Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 99
جلست نَفَس الربيع تتأمّل، وكفّاها مضغوطتان على قلب الدهليز. كانت الأمور تتقدّم بسرعةٍ جعلتها تريد، بل تحتاج، أن تُبطئ وتناجي بيتها. فبيتها، على خلاف ترافيس، لا يتكلّم مباشرة، وإنّما تأتيها منه مشاعرُ ونوازع، وعليها هي أن تفسّرها.
كان تفسير أيّ شيءٍ يريده بيتها عسيرًا قبل أن يُفتح له مدخلٌ جديد. أمّا الآن فلم يعد الأمر كذلك كثيرًا، لكنّها ما زالت تستمتع بقضاء الوقت مع بيتها. امتدّت أفكارها نحو البلّورة ودفعت فيها الكلمات، غير أنّ نَفَس الربيع لم يكن يرتدّ إليها إلّا المشاعر. «أتحبّه؟» فجاءها الجواب لمسةً خفيفة من الحيرة. «ترافيس. دهليز التنّين.»
كان فيض السعادة المتحمّس أشدّ إيجابيةً من أيّ شيءٍ أحسّت به نَفَس الربيع من بيتها قبلًا. جاش في موجةٍ عظيمة والتفّ حولها حتّى صارت تضحك معه.
لم تُرِد أن تُفسد عليه فرحته، لكن كان ثمّة ما يجب بحثه. «إنّهم يأخذون أرانبنا.» توقّعت أن ينزعج بيتها، لكنّ كلّ ما نالته شعورٌ بالإقرار. «إنّهم يقتلونها!»
وللمرّة الأولى منذ أن صنع الدهليز زعيمته، استعمل صوته الآمر ليدفع فيها فكرة. كانت شيئًا راسخًا في صميم الدهليز وفي صميم العالم ذاته حتّى إنّه كاد يأسف لاضطراره إلى ذلك. ولمّا فرغ من أن يُري نَفَس الربيع معنى الطبيعة، أراد أن يبكي معها.
انحدرت الدموع على وجنتي نَفَس الربيع. مالت نحو القلب وأسندت خدّها إليه، تاركةً دفء بيتها يتخلّلها. وبعد دقائق أخرى من الجلوس هناك، تبكي على كلّ ذلك الموت الجاري في عالم الحيوان، أطلقت نَفَس الربيع تنهيدة. «لا يلزمني أن يعجبني ذلك.»
فجلست نَفَس الربيع تنتظر، وتركت عقلها يقلّب هذه المعرفة الجديدة بالعالم. من العشب إلى الأرانب إلى الكائنات، كلّ شيءٍ وُلد ليأكل ويُؤكل. إلّا مخلوقات الدهاليز. حسنًا، معظم مخلوقات الدهاليز، ومخلوقات بيتها لا تحتاج إلى الأكل لتبقى، لكنّها مع ذلك تأكل العشب ونحوه. «لكنّهم يستطيعون التفكير.»
ولمّا لم يقدّم بيتها سوى الدفء، أمعنت نَفَس الربيع التفكير. كلّ شيءٍ يحتاج إلى الطعام. والبشر والجنّ والأقزام وسائر الأجناس يستطيعون التفكير بصفاءٍ أكثر من الأرانب والخراف العنكبوتيّة. «يستطيعون التفكير، لكن ليس بقدر غيرهم. كلّ الغرباء يحتاجون إلى الطعام وإلى ما يُبقيهم دافئين، أليس كذلك؟»
أطلقت نَفَس الربيع تنهيدة ونهضت. «أظنّ أنّ اتّفاقنا مع ترافيس في مصلحتنا أكثر ممّا ينبغي. إنّه يتلطّف بمساعدتنا على الحصول على مزيدٍ من الطعام. لا بأس عندي بذلك، وإن كان على الأرجح يريد منّا الكثير بالقليل.»
ولمّا أصدر بيتها صوتًا لا يُلزم نفسه بشيء، كأنّه راضٍ بمجرّد إعطاء الأرانب لترافيس، ضربت نَفَس الربيع الأرض بقدمها. «لا. كنتُ أتحدّث إلى لودي، فأخبرتني أن أتحدّث إلى ستيف، وقال إنّ على ترافيس أن يدفع ثمن كلّ أرنب.»
