Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 96
﴿حالة [الدهليز]:﴾
﴿الدرجة الثانية
المستوى 21/100﴾
﴿القلب 1587600/1587600
الخبرة 297834/396900
العمّال 27/133
الوحوش 9/135
الفخاخ 71/324
الطعام 3603
الخشب 7322
الحديد 2292
الفولاذ 905
الميثريل 3
خام الميثريل 50
الفحم النباتي 4758
المانا 994
الصخر 3263
الذهب 1057
الجلد 217
وحل الجلد 215
الحمم 500
الزجاج 483
الرُقُم المتفجّرة 5
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة 0
الرُقُم المتفجّرة المُحفَّزة (المتكرّرة) 0
البنادق الطويلة 5
الرصاص 300
البارود الأسود 250
السمّ الأعظم 1000
الكبريت 700
قصاصات الأدامانتين 24﴾
﴿المهمّة: منح فئاتٍ لعشرةٍ من مخلوقاتك.
المهمّة: أَسْرُ مغامرٍ ووضعه في سجنك.
المهمّة: الغوص إلى قاع دهليزٍ لا تقلّ طوابقه عن 20 طابقًا.﴾
وقد زال الخطر الداهم، فوجّه ترافيس كامل انتباهه إلى مشكلة المانا. «إذًا، ما الذي تغيّر؟» سأل كيتلين وجاك.
هزّت كيتلين كتفيها، وهي لا تزال تضجّ حماسةً بعد القتال مع العقرب. «لم نفعل شيئًا بالمزارات منذ مدّة، ولا بمُتحكّمات المانا في غرفة قلبك. أمتأكّدٌ أنّ هذا ليس أمرًا من أمور التوازن؟»
«"أمرًا من أمور التوازن"؟» سأل جاك.
«نوع دهليز ترافيس يطابق إلى حدٍّ بعيدٍ نوعًا من الألعاب في الموطن الذي جاء منه أصلًا. ونحن نسمّيه، مبدئيًّا، دهليز ألعاب. وكانت لتلك الألعاب في الغالب طرائق لموازنة الصعوبة، بتغيير بعض الأمور أو حتّى بإضافة أنظمةٍ جديدةٍ برمّتها. والغاية منها كلّها أن تجعل اللعبة أشدّ تحدّيًا، لمن يستمتعون بذلك.»
والقول إنّ ترافيس صُدم تهوينٌ من الأمر. كان يعلم أنّ كيتلين تقرأ كتبه، أي ذكريات حياته، لكنّ هذا بدا بحثًا مُكثّفًا حقًّا. «أجل. هذا بالضبط. وما زلتُ أرى أنّ هذا الأمر يحتاج إلى دليلٍ تعليميّ.»
ولولا أنّه فقد جسده لاحمرّ وجه ترافيس خجلًا من نوبات الضحك النابحة التي انفجرت فيها كيتلين. «أوه، بالله عليك. أحيانًا يكون الفعل دليلًا تعليميًّا كافيًا، لكن ليس حين تكون أرواح الجميع على المحكّ. لا أريد أن أخاطر بموت الناس لأنّي لم أفهم الأمور بسرعةٍ كافية، أو، وهو الأسوأ، لأنّي جهلتُ شيئًا ما.»
وأشارت كيتلين بإبهامها نحو قلب ترافيس، ثمّ ابتسمت لجاك ابتسامةً عريضة. «ولهذا أعمل بكلّ ما أوتيتُ من جهدٍ لأُيسّر عليه حياته. إنّه يقلق على الجميع.»
«أيمكننا التركيز على مشكلة المانا هذه؟» سأل ترافيس.
«لنفحص أحد المزارات الكبيرة أوّلًا.» وكانوا في المكتبة، فتقدّمهم جاك إلى غرفة القلب حيث الخرائط المفصّلة.
ولم تكلّف كيتلين، وهي تتبعه، نفسها عناء إغلاق الأبواب خلفها. فقد ذهبت جدواها الآن بعد أن لم يعد في الحسبان أيّ هجوم. وكان شعورًا مختلفًا الآن وقد صار مدخل الدهليز آمنًا إلى هذا الحدّ أو ذاك. «لو كانت هذه آليّةً من آليّات التوازن، فعلى أيّ شيءٍ متغيّرٍ قد تستند؟»
تفكّر ترافيس في الأمر، ثمّ نطق بالبديهيّ. «بين نبضة المانا السابقة والأخيرة؟ الخبرة. وربّما مقدار المساحة التي يشغلها الدهليز. فلدينا تلك المنطقة الجديدة الهائلة في الطابق الأعلى.»
