوة القتال اللامتناهية. راحت ترقص بين النصال، غير مكترثةٍ بها وهي ترتدّ عنها أو تعضّ فيها. كانت نصال التنّينة أسوأ المعتدين، لكنّها أمسكت أحدها بيدها العارية وقذفت به جانبًا.
حاولت بينيلوبي، ولم يبقَ لها إلّا نصلٌ واحد، أن تحرف المخلب التالي، فإذا بنصلها الباقي يُنتزع منها ويُلقى جانبًا. لم يكن أمامها من خيارٍ سوى أن تتصارع مع الذئبة، يدًا لمخلب. «برايدن!»
وأمام الخيار بين تفقّد كيتلين ومساعدة بينيلوبي، أدرك برايدن أنّ الأمر فرزٌ للجرحى بقدر ما هو فطنةٌ قتالية. «أنا خلفكِ. يا بروغدار، اهدِ هذه الحليفة إلى سبيلك وأعِرها قوّتك!»
وكانت فايف، وقد صار آخر الذئاب الثلاثة بركةً ذائبةً من اللحم، تراقب بينيلوبي وهي تكبر. بلغت حجم الذئبة التي تصارعها، ثمّ واصلت النموّ. «يا للهول…»
وحين صارت أكبر من الذئبة بمرّةٍ ونصف، نقلت بينيلوبي ذراع الذئبة اليسرى إلى قبضتها اليسرى لتمسك الطرفين بيدٍ واحدة، ثمّ مدّت يدها وانتزعت الخوذة عن أستريد. كان الدم يسيل من أنف الذئبة داخل الدرع، وعيناها ملطّختان بالقرمزيّ كذلك. «طهِّرها!»
«ماذا؟» سأل برايدن.
«السمّ. طهِّر هذه الذئبة من السمّ يا برايدن!» واضطرّت بينيلوبي إلى أن تتخلّى عن قبضتها على الخوذة وتمسك بها حين حرّرت أستريد إحدى يديها.
وحين نطق برايدن بكلماتٍ لم تكد تفهمها، شعرت أستريد بأوّل دغدغةٍ للخوف من جديد. فالسحر الذي تخشاه كلّ هذه الخشية شقّ طريقه عبرها. خذلها غضبها المُبرَّر أوّلًا، ثمّ يقينها، وأخيرًا نفدت مدّخرات قوّتها، فسقطت أرضًا بعينين متّسعتين وقلبها لا يزال ينبض.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.