وبينما كانت تنتظر أن تشعر بردّ بيتها، أدركت نَفَس الربيع أنّ الكوبولد في دهليز ترافيس كانوا يحاولون مساعدتها ومساعدة بيتها إلى أن يتدبّرا أمورهما بنفسيهما. كان ذلك مفاجئًا بعض الشيء، لكنّه أعجبها أن يكون أوّل من التقتهم من الناس لطفاء.
ولمّا منحها بيتها أخيرًا ما يعادل هزّة كتفين، ارتمت نَفَس الربيع على الأرض. «أحتاج إلى صديق! عليك أن تصنع أحدًا آخر على الأقلّ يستطيع الكلام هنا. أرجوك؟»
تحرّك الدهليز من حول نَفَس الربيع. ارتجف بيتها، ثمّ نادى صوت: «مرحبًا؟ أثمّة أحد هنا؟»
اعتدلت نَفَس الربيع جالسةً، ثمّ قفزت على قدميها وغادرت الحجرة الصغيرة التي يقبع فيها القلب وتلفّتت حولها. وأذهلها ما رأت. كانت تقف على مقربةٍ امرأةٌ طويلة، بل هائلة قياسًا إلى نَفَس الربيع، نصفها فرسٌ ونصفها جنّيّة. غطّى جسدَها الفرسيَّ شعرٌ أسود امتزج بعُرفٍ داكنٍ مثله ينسدل من رأسها. ولمّا التقت أعينهما، خبّ المخلوق الجديد إلى حيث وقفت، وخفض قائمتيه الأماميّتين وجثا على ركبته أمامها. «امم، مرحبًا. من أنتِ؟» سألت نَفَس الربيع.
«لا أدري! مهلًا، أظنّ أنّ اسمي قد يكون الصيّادة. أيبدو هذا صحيحًا؟» سألت الصيّادة. كان عقلها، وهو لم يتجاوز عمره دقيقة، لا يزال يستكشف جسدها وما حولها. غير أنّ ثمّة أمرين كانت واثقةً منهما: أنّ المخلوقة الصغيرة أمامها مهمّة، وأنّ البلّورة الضخمة خلفها مدهشة. «ما أنا؟»
«اسمي نَفَس الربيع. لا أعرف ما أنتِ أيضًا، لكنّي أعرف من سيعرف! ستحبّينها، أعدك.» وأشارت نَفَس الربيع إلى الدرج الصاعد وتقدّمت الطريق. كانت تفور حماسةً حين بلغتا الطابق الأوّل. لم تقل الصيّادة شيئًا، لكنّ نَفَس الربيع لاحظت أنّ أذنيها تبدوان كأنّهما على محاور تدور، وأنّها تتطلّع إلى كلّ شيءٍ فاغرةً فاها دهشة.
وبينما كانتا تعبران الطابق الأوّل من بيتهما، ابتهجت الصيّادة لرؤيته بهذه السعة. كان كلّ طابقٍ كهفًا مفتوحًا هائلًا، يملؤه العشب والشجيرات التي تقتات عليها الحيوانات الكثيرة. وأخذت راحتاها تحكّانها لتسحب قوسها (كانت تعرف الكلمة، لكنّها لم تعرف كيف عرفتها) وتطارد تلك الحيوانات. ولمّا لمحت جماعةً من كائناتٍ معدنيّة تحمل أسلحةً طويلة بثّت فيها الرعب، سحبت قوسها. «اهربي يا نَفَس، سأحميكِ!»
ولمّا أصاب السهم ظهر تيموثي ديفين المدرّع وارتدّ عنه، استدار وهو يرفع بندقيّته. لمح القنطور على الفور وكان على وشك أن يُطلق النار حين أوقفه صوت.
«لا! لا تؤذِها! لا تؤذِه!» لم تصرخ نَفَس الربيع بهذه الشدّة في حياتها، وهي حياةٌ ليست طويلة، لكنّها كانت مع ذلك أولى كبيرةً بالنسبة إليها. «تيم، أرجوك لا تُطلق النار عليها. بيتنا صنعها للتوّ وهي لا تعرف أنّك... أيّتها الصيّادة! ضعي قوسكِ جانبًا الآن!»