«وقد يكون انفتاح كهفٍ جديدٍ قد دفعنا إلى المستوى التالي من التوازن. إذًا، ما الذي سنجرّبه بعد ذلك يا جاك؟» سألت كيتلين.
كان جاك ينظر في الخريطة ويعدّ شيئًا، لكنّه لم يكن عدد المزارات. «أحاول فقط أن أعرف أسهل طريقٍ للتنقّل بين هذه. أريد أن أختبر نظريّة.»
كان ترافيس فضوليًّا، لكنّ كيتلين سبقته إلى السؤال.
«وما هي؟»
كان جاك على وشك أن يتكلّم حين دخلت فيلنا الغرفة. خفّضت ضوءها الكيميائيّ ورفعت كيسًا جلديًّا كبيرًا. «أيعرف أحدكما أين أضع هذا ليصل إلى تراف؟»
تجعّد أنف كيتلين من الرائحة المنبعثة من الكيس. «ما هذا؟»
«ثلاثة أكياس سمٍّ ممتلئة، وزوجٌ من محار العقرب، وكيس بيض.» ولمّا فتحت فيلنا الكيس، تراجع جاك وكيتلين كلاهما عنها. «ليس بهذا السوء. ثمّ إنّ هذا ما سيدخل في الطعام خلال اليوم التالي أو نحوه. العقرب لذيذٌ حين يُسلق سلقًا خفيفًا.»
وأنبأت الخرخرة الصادرة عن فيلنا ترافيس برأيها الكامل في لحم العقرب. أمّا نظرات الرعب على وجهَي جاك وكيتلين فجعلته يحمد أنّه لا يملك جسدًا فيه أعصاب شمّ. «كان بوسعكِ أن تسألي. أيّ غرفة تخزينٍ تفي بالغرض، مثل كلّ الغرف التي مررتِ بها في طريقكِ إلى هنا.»
هزّت فيلنا كتفيها وردّت: «حسنٌ، نحن محاطون بها. أتفعلون شيئًا أمتع من العودة إلى خسارة ذهبي كلّه لأوغميرا في النَّرد؟»
«نحاول أن نعرف لماذا يحصل تراف على مانا تتناقص شيئًا فشيئًا.» وخرج جاك من غرفة القلب برفقة صاحبتيه كلتيهما واتّجه جنوبًا. «كيف تعرفين أنّ هذا الاتّجاه هو الجنوب؟» سأل. «على خريطتكِ مكتوبٌ "جنوب"، لكن أهو كذلك حقًّا؟ ما كنتُ أظنّ البوصلات تعمل جيّدًا في الدهاليز.»
«ما زالت لا تعمل، لكنّ الأسهل أن أرسم على الخريطة هذا الاتّجاه هو الجنوب فيصير كذلك.» ولمّا بلغوا المستودع الأوّل، بعد أن انعطفوا غربًا، بدا على كيتلين ارتياحٌ كبيرٌ حين أفرغت فيلنا محتويات كيسها في غرفة التخزين. «ماذا يقول نظامك عن ذلك يا تراف؟»
﴿لقد عثرتَ على نسل وحش دهليزٍ قويّ: [عقرب الكهف]!﴾
﴿أُضيفت غرفة جديدة!﴾
«حصلتُ على غرفةٍ جديدة! لها علاقةٌ ببيض العقرب على ما أظنّ. آه، ها هي. حفرة عقارب الكهف. أظنّ أنّ فايف ستريد واحدةً منها لتضع عليها سرجًا وتمتطيها إلى القتال.» وحين بحث ترافيس في أمرها، رأى أنّها بحجم غرفة الزعيم. «إنّها بحجم غرفة الزعيم وكلفتها. لا أدري ما معنى ذلك. أستمنحني زعيمًا آخر؟»
«حسنٌ، لديك غرفةٌ هناك تتّسع لشيءٍ بهذا الحجم. بِن لم تعد بحاجةٍ إليها، إذ أرادت أن تكون غرفة زعامتها حلبة.» ولمّا بلغوا آخر نفقٍ ممتدٍّ من الشمال إلى الجنوب في المنطقة الوسطى من الدهليز، تبعت كيتلين جاك شمالًا حتّى صاروا على بُعد قطاعٍ واحدٍ من الحلقة الخارجيّة.