ربّما بدأت عيناه مسمّرتين على القنطور، لكنّ تيموثي سحب إصبعه عن الزناد ووجّه البندقيّة أوّلًا إلى الجانب، ثمّ أنزلها كلّيًّا. «تراجعوا جميعًا.» فعل الأمر فعله السحريّ، وأنزل الحرّاس خلفه بنادقهم كذلك. «امضوا جميعًا أمامي، عليّ أن أتحدّث مع نَفَس الربيع.»
وقوس القنطور لا يزال مصوّبًا نحوه، علّق تيم بندقيّته على ظهره بحزامها، ثمّ قرفص. «آسف يا نَفَس، أُفاجأ قليلًا حين يصيبني سهم.»
مشت نَفَس الربيع نحو تيموثي، ووضعت نفسها بحزمٍ أمامه وهي تستدير لتنظر إلى الصيّادة. «أنزلي قوسكِ. نحن دهليزٌ مسالم، وهذا الرجل يساعد على حمايتنا.»
أنزلت الصيّادة قوسها ببطء، وأرخت الوتر حتّى استطاعت نزع سهمها، ثمّ أمالت رأسها قليلًا. «لا أفهم. من هؤلاء؟»
«هذا تيم. تيم، هذه الصيّادة. صنعها بيتنا قبل قليلٍ فقط. أتعرف ما هي؟» سألت نَفَس الربيع.
بعد أن تعامل تيموثي مع نَفَس الربيع أسبوعًا حتّى الآن، كان قد اعتاد أن تكون ثمّة امرأةٌ واحدة على الأقلّ تزدري الثياب. أمّا الصيّادة فكانت أمرًا أبعد من ذلك بمراتب. وكان أيسر بكثير ألّا يتشتّت انتباهه إذا نظر إلى الأسفل. «أيّتها الصيّادة، آسف إن كنتُ قد أثرتُ ذعركِ. أنتِ قنطور.»
«قنطور؟» وقد ازدادت الصيّادة استرخاءً الآن إذ أدركت أنّ البشريّ لن يسحب سلاحه ثانيةً، اقتربت قليلًا. «أتأتي إلى هنا كثيرًا؟» ونظرت إلى نَفَس الربيع. «أتدعين المغامرين يدخلون إلى هنا كثيرًا؟»
«إنّهم يحموننا، حقًّا!» كانت نَفَس الربيع في موقف الدفاع. «عليكِ أن تفهمي ما يجري هناك في الخارج. كانوا سيجتاحون الحصن ويستولون على بيتنا!»
«‹هم›؟» سألت الصيّادة.
«صحيح. لن تعرفي شيئًا عن الحصار. تعالي إلى الخارج وسأريكِ. لكِ كلمتي أنّكِ لن تُؤذَي.» نهض تيموثي واستدار، متّجهًا نحو مخرج الدهليز المؤدّي إلى الحصن.
نظرت الصيّادة إلى نَفَس الربيع، ولم تكن متأكّدةً ممّا تفعل. كانت الأمور أعقد ممّا حلمت به قطّ. وما أذهلها أكثر من أن تُرحّب زعيمة بيتها بالمغامرين هو أنّه لم يكن ثمّة أيّ إحساسٍ بالخطر ينبعث من بيتهما على الإطلاق. ولكن حين خطت خارج بيتها، لم يستطع حتّى حضور زعيمة بيتها أن يمحو رائحة الهول في الهواء.
صدمت الصيّادةَ رائحةُ ما يزيد على ألف جنديّ ظلّوا يأكلون ويتنفّسون ويتغوّطون ويموتون حول مدخل الدهليز. ضاقت عيناها المشقوقتان حتّى صارتا خطّين باهتين، ولم تُرِد شيئًا أكثر من أن تركض عائدةً إلى بيتها، وتوصد الباب الكبير، وتختبئ من ذلك كلّه. «ما هذا؟»
«هذا حصار. إنّهم يحاولون قتلنا والاستيلاء على بيتكِ منذ أسابيع. وبفضل نَفَس الربيع وبيتكِ، تصلنا تعزيزاتٌ منتظمة من البلدة لنصمد. آه، وما كان ذلك ليتأتّى لولا لودي.» ومضى تيموثي نحو المنحدر الصاعد إلى الشُّرَف، ثمّ توقّف حين بلغ أسفله. «إن أردتِ أن تري ما نواجهه، فأنتِ مرحّبٌ بكِ لتنظري من هنا. لكن عليكِ أن تُبقي رأسكِ منخفضًا، فقد ظلّوا يُخفون عرّاداتٍ صغيرة بين صفوفهم.»