«إن صحّ ذلك، أمكنني أن أجعل تلك الغرفة ملتقى الدرج الصاعد إلى الأعلى، ونهاية المتاهة، والنفق المؤدّي إلى غرفة فايف.» وتأمّل ترافيس الأمر. «يا فايف، قد يكون لديّ حيوانٌ أليفٌ جديدٌ تصادقينه.»
وقسّم انتباهه بين فايف، وهي ترفع وجهها المدرّع عن حافّة قدحٍ وتتلفّت حولها، وبين فريق التحقيق في الطابق السفليّ، فأطلع فايف على الأمر، وراقب كيتلين وهي تُذيب قطعة الصخر لتُمرّر فيلنا من الفجوة، ثمّ تُعيد السقف إلى موضعه لتسدّها.
«صديقٌ جديد؟ ماذا لديك لي يا تراف، ولا تقل لي إنّك تريدني أن أحفر لأُخرجه.» ولوّحت فايف للجميع في الحانة السفلى، ثمّ مضت في النفق الخلفيّ نحو الطابق الأسفل. «ثمّ إلى أين أنا ذاهبة؟»
«الصديق الجديد عقرب كهف، وأنتِ ذاهبةٌ إلى الغرفة التي كانت ستصير غرفة زعامة بِن، قبل أن نُغيّر خططنا ونُهيّئها لتدعمكِ.» كان ترافيس مسترخيًا إلى أن لاحظ أنّ المانا لديه هبطت مئة. «تبًّا! ثمّة شيء…»
«باسم الكثبان المتحرّكة، ما ذاك الشيء على بلّورة مزار المانا لديك؟» سألت فيلنا.
وحين نظر ترافيس بعيون جاك وكيتلين وفيلنا، تملّكه إحساسٌ مُقلقٌ بأنّ ثمّة خطأً ما. زوجان من العيون لم يريا شيئًا. وزوجٌ واحدٌ رأى ما بدا نوعًا من الأعشاش ملتصقًا بجانبٍ من البلّورة الهائلة. ومن العُشّ زحف شيءٌ بزّاقيٌّ مجنّح، ثمّ أقلع وطار فوق رأسَي جاك وكيتلين.
«اصعق!» تدفّقت نارٌ لاهبةٌ من قبضة فيلنا المشدودة، فأصابت الشيء البزّاقيّ وأسقطته من الجوّ، وأحرقته حتّى تفحّم. «أحرقوا الغرفة!»
«افعلوا! لقد خسرتُ للتوّ مئة مانا بلا سبب! هناك شيءٌ في الداخل لا تراه إلّا فيلنا.» وراقب ترافيس، وهو ينظر بعينَي فيلنا، كيتلين وهي تملأ الغرفة بجحيمٍ دوّارٍ أحرق العُشّ حتّى تفحّم. «يا فايف! أنزلي توم وستراتوس إلى هنا. خذيهما إلى… إلى مخزن المانا الذي في المكتبة! أسرعي!»
وبلغت المكتبة بينما تبخّرت مئةٌ أخرى من المانا من مخزونه. «مهلًا يا كيت، قلبي بلّورة مانا، أليس كذلك؟»
وانطلقت فايف وكيتلين كلتاهما عدْوًا، الأولى عائدةً إلى الحانة التي غادرتها قبل لحظة، والأخرى لتحمي صديقها. «يا فيلنا! الحقي بي!» صاحت كيتلين. «إن كنتُ لا أرى هذه الأشياء، فأنا بحاجةٍ إليكِ لتُصوّبي عنّي.»
ولمّا بلغت كيتلين وجاك وفيلنا قلب ترافيس، كانت فايف تسوق الساحرَين نزولًا إلى الطابق الثالث. «لا تقلقا من أن يهاجمكما شيءٌ بجسده. قال ترافيس إنّ هناك أشياء طائرةً ملتصقةً ببعض بلّورات المانا لديه، ولم يرها حتّى الآن أحدٌ سوى فيلنا.»
«يا فايف، اجعلي توم ينتظر عند التقاطع القادم، ثمّ امضي أنتِ مع ستراتوس أبعد نزولًا لتطهير الأنفاق والغرف.» كان ترافيس في غاية الاضطراب. فليس دهليزه موبوءًا بهذه الأشياء التي تمتصّ مانا فحسب، بل إنّه لا يستطيع رؤيتها، وقد تكون قادمةً نحوه هو مباشرةً. ولمّا وصلت فيلنا أخيرًا إلى غرفة قلبه، ولمحت عددًا من البزّاقات يطير في النفق الشرقيّ نحوه، ارتجف في سجن قلبه البلّوريّ.