صعدت الصيّادة المنحدر صامتةً خلف البشريّ، تخشى ما ستراه في أعلاه. ولكن حين بلغته، أدركت أنّ الحقيقة أسوأ ممّا كان يمكن أن تتخيّل. كانوا محاصرين. كان الناس في كلّ مكان. مئات الوجوه الغاضبة تلتفت نحوها.
«أيّتها الصيّادة»، قالت نَفَس الربيع وهي تأتي إلى جانب رفيقتها الأحدث، «نحن في أمانٍ هنا. لديهم من الموارد ما يكفي للصمود.» ولمست إحدى قوائم القنطور بيدها، إذ احتاجت أن تلامس صديقتها الأحدث لتطمئنها.
«كيف؟ نحن محاصرون.»
«انزلي معي وسأريكِ.» ومدّت نَفَس الربيع يدها لتمسك بيد الصيّادة قبل أن تدرك أنّها لا تطالها. فتنهّدت، وعلى شفتيها ابتسامةٌ صغيرة، وأومأت نحو المدخل المحصّن لدهليزهما. «لهذا نسمح لهم بالدخول إلى بيتنا والخروج منه.»
ولأنّ الصيّادة لم تكن تريد شيئًا أكثر من أن تخلّف هول الحصار وراءها، تبعت نَفَس الربيع طوال الطريق عائدةً إلى داخل دهليزهما. وانزاح ثقل الكرب والرهبة عن كتفيها بعض الشيء حالما صارت في الداخل. «كيف يستطيعون الوقوف على تلك الأسوار والقتال؟»
وأوضحت نَفَس الربيع وهي تمشي وتتكلّم: «يفعلون ذلك لأنّهم يعلمون أنّ وراء ظهورهم مدينةً ودهليزين. إنّهم سورٌ في وجه كلّ ما في الخارج بقدر ما السور نفسه سور. ها قد وصلنا، المدخل الآخر.» وأشارت نَفَس الربيع إلى مدخل دهليزٍ آخر، ومشت نحوه. «لا تسحبي قوسكِ هناك. مهما رأيتِ، فكلّهم أصدقاء.»
أنزلت الصيّادة قوسها بحذرٍ وبأقلّ ما استطاعت من إيحاءٍ بالتهديد، ثمّ ناولته لنَفَس الربيع. «الأفضل أن تحملي هذا أنتِ. لا أريد أن أوقع بيتنا في مشكلة.»
أخذت نَفَس الربيع القوس وهي تبذل وسعها كي لا تضحك، وتقدّمت الطريق. «هذه نورثريدج. إنّها مدينة. ومدخل الدهليز ذاك هو ترافيس. إنّه دهليزٌ لطيف.» ورفعت نَفَس الربيع بصرها إلى الصيّادة، فأدركت أنّه من حسن الحظّ أنّ القوس معها. «لا بأس يا صيّادة. ترافيس دهليزٌ لطيف مليءٌ بكوبولد لطفاء و... مرحبًا يا بِن!»
ما أرعب الصيّادة أنّ التنّينة كانت أطول منها، والصيّادة نفسها كانت أضخم شيءٍ تعرفه. مخالب، وسيوف، ودرع، وابتسامة. كانت آخر ما توقّعت أن تراه على وجه زعيمة دهليزٍ آخر. «ب-ب-بِن؟»
«أهلًا يا نَفَس الربيع. أعندكم في دهليزكم قنطور؟ إنّهم زعماء طوابق في دهاليز الحيوانات المُخضرّة، أليس كذلك؟» أرغمت بينيلوبي ابتسامتها على ألّا تكشف أسنانها. فعلى خلاف أنياب الكوبولد الصغيرة حتّى، كان لديها طقمٌ ضارٍ من أدوات الفم القاطعة. «أين أدبي؟ مرحبًا، أنا بينيلوبي، لكن أرجوكِ، ناديني بِن. أتودّين الدخول لتشربي شيئًا؟»
كان ينبغي، في تقدير الصيّادة، أن يكون وجودها في دهليزٍ آخر مرعبًا. كان غريبًا مقارنةً ببيتها، حيث المساحات المفتوحة الكبيرة للعدو، وأنواعٌ كثيرة مختلفة من الحيوانات في كلّ مكان. أمّا هنا فكان ثمّة كوبولد، وتنّينة، وسحالٍ. سحالٍ كثيرة، كثيرة جدًّا.
«كيف تتدبّرون ألّا تدوسوها؟» سألت الصيّادة.
«إنّها تبتعد عن طريقك.» جلست فايف إلى طاولة الحانة في الطابق الثاني، وهبطت على مقعدها المفضّل فجعلت معدنه يئنّ قليلًا وهو يحمل ثقلها. «الأمر ليس بهذا السوء هنا، لكن في الطابق الأسفل، أو حول غرفة زعيمة وايلد، تكون متكاثفةً على الأرض.»
«تشبه قليلًا أرانبنا حين...» وضعت امرأةٌ بشريّة أمام الصيّادة وعاءً من اليخنة فاحت منه رائحةٌ رائعة. نظرت إلى الملعقة المعدنيّة بجانبه والتقطتها. «ما الذي في هذا؟»
«على قدر ما أستطيع أن أحكم، كثيرٌ من الفطر»، قالت فايف. «أليس كذلك يا غرايس؟»
«كلّه يأتي من مخزن الطعام لدى ترافيس، وأظنّ أنّ ذلك كلّه من الفطر.» ووزّعت وعاءً على فايف، ووعاءً لكلٍّ من نَفَس الربيع ولودميلر، ثمّ أومأت إليهنّ جميعًا وعادت إلى المطبخ.
تشمّمت الصيّادة الوعاء، ثمّ هزّت كتفيها وبدأت تأكل الوجبة. كان للطعام مذاقٌ رائع، لكنّها، بالنظر إلى معرفتها المحدودة بالطعام، لم تُفاجأ بأنّه طيّبٌ إلى هذا الحدّ. «آسفة لأنّي أردتُ أن أرمي الجميع بقوسي.»
شخرت فايف. «بحسب ما قالته لودي، الأمر مفهوم. واسمعي، أعني، إن أردتِ شيئًا من التمرّن على الرماية، فأنا فتاتكِ.»
حدّقت الصيّادة في فايف، محاولةً أن تفهم الكلمات التي استعملتها على وجهٍ لا يعني أنّ الكوبولد تريد أن تُرمى، وأخفقت. «تريدين أن أرميكِ بقوسي؟»
«حسنًا، بالسهام، لكن نعم. ليس لدينا أحدٌ يستعمل القوس، بنادق فقط. اسمعي، أتريدين بندقيّة؟ لدينا بعض البنادق الفولاذيّة، أو يمكنني أن أجعل أحدًا يصنع لكِ واحدةً من الميثريل.» ونقرت فايف ذقنها (وهو ما استدرّ أصوات قعقعةٍ معدنيّة)، ثمّ ابتسمت بمكر. «أو يمكنني أن أجعل أحدًا يصنع لي بندقيّةً من الأدامانتين، وتأخذين أنتِ بندقيّتي القديمة من الميثريل.»
«ما البندقيّة؟»
مدّت فايف يدها خلف ظهرها وأخرجت واحدةً من حفنة البنادق الفولاذيّة التي تكون في المخزن في أيّ وقت، ووضعتها على الطاولة. «والآن، هي لا تستطيع أن تُطلق بسرعة القوس، وعليكِ أن تُبقيها نظيفةً وجافّة، لكن ثمّة سببٌ يجعلني لا أمانع أن ترميني بقوسكِ لا بواحدةٍ من هذه.»