صوّبت كيتلين على امتداد ذراع فيلنا، وأطلقت دفقةً تلو دفقةٍ من النار في النفق أمامها. «أهناك المزيد؟»
وصعقت فيلنا آخرها، وكان قد أفلت من سحر كيتلين، ثمّ هزّت رأسها. «هذه كلّها، لكنّي أراهن أنّ خليّةً تتكوّن على بلّورة التخزين لديك.»
مشى جاك إلى الباب وأحكم إغلاقه. «أيمكننا أن نأتي بمزيدٍ من العيون إلى هنا؟ فيلنا تستطيع أن توجّه واحدًا منّا، لكنّ الأفضل أن نعزل المناطق ونبحث عن هذه الأشياء.»
وبينما عزلت كيتلين وجاك غرفة القلب من جهة الجنوب، وفتّشت فيلنا الغرف القليلة الملحقة بها بحثًا عن الطفيليّات، سار ستراتوس بخطًى حازمةٍ على طول النفق حتّى نهايته، يتفقّد عِرق الميثريل، والكهف الذي فتحته فايف، ثمّ يعود إلى مزار المانا الأوّل. ارتعد وهو يتأمّله، ثمّ تراجع خارجًا من الغرفة. «العُشّ الذي على ذلك المزار ضخم، بحجم البلّورة نفسها. ومن حسن الحظّ أنّ لديك ساحرَين بنيا مسيرتهما كلّها على إحراق الحشرات.»
اتّسعت عينا فايف لحظةً إذ ابتلعت النار الغرفة. لم تكن غطاءً ولا رُقية انفجارٍ مألوفة. ففي لحظةٍ كانت الغرفة عاديّة، وفي التالية استُبدل بهوائها كلّه نار. غير أنّ ما صدمها هو أنّها استطاعت أن ترى خطًّا أسود في قلب اللهب. «أهذه هي الخليّة؟»
وتذكّر ترافيس ما رأته كيتلين وفيلنا، فاستطاع أن يؤكّد أنّ بصر فايف ما زال عاجزًا عن رصد الخليّة، لكنّها ترى الحيّز الذي تُزيحه في العاصفة النارية. «أجل.»
ولم يُخمد ستراتوس النار إلّا حين رأى الخليّة قد احترقت كلّيًّا، ثمّ دخل الغرفة الدافئة. كانت البلّورة سليمة، وكذلك الجدران. أمّا البقايا المتفحّمة لعددٍ من الطفيليّات فلم تكن تمرّ بيومٍ طيّب. «أترينها الآن؟»
«الآن أراها. صارت مرئيّةً حين ماتت، على ما أظنّ.» ودخلت فايف وداست بمخالبها المدرّعة على واحدةٍ منها. «والآن نعود نحو توم، صحيح؟»
«نعم،» قالها ترافيس وستراتوس في اللحظة نفسها، وإن كان الثاني لا يسمع الأوّل.
«حسنًا. فهمتُ. إذًا نأتي من هنا، ونُطهّر الكبير، ونُطهّر الجانبيّ الذي عند الفحم، ثمّ نلتقي بتوم من جديد. وماذا لو دخلت الملتويات أو صعدت إلى الأعلى؟» سألت فايف.
«سيكون عليكِ أن تبني بابًا عند التقاطع. سنعزل أماكن آمنة. ثمّ إنّها لو دخلت الملتويات لانفجرت الرُقُم، على ما أظنّ.» وأدار ترافيس العجلة هناك، فحدّد مواضع الأبواب التي يريدها لتبنيها فايف.
وفي أثناء ذلك كانت كيتلين قد أمّنت المنطقة المحيطة بغرفة القلب مباشرةً. وكانت مُتحكّمات المانا لا تزال تؤدّي عملها، لكنّ ترافيس خسر في تلك المدّة مئتين أخريين من المانا. ولمّا فرغت، أومأت نحو الباب المؤدّي إلى بقيّة الدهليز. «هذا هو المدخل الوحيد الآن. يا تراف، احرص ألّا يفتح أحدٌ ذلك الباب. بل في الحقيقة، يا جاك؟»
«أجل، أجل. سأحرس الباب. لا أرى هذه الأشياء، ولا أدري إن كان جليدي يؤذيها، فالأجدر أن أنتظر هنا في الخلف.» وأشار جاك نحو الباب، واستعمل جليده ليُحكم إغلاقه.
أنهت فايف بناء البابين، ومع أنّها لم تفعل ذلك من قبل قطّ، فقد كان الأمر سهلًا سهولة التقاط القطع القليلة المبعثرة على أرض النفق وضمّ بعضها إلى بعض. ولمّا فرغت، كان في التقاطع الثلاثيّ بابان بسيطان جدًّا تطوّقهما أشرطةٌ من الفولاذ. «نبدأ بالنفق الشماليّ. فأوّلًا، لا أدري كيف سنتدبّر الملتويات هنا في الأسفل دون أن تُفجّرا أنتما كلّ الرُقُم.»
«نعم، لكن إن كنّا نحن سنُفجّر الرُقُم، أفلا تفعل طفيليّات المانا هذه الشيء نفسه؟» سأل توم. وكان قد بدأ يسير شمالًا على طول النفق، وفوق رأسه يحوم ضوءٌ سحريٌّ من صنعه.
ولمّا بلغ المنعطف المؤدّي إلى مزار المانا الأوّل، نظر في النفق فلمح سربًا من البزّاقات الطائرة قادمًا نحوه مباشرةً. وإن لم تكن لنيرانه الواسعة الحدّة الفطريّة التي لنيران ستراتوس، فقد كان في المهنة نفسها التي يمتهنها زميله الساحر: إحراق الحشرات.
تدحرجت ألسنةٌ من اللهب الأحمر المُزرقّ في النفق كموجةٍ تندفع نحو شاطئ. وحين أصابت البزّاقات الطائرة، احترقت كلّ واحدةٍ منها وتفحّمت في لحظة. وترك توم اللهب يمضي في تدحرجه حتّى بلغ مزار المانا فيما وراءه، ثمّ دوّى صوتٌ مكتوم، ووُمب، وإذا بالنار ترتدّ نحوه مسرعة.
«إليك،» قال ستراتوس، مستعملًا سحره هو ليُشكّل مدخنةً ويُصوّرها، فوجّهت الدفقة النارية حول المنعطف وأبعد في النفق. «لاحظتُ أنّ الخلايا تميل إلى أن يكون فيها فائضٌ من المانا. وكانت رُقاي أنا محدودة المساحة، فبدلًا من أن تكبر ازدادت حرارةً.»
كان ذلك تشخيصًا سحريًّا مألوفًا بما يكفي. أومأ توم ومشى في النفق يتفحّص عمله. ولمّا لم يرَ مزيدًا من الطفيليّات الحيّة، عاد إلى النفق حيث كانت فايف وستراتوس ينتظران. «التالي؟»
«نزلتُ إلى أربع مئةٍ وتسعٍ وتسعين مانا.» وراقب ترافيس كيتلين وفيلنا وهما تسيران في المكتبة.
«أهناك شيءٌ هنا؟» كانت كيتلين مذعورة. فقد صارت المكتبة بيتها. وكانت الليالي التي تقضيها متكوّمةً في الزاوية وكتابٌ لا يزال مفتوحًا أمامها، تقرأ عن الأشياء المستحيلة التي يعرفها ترافيس، أكثر من تلك التي تقضيها في المسكن الذي هو غرفة نومها. وأن تضطرّ إلى استعمال النار في المكتبة بدا لها تدنيسًا للمقدّسات.
وأخذت فيلنا تتنقّل في الغرفة، تُبقي عينًا على المدخل بينما تُحدّق في كلّ موضعٍ تستطيع رؤيته. «لا شيء في… هناك اثنتان هنا. لكنّهما لا تبنيان عُشًّا، بل تحاولان أكل ضوء المانا هذا.»
«أضواء المانا! يمكنكِ أن تستعملي تلك لتلفتي انتباهها. قالت فايف إنّ توم رأى واحدةً تفعل الشيء نفسه بضوئه، إلّا أنّ توم لم يدعها تقترب منه أصلًا،» قال ترافيس.
«ضوء؟ أنا أستطيع صنع الضوء.» وتلت كيتلين صلاةً خافتةً لكتبها ألّا تُسيء فهم ما ستفعله، حين قالت: «أوه، احمي عينيكِ يا فيلنا،» ولمّا فعلت الكاهنة ذلك، أطلقت ومضة ضوءٍ بلغت من السطوع أنّها رأت عظامها عبر الذراع التي وضعتها أمام وجهها.
«أنظر!» قالت فيلنا، وقد انبهرت قليلًا مع أنّها احتاطت. وبالفعل، تركت الطفيليّتان ضوء المانا الصغير وانطلقتا مسرعتين نحو كيتلين. «لقد انطلت عليهما الحيلة. اخرجي من الباب وافعلي ذلك مرّةً أخرى.»