التقطت الصيّادة السلاح، فأدهشها وزنه. «إنّها ثقيلة.» لا أنّ الوزن كان مشكلةً بالنسبة إليها. «أين تذهب السهام؟»
«شرح تراف لماذا هي أسوأ من السهم، أو قرأتُ كتابًا عنه وهو يتذكّر تعلّمه ذلك.» وأخرجت فايف رصاصةً حديديّة مستديرة ووضعتها على الطاولة. «الطلقة أخفّ من السهم، وأثخن قليلًا من رأس السهم، لكنّها تنطلق أسرع من السهم بكثير. تراف، كم مرّةً كانت أسرع؟» وتوقّفت فايف في انتظار الردّ، وأخذت جرعةً من شرابها. «يقول إنّها أسرع بعشر مرّات. وهذا يعني أنّ وراء نصف الوزن عشرة أضعاف الطاقة.»
ولمّا نظرت إليها الصيّادة بتعبيرٍ حائر، أوضحت فايف: «إنّها تضرب بطلقةٍ واحدة أشدّ ممّا يمكنكِ أن تضعيه وراء خمسة سهام.»
«فكيف أُوتّرها؟ هل أُوتّرها أصلًا؟» وبينما كانت الصيّادة تتفحّص السلاح، استعانت بالغريزة ورفعته إلى كتفها، مصوّبةً على امتداد السبطانة.
«لا بدّ من ذلك، نعم، وكما قلتُ، يستغرق تجهيز طلقتكِ وقتًا أطول.» وأخرجت فايف بندقيّةً ثانية، ورفعتها وبيّنت كيف تُحشى. «فتضعين مقدارًا ضئيلًا من البارود هنا في الخلف، وتضعين بقيّة المقدار المُعدّ سلفًا من لفافة الورق الصغيرة هذه. ثمّ يدخل شيءٌ من الورق، والطلقة بعد ذلك.» وبينما كانت تتكلّم، كانت فايف تبيّن حشو بندقيّتها.
«وهذا كلّ شيء؟» سألت الصيّادة.
أخرجت فايف مقدارًا آخر من البارود، ونثرته على امتداد الطاولة، ثمّ أخرجت قدّاحتها الكيميائيّة. وما إن لمست بالنار الصغيرة الفوّارة البارود حتّى احترق خطًّا سريعًا عبر الطاولة. «الحيلة في هذا الشيء أنّه يحترق هكذا، لكن إن أشعلتِه في مكانٍ مغلق، كطرف تلك السبطانة، ينفجر كلّه دفعةً واحدة في دويٍّ كبير.» ونهضت فايف وأومأت نحو الباب. «هيّا، لنذهب ونستمتع قليلًا بهذه.»
راقبت الصيّادة الكوبولد وهي تتحرّك، والسبطانة موجّهةٌ دائمًا إلى الأعلى، فحملت بندقيّتها كذلك، إذ رأت أنّها إن كانت تستطيع أن تُخرج الكرة الصغيرة أسرع من السهم بعشر مرّات، فعليها أن تحذر ألّا توجّهها إلى أيّ شيءٍ لا تريد أن تستقرّ فيه تلك الكرة.
وحين غادرت الدهليز، عادت تعي كلّ الكائنات في البلدة، ثمّ، حين قادتها فايف إلى أعلى السور، تلك الأجساد الغاضبة الكثيرة وراء أسوار المدينة. عندئذٍ أدركت ما ستكون أهدافهما. «أوه.»
«لا تتحرّجي من إطلاق النار عليهم. إنّهم هنا ليقتلونا ويقتلوا كلّ من هنا.» ولمّا بلغت فايف فُرَج السور، استندت إلى الفجوة بين شُرَف السور وأراحت ثقلها على الصخر. «مرحبًا يا نورثريدج، جئنا لنقدّم شيئًا من الدعم.»
لم تستطع الكوبولد ولا القنطور أن تشعرا بذلك، لكنّ مدينة نورثريدج سمعت الكلمات وقدّرتها.