وغادرت كيتلين الغرفة، فأخذت نفسًا عميقًا، وغطّت عينيها، وأطلقت ومضة منارةٍ من جديد. ولمّا شعرت بشيءٍ يرتطم بصولجانها، فحّت غاضبةً وجعلت صولجانها يتّقد حريقًا هائلًا. وأسعدها سعادةً مُفرطةً خطُّ البزّاقتين وهما تحترقان. «أكره أن أتخيّل كيف سيكون الحال هناك.»
«ممّ تقلقين؟» سألت فيلنا. «لستِ مضطرّةً إلى رؤية تلك الأشياء القبيحة.»
ولمّا مشت كيتلين حتّى صارت بلّورة تخزين المانا على مرمى بصرها، ارتعدت. فقد تكون الأشياء نفسها خفيّةً عن بصرها، لكنّها كانت ترى كم خبا بريق البلّورة التي تتوهّج عادةً بالحياة. «ابقي في الخلف وأحرقي كلّ ما يحاول الفرار.»
استغرقهم الأمر ساعاتٍ ليفحصوا كلّ غرفةٍ وكلّ نفق. ونصبوا أبوابًا على كلّ مزارٍ من مزارات المانا بعد أن يفرغوا من فحصه، ليضمنوا أنّه إن بقي شيءٌ من تلك المخلوقات، فسيموت جوعًا.
ولمّا حصل ترافيس أخيرًا على نبضة مانا، أطلق هتافًا. «هذا هو! هذا هو المقدار الذي كان ينبغي أن أحصل عليه! ثلاث مئةٍ وستّةٌ وستّون.» غير أنّ أمرًا واحدًا أعاده إلى الواقع. «على أحدٍ أن يتحدّث إلى أسيرتنا.»
«هاه؟ لماذا؟» سألت فايف.
«لو قتلتكِ وحوش دهليز، ثمّ أعادتكِ إلى الحياة، ثمّ جرّتكِ إلى دهليزها وحبستكِ في غرفةٍ مع هُلامٍ عملاق، أكنتِ ستشعرين بالسعادة والدفء، لا بأنّكِ ستصيرين وجبة غداء؟» وانتظر ترافيس أن تبدو الدهشة على فايف. «إذًا، أجل. إن كان لدينا من يتكلّم لغتهم، فعظيم. وإن لم يكن، فيا فيلنا، أيمكنكِ أن تُلقي رُقيتكِ عليها؟»
ونظر الجميع بعضهم إلى بعضٍ نظراتٍ خاوية، فأدركت فيلنا أنّها الوحيدة بينهم التي لها أيّ علمٍ بلغة الشماليّين. «حسنًا. حسنًا. أستطيع على الأرجح أن أشرح لها ما يكفي لتكفّ عن مهاجمتي. يبدو أنّك أفضلنا فهمًا لها يا ترافيس، فسأُلقي رُقيتي. كم تريد أن تدوم، وهل تستطيع فايف أن تنزل لتمنع طَرِيًّا من التودّد إليّ أكثر من اللازم؟»
«طَرِيّ ولدٌ مُطيع. ما كان ليفعل أبدًا…» وتوقّفت فايف أمام نظرة فيلنا الحادّة. «حسنًا، حسنًا.»
رفعت أستريد رأسها حين سمعت وقع خطًى تقترب. لم تكن مخالب، ولا الصوت الخفيف على نحوٍ لافتٍ للأحذية المدرّعة من الميثريل التي رأت مقاتلي الدهليز المدرّعين ينتعلونها. مجرّد جزمات.
وكان دخول غرفة الزعيم أمرًا غريبًا على فيلنا. فقد كانت مشغولة، لكن ليس بالزعيم. ومع ذلك، كان طَرِيّ كافيًا لإبقاء المخرج الرئيسيّ مُغلقًا وآمنًا. واتّجهت عيناها إلى الشاغل الثاني للغرفة. «مرحبًا.»
الكلمة، منطوقةً باللسان الأدنى لموطنها، جعلت أستريد ترفع بصرها إلى المرأة من قوم القطط وتتأمّل ملامحها. «تتكلّمين؟»
«أجل. قليلًا.» ونظرت فيلنا إلى المرأة، فأدركت أنّ القياس الذي بُنيت عليه يزيد قليلًا على الشخص العاديّ. فلو لم تكن أستريد جاثمةً، لتجاوز طولها ستّة أقدام بكثير. كان كتفاها ضخمين عريضين، ولم يكن عليها إلّا قميص التسليح وسروالٌ خفيف، فبدت أطرافها المفتولة العضلات كجذوع الأشجار. «اسم؟ فيلنا.» وأشارت إلى نفسها.
كان الكهنة يقولون إنّ ثمّة ضروبًا من السحر يمكن أن تُصنع بالأسماء. سحرٌ خبيث، كما قالوا، لكنّهم كانوا يسمّون كلّ سحرٍ خبيثًا. «أستريد.»
جاء الاسم بلكنةٍ ثقيلة، وإن كانت فيلنا قد سمعته من قبل في أثناء إقامتها القصيرة في الإمبراطورية البالافية. «لن نقتلكِ. نريد أجوبة. تعطينها، نُطلقكِ.»
واستغرق الأمر لحظةً حتّى ضمّت أستريد الكلمات المتكسّرة بعضها إلى بعض، لكنّها لمّا استشفّت المعنى الذي وراءها، ضحكت. «لن تفعلوا. هذا جُحر. الأشياء تنزل إلى هنا مدرّعةً أو تموت.»
«أيمكنني أن أُلقي عليكِ رُقيةً تُعينكِ على الفهم؟»
لم يكن للكلمات معنًى عند أستريد. فقد وصلتها هكذا: «دعيني… أفعل شيئًا… يُعين المعرفة.» فهزّت رأسها. «لماذا تسألين؟ أنا أسيرتكم. إن أردتم أن تفعلوا بي شيئًا، فلكم كلّ الحقّ في ذلك.»
وجاء دور فيلنا في ألّا تفهم المعنى الكامل للحديث. «يا ترافيس،» قالت بصوتٍ مسموع، «أتعدني ألّا تفعل شيئًا رغمًا عنها؟ إن أرادت أن تُترك وشأنها، فلا تكلّمها حتّى ينتهي مفعول الرُقية.»
وقد باغت ترافيس الوعدُ الذي طلبته فيلنا، لكنّه وافقها من كلّ قلبه. «أجل. كنتُ آمل أن تستأذنيها أوّلًا، لكنّ حاجز اللغة أقوى من ذلك؟»
«أكنتَ تتوقّع أن تُصدّق أنّي أستطيع أن أجعل الدهليز يكلّمها؟ حسنًا، لنبدأ.» ووضعت فيلنا قدرًا ضئيلًا جدًّا من مانتها الكثيفة وراء الرُقية. ومن خبرتها، ستدوم ما بين ساعةٍ ويوم. وصوّبت السحر مباشرةً نحو أستريد، وجعلت صلتها هي بترافيس جانبَ الدهليز من الأمر.
كان الاتّصال أوهى بكثيرٍ ممّا أقامه ترافيس مع فيلنا، لكنّه كان موجودًا. «مرحبًا.»
انتفضت أستريد وتلفّتت حولها، تحاول أن تعرف من المتكلّم. لم تستطع أن تُسند ظهرها إلى جدار غرفة الزعيم بسبب الوحل البغيض الذي يكسو الغرفة. وظلّت عيناها في حركةٍ دائبة.
«حسنًا، أرى أنّكِ لا تتقبّلين هذا جيّدًا. سأكون صريحًا. أنا الدهلي…»
«ماذا فعلتِ بي؟!» حدجت أستريد فيلنا بنظرةٍ غاضبة، ولمّا لم تُجب المرأة، اندفعت نحوها، لكنّها اضطرّت إلى التوقّف فجأةً حين تحرّك الهُلام الضخم ليحول بينهما. فلمسُ الهُلام سيكون فيه حتفها يقينًا كما لو خطت في الوحل الذي في الغرفة. «الجحور لا تتكلّم. الجحور وحوش، شياطين!»
«لقد ألقت عليكِ رُقيةً قصيرةً لتسمعيني. لم تطلبي منّي أن أتوقّف، فسأواصل الكلام. اسمي ترافيس. كلّ ما حولكِ هو أنا. أعدكِ أنّي لن أدعكِ تُؤذَين أو تُقتَلين هنا.»
وجدت أستريد أكثر المواضع راحةً لها لتجثم فيه من جديد، وهو الزاوية، وحدجت الهُلام بنظرةٍ غاضبة. «لقد قتلتَ آخرين هنا. أنت تكذب. الجحور ليست أناسًا.»
«أنا كذلك.»