«ثمّ إنّ هذا يكسبني أنا وتراف نقاط خبرة. وهذا مهمٌّ لنوعه من الدهاليز، أو هكذا يقول. المزيد من نقاط الخبرة يعني أنّه يكبر أسرع، وأنّي أنال مزيدًا من المستويات في الدرع. هذا شيءٌ مميّز صنعه لأجلي. ربّما ينال دهليزكِ شيئًا مثله أيضًا. حسنًا»، وصوّبت فايف على كومةٍ غريبة بعيدةٍ في الأفق، «لا يعجبني منظر هذا العدد الكبير من الناس غير المدرّعين يتسكّعون هكذا. هذا يعني في العادة أنّهم يدبّرون شيئًا. لنرَ إن كنّا لا نستطيع أن نخيفهم ونبعدهم عمّا يفعلونه.»
قلّدت الصيّادة وقفة فايف، وإن كانت قد استندت فوق شُرفة السور لا بجانبها، ووجّهت انتباهها إلى ما كانت فايف تنظر إليه. «يبدو أنّهم كانوا يحفرون. التراب يغطّيهم، وأحدهم يبدو كأنّ الغبار يكسوه.»
أراحت فايف بندقيّتها، ورفعت يدًا تظلّل بها عينيها وضيّقتهما ناظرةً إلى البعيد. «همم. الآن وقد ذكرتِ ذلك، معهم معاول ومجارف. قد نضطرّ إلى تأجيل درس الرماية، أظنّ أنّ هذا مهمّ.»
تبعت الصيّادة فايف على امتداد السور، ثمّ نزلت منحدرًا إلى الأرض ودخلت مبنًى كبيرًا. كان المكان مبنيًّا على غرار الحانة في الدهليز الذي غادرته قبل قليل، لكن بمساحةٍ أوسع بكثير، وبكثيرٍ من غير الكوبولد. ساد الصمت الغرفة حين دخلتا، وشعرت كأنّ كلّ العيون عليها. «هل من خطب؟»
«ليسوا معتادين على فتاةٍ لا تمانع أن تستعرض نفسها، هذا كلّ ما في الأمر.» وتقدّمت فايف الطريق إلى طاولة برولي، وتساءلت لحظةً كيف تصرف انتباهه عن القنطور العارية الصدر. فرفعت قبضتها وهوت بها على الطاولة بقوّة، فاصطدم الأدامانتين في حراشفها بالخشب اصطدامًا عنيفًا وجعل الأثاث يصرّ. «إنّهم يحفرون.»
«ماذا؟» انصرف انتباه برولي عن الصيّادة بفعل فايف التي بدت عدوانيّة. «من الذي يحفر؟»
تسلّقت فايف مقعدًا أكبر منها بقليل، وأعجبها كيف تذمّر الخشب من ثقلها هي ودرعها. «أصدقاؤنا في الخارج يحفرون. كنتُ أعلّم الصيّادة هنا كيف تُطلق النار، فلمحت جماعةً منهم يحملون أدوات حفرٍ ويخرجون من حفرة.»
جفل برولي من الصورة التي رسمها ذلك الوصف، وأطلق تنهيدة. «سيتعيّن علينا التعامل مع ذلك. سيحاولون تقويض السور.»
جفلت فايف. «أخبر تراف إن كان ثمّة ما نستطيع فعله. أنا واثقةٌ أنّ لودي تستطيع المساعدة بدسّ شيءٍ خبيثٍ هناك، أو يمكنني أن أطير من فوق و... السمّ!»
استغرق برولي لحظةً ليفهم ما تتحدّث عنه فايف. «تلك المادّة التي استعملتِها عند البوّابة؟»
«بالضبط. يقول روبرت إنّها ثقيلة وتهبط إلى الأسفل، ولهذا يستعملونها في الدهاليز. إن استطعتُ أن أُلقي واحدةً منها في المدخل، بعد أن يدخلوا ليحفروا، فعلى الأرجح لن يخرجوا ثانية.» ونقشت فايف خطّتها على الطاولة بطرف مخلب، وختمتها بـ«=XP» في آخرها. «لكن عليّ أوّلًا أن أجد وايفرن يستطيع حملي مع ترقياتي الجديدة.»