«لا!» وعاد الهدوء من جديد. وأدركت أستريد الآن أنّ الصوت الذي سمعته لم يكن صوتًا على الإطلاق. وأخذت تستعيد الكلمات في رأسها مرّةً بعد مرّة. لقد قال ذلك الصوت إنّه لم يواصل الكلام إلّا لأنّها لم تطلب منه التوقّف. «ماذا تريد؟»
كان الانتظار قد جاوز عشر دقائق. ولاحظ ترافيس أنّ بعض كوبولداته الأحدث صاروا الآن على سور المدينة ومعهم البنادق. وكانت سحاليه تمنحه منظرًا هو في أمسّ الحاجة إليه للعالم خارج مدخله. «لماذا تهاجمون نورثريدج؟ ولماذا حاولتم استعباد دهليز الأموات الأحياء؟»
«نهاجم المدينة لأنّ موسم النموّ كان قصيرًا هذا العام، وجيشنا كان من الكِبر بحيث إنّنا إن لم نعُد، كان ذلك بمنزلة العودة بطعامٍ يكفي للنجاة من الشتاء.» كانت حقيقةً قاسية، لكنّ أستريد تقبّلتها كما يتقبّلها كلّ الجنود. فقد وُلدوا ليقاتلوا ويموتوا. «لدى دونّا أثرٌ من الكنيسة المقدّسة يُمكّنها من جعل الجحور دُماها. وكان يُفترض أن تجعل الدهليز يُرسل موجةً تلو موجةٍ من المقاتلين ليُعينوا على هدم السور مبكّرًا.»
«أنتِ تُخبرينني بهذا كلّه طوعًا. لماذا؟»
«لقد أسرتَني. عليّ أن أخدمك عامًا. هذه هي العادة.» ولم يكن على أستريد أن تُمعن في التفكير لترى أنّه إن لم يكن هو الجحر الذي تكلّمه، فهو على الأقلّ من يتحكّم فيه. «ما الذي ستأمرني به؟»
«إذًا يمكنني أن أُعفيكِ من تلك الخدمة؟ أيمكنني أن أفرض عليكِ قيودًا إن أطلقتُكِ؟»
كانت أستريد تتوقّع أن يُطوَّق عنقها بطوقٍ من الفولاذ وتُقيَّد بالسلاسل. غير أنّها لم تكن قد خطر لها أنّ آسريها سيتباحثون في إطلاقها. «سيقتضي شرفي أن أتّبع أمرك عامًا، وإن كنتُ لن أكذب على رفاقي الجنود. إن سألوني عن أمرك، فسأُخبرهم.»
كانت الأجوبة عن الأسئلة لا بأس بها، لكنّ أستريد أرادت أن تعرف شيئًا واحدًا. «هل مات قطيعي ميتةً حسنة؟»
«ماتوا جميعًا وهم يقاتلون، كما كدتِ أنتِ أن تموتي.» وكانت أجسادهم، مثل جسد أستريد، لا تزال محفوظة. «يمكنني أن أجعلهم يُعادون هم أيضًا إن أردتِ. فأنتِ لا تُثيرين المتاعب وتُجيبين…»
«لا!» فبالنسبة إلى أستريد، كان البعث نعمةً ونقمةً معًا، لكنّها كانت تعتقد أنّ رفاق قطيعها لن يرَوه كذلك. «لقد قاتلوا قتالًا حسنًا وماتوا ميتةً حسنة.»
«وأنتِ؟ أكنتِ تفضّلين لو تركناكِ ميّتة؟»
«ن…» لم تستطع أستريد أن تقولها. فحين سُئلت مباشرةً، اقتضى شرفها أن تصدق. «لا.»
«لم تكوني تريدين أن تموتي.» وكان غياب الإنكار كلّ ما يحتاجه ترافيس. «لستِ مضطرّةً إلى العودة. لن يعرف حلفاؤكِ أنّكِ متِّ ثمّ أُعدتِ إلى الحياة.»
وكتمت أستريد شعورها بأنّها تريد ذلك، وقدّمت غضبها إلى الواجهة. «أستحبسني هنا إلى الأبد؟»
«ما الذي تريدينه أنتِ؟»
أطبقت أستريد فمها بحدّةٍ لتمنع نفسها من قول ما تريده. ثمّ استطاعت أن تهمس: «كفّ عن الكلام معي.» ولمّا لم تأتِ أيّ ردود، انكفأت إلى داخل رأسها لتفكّر فيما تريده وفيما قد يعنيه ذلك لها.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.