اتّسعت عينا برولي، وقد صار يلاحظ فايف أكثر الآن. «ليس هذا كلّه درعًا، أليس كذلك؟»
فكّت فايف واقي الساعد، وأظهرت حراشفها تحته ولمعانها المعدنيّ الكامد. «حصلتُ على هذا الشيء الرائع، أستطيع به أن آخذ درعًا ألبسه وأجعله يتشكّل من جديد ليصير جزءًا منّي. ثمّ ألبس درعًا آخر فوقه. آه، وهل أخبرتك؟ صار لدينا الآن عِرق الأدامانتين.»
مال برولي إلى الوراء في كرسيّه، وحدّق في الفراغ فوق رأس فايف. «حين نستطيع إعادة فتح التجارة، سنصير كلّنا أغنياء.»
«نحن أغنياء أصلًا. علينا أن نستعمل ذلك لنجعل هذا المكان أفضل مدينةٍ في المملكة، ومحصّنةً إلى حدٍّ لا يفكّر معه أحدٌ في فعل هذا ثانيةً أبدًا.» وأشارت فايف إلى الصورة التي رسمتها على الطاولة.
«لو استطعنا أن نختطف تانير من دهليزكم مدّةً، لأنا واثقٌ أنّنا سنصنع شيئًا مفرطًا على نحوٍ مذهل. أمّا حتّى ذلك الحين، فلنصمد إلى أن يسأم هؤلاء الشماليّون الموت ويرحلوا.» وسحب برولي لوحًا وبدأ يخربش عليه ملاحظات. «شكرًا يا فايف. إن استطعتم أن تتولّوا الأمر بأنفسكم، فافعلوا. وإلّا، أيمكنكِ أن تريني على هذه الخريطة من أين رأيتِهم يخرجون؟»
علّمت فايف الموضع من دون أن تمزّق الخريطة بمخالبها، ثمّ انزلقت عن مقعدها إلى الأرض مع قعقعةٍ من درعها وصريرٍ مرتاحٍ من الكرسيّ. «سأنزل بنفسي وأخبرك كيف تجري الأمور.»
وحالما صارتا كلتاهما خارج المبنى، سألت الصيّادة فايف: «لماذا كانوا جميعًا ينظرون إليّ؟»
«ليسوا ينظرون إليكِ أنتِ تحديدًا يا صيّادة. كانوا ينظرون إلى صدركِ. إنّه شأنٌ رجاليّ. حسنًا، شأن الرجال والفتيات اللواتي يحببن الفتيات.» وأطلقت فايف ضحكةً كالنباح. «يمكننا أن نذهب ونحضر لكِ قميصًا تلبسينه، إن شئتِ؟»
نظرت الصيّادة إلى صدرها لحظة، ثمّ رفعت بصرها وتلفّتت في أرجاء البلدة. كان ثمّة رجالٌ ونساءٌ يتجوّلون (وإن كانت بعض النساء ينظرن إليها)، لكنّها لاحظت أنّ أحدًا من الناس لم يكن عاري الصدر. «أوه.»
«هيّا، لنوصل هذا الخبر إلى تراف، ثمّ نتسوّق قليلًا. القميص الجلديّ الجيّد سيفيدكِ أيضًا حين تريدين أن تلبسي درعًا.» وأشارت فايف عائدةً نحو الطرف الجنوبيّ من البلدة، حيث تقع دهاليزهما.
لم يكن الطريق آمنًا. فالفارسة التي كانت تنطلق مبتعدةً عن المدينة المحاصرة، وقد أُرغمت على أن تسوق الخيول الثلاثة عبر مسالك الطرائد القديمة في الغابات، كانت قد عزمت على أن تركب كلّ حصانٍ حتّى يوشك على الإنهاك، لتبلغ المدينة التالية في أبكر وقتٍ ممكن.
ولم يكن الركوب في الغابات على غير هدى آمنًا كذلك، لكنّها كانت تسلك أقصر الطرق بين الفرسان الثلاثة الذين أرسلهم برولي، وكانت عازمةً على أن تكون أوّل من يصل. «هيّا. حافظ على هذه الوتيرة، وأعدك أن تستريح سنةً كاملة حين نصل إلى فار ريتش.» كانت إحدى يديها تقبض على اللجام بإحكام، والأخرى تمسح عنق حصانها، تتابع حاله كي لا تقتله قبل أن تبلغ وجهتها.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.